شعرت فاديا وكأنها وصلت إلى المجهول في بيروت، فلم يكن لها في العاصمة اللبنانية أقرباء يمكنها المكوث عندهم ولا ملجأ مُحضّر مسبقاً. وبعد بحثٍ طويل، تمكنت من حجز غرفة في أحد الفنادق مقابل 70 دولار يومياً. بعد أسبوعين واجهت صعوبات مالية. فأموالها التي حصلت عليها بعد أن باعت مجوهراتها أوشكت على النفاذ، ومصاريفها لا تقتصر على أجرة الفندق، بل تشمل متطلبات الحياة اليومية خصوصاً أن الفندق لا يسمح بطهي الطعام وهو ما يجبرها على شراء الوجبات الجاهزة. أمام هذا الواقع، قررت فاديا وأفراد أسرتها العودة إلى بيتهم في جنوب لبنان رغم القصف الإسرائيلي للمنطقة.
بعد توسع الحرب الإسرائيلية على لبنان مطلع مارس 2026، قرر مئات آلاف الجنوبيين النزوح إلى المناطق الآمنة، في المقابل رفض كثيرون مغادرة منازلهم مصممين على البقاء بدل خوض رحلة النزوح التي سبق أن اختبروها في حرب سنة 2024. تنوعت أسباب هؤلاء بين من وجد في البقاء إفشالاً لسعي إسرائيل إفراغ الجنوب من أهله، وبين من اختبر النزوح سابقاً وفضّل مخاطرة البقاء خياراً أقل قسوّة. وعزز تراجع التضامن المجتمعي في استقبال النازحين خوفاً من وصول الاستهدافات الإسرائيلية إلى مناطق تجمع النازحين رغبة سكان الجنوب بالبقاء في بيوتهم.
إحدى مدارس منطقة الحمرا في بيروت تحولت إلى مركز إيواء مع بداية الحرب. وفيها تجلس نسرين في غرفة صغيرة بجانب أطفالها الثلاثة وزوجها ووالدته، بالإضافة لعائلتين أخريين. تشكو نسرين للفراتس من "عدم تقديم أي مساعدات ما عدا وجبات الأكل التي كثيراً ما تكون رديئة، فضلاً عن غياب البنى التحتية المؤهلة لاستيعاب هذا العدد من النازحين". ثم تشير نسرين إلى أن "المركز يضم نحو مئة وستين شخصاً يستخدمون عشرة مراحيض وسط غياب المياه الساخنة، فضلاً عن غياب مستلزمات غسل الأمتعة وإعداد الطعام و مواد النظافة، والكهرباء التي لا تأتي أكثر من ساعتين في اليوم".
ثمة مواطنون آخرون لم يتمكنوا من حجز أماكن في مراكز النزوح ما دفعهم للسكن في الخيام. يعيش السبعيني علي صوفان وحده في خيمة صغيرة في الواجهة البحرية لبيروت المسماة "البيال". كان صوفان من أوائل من نصبوا خيمهم مع بداية الحرب لتصير تلك المنطقة أشبه بمخيم يضم نحو سبعمئة عائلة. يقول صوفان للفراتس: "الخيام لا تصمد في غالبية الليالي أمام الرياح البحرية، ولا تحمي من الأمطار الغزيرة، وتفتقر إلى أدنى مقومات الحياة". ويلفت إلى أن "السكن في الخيام لم يكن خيارنا بقدر ما كان حلاً وحيداً أمامنا في ظل اكتظاظ مراكز النزوح وارتفاع أسعار الإيجارات".
لم يكن نزوح هؤلاء بالضرورة نتيجة استهدافٍ مباشر لمنازلهم، ولكنهم نزحوا بسبب إنذارات الجيش الإسرائيلي بإخلاء الجنوب اللبناني بأكمله.
يُنذر المتحدث باسم الجيش الإسرائيلي أفيخاي أدرعي اللبنانيين في بيانات تحذير للخروج من منازلهم وأحيائهم إلى المجهول. لتحذيره صورتان، الأولى محددة بمبنى معين يطالب الأهالي بالابتعاد عنه مئات الأمتار، والثانية عامة في طلب إخلاء منطقة بأكملها كما حدث في الجنوب. ترى عبير سقسوق المديرة التنفيذية لمنظمة "أستوديو أشغال عامة" التي تُعنى بتأمين حق السكن، في حديث مع الفراتس أن "الخطاب الإسرائيلي يرتكز على أن المباني المُحددة بالإنذار مبانٍ عسكرية، والخرائط التي نشرها تسوّق لهذه السردية ما ساهم في بث الخطاب محلياً لتبرير عمليات القصف لتأطيرها أنها هدف عسكري مُحدد بدقة". وتُضيف "هكذا أثرت الخرائط على الخطاب العام المحلي ما ساهم بتخويف النازحين باعتبار أن ثمة أشخاص من بينهم ينتمون إلى حزب الله، وهم بالتالي أهداف عسكرية مُحتملة".
تحولت خرائط الإنذار الإسرائيلية إلى أدوات يستخدمها اللبنانيون فيما بينهم وتنتشر بكثافة. ترى سقسوق أن "هذا الأمر جعلنا بموقع كأننا نتعرّف على مناطقنا وأحيائنا من خلال الاحتلال، فالكثير من سكان لبنان لا يعرفون الضاحية الجنوبية أو مناطق الجنوب وفجأة أصبحت معرفتهم بهذه المناطق من عيون الاحتلال". ولفتت إلى أن "إسرائيل تستخدم أسماء الشوارع الرسمية المختلفة عن الأسماء الشعبية مما يحد قدرة المواطنين على تحديد تلك الأماكن المُهددة بدقة".
تختزل إسرائيل حياة الناس في خريطة ملونة، متجاهلةً أن تلك المناطق تُشكل لأهلها شبكة من المنازل والأحياء والعلاقات الاجتماعية والذكريات. تؤكد سقسوق أن "الأمر المخيف لهذه الخرائط احتواؤها في كثير من الأحيان مناطقَ شاسعة، مثل تحديد جنوب الليطاني بأكمله، فباتت وظيفة هذه الخرائط الكبيرة تحويل المكان من أحياء وسكان ومجتمع متكامل إلى خط أحمر يُحدد مساحة الإخلاء وتكون وظيفته دفع المواطنين إلى الإخلاء القسري".
أحد أهداف هذه الخرائط إثارة موجة من الذعر والتخبط الذي يطال منطقة بأكملها يقطنها آلاف المواطنين. في 5 مارس 2026، أصدر الجيش الإسرائيلي إنذاراً بإخلاء أحياء عدّة في الضاحية الجنوبية لبيروت. في ذلك اليوم، عدتُ مسرعاً إلى منزلي الواقع في منطقة الشياح ضمن الضاحية الجنوبية وفقاً لتسميات الدوائر العقارية الرسمية، ومنطقة عين الرمانة وفقاً للتسميات الشعبية التي تُعَدُّ منطقة آمنة كونها تضم أحياء مسيحية. كانت حالة التخبط والذعر تسود بين أهالي المنطقة الذين يجهلون إن كانت هذه المنطقة مشمولة بالإنذار أم لا، وكانت خيارات الناس عشوائية بين من قرروا البقاء ومن قرروا المغادرة.
ثمة شعور عام يمكن تلمّسه لدى أهالي الجنوب أن إصدار خرائط الإخلاء يهدف إلى تفريغ المنطقة من سكانها من ناحية وإظهار أن إسرائيل مُلتزمة بقواعد القانون الدولي من ناحية أخرى. تُشير منظمة هيومن رايتس ووتش، في تقريرها الصادر في 2 مارس 2026، إلى أنه "لا تعتبر التحذيرات (الإسرائيلية) التي لا تمنح المدنيين الوقت الكافي للذهاب إلى منطقة أكثر أماناً فعالة بموجب القانون. ولا يمكن اعتبار التحذيرات الفضفاضة التي لا علاقة لها بأي هجوم وشيك فعالة، بل قد تثير الخوف بشكل غير جائز في نفوس السكان المتضررين". وتلفت المنظمة إلى أن "القانون الدولي العرفي يحظر أعمال العنف أو التهديد بأعمال العنف التي تستهدف بصورة رئيسة بث الذعر بين السكان المدنيين. تندرج تحت هذا الحظر التصريحات التي تدعو إلى إخلاء المناطق والتي تهدف في المقام الأول إلى إثارة الذعر بين السكان أو إجبارهم على مغادرة منازلهم لأسباب أخرى غير سلامتهم".
في حديثه مع الفراتس، يُشير علي سويدان، المحامي في منظمة "المفكرة القانونية" غير الربحية، إلى أن "القانون الدولي يفرض أن تكون إنذارات الإخلاء على منطقة مُعينة، وتحديداً تلك التي تشهد عمليات عسكرية، وهذا ما يتنافى مع توجيه إنذارات اسرائيلية عبر الخرائط لكافة مناطق الجنوب". ويوضح أن "هذه الإنذارات يجب أن تكون مؤقتة في حين أن التصريحات الإسرائيلية تُشير إلى وجود طويل الأمد في الجنوب، فضلاً عن أن القانون الدولي يفرض على إسرائيل إبلاغ الجنوبيين بإمكانية عودتهم الى قراهم وبلداتهم فور انتهاء العمل العسكري، وهذا ما لم يحدث بعد انتهاء حرب 2024". ويخلص سويدان إلى أن "الجانب القانوني يفرض على إسرائيل أن يكون هدف إنذارات الإخلاء عبر الخرائط حماية المدنيين في حين أن ما يحدث هو محاولة للتهجير القسري الذي يُعتبر جريمة حرب".
ولهذه الخرائط غرض آخر هو الضغط النفسي المتمثّل بضمان عدم استقرار الجنوبيين. ترى سقسوق أن "الكثير من المواطنين قرروا العودة إلى الجنوب أو الضاحية عندما شعروا أن الأمور ما زالت مقبولة، لتأتي هذه الخرائط وتدفعهم للتفكير مجدداً بالنزوح وتجعلهم يشكون بقرار البقاء، فخرائط الإنذار تحمل وقعاً كبيراً في كل مرة تصدر فيها، وتُشعر المواطنين أن إسرائيل تُصعِّد الحرب وأن العودة المُستدامة لن تكون قريبة".
كانت هناك بعض المحاولات للتصدي لخرائط الإنذار الإسرائيلية بتقديم خرائط بديلة مرتكزة على حقائق عن هذه المناطق. في حرب 2024 أصدر "أستديو أشغال عامة" خرائط تكشف أن هذه المناطق ليست بؤراً عسكرية وإنما حياة مدنية. تُشير سقسوق أن "المنظمة قدمت خريطة مضادة لخريطة الإنذار الإسرائيلية لمدينة صور تُشير إلى أن المناطق المشمولة بالإنذار تضم خمسة عشر موقعاً دينياً واثنتين وعشرين مؤسسة تعليمية وست مؤسسات صحية وسبعة مواقع أثرية ومقبرتين".
ثمة منهجية أخرى اعتمدت لمواجهة الخرائط الاسرائيلية تتمثل بتقديم خرائط من وجهة نظر السكان المحليين. تشير سقسوق إلى محاولتهم "تقديم خرائط يكون مصدر معلوماتها أشخاص ينتمون إلى هذه المناطق يسكنون فيها، فمثلاً أعدنا رسم خريطة للضاحية الجنوبية مع مجموعة من الأهالي تظهر علاقتهم بالأماكن التي استهدفها الطيران الإسرائيلي مثل المدرسة التي تعلموا بها أو المستشفى التي عولجوا فيها أو المقهى الذي يرتادونه".
على الإنذارات الإسرائيلية المُتكررة لمناطق بعينها، وما يأتي بعدها من استهدافات تطال المدنيين، إلا أن الكثير من أبناء الجنوب قرروا البقاء في مناطقهم لأسباب متعددة.
ينبع رفض النزوح أحياناً من غياب الإمكانات المادية في ظل غلاء إيجار المنازل في المناطق الآمنة. يقول حسين صعب، من بلدة عدلون الجنوبية للفراتس: "حاولت إيجاد منزل للنزوح إليه إلا أنني اصطدمت بالأسعار الخيالية للإيجارات، فالمنزل الذي يبلغ إيجاره خمسمئة دولار تضاعف سعره إن لم يكن أكثر، عدا عن المصاريف اليومية التي تزداد خلال النزوح، وهذا يترافق مع عدم وجود مدخول مادي". يُضيف صعب أنه "في حرب 2024 صرفنا الكثير من مدخراتنا ولم نعد نستطيع دفع المزيد".
عامل آخر دفع بعض الجنوبيين إلى البقاء في بلداتهم هو حملات التحريض التي يتعرضون لها. منذ بداية حرب الإسناد في 8 أكتوبر 2023 وصولاً إلى حرب 2024 والحرب الحالية ركزت الدعاية الإسرائيلية على قصر استهدافاتها على عناصر حزب الله. هذا الأمر لاقى قبولاً داخلياً إلى حدّ ما برز في وضع الكثير من البلديات قيوداً على دخول النازحين إليها وأخذ موافقة مسبقة لذلك. فضلاً عن حالات الطرد التي تعرض لها بعض النازحين والتي انتشرت على مواقع التواصل الاجتماعي. ترك الأمر انطباعاً قوياً لدى نازحين بأن وجودهم في بعض المناطق قد يضعهم في مواقف صعبة، ففضلوا البقاء تحت الخطر.
قرر أهل بعض القرى الجنوبية عدم النزوح لشعورهم بالأمان نسبياً، لعدم انتماء أبنائها لحزب الله سياسياً وطائفياً. يُشير حمزة، ابن بلدة البرغلية التي تضم نحو خمسة آلاف شخص، إلى أن "معظم أهالي البلدة ما زالوا موجودين فيها رغم الإنذارات والتهديدات الإسرائيلية وقصف إحدى محطات الوقود". ويلفت إلى أن "الشعور بنوع من الأمان يعود إلى أن البلدة غير مُحزّبة. هذا لا يعني أنه يمكن الوثوق بإسرائيل، إلا أن الوضع ما زال مقبولاً". في 24 مارس 2026، وجه الجيش الإسرائيلي إنذاراً إلى سكان البلدة الذين ينتمون إلى العشائر العربية بضرورة إخلائها، حينها تواصل أقرباؤهم الذين يقطنون في منطقة خلدة القريبة من العاصمة بيروت لدعوتهم للتوجه إليهم. يُشير حمزة إلى أنه "أُمنت نحو عشر غرف في مركز إيواء هناك إلا أنه لم يغادر أحد من أبناء البلدة".
يصف حمزة الحياة في البلدة أنها كانت شبه طبيعية بداية الحرب، واليوم بات الأهالي يلازمون منازلهم وأحياءهم فور حلول المساء. ويؤكد أن "محلات السمانة [محلات التموين والبقالات] ما زالت تفتح أبوابها أما ما تبقى من احتياجات فنحصل عليها من القرى المجاورة ضمن أوقات مُعينة".
حاول الجيش الإسرائيلي دفع أهالي جنوب الليطاني إلى النزوح بشتّى الطرق. كان آخرها استهداف الجسور الواصلة بين شمال النهر وجنوبه، الأمر الذي يُهدد منطقة جنوب النهر بالعزل. يستذكر حمزة حرب تموز 2006 عندما استهدفت اسرائيل جميع جسور الليطاني، وتنقَّل أهالي البرغلية من الضفة الجنوبية من النهر بسيارات الإسعاف لاستلام حصصهم الغذائية والخبز من الصليب الأحمر اللبناني والدفاع المدني من الناحية الشمالية للنهر، ومن ثم نقلها إلى البلدة.
يُظهر البقاء قراراً بالصمود عند البعض. قررت مريم (اسم مستعار)، القاطنة في مدينة النبطية الجنوبية، البقاء في البلدة وتقول للفراتس: "كبرنا ووعينا في الحرب ولم تعد ترعبنا أو تُرهبنا آلة القتل الإسرائيلية. فنحن نعتبر أن هذه أرضنا ومنازلنا ومدينتنا ولا يمكن لإسرائيل إجبارنا على المغادرة". وتلفت إلى أنهم يأخذون بعض الإجراءات التي يمكن أن "تحمينا إلى حدّ ما مثل عدم التنقل كثيراً وعدم الوجود في أماكن يمكن أن تكون حساسة أو مُستهدفة، وكذلك عدم الانتقال إلى أماكن الغارات بعد وقوعها". وتوضح مريم أن "التهجير يضعنا في حالة نفسية أصعب من البقاء في الخطر، رغم أن لدينا أقارب في مناطق تُعتبر آمنة يمكننا الانتقال إليهم". لم تكن إجراءات مريم وعائلتها كافية لحمايتها، فبعد يوم واحد من حوارها مع الفراتس استُهدِف منزلها بغارة إسرائيلية، أصابتها بجروح.
وعلى قرار بعض أهالي الجنوب البقاء في منازلهم، إلا أنهم يعانون بسبب عدم تلبية مؤسسات الدولة لبعض احتياجاتهم. يوضح رئيس بلدية الكفور، خضر سعد، أن بلدته تضم نحو سبعة وعشرين ألف شخص منهم نحو ستمئة شخص لم ينزحوا. وتتنوع أسباب بقاء هؤلاء بين ضعف الإمكانات المادية وتجربتهم السيئة في النزوح السابق وعدم إيجاد مركز إيواء يحفظ عيشهم الكريم. وبعض العائلات نزحت في بداية الحرب ومن ثم عادوا إلى البلدة، واختارت عائلات أخرى عدم الخروج نهائياً. يؤكد سعد أن "البلدية تتعاون مع بعض المنظمات المحلية والدولية ومتبرعين من أبناء البلدة الميسورين بتأمين احتياجات المواطنين قدر الإمكان، إلا أن المشكلة الأساسية تبقى في انقطاع الكهرباء بسبب الضربات الإسرائيلية، وقد حاولنا مراراً التواصل مع شركة الكهرباء من أجل إصلاحها إلا أننا لم نلق أي تجاوب". وأمام هذا الواقع، يستعين الأهالي بالطاقة الشمسية سواءً التي يمتلكونها أو تلك التي يستخدمها جيرانهم.
يعتمد الأهالي الذين لم يغادروا الجنوب على الجمعيات المحلية لتأمين احتياجاتهم في ظل إغلاق شبه تام للمحال التجارية. يشير علي شكر رئيس نادي بيت الطلبة الاجتماعي في النبطية (وهي جمعية رياضية اجتماعية) للفراتس إلى أن "جميع محلات السمانة والأفران ومحطات الوقود وغيرها في النبطية والقرى المحيطة بها مُقفلة تماماً". ويذكر أن الجمعية تضم "فريقاً من ثمانية متطوعين ينقسمون بين فريق إسعاف يتحرك فور وقوع أي غارة إسرائيلية لتقديم الخدمات الإغاثية، وآخر يرتكز عمله على تقديم خدمات للمواطنين الصامدين". ويوضح أن عمل الجمعية "يعتمد على مبادرات خاصة غير مرتبطة بمؤسسات الدولة أو بأي حزب سياسي، تؤمن الاحتياجات يومياً من أدوية وحصص غذائية وغاز وخبز وغيرها من صيدا إلى النبطية وتوزيعها على السكان".
ووفقاً لشكر فإن "نسبة المواطنين الذين لم يغادروا المدينة في الحرب الحالية أكثر بنحو 20 بالمئة من حرب 2024، ومن اللافت أن نحو خمس عشرة عائلة عادت إلى البلدة من أماكن النزوح". ويوضح أن "مركز الجمعية الأساسي كان مقابل مبنى بلدية النبطية الذي قُصف في حرب 2024، وفي بداية الحرب الحالية تعرض مركزنا لقصف قريب منه مما أسفر عن ضرر كبير، فانتقلنا إلى مكان آخر داخل المدينة".
بعض المواطنين قرروا البقاء بسبب عملهم الذي يفرض عليهم التزاماً أمام المواطنين الصامدين. يوضح محمد (اسم مستعار)، القاطن في مدينة صور للفراتس أن "قرار البقاء ليس جديداً، إذ لم أغادر المدينة في أي حرب إسرائيلية. فبحكم عملي صيدلياً أعتبر بقائي واجباً لتقديم المساعدة للمواطنين الصامدين، خصوصاً أنني ما زلت الوحيد الذي يفتح صيدليته في المدينة". في هذه الحرب، كما في حرب سنة 2024، أطلق محمد مبادرة للحصول على مساعدات وتقديم أدوية مجانية للنازحين في مراكز الإيواء وتمكن من توزيع أدوية تجاوزت قيمتها عشرة آلاف دولار. يفتتح محمد صيدليته يومياً من الساعة العاشرة صباحاً حتى الخامسة مساءً، بالانتقال إلى صيدا من أجل الحصول على الأدوية "فهناك جسر واحد فوق نهر الليطاني لم يدمّر وفي حال استُهدف يكون قد حُكم علينا بالموت". لكن إسرائيل استهدفت هذا الجسر الأخير المعروف باسم جسر القاسمية في 8 أبريل 2026 بعد الحديث مع محمد.
يلفت محمد إلى أن أعداد المواطنين الذين قرروا عدم مغادرة المدينة يتناقص كلما اشتد القصف الإسرائيلي إلا أن عددهم ما زال أكبر من عدد المواطنين الذي لم يغادروا في حرب 2024. ففي مراكز الإيواء المنتشرة في المدينة يوجد نحو أربعة آلاف شخص، معظمهم ينتمون إلى قرى الحافة الأمامية، لذا يفضلون البقاء في مدينة صور القريبة من قراهم وبلداتهم على الانتقال الى مراكز إيواء بعيدة، وفقاً لنائب رئيس بلدية صور علوان شرف الدين.
دفع تعامل الحكومة اللبنانية مع قضية النازحين الكثير منهم إلى عدم مغادرة قراهم وبلداتهم الجنوبية. توضح عبير سقسوق أن هناك "أربع مستويات من الإشكاليات التي رافقت هذه الإدارة لعملية النزوح، أوّلها العشوائية في إدارة عملية الانتقال إلى مراكز النزوح، فعلى إطلاق منصة رقمية للإعلان عن مراكز النزوح التي فتحت أبوابها إلا أن هذه الخطوة تفتقر إلى الكثير من المعلومات المتعلقة بكيفية الوصول إلى مركز الإيواء". أما الإشكالية الثانية فتكمن في القدرة الاستيعابية لمراكز النزوح، تشرح سقسوق أنه "من الطبيعي تفضيل أهالي الضاحية الجنوبية، على سبيل المثال، الانتقال إلى مركز نزوح داخل بيروت باعتبارها الأقرب إلى منطقتهم، في حين أن الدولة أرادت نقلهم إلى شمال لبنان بسبب نفاذ القدرة الاستيعابية لمراكز النزوح في بيروت متجاوزةً الكثير من المناطق التي لم تفتتح بها مراكز إيواء لأسباب طائفية بما فيها الجهة الشرقية من بيروت".
اقتصرت إدارة الدولة عمليةَ النزوح على تحويل المدارس إلى مراكز إيواء. تُشير سقسوق إلى أنه "كان ينبغي على الدولة اتخاذ إجراءات أخرى مثل ضبط أسعار الإيجارات وإنشاء مراكز إيواء في أراضي فارغة واستخدام المباني الشاغرة"، مستذكرةً أن "مجلس النواب أصدر قانوناً بعد انفجار مرفأ بيروت سنة 2020 يقضي بتمديد عقود الإيجار لأهالي المناطق المتضررة لا يمكن بسببها إجبار شخص على مغادرة منزله في حال انتهاء عقد الإيجار، وبالتالي كان يمكن للحكومة أو مجلس النواب اتخاذ الكثير من الخطوات التي تُخفف من آثار الحرب على النازحين". أما الإشكالية الأخيرة فتتمثّل بعدم جاهزية مراكز الإيواء، فمع تصريح وزير الاقتصاد عامر البساط أن التحضيرات للحرب بدأت منذ شهرين إلا أن مراكز الإيواء تفتقر إلى مقومات الحياة الأساس. وتعزو سقسوق هذه الإدارة السيئة لقصور الرؤية الحكومية.
إضافة إلى كل ما تقدّم، يعيش أهالي جنوب لبنان هاجساً أساساً من أن يتحول نزوحهم المؤقت إلى دائم، خصوصاً أن مجموعة كبيرة منهم عايشت هذه التجربة إبان الاحتلال الإسرائيلي لجزء من الجنوب في سنة 1978 حتّى تحريره سنة 2000.
يتكرر مشهد إخلاء القرى الحدودية اليوم ولكن في ظل مخاوف أكبر من عدم العودة. فإخلاء بلدة حولا لم يقتصر على سنة 1948 بل تكرر في حرب سنة 2024 والحرب الحالية. عشيّة 6 أكتوبر 2023، قطن في البلدة نحو 3500 شخص على مدار العام، ووصل العدد إلى سبعة آلاف في فصل الصيف، قبل أن تتحول البلدة إلى مسرح مواجهات عسكرية بين إسرائيل وحزب الله. يلفت مزرعاني إلى أن "هذه الحرب الممتدة منذ سنة 2023 جاءت لتكون النكسة الكُبرى. فمنذ عامين ونصف سافرَ الكثير من الأهالي أو نقلوا أعمالهم ومصالحهم إلى أماكن نزوحهم". ويشير إلى أن "البلدة تعرضت لدمار هائل، وهذا الأمر لن يُشجع الكثير من الأهالي على العودة وإعادة الإعمار".
التخوف الأكبر لأهالي القرى الحدودية هو تنفيذ المخطط الإسرائيلي بإنشاء منطقة أمنية أو عازلة في تلك القرى. يؤكد مزرعاني أن "هناك قلق حقيقي لدى أبناء القرى الحدودية من التصريحات الإسرائيلية حول إقامة منطقة عازلة. فهذه المنطقة تُكرّس تباعاً على أرض الواقع، إذ أُخليت تلك المناطق من المواطنين ودُمرت المنازل فيها، وتعرِّض القطاع الزراعي الذي يُعد المورد الاقتصادي الأهم إلى ضرر كبير". يُضيف مزرعاني عاملَ الزمن مشيراً إلى أن "قضاء وقت طويل في النزوح يحوله إلى نوع من الاستقرار يبحث فيه النازحون عن منزل جديد وعمل جديد مما يُصعّب من اتخاذ قرار العودة".
النزوح الطويل أو اللاعودة سبق أن خبره أهالي القرى الحدودية بعد اجتياح سنة 1978 وإنشاء حزام أمني فيها. يروي رئيس بلدية يارين (وهي بلدة متاخمة للحدود اللبنانية الفلسطينية)، عدنان أبو دلة، في حديث مع الفِراتْس، قصة أبناء بلدته الذين انتقلوا نهائياً إلى بلدة البيسارية منشئين فيها تجمعاً سكانياً أسموه باسم بلدتهم "حي يارين". يقول أبو دلة "خلال ذلك الاجتياح تعرضت البلدة لدمار شامل وسقط واحد وعشرون شهيداً، فنزح جميع الأهالي وتوجه القسم الأكبر إلى بلدة اليسارية التي تبعد نحو خمسين كيلومتراً شمالي مسقط رأسهم، وبنوا منازل متواضعة في أرض تابعة للدولة اللبنانية وأطلقوا عليها اسم بلدتهم".
يلفت أبو دلة إلى أن "البلدة بقيت خالية من السكان لحين الاجتياح الإسرائيلي الواسع في سنة 1982 الذي وصل إلى العاصمة بيروت، فقرر بعض كبار السن العودة إلى يارين والسكن فيها في ظل الاحتلال". ويُشير إلى أن هذا الوضع استمر لغاية سنة 2000. حينها قام معظم أهالي البلدة بإعادة إعمار منازلهم، ومنهم من عاد إليها نهائياً في حين قرر البعض الآخر البقاء في مناطقهم الجديدة وزيارتها بين الحين والآخر.
الأمل بالوصول إلى اتفاق يسمح بعودة الهدوء إلى تلك القرى يبقى حبل النجاة الذي يتمسك به أبناء قرى الحافة الأمامية. منذ بداية حرب الإسناد 2023 تعرضت بلدة يارين التي كان يقطنها نحو 821 عائلة وتضم 1256 وحدة سكنية إلى دمار كامل فلم تسلم أي وحدة سكنية من التدمير، فضلاً عن البنى التحتية والمرافق التعليمية والصحية وآبار المياه. إلا أن ذلك لا يُفقد الأهالي أملهم في العودة وإعادة الإعمار، فأبو دلة يرى أن "الحرب الكبيرة تعني أن الاتفاق سيكون قريباً جداً، فهذه الفوضى الكبيرة في الشرق الأوسط لن تبقى أبدية، وهذا ما نأمله من أجل العودة إلى قرانا وبلداتنا".
وعلى ذلك، رفضت فئة من هؤلاء الجنوبيين النزوح لأسباب متنوعة. وبعد توجيه الجيش الإسرائيلي في 24 مارس 2026 إنذاراً لمدينة صور تواصلت مع أحد أصدقائي الذي لم يغادر المدينة طالباً منه الانتقال إلى منزلي في بيروت. رفضَ طلبي مبرراً ذلك بأنه لم يخرج من المدينة في أي من حروب إسرائيل ولن يخرج الآن. لم يكن تبريره مقنعاً أو منطقياً ولكن الغوص فيه يجعلنا نشعر أن البقاء ليس مجرد قرار عشوائي وإنما طريقة خاصة برفض الواقع والتمسك بأرضه حتّى لو كان ثمن ذلك حياته.

