التلوث يهدد الإنجاب ويلاحق الأجنة في قابس التونسية

تتزايد التقارير في قابس التونسية عن أثر التلوث على فرص الإنجاب والخصوبة، بلا تدخل أو اعتراف رسمي.

Share
التلوث يهدد الإنجاب ويلاحق الأجنة في قابس التونسية
معاناة السكان خارج دوائر المعرفة الرسمية | خدمة غيتي للصور

يستيقظ سكان حي شطِّ السلام في قابس جنوب شرقي تونس كل صباح على هواءٍ مشبعٍ بانبعاثات المجمع الكيميائي التونسي. ومع هبوب الرياح، تنتشر روائح حادة تنبعث من المنشآت الصناعية المحيطة، فيما يخيّم على المكان ضبابٌ رمادي. فعلى مدى عقود، أصبح هذا المشهد جزءاً من الحياة اليومية للسكان الذين اعتادوا تنفّس هواء يثقل الصدر ويترك مذاقاً لاذعاً في الفم.

لا يقتصر حديث السكان في الحي الذي تلتصق بيوته بالمنطقة الصناعية، على فرص العمل وتحسين البنية التحتية استفادةً من عائدات المجمع الكيميائي، إنما يشمل الحديث عن التلوث الذي ربما يسبب أمراض التنفس والسرطان. فقد صار التلوث يتسلل خفيةً ليطفئ بذرة الحياة ذاتها مقوضاً القدرة على الإنجاب وفرص استمرار الحمل. ففي قابس، فشلت كثيرٌ من النساء في محاولات الحمل وتكررت حالات الإجهاض، وأصيب بعض الأجنة بالتشوهات بعد الولادة.

يظهر الأثر داخل المسار الطبي، ففي قابس لا تبدو مسارات علاج العقم والإجهاض خارجة عن العمليات الطبية المعتادة. إذ تُنجز الفحوصات الهرمونية والتصوير الطبي والتحاليل الدقيقة كاملةً. لكن، حسبما يقول بعض السكان، تُصنَّف الحالات التي لم تتعرف التحاليل فيها على أسباب عضوية أو وراثية ضمن قائمة "العقم غير المفسر".

وضمن هذا السياق الصحي والاجتماعي المثقل، يغيب إدراج العامل البيئي عن مسار التشخيص. إذ لا يخص أطباء المنطقة مرضاهم باختبارات تستوضح أثر التلوث المتزايد في موضع السكن على محاولات الحمل، مع وجود خطط ونُظم معتمدة في كثير من دول العالم لاستكشاف أثر التلوث على الخصوبة. ويؤدي هذا الغياب إلى ضعف في بناء سياسات وقائية تحدّ من الانبعاثات أو تقلل آثارها الصحية فتتكرر حالات الإجهاض في الأشهر الأولى لدى نساء يعشن قرب المجمع الكيميائي التونسي، بينما تُسجِّل كل منهن حالة واقعةً فردية معزولة. فيما يظل التلوث خارج نطاق التشخيص والاعتراف الرسمي، ويظل العبء الصحي المرتبط به أثراً غير مُدار.


عند الوصول إلى حي شطِّ السلام، لن يجد المرء لافتة تحذِّر من هواءٍ مثقلٍ بالتلوث، ولا إشعاراً يُخبر نساء المنطقة بأن ما يلفظه المجمع الكيميائي التونسي، الذي تأسس سنة 1972، قد يمتد أثره إلى خصوبتهن. وفي الوقت نفسه، تُعد الإحصاءات المحلية التي ترصد حالات الإجهاض، أو تقارن بين النساء المقيمات بجوار المجمع الكيميائي وأخريات يعشن بعيداً، غائبةً كأنها لم تُجمع يوماً. لكن ما لا تقوله الأرقام ترويه حكايات نساءٍ تتكرر، وملفات طبية تحمل علامات الاستفهام، وأطباء يلمِّحون بحذر لمرضاهم.

من بين صاحبات الحكايات، التقت الفراتس فاطمة، المقيمة على بعد عشرة أمتار من المجمع الكيميائي التونسي. حاولت فاطمة الإنجاب مرتين وانتهت الأولى بوفاة الجنين عند ولادته، وولدت في الثانية طفلةً تُعاني من مشاكل صحية وتشوهات ظاهرة. 

تحدثت لنا عن مشهد فقدان طفلها الأول بعد ولادته بعيوب خِلقية، واليوم تنظر إلى ابنتها الصغيرة ذات الأربع سنوات، وتجدها عاجزة عن المشي وتحتاج إلى حذاء اصطناعي. وتعود إلى تفاصيل تلك التجربة، لحظات الاستعداد لميلاد ابنتها وما حملته لها من مفاجآت. تقول فاطمة: "كنت متحمسة لاستقبال طفلتي، لكن الأمور لم تسر مثل ما توقعت [. . .] ففي الشهر الثامن من الحمل شعرت بتعبٍ شديد وصعوبة في التنفس. وعند الولادة انقطع عني الأكسجين، وكان الأمر مخيفاً. وبعد ثلاث ساعات وُلدت ابنتي، لكنها لم تكن بخير، واضطر الأطباء لإسعافها، لتبقى في المستشفى أسبوعاً كاملاً". 

عندما عادت فاطمة إلى المنزل، لم تكن الأمور أفضل. إذ سرعان ما لاحظت علاماتٍ تشير لمشكلات صحية في رضيعتها، ما دفعها لإجراء سلسلة من الفحوصات. وهناك لم تقتصر أسئلة الأطباء على الحالة الصحية، بل امتدت إلى مكان سكنها. وحسبما أخبرتنا، جاء جواب الأطباء صادماً، إذ اعتبروا أن ما مرت به من صعوبة الولادة والمشاكل الصحية للمولودة قد يكون بسبب نقص الأكسجين وتلوث الهواء. وأمام هذا الوضع لا تتمنى فاطمة سوى أن يغلق المجمع الكيميائي، وأن يجد المسؤولون حلاً يحميها وطفلتها من مصير لم يختاروه.

وفي حالة أخرى التقت الفراتس مع سامية، وهي تقيم في حيٍّ قريب من المنطقة الصناعية، التي تقول إنها عاشت سلسلة من محاولات الحمل التي انتهت كلها بإجهاضات متكررة في الأشهر الأولى. تضيف سامية أن الفحوصات الطبية لم تُظهر سبباً واضحاً لفشل الحمل، ما دفع الأطباء إلى تشخيص حالتها ضمن "العقم غير المفسَّر". غير أن أحد الأطباء، حسبما تورد، أسر إليها بإمكانية ارتباط عقمها بالبيئة التي تعيش فيها، دون أن يُدوِّن تلك الملاحظة في أي تقرير طبي رسمي.

وتتقاطع الشهادات التي نقلتها الفراتس مع تقارير صحفية تناولت الوضع البيئي والصحي في قابس. فمثلاً تقرير قناة الجزيرة الوثائقية القصير بعنوان "في قابس جنوب تونس [. . .]" الذي بُث أول مرة في أبريل 2023، يعرض من شهادات السكان التداخل بين التلوث الصناعي والحياة اليومية. وينقل عن السكان ما يعدونه تأثيراً لهذا التلوث على الصحة الإنجابية، إذ تُسجَّل حالات إجهاض متكرر وصعوبات في المنطقة.

إلى السياق ذاته يشير تقرير رويترز في أكتوبر 2025 بعنوان "وانس آن آيديل، تونيزيان بروتست هوتسبوت [. . .]" (في يوم كانت واحة هادئة، باتت قابس بؤرة احتجاج تونسية وكابوساً بيئياً). وينقل التقرير شهادات لأسر تعيش قرب المجمع الكيميائي، من بينها رِمال الحاجي التي تروي معاناة ابنتها مع تدهور صحي حاد وصعوبات في الحركة عقب نوبات اختناق. وتقدِّم هذه الشهادة، كما يبدو، صورة عن امتداد أثر الانبعاثات إلى الأطفال منذ السنوات الأولى للحياة، ضمن بيئة يختلط فيها المرض اليومي بالمعيش داخل الحزام الصناعي.

ويتجاوز هذا الأمر التجربة الفردية لأمهات فقدن أطفالهن أو حرمن الحمل نحو سؤال أوسع عن البنية الصحية والمعرفية التي تُحيط بالظاهرة. فمع تراكم شهادات النساء والسكان عموماً، يبدو أن الأوساط العلمية التونسية لا زالت تفتقر إلى أبحاثٍ تربط مباشرةً بين الملوثات الهوائية في المنطقة وتداعياتها على الصحة الإنجابية لسكانها. فالمقاربات العلمية المحلية تركز بالمقام الأول على الصورة الصحية الأوسع في قابس، بربط الانبعاثات بالأمراض التنفسية والسرطان. 

يتبين هذا مثلاً في دراسة سنة 2024 التي نفذتها الطبيبة المختصة في الأمراض الصدرية في المستشفى الجامعي بقابس حميدة القواس، بمشاركة باحثين طبيين آخرين، بعنوان "امباكت أوف أوتدوور بولوتنانتس إكسبوجر [. . .]" (أثر التعرّض لملوثات الهواء الخارجي في قابس التونسية). وقد عُملت الدراسة على مرضى الالتهاب الرئوي الحاد في قابس، وخلصت إلى حضور مرتفع للجسيمات الدقيقة العالقة في الهواء في المنطقة، مرجحةً أنها من أسباب زيادة حالات الالتهاب الرئوي ومضاعفته لدى هؤلاء المرضى. ورصدت الدراسة كذلك وجود غازات ملوثة، من بينها ثاني أكسيد الكبريت، المنبعث من الأنشطة الصناعية وعوادم المركبات، الذي يسبب تهيج الرئتين والمسالك الهوائية.

في المقابل هناك دراسات دولية تجاوزت في تقصيها تأثير هذه الملوثات على الجهاز التنفسي أو حالات السرطان، لتفصل في العلاقة بين التلوث والصحة الإنجابية. منها الدراسة العلمية بعنوان "دوز إير بولوشن بلاي أ رول إن إنفيرتيليتي؟" (هل لتلوث الهواء دورٌ في العقم؟) التي أعدَّها فريق طبي فرنسي متخصص في علاج العقم والخصوبة والإنجاب المساعد سنة 2017. وخلصت إلى أن التعرض المزمن لملوثات الهواء، خصوصاً الجسيمات الدقيقة وثاني أكسيد الكبريت وأكاسيد النيتروجين، قد يؤثر في الصحة الإنجابية بعدة آليات متداخلة.

بعض هذه الملوثات، وفقاً للدراسة، يعمل معطلاً للغدد الصماء وهو ما يخل بتوازن هرمونات التكاثر، بينما يؤدي بعضها الآخر إلى زيادة الإجهاد التأكسدي بإنتاج الجذور الحرة القادرة على إتلاف الخلايا والبروتينات والحمض النووي. ويمكن أن تتسبب هذه الملوثات في تغييرات وراثية وفوق وراثية تؤثر في عمل الخلايا التناسلية.

وتربط الدراسة أيضاً التعرض لتلوث الهواء بانخفاض جودة الحيوانات المنوية وحركتها، وارتفاع معدلات التشوهات وتلف الحمض النووي فيها. وتؤثر على النساء باضطرابات في وظائف المبيض والدورة الشهرية وتراجع الخصوبة. بالإضافة إلى انخفاض فرص الحمل وارتفاع مخاطر الإجهاض المبكر وبعض مضاعفات الحمل عند الفئات الأكثر تعرضاً للتلوث.

وارتباطاً بتأثير هذه الملوثات على الخصوبة، بدأت أبحاث الطب التناسلي وعلم الوبائيات البيئية في العقد الأخير ترسم صورة أوضح للعلاقة بين تلوث الهواء واضطرابات الإنجاب. ففي سنة 2021، نشر باحثون طبيون في برشلونة دراسة بعنوان "دي إيفكت أوف شورت تيرم إكسبوجر [. . .]" (أثر التعرّض قصير المدى لتلوّث الهواء الخارجي على الخصوبة)، تابعوا فيها 194 امرأة لُقِّحن صناعياً، وقيَّموا مستويات تعرضهن لملوثات هوائية دقيقة في الفترة الحساسة المحيطة بنقل الأجنة. وأظهرت النتائج أن ارتفاع التعرض للجسيمات الدقيقة ارتبط بانخفاض فرص الحمل الناجح وارتفاع احتمالات الإجهاض أو فشل انغراس الجنين.

ولم تكن هذه النتائج معزولة، إذ توصل تحليل في مدينة بيرث الأسترالية وشمل آلاف عمليات نقل الأجنة المجمدة على مدى ثماني سنوات إلى أن النساء اللواتي تعرضن لمستويات أعلى من التلوث قبل سحب البويضات انخفضت لديهن فرص الولادة الحية بنحو 38 بالمئة مقارنة بالأقل تعرضاً. وهو ما دعمته دراسة علمية أسترالية أخرى نُشرت سنة 2025 بإشراف أخصائي الخصوبة وأمراض النساء سيباستيان ليثكسيش. وقد أشارت إلى أن الجسيمات الدقيقة يمكن أن تنتقل من مجرى الدم لتصل إلى المبايض والمشيمة، وأن التعرض لها يرتبط بانخفاض معدلات الخصوبة الطبيعية والمساعدة، وارتفاع مخاطر الإجهاض، وتؤثر على جودة البويضات والأجنة ووظائفها.

هذه المعطيات يؤكدها المتخصص البيئي حمدي حشاد للفراتس. ويرى أن الملوثات الهوائية في قابس ناتجة عن صناعات تحويل الفوسفات الكيميائية. وتشمل هذه الانبعاثات المُلوثة ثاني أكسيد الكبريت وأكاسيد الآزوت والغازات الحمضية، إضافة إلى الجسيمات الدقيقة المحمَّلة بكبريتات وفلوريدات وأحياناً بالمعادن الثقيلة. وتكمن خطورة هذه الجسيمات، بحسب حشاد، في تركيبها الكيميائي. إذ يُحدد الحجم مدى قدرتها على اختراق الجهاز التنفسي والوصول إلى أعماق الرئتين، بينما يحدد التركيب الكيميائي درجة سُميّتَها. 

ويتجاوز أثر هذه الجسيمات على الجهاز التنفسي، وفق حشاد، ليمتد إلى القلب والأوعية الدموية والجهاز العصبي، مع زيادة احتمالات الولادة المبكرة، وانخفاض وزن المواليد، واضطرابات الخصوبة.

يؤكد أحمد سوقي، أخصائي أمراض النساء والتوليد ويملك عيادة خاصة في العاصمة تونس للفراتس، أن التلوث والتغيرات البيئية عامة تؤثر على الصحة الإنجابية للنساء. ويعتبر سوقي أن هذا التأثير يُمكن ملاحظته بانخفاض جودة البويضات وصعوبة تلقيحها، وتغير مستويات هرمونات الخصوبة خصوصاً لدى النساء اللواتي يعشن بالقرب من مصادر التلوث الصناعي. ويشير سوقي إلى غياب دراسات تونسية تربط بين التعرض المزمن لملوثات الهواء ومشاكل الخصوبة. وعلى أن هذه المعطيات لا تثبت علاقة سببية قاطعة في كل حالة فإنها، بحسب المتحدث، تؤكد الحاجة إلى مزيد من الأبحاث الطبية ومتابعة صحية منتظمة للسكان في المناطق الأكثر تعرضاً للتلوث.

وهذه المظاهر هي ما يرصده بعض أطباء قابس يومياً في الممارسة الطبية. تقول للفراتس م.س، وهي طبيبة مختصة في أمراض النساء والتوليد، مفضلة عدم كشف اسمها بسبب حساسية الموضوع، إنها عاينت حالات من الإجهاض متكررة لدى نساء المنطقة، مؤكدةً أن التعرض المستمر للجسيمات الدقيقة والملوثات الكيميائية تُؤدي إلى ظهور علامات التوتر التأكسدي في الدم أو الأنسجة التناسلية، ما يؤثر بالدرجة الأولى على الجنين. 

تضيف الطبيبة أنها لا تستطيع تضمين هذه المؤشرات في تقارير طبية رسمية، جزئياً خشية تعرضها للمساءلة، بسبب ما تعده مناخاً متوتراً وقد يعرِّضها لعواقب مهنية أو قانونية. وهكذا تبقى بعض الملاحظات الطبية حبيسة المشافهة، فلا تتحول إلى معطيات قابلة للتوثيق أو البناء عليها في السياسات الصحية.

في الاتجاه نفسه، تقول منى بوعلي، الناشطة البيئية، للفراتس إن "الأطباء في قابس يتملكهم الخوف [. . .] ولا أحد يريد تزويدنا بالإثباتات التي تمكننا من فهم تكرر حالات الإجهاض والتشوهات". وتردف أن حالات كثيرة توجهت إلى محافظة المنستير لتلقي العلاج هناك، ومع ذلك يُرفض تسجيل هذه المعطيات في الملفات الطبية. ويبقى ذلك في غياب بيانات رسمية دقيقة عن عدد الولادات السنوية أو معدلات الخصوبة في قابس.

ولا ينفصل هذا التحفظ الطبي عن سياق أوسع من التوتر المحيط بملف التلوث، يمتد إلى الفضاء العام فيها. فقد شهدت قابس في السنوات الماضية احتجاجات متكررة ضد الانبعاثات الصناعية، بدأت أولها سنة 2012، لتتجدد على فترات متعاقبة بالذات في 2017 و2021 و2022. ثم بلغت ذروتها مجدداً في سنة 2025 مع مسيرات واسعة وإضراب عام احتجاجاً على استمرار الانبعاثات الملوثة. وقد اعتُقلَ عدد من الناشطين وسكان حي شطِّ السلام على خلفية هذه الاحتجاجات. وفي المقابل، صدرت أحكام غيابية بحق آخرين، من بينهم الناشط خير الدين دبية بتهمة "تعطيل حرية العمل"، إثر اعتصام سلمي نفَّذه أمام المجمع الكيميائي التونسي. وقد أوجدت هذه الملاحقات مناخاً من الحذر بين الأهالي، دفع بعضهم إلى الامتناع عن التصريح لوسائل الإعلام أو الانخراط في أي نشاط مدني قد يعرِّضهم لمتابعات أمنية أو قضائية.

بين هذه الشهادات التي تختصر كلفة التلوث على الأجساد، يبرز وجه آخر للمجمع الكيميائي التونسي. فالمؤسسة نفسها التي ترتبط في روايات السكان بالأمراض واضطرابات الإنجاب، تُقدَّم في السياسات العمومية ركيزةً اقتصاديةً ومصدراً أساساً للدخل. وبين هذين الوجهين، تتشكل معادلة معقدة تجمع بين الضرورة الصناعية وكلفتها الصحية.


أصبح المجمع الكيميائي التونسي في منطقة شطِّ السلام بقابس أحد أبرز المنشآت الصناعية في تونس. ويُحول المجمع ستة ملايين ونصف طن من الفوسفات سنوياً إلى منتجات كيماوية أساس، مثل حمض الفوسفوريك وأسمدة الفوسفات الصلبة والسائلة، التي تستخدم في الزراعة وبعض الصناعات. وبفضل نشاطه هذا، يُساهم المجمع في الدخل القومي من الصادرات. إذ تُصدَّر منتجاته إلى السوق المحلية وأسواق التصدير، وتُشكل جزءاً من مداخيل الدولة من الفوسفات ومشتقاته.

إلى ذلك، يحقق المجمع الاكتفاء الذاتي من بعض المواد الكيماوية الصناعية التي تدخل في الصناعات المحلية. ووفق بيانات منسوبة للمؤسسة نفسها على موقعها الالكتروني، يوفِّر المجمع أكثر من ستة آلاف وخمسمئة موطن شغل مباشر في مواقعه الصناعية المختلفة بين قابس ومدن جنوب تونس، مثل صفاقس والمظيلة والصخيرة. فضلاً عن آلاف الوظائف غير المباشرة في مجالات النقل والخدمات والأنشطة المساندة.

يقول المتخصص في التنمية والتصرف في الموارد حسين الرحيلي للفراتس إن الدور الاقتصادي للمجمع الكيميائي التونسي لا يفهم بمعزل عن الدور الأوسع للصناعات الاستخراجية في تونس، التي تمحورت منذ أكثر من مئة وثلاثين سنة على استغلال الفوسفات. يضيف إن هذا الصناعات الاستخراجية ساهمت اقتصادياً، خاصة قبل سنة 2010، حين بلغ إنتاج الفوسفات التجاري حوالي ثلاثة ملايين طن سنوياً، وتجاوزت عائداته ما بين أربعة مليارات وخمسة مليارات دولار، ما وفر للبلاد موارد هامة من العملة الصعبة عبر التصدير.

لكن الرحيلي يرى أن مساهمة هذه الصناعة في التشغيل تبقى محدودة، على عكس ما تدَّعي المؤسسة على موقعها. إذ لا يتجاوز حسب تقديره عدد العاملين في المجمع بقابس حوالي أربعة آلاف عاملٍ، وهو رقم ضعيف مقارنة بحجم المنطقة الصناعية. ويبقى التشغيل في قابس، مثلما ينوه، معتمداً على القطاع الفلاحي، فيما يظل قطاع الفوسفات الركيزة التشغيلية الأساس في قفصة.

ويكشف الواقع البيئي لنشاط المجمع عن اختلالات بنيوية في إدارة الصناعات الاستخراجية. وفي هذا السياق، يشير الرحيلي إلى غياب تطوير سلاسل القيمة في الصناعات الاستخراجية، مع ما يسببه من تلوث بحري ومائي، يؤدي إلى تفاقم الكوارث البيئية في منطقة بدأت تشهد مؤشرات تصحر بحري. ويذكر أن برنامج تأهيل الوحدات الصناعية للمجمع الكيميائي التونسي، أو ما يعرف باسم "برنامج التطابق البيئي" لتخفيف التلوث، لا يقدم حلولاً مهمة لمشكلة المادة الصلبة (الفوسفوجيبس) الناتجة عن معالجة الفوسفات لإنتاج الأسمدة. إذ ما تزال كميات تصل إلى عشرين ألف طن تُصرّف يومياً في البحر.

يُضيف المتحدث أن المجمع ما زال يستخدم تقنيات قديمة لا يمكنها أن تحدّ من التلوث الهوائي، إلى جانب استمرار استنزاف الموارد المائية في منطقة تعاني من شحِّ المياه. ولعل هذا ما يفتح زاويةً أوسع عن واقع التلوث تعيد تسليط الضوء على العلاقة بين التعرض المزمن للانبعاثات والجسيمات الدقيقة وبين مؤشرات الصحة الإنجابية.

فاستمرار العناصر الملوِّثة وتراكم النفايات في البر والبحر يقابله غياب لإجراءات فعَّالة للحد من التلوث أو احتوائه. ويوازي ذلك أيضاً افتقار المجمع إلى الشفافية في حجم المخاطر الصحية التي تتعرض لها نساء المنطقة. إذ لا ينشر قياسات الماء والهواء ومدى تركز الجسيمات الدقيقة التي تؤثر على الخصوبة فيه. بالإضافة إلى غياب مبادرات كافية لتتبّع الأثر الصحي للنساء، سواء على المدى القريب أو البعيد. وهكذا تتكرَّس فجوة بين ما يعيشه السكان يومياً وما يُعترف به رسمياً، لتظل كلفة النشاط الصناعي محمولة أساساً على الأهالي دون غيرهم.

يرى الرحيلي أن الحد من التلوث يتطلب إعادة تصور شاملة للمنوال التنموي، مؤكداً أن تفكيك بعض الوحدات الصناعية أو نقلها ليس أمراً محرماً إذا كان ذلك جزءاً من رؤية جديدة للصناعة. ويقترح المتحدث في هذا الإطار تطوير وحدات صناعية حديثة تعتمد تقنيات أكثر تطوراً وأقل انبعاثاً، وأن تكون بعيدة عن التجمعات السكانية، بما يساهم في تقليص الأضرار البيئية والصحية

أما ناحية الرقابة القانونية، فيقول الرحيلي إن نشاط المجمع الكيميائي التونسي يخضع، وفقاً للإطار القانوني التونسي، إلى رقابة إلزامية من طرف خبراء الوكالة الوطنية لحماية المحيط. وتعاين الوكالة التجاوزات وتحرير محاضر مخالفة عند تسجيل ارتفاع في نسب الملوثات فوق المعايير المعتمدة.

لكن المتحدث يستدرك قائلاً إن هذه الآلية الرقابية تبقى محدودة الأثر على أرض الواقع، وغالباً ما تظل معلَّقة لسنواتٍ طويلةٍ داخل أروقة القضاء دون حسم فعلي. وهو برأيه ما يفرغها من نجاعتها ويطرح تساؤلات جدية عن مدى تطبيق القانون، خاصة في ظل ارتباط المجمع مباشرة بالدولة.

يضيف الرحيلي أنَّه رغم تنفيذ بعض المشاريع للحدِّ من التلوّث الهوائي في التسعينيات بقرارٍ سياسيٍ، فإنّ َهذه الجهود لم تُستكمل ولم تُحافظ على استدامتها. فتدخّل المجمع على مستوى التعويضات للمتضررين محدود وانتقائي. إذ يقتصر في بعض الحالات على تعويض صغار الفلاحين عن الأضرار التي تلحق بمحاصيلهم جرَّاء التلوث الهوائي، دون إرساء آلية شاملة ومنصفة لجبر مختلف الأضرار.

ويختم بالقول إنه ومع خطورة هذا الملف واستمراريته منذ سنوات، لا يلوح في الأفق أي مشروع جدي أو خطة واضحة لوضع حدٍّ لهذا التصريف أو إيجاد بدائل بيئية آمنة، بما يعكس غياب أي إرادة فعلية لمعالجة أحد أخطر مصادر التلوث في المنطقة. لذلك، تستمر أبعاد التلوث البيئي مع انعكاساته الصحية والاجتماعية، وسط غياب بدائل بيئية مستدامة، بما في ذلك ما يتصل بالصحة الإنجابية للسكان.

وقد لا يمكن فصل هذا الغياب عن طريقة إدارة الملف على المستوى الرسمي. إذ يظل اعتراف الدولة التونسية بأثر التلوث في قابس على صحة السكان عموماً، وعلى النساء خاصةً، غير مكتمل الأثر سياسياً. وهو ما يُعطل مسارات العدالة الإنجابية.


لا يخلو دور الدولة من تدخلات تنظيمية واقتصادية، لكنها محدودة. فمن جهة تُشرف الدولة على مراقبة النشاط الصناعي للمجمع الكيميائي التونسي، والمحافظة على استمراريته مورداً اقتصادياً مهماً. ومن جهة أخرى، تبقى الجهود محدودة في تتبّع الأثر الصحي للتلوث. فالمنظومة الحالية تعتمد على تقارير بيئية دورية تصدر عن الوكالة الوطنية لحماية المحيط، بالإضافة إلى معطيات صحية عامة يوفرها المعهد الوطني للصحة. وهذه البيانات تُدار بالتوازي دون نظام موحد يدمج المؤشرات البيئية مع السجلات الصحية بطريقة تسمح بالربط الوبائي المباشر محلياً. وفي هذا السياق يظل نشر المعطيات البيئية والاعتراف بالأثر الصحي لها، خاصة على الصحة الإنجابية للنساء، محدوداً. وهو ما يضعف إمكانيات بناء استجابة شاملة تقوم على مبدأ العدالة البيئية والصحية.

تحوَّل الإنجاب في قابس من حقٍّ طبيعي إلى امتيازٍ جغرافي يُتاح لمن يعيش في بيئة سليمة، ويُقيَّد لدى من تحاصرهم الملوِّثات. وهنا يتجسَّد مفهوم العدالة الإنجابية واقعاً يومياً في شطِّ السلام والمناطق الصناعية. فحين تُنصح امرأة بمغادرة مدينتها فقط لتتمكن من الإنجاب، فذلك ليس مجرد توجيه طبي، بل إقرار ضمني بأن البيئة التي تعيش فيها عامل قد يُقوّض فرصها في الإنجاب مقارنة بغيرها، وهو الطرح الذي أكدته أريج الجلاصي الناشطة المدنية بجمعية "أصوات نساء".

تقول الجلاصي إن التلوث في قابس ليس مجرد قضية بيئية فحسب، وإنما قضية عدالة اجتماعية وصحية. وتشير إلى أن النساء من بين الفئات الأكثر هشاشة أمام آثار التلوث، خاصة الصحة الإنجابية. كذلك تعتبر أن "تأنيث التلوث" يظل، إلى حدٍّ كبير، موضوعاً مهمَّشاً على مخاطره الصحية التي تتعرض لها النساء بسببه.

ترى الجلاصي ضرورة الدفع نحو إنجاز دراسات علمية معمَّقة تُقارب هذه التأثيرات من زاوية تفرق بين الرجل والمرأة، إلى جانب إشراك الجمعيات المحلية مثل الرابطة التونسية لحقوق الإنسان في رصد هذه الأضرار وتوثيقها وإدماج صحة النساء ضمن السياسات العمومية البيئية. ربما يضمن ذلك الاعتراف بخصوصية تأثير التلوث على صحة النساء بوضع برامج موجهة لهن وضمان مشاركتهن في صنع القرار البيئي، لعلاقتهن بما يحدث في البيئة والصحة داخل مجتمعاتهن. 

في هذا الإطار، يبرز السوقي أن إحداث مراكز للحقن المجهري في قفصة وقابس يعد خطوة ضرورية نحو تحقيق العدالة الإنجابية، بما يضمن للنساء في المناطق الملوثة حق الوصول إلى الرعاية الإنجابية وتحقيق المساواة الصحية بين مختلف المناطق. لأن النساء في هذه المناطق، حسبما يرى، يعانين من مشاكل في الإنجاب ونقص الخصوبة، في حين أن أقرب مركز يقع على بعد آلاف الكيلومترات.

وأمام استمرار الجدل عن تأثير انبعاثات المجمع الكيميائي التونسي على الصحة والصحة الإنجابية، انتقل الجدل إلى أروقة القضاء. ففي فبراير 2026، أصدرت المحكمة الابتدائية بقابس حكماً يرفض إيقاف نشاط الوحدات الملوثة التابعة للمجمع الكيميائي التونسي. وقد عدت المحكمة أن الضرر غير ثابت ويقتضي تدعيمه بمعطيات واختبارات علمية. على هذا احتفظ المدَّعون بحقهم في الاستئناف وفق الإجراءات القانونية المعمول بها.

في ذلك الصدد، يقول الناشط البيئي أحد أبناء حي شط السلام، إسلام الزرلي للفراتس، إن قرار إيقاف الدعوى الاستعجالية والحكم بعدم ثبوت الضرر، مع مطالبة المحكمة بدراسات علمية جديدة، يثير استغراب سكان المنطقة. يضيف أن المجمع الكيميائي التونسي يلقي نفاياته في البر والبحر منذ أكثر من نصف قرن، ما أدى، بحسب تقديره، إلى تدمير الواحة  بقابس وخسارة جزء من تنوعها الأحيائي، مثل نفوق الأسماك والسلاحف البحرية.

وأكد الزرلي أن سكان قابس يدفعون ثمناً صحياً باهظاً، إذ فقدت معظم العائلات أحد أفرادها بسبب السرطان، وتعاني من أمراض يُرجح ارتباطها بالتلوث، مع الإنكار المتواصل. وأضاف متسائلاً: "ما جدوى مطالبة المحكمة بدراسات جديدة، في وقت تتوفر فيه أبحاث علمية تقر بوجود ضرر بيئي إذا لم تؤخذ بعين الاعتبار".


في شطِّ السلام بقابس، تبقى معاناة سكان قابس خارج دوائر المعرفة الرسمية. فالتلوث لا يختزل في قياسات الهواء أو في أعمدة الدخان المتصاعدة من المداخن الصناعية، ولكنه يظهر أيضاً في  قصص النساء التي تتكرر بينهن حكايات حمل لم يكتمل، ومواليد واجهوا صعوبات منذ اللحظات الأولى للحياة. في وقت لا توثق المنظومة الصحية التعرض البيئي في الملفات الطبية رسمياً، ولا توجد بيانات وبائية محلية كافية تسمح بقياس حجم الظاهرة أو مقارنتها بمناطق أخرى. كل ذلك معطوف على غياب منظومة مؤسساتية تتابع العلاقة بين التلوث الصناعي وصحة السكان، وتبني على أساسها آليات لحماية البيئة أو رصد كلفة التلوث على صحة الإنسان. لذلك فإن الحديث عن العدالة الإنجابية في قابس لا يقتصر على قاعة مستشفى أو عيادة متابعة الحمل، بل قد يكون مرآة لبنية إشكالية أشمل يختلط فيها السياسي والاجتماعي والاقتصادي.

اشترك في نشرتنا البريدية