سياسات الهجرة.. معايير المواطن الأمريكي المثالي في عهد ترامب

استخدمت إدارة ترامب قوانين الهجرة والتدقيق الأمني ومعارك المحاكم في محاولة لرسم معايير المهاجر المثالي، وتحديد معايير المواطن الذي تريده الولايات المتحدة.

Share
سياسات الهجرة.. معايير المواطن الأمريكي المثالي في عهد ترامب
جزء من سياق أوسع حول شكل المجتمع الأمريكي | تصميم خاص بالفراتس

في نوفمبر 2025 نشر الرئيس الأمريكي دونالد ترامب منشوراً على منصته الخاصة "تروث سوشال" جاء به "سأوقف الهجرة نهائياً من جميع دول العالم الثالث للسماح للنظام الأمريكي بالتعافي الكامل، وسأنهي ملايين طلبات الدخول غير القانونية [المُقدمة] لبايدن بما فيها تلك التي وقَّعها جو بايدن النائم بقلمه الإلكتروني، وسأطرد أي شخص لا يُمثل قيمة مضافة للولايات المتحدة أو غير قادر على حب بلدنا". منشور ترامب جاء عقب إطلاق رجل أفغاني النار على أفراد الحرس الوطني في واشنطن العاصمة ما أسفر عن مقتل عنصر وإصابة آخر، لكنه لا يمثل منشوراً استثنائياً حول واقعة بعينها في خطاب ترامب، ويأتي ضمن سلسلة مواقف متصاعدة يتبناها ضد الهجرة والمهاجرين. وتكررت تصريحات ترامب المعادية للماجرين في مواقف سابقة ولاحقة، وتوَّجها تعميم الخارجية الأمريكية في 22 مايو 2026 بمنع المتقدمين للحصول على بطاقة الإقامة الدائمة (غرين كارد) بالبقاء في الولايات المتحدة لحين البت في طلبهم، وإلزامهم بالعودة لبلدانهم والانتظار فيها حتى إعلامهم بالقرار.

منذ أن بدأ ترامب حملته للعودة إلى البيت الأبيض لولاية ثانية، كان ملف الهجرة على رأس جدول أعماله. ظل ترامب يكرر في خطاباته أن الولايات المتحدة تعاني من "فوضى الهجرة" التي اتهم سلفه جو بايدن بالمسؤولية عنها. ومع بدء ولايته الثانية، بدا أن مواقف ترامب من الهجرة لم تكن أدوات تعبئة انتخابية فقط، بل ملامح خطة عمل سارع منذ الأيام الأولى إلى العمل عليها.

سياسات ترامب تجاه المهاجرين تتجاوز تشديد الإجراءات أو تقليص الأعداد، وتمتد إلى أن تصبح جزءاً من مشروع أوسع لإعادة تعريف المواطن الأمريكي، وتحديد من الذي يستحق الدخول إلى الولايات المتحدة مهاجراً، وفقاً لمفاهيم ومعايير اجتماعية وثقافية تتجاوز المحددات القانونية غير التمييزية بالضرورة. ومع أن بعض القراءات تربط هذا التوجه برغبة في إعادة إنتاج هوية أمريكية بيضاء محافظة، فإن واقع الدعم الانتخابي الذي حظي به ترامب وضم شرائح من الأقليات، يعقِّد التسليم بهذه الصورة. فالثابت في خطاب ترامب هو السعي نحو نموذج محدد من المهاجرين، يستبعد ضمنياً قطاعات واسعة قادمة من دول فقيرة أو تعاني من صراعات وحروب.


جاءت ولاية ترامب الأولى في واقع سياسي داخلي معقد. فعلى فوزه بعدد هائل من الأصوات في الانتخابات التي سبقت ولايته الأولى، واجه ترامب تحديات من خصمه الحزب الديمقراطي والذي كان لا يزال يحظى بقوة سياسية وجماهيرية، إضافة إلى ما واجهه الرئيس الجديد حينئذ من معارضة داخل حزبه الجمهوري نفسه. وخشية عرقلة ما قد يصدره من قوانين داخل الكونغرس، لجأ ترامب سريعاً إلى الأوامر التنفيذية الرئاسية، وهي قرارات تسري بمجرد أن يوقِّعها الرئيس، بموجب المادة الثانية من الدستور الأمريكي، التي تمنح الرئيس حق إدارة السلطة التنفيذية. واعتمد ترامب على تلك القرارات بشكل متزايد، سواء في ولايته الأولى المنتهية سنة 2021 أو الثانية التي بدأت في 2025. 

ما يميز الأوامر التنفيذية وعزز من اعتماد ترامب عليها أنها ليست مشروعات قوانين يجب أن تمر عبر الكونغرس وتخضع لإجراءات تصويت طويلة ومعقدة وقد تُرفض في النهاية بسبب الخلاف بين الحزبين الجمهوري والديمقراطي المسيطرين على المؤسسات الحاكمة. ومع إدراكه أن هذه الأوامر قد تواجه طعوناً أمام المحاكم الفيدرالية، وربما تصل إلى المحكمة العليا المعنية بحماية الدستور، إلا أنه يواصل إصدارها. بالنسبة لترامب، لا تقتصر أهمية الأوامر التنفيذية على نتائجها القانونية، بل تمتد أيضاً إلى بُعدها السياسي. إذ إنها تمثل رسالة مباشرة إلى قاعدته الانتخابية بأنه يسعى لتنفيذ وعوده بسرعة وحسم حتى وإن عطلها القضاء لاحقاً. 

تمر القوانين في الولايات المتحدة عبر مسار تشريعي يبدأ داخل الكونغرس بتقديم مشروع قانون من أحد أعضاء مجلسي النواب أو الشيوخ، ثم إحالته إلى اللجان المختصة لدراسته ومناقشته وإدخال تعديلات عليه. بعد ذلك يُطرح المشروع للتصويت داخل المجلس الذي قُدم فيه. وإذا أُُقِر، فسوف يحال إلى المجلس الآخر ليخضع لعملية مماثلة من النقاش والتعديل والتصويت. وفي حال موافقة المجلسين، سيُرفع المشروع إلى الرئيس للتوقيع عليه ليصبح قانوناً. 

هذه العملية مع طابعها المؤسسي تتسم بالبطء والتعقيد، خاصة في ظل الاستقطاب الحزبي الحاد. ويتطلب تمرير التشريعات دعماً يصل إلى ستين صوتاً لتجاوز التعطيل الإجرائي الذي قد يسببه انقسام الحزبين حول مشروع قانون معين. وهو ما يجعل إقرار القوانين الكبرى، أي التي تمس سياسات رئيسة ومنها العلاقات الخارجية والهجرة، أمراً صعباً عندما يكون حزب الأغلبية نفسه منقسماً كما كان الحال خلال ولاية ترامب الأولى. في هذا السياق، ومع صعوبة تمرير الأجندات التشريعية عبر الكونغرس، اتجه ترامب إلى الاعتماد أكثر على الأوامر التنفيذية.

أصدر ترامب في أول مئة يوم من ولايته الثانية 143 أمراً تنفيذياً، وهو أعلى عدد سجله رئيس خلال هذه الفترة. وحتى أوائل سبتمبر 2025 وقَّع ترامب أكثر من مئتي أمر تنفيذي. وللمقارنة، فقد أصدر خلال ولايته الأولى 220 أمراً على مدار أربعة أعوام.

إلى هنا تبدو الأوامر التنفيذية وسيلة ناجعة لتحقيق خطة الرئيس الأمريكي وبسرعة، لكن السياسة الأمريكية أعقد من ذلك فالأوامر التنفيذية تخضع للمراجعة القضائية. ومع بدء لجوء ترامب للأوامر التنفيذية في مدة حكمه الثانية كان الحزب الديمقراطي مستعداً، كلما أصدر ترامب أمراً، تتحرك جماعات حقوقية قريبة من الحزب أو تتبنى بعض أفكاره، أو ولايات يسيطر عليها، برفع دعوى قضائية أمام المحكمة الفيدرالية. ونجحت بعض الدعاوى القضائية في الحصول على أحكام فيدرالية بعرقلة بعض أوامر الرئيس التنفيذية لمخالفتها الدستور أو تجاوزه صلاحياته بإصدراها. جاء ملف الهجرة على رأس الملفات في الأوامر التنفيذية التي أصدرها ترامب. ففي اليوم الأول من ولايته الثانية في يناير 2025 أصدر أمراً بوقف الحصول على الجنسية الأمريكية للمولودين في الولايات المتحدة وهو ما يُعرف بحق الجنسية بالولادة، وهو مبدأ منصوص عليه في التعديل الرابع عشر للدستور الأمريكي، ويجري تطبيقه منذ أكثر من مئة وخمسين عاماً. طعنت اثنتان وعشرين ولاية أمريكية بقرار ترامب أمام المحكمة الفيدرالية لعدم دستوريته. 

كان هذا القرار بداية سيل من الأوامر والقرارات التنفيذية المتعلقة بسياسات الهجرة. وحتى السابع من يناير 2026 وقَّع ترامب 83 أمراً تنفيذياً يتعلق بالهجرة من إجمالي 225 أمراً وقعها خلال عامه الأول وفقا لرصد معهد سياسات الهجرة، وهو كيان مستقل غير ربحي. ففي تقرير أصدره المعهد في يناير 2026، أوضح أن إدارة ترامب شرعت في إدخال تغييرات واسعة النطاق على سياسات الهجرة، ووصفها بأنها سياسات "غير مسبوقة من حيث حجمها واتساع تأثيرها". نحَت تلك السياسات بالولايات المتحدة منحى "أكثر تشدداً" تجاه المهاجرين، وأعادت تشكيل طريقة تعامل الحكومة مع ملف الهجرة والمهاجرين بمختلف أوضاعهم القانونية، وكذلك المجتمعات التي يعيشون فيها. ومع أن بعض هذه الجهود تعثّر أو لم يحقق الأهداف التي وضعتها الإدارة، فإنها أعادت بوضوح تشكيل آليات عمل الحكومة لاستهداف المهاجرين داخل الولايات المتحدة.

ومع تزايد الاعتماد على الأوامر التنفيذية، لم يعد الأمر مقتصراً على تسريع تنفيذ السياسات، وامتد إلى توسيع نطاق تدخل السلطة التنفيذية في ملف الهجرة، سواء عبر إعادة تفسير بعض القواعد القائمة أو الدفع نحو تطبيقات أكثر تشدداً.


ركزت الأوامر التنفيذية المتعلقة بالهجرة والجنسية الأمريكية خلال العام الأول من ولاية ترامب على محورين أساسين: أولاً مكافحة الهجرة غير الشرعية. وثانياً غلق وتقليل منافذ الهجرة القانونية التي تراها الإدارة تأتي أحياناً بمهاجرين "لا يقدمون شيئاً للولايات المتحدة" وتراهم الإدارة عبئاً على البلاد.

في المحور الأول شددت إدارة ترامب الرقابة على المنافذ الحدودية لمنع العبور غير القانوني للمهاجرين القادمين عبرها. وبالموازاة، رحَّلت السلطات نحو 443 ألفاً من المهاجرين في سنة 2025، ارتفاعاً من نحو 271 ألفاً في سنة 2024. بعد السيطرة على الحدود وتزايد عمليات الترحيل، اتجه ترامب إلى الخطوة التالية في سياسته الرامية للحد من الهجرة ومن تواجد المهاجرين على أرض الولايات المتحدة، وهي تعديل القواعد المنظمة للهجرة. أبرز هذه التعديلات كان قرار الخارجية الأمريكية في 14 سبتمبر 2025 تشديد متطلبات اختبار الحصول على الجنسية الأمريكية، وهو اختبار يتضمن أسئلة حول التاريخ والنظام السياسي الأمريكي. وبينما كان الاختبار في نسخته الأصلية يتطلب الإجابة الصحيحة على ستة أسئلة للنجاح من أصل عشرة، أصبحت النسخة الجديدة التي اعتمدها ترامب في أكتوبر 2025 تطلب الإجابة الصحيحة على اثني عشر من أصل عشرين سؤالاً. كذلك ارتفع عدد الأسئلة في بنك الأسئلة إلى 128 سؤالاً بدلاً من مئة، مع تقليل عدد الأسئلة التي يمكن الإجابة عنها بإجابات قصيرة من كلمة واحدة. ونقلت صحيفة "نيوزويك" في 20 أكتوبر 2025 بياناً عن المتحدث باسم وكالة خدمات المواطنة والهجرة الأمريكية ماثيو تراجيسر، قال فيه "الجنسية الأمريكية هي الأكثر قيمة في العالم ويجب أن تُمنح فقط لمن يتبنون قيمها ومبادئها كاملة، ولمن يستوفون جميع شروط الأهلية بما في ذلك إتقان اللغة الإنجليزية وفهم نظام الحكم. وعلق أنه من خلال تلك الضمانات فقط "يمكن للشعب الأمريكي أن يطمئن إلى أن المواطنين الجدد قد اندمجوا تماماً وسيسهمون في قوة الولايات المتحدة".

لم تتوقف الإجراءات عند تعقيد اختبار الجنسية الأمريكية فقط، إذ أعادت الإدارة الأمريكية تعريف مصطلح "الأخلاق الحميدة والسيرة الطيبة" للمتقدم لطلب الجنسية. وعادةً ما يستطيع المهاجرون الحاصلون على بطاقة الإقامة الدائمة (غرين كارد) التقدم للحصول على الجنسية بعد فترة تتراوح بين ثلاث وخمس سنوات إذا ما اجتازوا الاختبار وثبت تمتعهم "بالأخلاق الحسنة والسيرة الطيبة" وعلى مدى عقود وفي ظل إدارات جمهورية وديمقراطية، كان يُعد شرط حسن السيرة والسلوك متحققاً إذا كان المتقدم منتظماً في سداد الضرائب ولم يرتكب أية جرائم أو مخالفات كبرى تتصل بإيذاء الأنفس أو المخدرات.

السياسة الجديدة التي أصدرتها وكالة خدمات الهجرة وسَّعت من مفهوم حسن السيرة والسلوك، وجعلت التقييم يتجاوز نظافة السجل الجنائي إلى تقييم السلوك الشخصي للفرد ومدى "التزامه بالمعايير الاجتماعية وإسهاماته الإيجابية". وفقاً لهذا التعريف الجديد يخضع المتقدم للحصول على الجنسية إلى تقييم شخصي من مسؤولي الهجرة، وتصبح سلوكيات الفرد التي لا ترقى إلى مستوى الجريمة سبباً كافياً لحرمانه من الحصول على الجنسية. وتنقل شبكة "سي بي إس" الامريكية في تقريرها عن الإدارة المسؤولة عن الهجرة والتجنيس في الولايات المتحدة، أن المخالفات المرورية باتت الآن في عداد أسباب الاستدلال على سوء سلوك الراغبين في التجنيس. 

امتدت إجراءات التشديد إلى مسار الحصول على الجنسية عبر الزواج. باتت إدارة الهجرة والجنسية تشدد إجراءات التأكد من صحة الزواج ولا تكتفي بوثيقة الزواج القانونية، بل تطلب وثائق أخرى من بينها إثبات وجود حسابات مصرفية مشتركة وصور التقطت على مدار العلاقة وإثبات السكن المشترك والمشاركة في تكاليف المعيشة مثل فواتير الكهرباء والماء والغاز والإنترنت والهاتف. ومن ضمن الإجراءات التي أعادت إدارة الهجرة والجنسية العمل بها بعد عقود من التوقف عنها، جاءت الزيارات الميدانية لأماكن إقامة المتقدمين بطلب الحصول على الجنسية سواء كان ذلك عبر الزواج أو عبر أي طريقة أخرى. وكان هذا الإجراء متبعاً حتى أوائل التسعينيات من القرن الماضي لكنه عُلِّق لعدم وجود موارد كافية لتطبيقه. ويقوم هذا الإجراء على توجه موظفي الهجرة إلى الحي الذي يقيم فيه المتقدم بطلب الحصول على الجنسية للتأكد من صحة زواجه.

لم تكتف إدارة ترامب بزيادة صعوبة عملية الحصول على الجنسية الأمريكية فحسب. ووفقاً لتقرير نشرته صحيفة "نيويورك تايمز" في إبريل 2026، حددت وزارة العدل 384 مواطناً أمريكياً من أصول أجنبية تسعى إلى سحب جنسيتهم، استناداً إلى حق الحكومة الأمريكية القانوني في أن تطلب من المحكمة سحب الجنسية من الأشخاص الذين حصلوا عليها بصورة تراها غير قانونية. وفي 2025 أصدرت وزارة العدل مذكرة وجهت فيها القسم المدني إلى إعطاء أولوية لقضايا نزع الجنسية من مواطنين أمريكيين في أنحاء البلاد، وأضافت فئات جديدة من الأشخاص الذين ينبغي استهدافهم. وبين 2017 ونهاية 2025، جرَّدت الولايات المتحدة ما يزيد على 120 مواطناً متجنساً من جنسيتهم الأمريكية، وأشارت الصحيفة إلى أن الأشخاص الذين تم تحديدهم مؤخراً في 2026 وعددهم 384 لا يمثلون سوى بداية لحملة إدارة ترامب لتوسيع عمليات نزع الجنسية.

هذا التصعيد في إجراءات الهجرة ونزع الجنسية امتداد لمسار أوسع اتبعته الإدارة الأمريكية في محاولة إعادة صياغة سياسات الهجرة عبر الدفع بإجراءات تنفيذية وقانونية، أبرزها قرارات حظر السفر لأمريكا على مواطني عدد من الدول، والتي واجهت نسخها الأولى سلسلة من الطعون القضائية أدت إلى وقفها.


في ولايته الأولى، وقَّع ترامب أمراً تنفيذياً في يناير 2017 بحظر دخول مواطني سبع من الدول ذات الأغلبية المسلمة إلى الولايات المتحدة. وقال ترامب حينها إنه سيمنح استثناءات للمهاجرين المسيحيين، وسيعطي القرار أولوية لطلبات اللجوء القائمة على الاضطهاد الديني إذا كان مقدم الطلب ينتمي إلى أقلية دينية في بلده الأصلي. وحكم قاض فيدرالي في هاواي بتعطيل عمل الأمر التنفيذي، استناداً على أن قانون الولايات المتحدة ينص على أنه لا يمكن منع دخول أي شخص إلى البلاد على أساس ديني أو عرقي. 

لم تيأس إدارة ترامب وأصدرت نسخة ثانية من الأمر التنفيذي في مارس 2017 لم تختلف كثيراً عن النسخة الأولى، وصدرت ضدها أحكام قضائية بعرقلتها لنفس الأسباب. وبعد ما يقرب من ثلاثة أشهر وصل الأمر للمحكمة العليا في يونيو 2017، وسمحت المحكمة بتنفيذ قرار ترامب طالما أن هؤلاء الزوار لا يمكنهم إثبات وجود علاقة حقيقية مع شخص أو جهة داخل الولايات المتحدة. وفي يناير 2018، نظرت المحكمة العليا في الدفوع لإبداء الرأي النهائي، وبعد الاستماع إلى المرافعات  أيدت المحكمة قرار الحظر مع عدة استثناءات لبعض حالات اللجوء. وبعد فوز جو بايدن في الانتخابات الرئاسية التالية لولاية ترامب الأولى، وقَّع أمراً تنفيذاً في 2021 يلغي قرارات ترامب بحظر دخول مواطني دول ذات أغلبية مسلمة.

ومع بداية الولاية الثانية لترامب في 2025، بدا أن الإدارة الأمريكية حاولت الاستفادة من العقبات القانونية التي واجهتها خلال الولاية الأولى. ففي يونيو 2025 فرضت الإدارة قيوداً موسعة على السفر شملت مواطني تسع عشرة دولة بينها دول ذات أغلبية مسلمة ودول أخرى. ثم وُسِّعت القائمة في ديسمبر 2025 لتشمل أكثر من ثلاثين دولة، وفرضت الإدارة الثانية لترامب قيوداً على تأشيرات السياحة والدراسة والعمل لمواطني تلك الدول.

على خلاف قرارات حظر السفر خلال الولاية الأولى، لم تقتصر القائمة على دول ذات أغلبية مسلمة وضمت دولاً إفريقية وآسيوية ولاتينية، مما أضعف الحجة القانونية التي استخدمت سابقاً أمام المحاكم والتي دفعت باستهداف الإدارة لمهاجرين بأعينهم بناء على معتقدهم الديني، ما يعد مخالفة للدستور الأمريكي. وقدمت الإدارة مبرراً يتسق مع قوانين الهجرة ومحظوراتها، إذ دفعت في اختيارها لتلك الدول لتوضع على قائمتها، بأن نسبة كبيرة من مواطنيها "اعتادوا تجاوز المدد القانونية للإقامة داخل الولايات المتحدة"، بعد دخولهم بتأشيرات سياحة أو دراسة أو عمل مؤقت. 

وفي يناير 2026 أعلنت الإدارة الأمريكية عن تعليق معالجة تأشيرات الهجرة لمواطني خمس وسبعين دولة إلى أجل غير مسمى ضمن سياسات ترامب لتقنين الهجرة. وحتى لا يلقى القرار معارضة من القضاء، استند على ما يعرف بتخفيف العبء العام. إذ دفع القرار بأن الدول المذكورة في القائمة الطويلة دأب مواطنوها طيلة أعوام على الاعتماد على المساعدات الحكومية ما زاد الأعباء المالية للحكومة الأمريكية. ونشر البيت الأبيض حينها وثيقة تحدد النسب المئوية للمهاجرين الذين يعتمدون على المساعدات الحكومية من دول القائمة. وشملت القائمة دولاً عربية، منها مصر واليمن وسوريا والعراق وليبيا ولبنان والسودان والصومال.

لم يكتف ترامب بسياسة حظر السفر ومنع الهجرة من دول معينة، وعمدت إدارته إلى زيادة الكلفة المالية للتأشيرات. ففي أغسطس 2025 أعلنت الخارجية الأمريكية عن بدء تطبيق برنامج لمدة عام واحد، يفرض بموجبه على رعايا بعض الدول دفع كفالة مالية تصل قيمتها إلى خمسة عشر ألف دولار للحصول على تأشيرة للسفر إلى الولايات المتحدة، تُردّ إلى المتقدم في حالة الرفض. وتقوم آلية عمل البرنامج على منح الموظف المختص بالمقابلات في السفارات والقنصليات الأمريكية في الدول المعنية بالقرار صلاحيات تتيح له تقدير قيمة الكفالة المالية التي يدفعها المتقدم للحصول على التأشيرة، إذا ما قبل منحه إياها. على أن يدفع طالب التأشيرة مبلغ الكفالة المالية من خلال موقع خاص بالخارجية الأمريكية.

أتبع ترامب قرار زيادة الكلفة المالية للتأشيرات بقرارات أخرى تصب جميعها في الاتجاه نفسه. فأصدر أمراً تنفيذياً في سبتمبر 2025 بفرض رسم قدره مئة ألف دولار على تأشيرة برنامج العمالة الماهرة المعروفة باسم "إتش وان بي" التي تستخدمها شركات التقنية الأمريكية لاستقدام العمالة الماهرة في هذا المجال. قبل هذا القرار، كانت رسوم التقديم على التأشيرات وآليات القرعة الخاصة لا تتجاوز بضعة آلاف من الدولارات تتحملها الشركات في الأغلب. وقبل قرارات إدارة ترامب الأخيرة، استحوذ الهنود وحدهم على نحو 71 بالمئة من تلك التأشيرات في 2024، ومن بعدهم الصينيون بنسبة 11.7 بالمئة. وخلال النصف الأول من 2025 حصلت شركات كبرى مثل أمازون على أكثر من اثني عشر ألف موافقة، فيما تجاوز عدد الموافقات لكل من مايكروسوفت وميتا خمسة آلاف تأشيرة. 

تعرَّض القرار التنفيذي لطعون قضائية من غرفة التجارة الأمريكية وعدد من الولايات التي يقودها الديمقراطيون، إلى جانب تحالف من أصحاب العمل والمنظمات غير الربحية. اعتبر المعارضون الرسوم الجديدة تتعارض مع قانون الهجرة الفيدرالي وستؤدي إلى زيادة كبيرة في تكاليف التوظيف والإضرار بالشركات التي تعتمد على العمالة الأجنبية. لكن القاضية الفيدرالية بيريل هويل رفضت هذه الطعون في ديسمبر 2025، وأيدت حق إدارة ترامب في فرض الرسوم الجديدة، معتبرة أن القرار يقع ضمن الصلاحيات الواسعة التي يملكها الرئيس لتنظيم الهجرة وحماية المصالح الأمريكية. ورأت المحكمة أيضاً أن الإدارة قدمت مبررات كافية لاعتبار برنامج تأشيرات "إتش وان بي" مؤثراً على فرص العمال الأمريكيين، خاصة مع استمرار بعض الشركات في طلب العمالة الأجنبية وتسريح موظفين أمريكيين.

ولم تتوقف محاولات ترامب عند تأشيرات العمالة الماهرة أو قيود السفر فقط، وامتدت إلى برامج الهجرة التي تعتمد على مبدأ التنوع والهجرة العشوائية، وعلى رأسها برنامج تأشيرة التنوع المعروف باسم "اللوتري"، والذي ظل لعقود أحد أبرز المسارات القانونية للهجرة إلى الولايات المتحدة لمواطني العديد من الدول حول العالم.

أُقِرّ برنامج الهجرة العشوائية للولايات المتحدة رسمياً بموجب قانون الهجرة سنة 1990 بهدف تنويع المهاجرين من الدول ذات معدلات الهجرة المنخفضة إلى الولايات المتحدة. يوفر البرنامج ما يقرب من خمسين ألف تأشيرة سنوياً، يُمنح الحاصلون عليها بطاقة الإقامة الدائمة في الولايات المتحدة (غرين كارد). التقديم كان مجانياً عبر الموقع الرسمي لوزارة الخارجية الأمريكية ويبدأ عادة في الفترة بين أكتوبر ونوفمبر من كل سنة. وشروط التقديم لا تتطلب إتقان اللغة الإنجليزية أو أي مهارات أو كفاءات خاصة، بل يكفي حصول المتقدم على شهادة إتمام التعليم الثانوي أو أن يكون لديه خبرة في أي مجال عمل، ويتم اختيار الفائزين عشوائياً عبر الحاسب الآلي.

في أكتوبر 2025 انتظر الملايين حول العالم في الدول المؤهلة فتح موقع التقديم على الهجرة العشوائية، ومرَّ أكتوبر وتلاه نوفمبر دون فتح باب التقديم. أعلنت الخارجية الأمريكية حينها أن الموقع يخضع لبعض التعديلات المتعلقة بشروط جديدة للتقديم، من بينها إضافة دفع مبلغ دولار واحد لشروط التقديم، علاوة على إرفاق صورة للصفحة الأولى من جواز سفر سارٍ للمتقدم. يمكن فهم هذه الإجراءات باعتبارها رغبة في تقليل عدد المتقدمين للهجرة العشوائية. وفي ديسمبر 2025 قررت الإدارة تعليق البرنامج بعد جريمة إطلاق نار في جامعة براون في ولاية رود آيلاند أدت إلى مقتل شخصين وإصابة تسعة آخرين. بناء على هذا الحادث قررت الإدارة الأمريكية تعليق البرنامج بعد تحديد هوية المشتبه به وهو مواطن برتغالي، دخل الولايات المتحدة ضمن برنامج الهجرة العشوائية.

تظهر تلك الوقائع والتحركات القانونية أن إدارة ترامب استوعبت دروس الفترة الرئاسية الأولى، ونجحت في ولايته الثانية أن تمرر بعض سياساتها للهجرة والتجنيس سواء عبر توسيع صلاحيات السلطة التنفيذية أو إعادة صياغة القرارات نفسها لتكون أكثر اتساقاً مع القوانين السارية. 

إلا أن تلك الحيطة لم تعنِ غياب المواجهة مع القضاء، إذ استمرت الاعتراضات الحقوقية استناداً لدستور الولايات المتحدة وقوانينها. وانتقلت تلك الاعتراضات إلى ساحات المحاكم، خاصة القرارات التي اعتبرها المعارضون مساساً بمبادئ دستورية أو تجاوزاً حدود السلطة التنفيذية وعلى رأسها حق الجنسية بالولادة.


النجاحات التي أحرزتها سياسات ترامب للحد من هجرة مواطني دول يراها ترامب وداعموه لا تقدم شيئاً للولايات المتحدة، بدا أنها شجعت إدارته على التحرك ضد واحد من أهم أبواب التجنيس المنصوص عليها دستورياً، وهو حق الجنسية بالولادة. 

يمنح الدستور الأمريكي في تعديله الرابع عشر الجنسية تلقائياً لأي شخص يولد داخل الأراضي الأمريكية، دون النظر إلى الوضع القانوني لإقامة والديه. وعلى مدار أعوام مُنح هذا الحق حتى لأبناء المهاجرين غير القانونيين وأبناء الحاصلين على التأشيرات المؤقتة، بما فيها تأشيرات الدراسة والعمل وحتى السياحة، لمجرد أنهم مولودون داخل الولايات المتحدة. لكن الإدارة الأمريكية الثانية لترامب بدأت تتحرك لعرقلة ذلك الحق وتنظيمه على نحو يتفق وأفكار التيار المؤيد لترامب المعادية للهجرة. 

جاءت المحاولة الأولى لعرقلة ذلك الحق في 20 يناير 2025، يوم تنصيب ترامب رئيساً في ولايته الثانية التي افتتحها بتوقيع عدة أوامر تنفيذية، بينها أمر بوقف منح الجنسية تلقائياً للمولودين داخل الولايات المتحدة. وقدم الأمر التنفيذي تفسيراً جديداً للتعديل الرابع عشر الذي يقر ذلك الحق في الدستور، شارحاً أن التعديل لا يمنح الجنسية تلقائياً لكل من يولد داخل الولايات المتحدة، وأنه لا يمتد أثره لمن لا يخضعون للقانون والنظام القضائي الأمريكي. واعتبر الأمر التنفيذي أن أبناء المهاجرين غير النظاميين وكذلك أبناء الحاصلين على إقامة قانونية مؤقتة مثل تأشيرات الدراسة أو العمل أو السياحة لا يُعدّون خاضعين بالكامل للولاية القضائية الأمريكية إذا لم يكن أحد والديهم مواطناً أمريكياً أو مقيماً دائماً قانونياً.

ومنذ لحظة التوقيع على هذا الأمر التنفيذي بدأت المعارك القانونية، وتعرض للعرقلة بأكثر من حكم قضائي حتى لا يدخل حيز التنفيذ. لكن في يونيو 2025، أصدرت المحكمة العليا في الولايات المتحدة قراراً يقضي بأن قضاة المحاكم الأدنى بما فيها المحاكم الفيدرالية لا يملكون الأهلية القانونية لإصدار قرارات تسري على كامل الأراضي الأمريكية، وبينت أن قرارها لا يعني إقراراً بدستورية الأمر الذي أصدره ترامب أو نفياً للدستورية عنه. إلا أن إدارة ترامب سرعان ما روجت للقرار باعتباره انتصاراً قانونياً لها. 

بعد ساعات من قرار المحكمة العليا، رفع الاتحاد الأمريكي للحريات المدنية دعوى قضائية بولاية نيوهامبشِر، طالب فيها باعتماد دعوى جماعية نيابة عن الأطفال المولودين في الولايات المتحدة أو الذين سيولدون مستقبلاً، والذين قد تتعرض جنسيتهم التلقائية للخطر بسبب أمر ترامب التنفيذي. حملت القضية اسم "باربرا ضد ترامب" وباربرا هو اسم مستعار استخدمته إحدى المدعيات تمثيلاً لباقي الأطفال في الدعوى. وخلال جلسة استماع في المحكمة الجزئية في نيوهامبشِر وافق القاضي الفيدرالي جوزيف لابلانت اعتماد الدعوى الجماعية، وأصدر أمراً قضائياً يوقف تنفيذ قرار ترامب على مستوى البلاد. وجاء في نص قرار المحكمة المكون من ثلاث وثمانين صفحة، أنها لا تجد أي صعوبة في الاستنتاج بأن التطبيق السريع للأمر التنفيذي دون تشريع مواز أو نقاش وطني، سيلحق ضرراً لا يمكن إصلاحه بآلاف الأشخاص الذين سيحرمون من الجنسية.

لم يكن الحكم باتاً، فموافقة المحكمة الجزئية على اعتماد الدعوى الجماعية انطوت على أمر قضائي يمنع تنفيذ قرار ترامب طوال مرحلة استمرار التقاضي بشأنه. واستندت المحكمة في ذلك إلى أن المدعين يرجح أن ينجحوا في مسعاهم لإسقاط القرار، وأن الأشخاص الذين يمسهم الأمر التنفيذي قد يتعرضون لضرر لا يمكن إصلاحه إذا جرى تنفيذه. 

في المقابل، لم تنتظر إدارة ترامب صدور حكم نهائي من المحاكم الأدنى، وتقدمت بطلب مباشر إلى المحكمة العليا الأمريكية للنظر في القضية مباشرة قبل أن تمر بمسار الاستئناف التقليدي أمام محكمة الاستئناف. وعادة ما يستخدم هذا الإجراء في القضايا التي تعتبرها الحكومة ذات أهمية دستورية أو سياسية استثنائية وتتطلب حسماً سريعاً. وفي ديسمبر 2025 وافقت المحكمة العليا الأمريكية على طلب ترامب في نظر القضية.

وفي أبريل 2026 عقدت المحكمة العليا أولى جلسات الاستماع في القضية بحضور ترامب، وهو أمر غير معتاد في القضايا المنظورة أمام المحكمة العليا. وجلس ترامب في الصف الأول من القسم المخصص للجمهور داخل قاعة المحكم، وغادر بعد وقت قصير من انتهاء المحامي الذي دافع عن إدارته من مرافعته، ولم يستمع لمرافعة المعارضين لقراره. وبعد عودته للبيت الأبيض كتب ترامب على منصته الخاصة "تروث سوشال": "نحن الدولة الوحيدة في العالم الغبية حتى السماح بمنح الجنسية بالولادة"، وهو ادعاء غير صحيح إذ تمنح معظم دول أمريكا الشمالية والوسطى والجنوبية الجنسية بالولادة بلا قيود إضافة إلى دول أخرى حول العالم بينها باكستان وتشاد.

خلال الجلسة التي استمرت ما يقرب من ساعتين، دافع محامي إدارة ترامب عن تفسير الإدارة للتعديل الرابع عشر للدستور، وأن الجنسية لا تمنح تلقائياً لكل من يولد داخل الولايات المتحدة، وأنها مرهونة بوضع الوالدين القانوني. وفي المقابل، جادل محامو الاتحاد الأمريكي للحريات المدنية بأن التعديل الرابع عشر والسوابق القضائية الأمريكية يضمنان الجنسية بالولادة دون اشتراط الوضع القانوني للوالدين. وأظهرت الجلسة تشكك عدد من القضاة تجاه الأساس الدستوري الذي تستند إليه إدارة ترامب، وركز النقاش على التعديل الرابع عشر، وما إذا كان يحق للرئيس إعادة تفسير حق دستوري عبر أمر تنفيذي. أيضاً ناقشت المحكمة الآثار القانونية والاجتماعية المترتبة على حرمان الأطفال المولودين داخل الولايات المتحدة من الجنسية الأمريكية. وحتى مايو 2025 لم تصدر المحكمة حكمها بعد.


في استخدامه الأدوات القانونية والتنفيذية لفرض سياساته في الهجرة، والتي تخطت المهاجرين غير النظاميين إلى فئات من المهاجرين القانونيين وحاملي التأشيرات المؤقتة، يجعل ترامب من قضية الهجرة معركة سياسية وثقافية وقانونية لإعادة رسم حدود الانتماء إلى الولايات المتحدة نفسها. 

في المقابل، أظهرت المعارك داخل المحاكم الأمريكية وصولاً إلى المحكمة العليا، أن جزءاً كبيراً من المؤسسة القضائية ومنظمات الحقوق المدنية لا يزال يرى هذه الحقوق محمية دستورياً، وبالتالي فإن محاولات إدارة ترامب إعادة تعريفها بقرارات تنفيذية، تمثل اختباراً غير مسبوقٍ لحدود سلطة الرئيس مقابل الدستور والقوانين الراسخة التي تعرف ماهية المواطن الأمريكي ومن يستحق حمل جواز السفر الأزرق.

ولا تبدو سياسات الهجرة التي تتبناها إدارة ترامب منفصلة عن التصور الأوسع للهوية الأمريكية، فالتشدد تجاه المهاجرين يتزامن مع خطاب سياسي وثقافي يمنح أولوية متزايدة للقيم المحافظة داخل مؤسسات الدولة. وهنا لا يمكن النظر لملف الهجرة فقط قضية حدود أو أمن قومي، ولكنه جزء من سياق أوسع حول شكل المجتمع الأمريكي وهويته الثقافية والدينية ومن يملك حق الانتماء الكامل إليه.

اشترك في نشرتنا البريدية