مالي وموريتانيا.. الحدود لا تُفهَم كما ترسمها الخرائط السياسية

اعتاد مربو الماشية على الرعي في مجالٍ يمتد بين موريتانيا ومالي، وضعته قوانين الدول الحديثة في عين الاعتبار، لكن الحرب في مالي تهدده.

Share
مالي وموريتانيا.. الحدود لا تُفهَم كما ترسمها الخرائط السياسية
لا تكفي التحذيرات الحكومية لإغلاق احتمال العبور | خدمة غيتي للصور

عاد اسم مالي يتردد في ولاية الحوض الشرقي الموريتانية في يناير 2022، محمولاً على خبرٍ ثقيل. فقد قتل الجيشُ المالي سبعة موريتانيين داخل حدود دولته، في حادثةٍ لم تتوقف دلالتها عند عدد الضحايا بقدر ما كشفت عن خطورة الطريق الذي ظلّ سكان الحدود يسلكونه زمناً طويلاً مساراً للرعي والتجارة. لم يكن القتلى غرباء عن ذلك الطريق، فهم من أبناء حوض موريتانيا الشرقي الذين كثيراً ما قادتهم الحاجة إلى الماء والكلأ وسوق قطعان الماشية إلى ما وراء الخط الذي ترسمه الدولة على الخريطة بينها وجارتها الشرقية.

لم تبق الحادثة خارج النقاش الرسمي. فقد أكدت الرئاسة الموريتانية في بيانٍ لها في 21 يوليو من العام نفسه مقتل المواطنين السبعة، وأرسلت بعثة حكومية وأمنية إلى العاصمة المالية باماكو لطلب توضيح الملابسات ومنع تكرار الحدث. 

بعد نحو أربعة أعوامٍ عاد الملف نفسه إلى قلب الخطاب الرئاسي في زيارة الرئيس الموريتاني محمد ولد الشيخ الغزواني إلى ولاية الحوض الشرقي في نوفمبر 2025، تزامناً مع تصاعد الحرب بين الجيش المالي بدعمٍ من فيلق إفريقيا الروسي وجبهة تحرير أزواد – حركة الطوارق الانفصالية التي تأسست سنة 2024 – وحلفائها من "جماعة نصرة الإسلام والمسلمين" الجهادية. ففي مدن الشريط الحدودي الفاصل بين موريتانيا ومالي، مثل عدل بكرو وباسكنو، تتداخل أخبار مالي مع حركة المُنَمِّين (جمع مُنّمي، وتعني مربّي الماشية) واللاجئين والأسواق والآبار. إذ يتعايش هؤلاء مع ما يحدث في مالي بقلقٍ يوميٍ يمسّ الأمن والمرعى والماء وحياة الناس. 

هناك قال الرئيس، وفق ما نشرته الوكالة الموريتانية للأنباء في 12 نوفمبر 2025، إن موقع عدل بكرو قريباً من الحدود صنع "تداخلات من جميع الأنواع"، وراكم عاداتٍ وممارساتٍ من الجانبين، مذكّراً أنّ الموريتانيين والماليين ارتبطوا قبل صناعة الحدود بتنقلٍ متبادل المنفعة، وأنّ الرعاة الموريتانيين اعتادوا أن يجدوا في شمال غرب مالي ماءً ومراعي. لكنه أضاف أن "الأمور لم تعد كما كانت من قبل"، لأن حالة الحرب تؤثر في الجميع، حتى من ليسوا طرفاً فيها. ودعا الغزاوي المُنَمِّين إلى العودة، مبيناً أنّ الدولة الموريتانية تبحث عن حلولٍ لمشاكل المياه وحفر الآبار في المناطق الحدودية، مؤكداً أن الأمن أهمّ من كلّ شيء.

بهذا يفتح تصاعدُ النقاش والقلق الرئاسي حول صرامة الحدود الموريتانية المالية باباً لفهم التحول الذي أصاب علاقة المُنِمّين وسكان الشريط الحدودي بمجالٍ ظلّ زمناً مألوفاً وتبادل فيه سكان الحدود على الجانبين الرعي والماء والكلأ والأسواق وعلاقات القربى. إذ جاءت الدولة الحديثة بمنطق الحدود والسيادة والرقابة، إلى مجالٍ عاشه السكان بمنطق الحركة. قبل أن تجعل الحرب الراهنة في مالي ذلك الامتداد مساحةً للخوف والاشتباه. ومن ثم يمكن فهم دور تلك الأزمة في تغيير معنى الحدود في حياة الذين يعبرونها. فمالي التي كانت في الذاكرة والمسار امتداداً قريباً صارت في زمن الحرب موضع تحذيرٍ ومنعٍ وحذر.


في حياة كثيرٍ من المنمِّين وسكان الشريط الشرقي الموريتاني كانت مالي أكثر من خارجٍ بعيدٍ تحدده الخريطة وحدها، إذ تُرى مجالاً مألوفاً تصنعه مسارات الرعي والأسواق. فهم لا ينظرون إلى المكان كما تنظر إليه الدولة. 

خريطة توضح الحدود بين مالي وموريتانيا | تصميم خاص بالفراتس

لاحظ سيدي أحمد ولد الشيخ العالي، المُعلم المتقاعد الذي عمل في غابو قرب الحدود المالية، أن المنمِّي لا يقرأ المكان أولاً من جهة الحدود، بل من جهة الماء والمرعى. وفي حديثه إلى الفراتس يقول ولد الشيخ العالي إنّه اشتغل حيناً في مجال التنمية الحيوانية، ولاحظ وقتئذٍ أنه عندما يطول موسم الجفاف في الحوض الشرقي يصبح عبور المنمِّين جنوباً امتداداً طبيعياً لحاجة القطيع إلى المرعى. لذلك تبدأ علاقتهم بالمكان من دورة المطر وحالة الأرض وحاجة الحيوان، قبل أن تبدأ من الخط الذي ترسمه الدولة على الخريطة.

هذا المعنى، الذي تقوله تجربة المنمِّين اليومية، تؤكده أيضاً بعض الدراسات المتخصصة في الرعي العابر للحدود. ففي دراسةٍ أعدتها منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة بعنوان "لا ترانزيمانس ترانسفرونتاليير أون أفريك دو لوويست" (الانتجاع العابر للحدود في غرب إفريقيا)، المنشورة سنة 2012، ترد إشارةٌ إلى أن حركة الحيوانات المنتجة من موريتانيا في اتجاه السنغال ومالي كانت تقدّر بأكثر من مليون رأسٍ، أي ما بين 5 بالمئة و10 بالمئة من القطعان الموريتانية.

تكشف الإحصائية أن العبور يعدّ جزءاً من طريقة اشتغال الاقتصاد الرعوي. ويوضح كلٌّ من آدم حجازي، أستاذ علم الإناسة في جامعة أمستردام، وشيدكي أبو بكر علي، الأستاذ في قسم الغابات في جامعة دشانغ الكاميرونية، هذا الجانب في العلاقة الموريتانية المالية تحديداً في دراستهما "باستورالِزم أند سيكيوريتي إن ويست أفريكا أند ذا ساهِل" (الرعي والأمن في غرب إفريقيا والساحل)، الصادرة سنة 2018. إذ يلفتان النظر إلى وجود مستوىً مرتفعٍ من الحركة الرعوية عبر الحدود الجنوبية لموريتانيا مع مالي، وإلى أن هذه الحركة في الاتجاهين. إلى جانب وجود تبادلاتٍ تجاريةٍ عابرةٍ للحدود، مع بروزٍ أوضح لحركة المنمِّين الموريتانيين نحو مالي في موسم الجفاف.

قطيعٌ في أحد مواسم الجفاف في نواكشوط سنة 2019 | خدمة غيتي للصور

غير أن ألفة هذا المجال لم تكن بسبب الانتجاع (أي الانتقال بحثاً عن الماء والكلأ) وحده، لأن شبكاتٍ أقدم من الدولة الحديثة كانت تنظمه وتمنحه معانيه المحلية. وهو ما أشار إليه الحسين ولد المبارك، الباحث في قسم التاريخ والحضارة بجامعة نواكشوط، في مقابلةٍ مع الفراتس. وأوضح أن المجال الشرقي قبل ترسخ الحدود الحديثة كان فضاءً تتحرك فيه القبائل والإمارات وشبكات الحماية والانتفاع، وفق منطق الآبار والمرعى والنفوذ المحلي. وكانت بعض المناطق تُعرف بأهلها، أو بمن يَرِد آبارها، أو بمن له فيها نفوذٌ أو حمايةٌ أو حقّ انتفاع.

ويتصل هذا التصور بما تذهب إليه أستاذة الجغرافيا بجامعة تور الفرنسية آن ماري فريرو في دراستها "تيريتوار نوماد أون دوفونير" (مجالات بدوية في طور التحول)، المنشورة سنة 1999. إذ تناقش تحولات المجال البدوي في موريتانيا، وتبيّن أن حياة الترحال لا تقوم على غياب المكان كما قد يتبادر إلى الذهن، وإنما على مجالات النفوذ وتحقق المصالح وخصوصاً النفاذ إلى الماء والمراعي. ومن ثم لا يكون البدو خارج المجال، بل هم أصحاب علاقةٍ خاصةٍ به لا تُقاس بثبات السكن وحده، وإنما بقدرة الجماعة على حفظ الطريق، ومعرفة مواضع الماء، وترتيب الحركة بين مواضع متباعدة. 

تساعد هذه القراءة على فهم لماذا لم يكن عبور المنمّين نحو بعض الجهات المالية يُرى انتقالاً إلى خارجٍ غريب. فالمكان – كما يقول ولد المبارك – كان يُدرَك من علاقات القربى والجوار والانتفاع والتحالف والحماية. لذلك ظل بعض السكان، بحسب تعبيره، يحفظون أسماء الآبار والقرى والمسارات لأنها جزءٌ من ذاكرتهم العملية.

وُضِعت الحدود الحديثة من هذا المنظور لتكون طبقةً فوق مجالٍ كانت صلاته أسبق منها. ويتقاطع هذا المعنى مع ما يعرضه الجغرافي الفرنسي كليمان لوشارتييه في أطروحته "ليسباس نوماد دو بوفوار بوليتيك أون موريتاني" (المجال البدوي للسلطة السياسية في موريتانيا)، الصادرة سنة 2005 عن جامعة روان. فقد درس لوشارتييه علاقة الجماعات البدوية والقبلية بالمكان من زاوية الحركة والارتباط بالموارد وشبكات القرابة والنفوذ، وبيّن أن المجال يُفهم عبرَ العلاقات التي تصل بين البادية والعاصمة، وبين مواضع الموارد ومراكز القرار.

هذا المجال تسنده ذاكرةٌ أقدم، تمتد من طرق القوافل والرعاة حتى طرق نقل المعرفة والدين. ففي دراسته "غلوبال شنكيط [. . .]" (شنقيط العالمية: تقليد المعرفة الإسلامية في موريتانيا وصناعة السلطة الدينية العابرة للحدود) المنشور سنة 2021، يورد زكريا أحمد سالم أستاذ العلوم السياسية في جامعة نورثويسترن الأمريكية، أن المقارنة بين مجموعات المخطوطات في تمبكتو وموريتانيا، تدعو إلى إعادة النظر في جغرافيا إنتاج المعرفة الإسلامية في غرب إفريقيا. وتذكر منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (يونسكو)، في تعريفها بموقع تمبكتو المدرج على قائمتها للتراث العالمي، أن المدينة كانت في القرنين الخامس عشر والسادس عشر عاصمةً فكريةً وروحيةً ومركزاً لنشر الإسلام في إفريقيا. وفي الجهة المقابلة، تورد يونسكو أن مدن وادان وشنقيط وتيشيت وولاته، الواقعة اليوم داخل موريتانيا، نشأت منذ القرنين الحادي عشر والثاني عشر لخدمة طرق القوافل العابرة للصحراء، ثم صارت مراكز تجاريةً ودينيةً وحواضن للثقافة الإسلامية.

ولم تكن هذه الشبكة بعيدةً عن التاريخ العلمي الموريتاني. إذ يورد عالم الاجتماع الأمريكي تشارلز ستيوارت، في كتابه "إسلام أند سوشيال أوردر إن موريتانيا" (الإسلام والنظام الاجتماعي في موريتانيا)، المنشور في جامعة أكسفورد سنة 1973، أن الشيخ سيديا الكبير – أحد أبرز أعلام العلم والتصوف في موريتانيا في القرن التاسع عشر – أقام في نهاية رحلته بين حواضر علميةٍ شتى، عند حضرة الشيخ سيدي محمد الكنتي في أزواد (في مالي) قبل رجوعه إلى جنوب موريتانيا وتطبيق ما حصّله من دراسةٍ في الفقه والتصوف.

ولا تقف ألفة المجال المالي عند حركة القطعان ولا عند هذا الترابط العقائدي. ففي لقائها مع الفراتس، تذكر سمية بنت عبد الرحمن، خريجة قسم الفلسفة وعلم الاجتماع في جامعة نواكشوط ومن سكان منطقة باسكنو في الحوض الشرقي، أن العلاقة التاريخية مع القرى والأسواق المالية كانت جزءاً من اقتصادٍ محليٍ ينتفع منه السكان على الجانبين. فقد كان بعض السكان يقصدون أسواق مالي للحصول على الحبوب بأسعارٍ أقلّ، أو يعودون بما يحصلون عليه منها ليبيعوه في أسواق المنطقة. وفي الاتجاه المقابل، كان الماليون يعبرون إلى الأسواق الموريتانية لشراء المواشي والغنم. 

من هنا تبدو مالي أقرب إلى امتدادٍ يوميٍ للحياة في باسكنو ومحيطها في الحوض الشرقي الموريتاني إلى خارجٍ بعيد. وتبدو فَصالة، الواقعة في أقصى الشرق الموريتاني، أكثر من مجرد نقطةٍ على الحدود. فاسم هذه البلدة يحمل معنىً لافتاً. إذ يفيد سيدي أحمد ولد الشيخ العالي، في حديثه إلى الفراتس، بأن اسم فصالة يحيل في الاستعمال المحلي إلى معنى "الفاصلة"، بسبب موقعها على تماسٍّ مع المجال المالي. لكن هذه "الفاصلة" لم تكن في حياة السكان حاجزاً جامداً، بل كانت أقرب إلى موضع عبورٍ واتصالٍ تتحرك حوله قطعان المنمِّين، وتتقاطع عنده حاجات الرعي والتجارة والأسواق.

تأتي دراسة مركز الحوار الإنساني بعنوان "ميدياسيون أغروباستورال أو ساهِل: إيتود مالي" (الوساطة الرعوية الزراعية في الساحل: دراسة مالي) المنشورة سنة 2020 لتدعم معنى الحدود العملي هذا، حين تذكر فصالة ضمن محاور رعيٍ وتجارةٍ عابرةٍ الحدود، من بينها محور "ليري - فصالة - باسكنو"، إذ تقع ليري في منطقة تمبكتو المالية غير بعيدٍ عن الحدود الموريتانية، وتقع باسكنو في الحوض الشرقي الموريتاني. هذا بالإضافة إلى محور "تيلمس - فصالة - باسكنو"، وتيلمس بلدية في منطقة غاو شرقي مالي. وتذكر الدراسة أن سوق تيلمس يستقبل سكاناً من باسكنو وفصالة في موريتانيا. هكذا صار السوق، مثل المرعى، جزءاً من ألفة الحدود ومكاناً لبيع الحيوانات وتبادل السلع، وموضعاً لتناقل أخبار المطر والماشية والطرق.

محاور الرعي والتبادل بين موريتانيا ومالي | تصميم خاص بالفراتس

تتضح هذه الصلات أكثر حين تأتي الدراسة نفسها على ذكر المسارات بأسمائها. إذ تشير إلى مساراتٍ داخليةٍ بين امهاره وكرواده، وهما موضعان رعويان في المجال الشرقي الموريتاني، وبين كنديله وباسكنو، ثم إلى مساراتٍ عابرةٍ الحدود من فصالة نحو بوارة في مالي، ومورجا وكالا، وهي مواضع تقع داخل المجال المالي القريب من حركة الرعاة الموريتانيين. وفي ولاته، وهي مدينةٌ تاريخيةٌ في الشرق الموريتاني عُرفت قديماً بموقعها على طرق القوافل، يظهر مسارٌ داخليٌ يربط عدل بكرو بفصالة. ويظهر مسارٌ آخر يربط سونداج ولد الدرويش بفصالة، ثم مسارٌ عابرٌ إلى كالا ونارا داخل مالي.

بهذه الأسماء، تظهر الحدود في حياة المنمِّين طرقاً وآباراً ومناطق انتظارٍ وأسواقاً، لا خطّاً سياسياً فقط. هكذا كانت الحركة في هذا المجال جزءاً من الحياة نفسها. وكانت الحدود، قبل أن تستقر في لغة الدولة، أقرب إلى مساراتٍ يقطعها الناس والقطعان حسب الحاجة. لكن هذا المجال المألوف لم يبقَ خارج التحولات السياسية والإدارية، فمع وصول الإدارة الاستعمارية الفرنسية، ثم قيام الدولة الوطنية لاحقاً، بدأ المكان يُقرأ بلغةٍ أخرى.


تتمحوّر قراءة المكان الإدارية حول الدوائر والتبعيات والمراكز، والحدود التي ينبغي ضبطها. وهنا بدأ يظهر التوتر بين مجالٍ عاشه السكان بمنطق المسار، ودولةٍ تنظر إليه بمنطق الخط الفاصل. فلم تكن الروابط الاجتماعية والرعوية والتجارية، في نظر أستاذ الجغرافيا بجامعة نواكشوط محمد عالي ولد المختار التقي، كافيةً للدولة لتفسير استمرار العلاقة بين سكان جانبي الحدود المالية الموريتانية في صورتهما الحديثة. 

يقول ولد التقي للفراتس إن الروابط الاجتماعية والرعوية تعززت مع الحضور الاستعماري الفرنسي منذ 1898. فصار المكان محكوماً بمنطقين متداخلين، هما منطق حركة السكان ومنطق الإدارة الاستعمارية التي ربطت إدارياً بين المجالين المالي والموريتاني. فقد سعى الفرنسيون إلى جعل المجال أكثر قابليةً للمتابعة والضبط عبر الدوائر والمراكز الإدارية ونقاط الارتكاز. وهذا السعي – بحسبه – لم يقطع المسارات الرعوية والاجتماعية القائمة، لكنه أعاد ترتيبها حول بنيةٍ إداريةٍ جديدة. فقد بدأ المجال يدخل تدريجياً في شبكة المراكز الإدارية والطرق المراقبة والتقسيمات السياسية القومية، وتتعامل فيه السلطات المحلية مع الحركة عادةً باعتباره موضوعاً ينبغي تنظيمه.
صورة

 بدويٌّ مع قطيعه في النعمة، جنوب موريتانيا | خدمة غيتي للصور

تساعد أطروحة كليمان لوشارتييه المذكورة آنفاً حول "المجال البدوي للسلطة السياسية في موريتانيا" على تثبيت هذا المعنى، من زاوية العلاقة بين الدولة والمجال البدوي. فالأطروحة تذكر أن الفرنسيين لم يُلحِقوا الحوضَ في بداية المرحلة الاستعمارية بموريتانيا، بل ربطوه بالسودان الفرنسي (الاسم الاستعماري لدولة مالي) ودائرة نيورو الساحل – وهي دائرة إدارية في مالي الحالية – قبل أن تعيد الإدارة الفرنسية إلحاق الإقليم بموريتانيا سنة 1944. ويورد لوشارتييه، استناداً إلى تقارير الإدارة الاستعمارية، أن أحد أهداف هذا الإلحاق كان جمع الرحّل في كيانٍ إداريٍ واحد. ويوضح أن عيون العتروس، وهي اليوم عاصمة ولاية الحوض الغربي في موريتانيا، أُنشئت لسد فراغٍ في تغطية المجال بين النعمة شرقي موريتانيا، ونيورو في مالي، وكيفه في وسط الجنوب الموريتاني، قبل أن تتحول لاحقاً إلى سوقٍ دائمٍ ومركزٍ إداريٍ أكثر ثباتاً.

الرئيس الموريتاني مختار ولد داداه (يسار الصورة)، والرئيس المالي موديبو كيتا (يمين الصورة) يتصافحان بعد
اتفاق ترسيم الحدود في فبراير 1963 | خدمة غيتي للصور

تسند الوثائق التاريخية هذا المسار من زاوية الحدود. ففي دراسة "مكتب الجغرافي" بوزارة الخارجية الأمريكية "إنترناشونال باوندري ستادي: مالي ــ موريتانيا باوندري" (دراسة الحدود الدولية: حدود مالي وموريتانيا) الصادرة في ديسمبر 1963 يرد مرسوم 23 أبريل 1913 الذي أصدرته الإدارة الاستعمارية الفرنسية في غرب إفريقيا، بهدف تحديد خطوطٍ إداريةٍ داخل الإمبراطورية الاستعمارية الفرنسية بين وحداتٍ خاضعةٍ لها. وحدّد المرسومُ الحدودَ بين موريتانيا والسودان الفرنسي. غير أن ذلك الخط لم يكن مطابقاً لما ستستقر عليه الحدود لاحقاً، خاصةً في شرق موريتانيا. إذ تشير الدراسة نفسها إلى أن خط الحدود الذي رسمه مرسوم 1913 كان قريباً من الخط الحدودي الحالي في الجنوب الغربي، غير أنه كان يختلف عنه اختلافاً معتبراً في الشرق، حيث كان يمنح السودان الفرنسي وضعاً حدودياً أكثر اتساعاً، قبل أن تتدخل تعديلاتٌ لاحقةٌ في إعادة ترتيب هذا المجال. إذ جاء مرسوم 5 يوليو 1944 ليعيد تعديل الوضع، وينقل الحوض الشرقي إلى موريتانيا.

يزيد جيروم لومبار، الباحث في المعهد الفرنسي للبحث من أجل التنمية وأرمال شوبلان، أستاذة الجغرافيا في جامعة جنيف، هذا المعنى وضوحاً. فقد ثبَّتت الإدارةُ خطاً جديداً، لكن حياة الناس واصلت إنتاج مساراتها عبر الرعي والتجارة والحاجة اليومية. في مقالهما "سويفر لا روت [. . .]" (اتبع الطريق: الحركيات والتبادل بين مالي وموريتانيا والسنغال) المنشور سنة 2010 يشير الباحثان إلى أن فرض الحدود – على أثره في الهويات والتصنيفات – لم ينهِ حركة الأشخاص الكثيفة، خصوصاً حركة الرحل من البيظان والفلان، وهم جماعاتٌ رعويةٌ منتشرةٌ في غرب إفريقيا. ويلفت الباحثان إلى أن التبادل بين البلدين توسع لاحقاً، وأن بلداتٍ حدوديةً مثل عدل بكرو وفصالة نيري تحولت إلى مواقع تخزينٍ وتبادل. واستمر هذا الوضع حتى استقلال البلديْن.

مع قيام الدولة الوطنية، أخذ الخط الموروث عن المرحلة الاستعمارية معنىً أكثر صرامة. ففي 22 سبتمبر 1960 أصبحت جمهورية السودان الفرنسي السابقة تُعرف بجمهورية مالي، بعد انسحاب السنغال من اتحاد مالي في أغسطس من السنة نفسها. ونالت موريتانيا استقلالها في 28 نوفمبر 1960. لم تعد الحدود عندئذٍ شأناً إدارياً داخل فضاءٍ فرنسيٍ واحدٍ، إنّما صارت حداً بين سيادتين. ويوضح التقي أنّ الدولة الموريتانية بعد الاستقلال وجدت نفسها أمام تركةٍ مركّبةٍ من روابط اجتماعيةٍ ورعويةٍ وتجاريةٍ ممتدةٍ بينها وبين جارتها، وربطٍ إداريٍ استعماريٍ أعاد ترتيب بعض تلك الروابط، ومجالٍ رعويٍ لا يتحرك دائماً وفق ما تقتضيه الخريطة السياسية الجديدة.

بهذا لم يكن في وسع الدولة أن تتجاهل هذه التركة أو أن تذَرَها خارج التنظيم. فالمنمّون ظلوا يتحركون تبعاً للمطر والمرعى وحاجة القطيع، في حين صارت الدولة مطالَبةً بتحديد مجالها وضبط العبور خلاله. هذا التداخل بين الحاجة إلى الحركة والحاجة إلى السيادة أنشأ، وفق تحليل التقي، توتراً هادئاً بين المنطقيْن. وتظهر هذه المفارقة في وثيقة ترتيبات الانتجاع بين مالي وموريتانيا الموقعة في 19 سبتمبر 1989. فالوثيقة تستند إلى اتفاقٍ بيطريٍ بين البلدين وُقّع سنة 1968، ثم عُدّل سنة 1986. وتشير إلى ترتيباتٍ عمليةٍ وضعتها اللجنة المشتركة المالية الموريتانية في نواكشوط في سبتمبر 1989. وتنطلق من الاعتراف بأهمية حركة قطعان الماشية بين البلدين. وبذلك تتعامل الوثيقة مع واقعٍ رعويٍ واقتصاديٍ واجتماعيٍ لا يمكن تجاهله.

لكن الاعتراف بالحركة لا يتركها خارج الضبط. فالوثيقة نفسها تتحدث عن مدةٍ محددةٍ للانتجاع، تمتد من ستة إلى تسعة أشهرٍ في السنة، تحددها السلطات الحدودية المختصة في البلدين. وتتحدث أيضاً عن نقاط دخولٍ وخروجٍ، والتزاماتٍ بيطريةٍ، وقواعد تتعلق بالمراعي والآبار والغابات. 

هكذا لم تخلق الأزمة الحالية التوتر بين الدولة والحركة الرعوية من العدم. لقد تشكّل هذا التوتر منذ أدخلت الإدارة الاستعمارية المجال الطبيعي للحركة والانتجاع في لغة الحدود والتصنيف، ثم ورثته الدولة الوطنية وحولته إلى جزءٍ من سيادتها. وستجعل الحرب في مالي هذا التوتر أكثر وضوحاً وحدّةً، لأنها ستنقل العبور من مسألة تنظيمٍ إداريٍ إلى مسألة أمنٍ وخطر.


إذا كان قيام الدولة الوطنية قد جعل الحدود بين موريتانيا ومالي حداً بين سيادتين، فإن ذلك لم يجعل ما وراء الحدود خارجاً كامل الغربة في نظر سكان الشريط المشترك بين البلدين. ظل شمال مالي، ولاسيما المجال الأزوادي، الممتد في شمال مالي، حاضراً في الذاكرة الاجتماعية والرعوية والقرابية لجزءٍ من سكان الحوض الشرقي. 

في مقابلةٍ مع الفراتس ينبّه يسلم ولد عبدي، الباحثُ في علم الاجتماع بجامعة نواكشوط، إلى أن قراءته هذه العلاقة تستند أيضاً إلى مدّةٍ قضاها في مناطق من الحوض الشرقي، ما سمح له بملاحظة بعض أنماط السكن والمعايشة وطبيعة العلاقات داخل ذلك الحيز الحدودي. ومن هذه المعاينة، يذهب ولد عبدي إلى أن العلاقة بين جزءٍ من المجتمع الأزوادي والمجال الموريتاني الشرقي علاقةٌ قريبةٌ غذّتها المصاهرات والقرابات والتداخل الاجتماعي إلى حدٍّ جعل الفروق التي ترسمها الحدود أقل حضوراً في الوجدان اليومي لبعض الجماعات دون النظر لما هي عليه في الخرائط والوثائق.

تؤكد مسارات الأزمات السابقة في شمال مالي أن هذا القرب لم يبقَ معنىً اجتماعياً مجرداً. فقد عرف الشمال المالي موجات اضطرابٍ متكررةً قبل الأزمة الراهنة. وتذكر منصة "ذا نيو هيومانيترين" الإخبارية في عرضها الزمني للنزاع أنّ تمرد الحركة الوطنية لتحرير أزواد (التي أصبحت جزءاً من جبهة تحرير أزواد سنة 2024) سنة 1990 بدأ بهجوم في ميناكا، شمال شرق مالي، استهدف السجن والحامية العسكرية. وأن العنف الذي أعقب ذلك أدّى إلى موجة نزوحٍ مدني. وتفيد المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، في مادةٍ عن أزمة 2012، بأن مبره الواقعة على بعد خمسين كيلومتر من الحدود الموريتانية المالية استضافت نحو ثلاثين ألف لاجئٍ ماليٍّ في تسعينيات القرن الماضي، حين وقعت مواجهاتٌ بين الحركة الوطنية لتحرير أزواد والجيش المالي. 

راعٍ لاجئ من مالي في موريتانيا إثر أزمة 2012 | خدمة غيتي للصور

لكن أزمة 2012 جعلت هذا الأثر أكثر وضوحاً. ففي فبراير من تلك السنة، أعلنت المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين أن تمرد حركة تحرير أزواد في شمال مالي، الذي بدأ في 17 يناير، دفع ما بين خمسة وعشرين ألف وثلاثين ألف شخص إلى طلب الأمان في دول الجوار، خاصةً بوركينا فاسو وموريتانيا والنيجر. وفي معبر فصالة الحدودي، كانت السلطات الموريتانية والمفوضية تعملان على توفير الغذاء والماء والمأوى للاجئين. 

وأشارت المفوضية في تقريرها إلى أن معظم اللاجئين الماليين الذين وصلوا موريتانيا، وكانوا يقاربون أحد عشر ألفاً في تلك المرحلة، من الطوارق الفارين من مناطق قريبةٍ مثل ليره. وذكر التقرير أيضاً أنّ السلطات الموريتانية حددت موقعاً محتملاً في مبره لنقل اللاجئين إليه. وبعد أسابيع قليلةٍ تحدثت المفوضية في 24 فبراير 2012، عن نحو 130 ألف شخصٍ اقتُلعوا من أماكنهم داخل مالي وخارجها منذ استئناف المواجهات، وسجلت حينئذٍ 22958 لاجئاً مالياً في موريتانيا. 

في قراءة يسلم ولد عبدي، تكشف موجة اللجوء التي أعقبت أزمة 2012 وجهاً آخر من حضور مالي في الحوض الشرقي. فلم يعد هذا الحضور مرتبطاً فقط بالمنمِّين والأسواق ومسارات الانتجاع، بل صار يأخذ شكل إقامةٍ بشريةٍ أكثر ثباتاً داخل المخيمات والقرى المضيفة. وهو ما يكسب مخيم مبره، في نظره، دلالةً تتجاوز كونه استجابةً إنسانيةً طارئةً لأزمةٍ وقعت خلف الحدود. إذ صار أحد المواضع التي دخلت منها الأزمة المالية في الحياة اليومية للشرق الموريتاني.

لاجئ مالي في الحوض الشرقي لموريتانيا في أبريل 2026 | خدمة غيتي للصور

لا يعني ذلك أن مخيم مبره اختصر علاقة الحوض الشرقي بمالي، ولا أن اللجوء حلّ محلّ الرعي والتجارة والقرابة. لكنه أضاف طبقةً جديدةً إلى هذه العلاقة. إذ صار شمال مالي حاضراً في موريتانيا من خلال لاجئين يستقرون، وقرىً تستقبل، ومجالٍ حدوديٍ يتعامل مع آثار أزمةٍ تصل إليه عبر البشر والحركة والحاجة إلى الحماية. بذلك انتقل أثر أزواد، قبل الأزمة الراهنة، من مستوى الخبر السياسي والعسكري إلى مستوى المجال المُعاش.


منذ إطاحة الجيش المالي بالرئيس إبراهيم بوبكر كيتا في أغسطس 2020، دخلت مالي طوراً جديداً من الاضطراب السياسي والأمني. إذ اهتزت المرحلة الانتقالية مرةً أخرى في مايو 2021، حين اعتُقل الرئيس الانتقالي باه نداو ورئيس الوزراء مختار وان. وبعد ذلك، اكتمل خروج القوات الفرنسية من مالي في أغسطس 2022، ثم أنهت بعثة الأمم المتحدة المعروفة باسم "مينوسما" انسحابها نهاية ديسمبر 2023. وفي نوفمبر من العام نفسه، أعلنت القوات المالية دخول كيدال، المدينة التي ظلت أعواماً ذات موقعٍ مركزيٍ في علاقة الدولة المالية بحركات الشمال. هذا قبل أن تعلن السلطات المالية في يناير 2024، إنهاء اتفاق الجزائر الموقع سنة 2015 مع الحركات المسلحة في الشمال، وهو الاتفاق الذي كان يفترض أن ينظم العلاقة بين باماكو وبعض حركات الشمال بعد أعوامٍ من النزاع.

لم يتوقف هذا التحول داخل حدود مالي فقط. ففي مارس 2026، أصدرت وزارة الداخلية وترقية اللامركزية والتنمية المحلية في موريتانيا بياناً عقب مقتل مواطنين موريتانيين داخل الأراضي المالية. أدانت الوزارة في البيان ما وصفته بالاعتداءات المتكررة على أرواح المواطنين الموريتانيين وممتلكاتهم داخل مالي، ودعت إلى الالتزام بتعليمات السلطات الإدارية والبعثات الدبلوماسية، خاصةً في ما يتعلق بالانتجاع داخل الأراضي المالية والتنقل خارج البلاد. وذكّرت، في السياق نفسه، بتعميم وجهته إلى السلطات الإدارية يقضي بمنع الانتجاع داخل مالي، وبإطلاق حملات توعيةٍ واسعةٍ لحثّ المنمِّين على عدم التوجه إلى المناطق غير الآمنة.

وأشارت الوزارة إلى إنشاء وتفعيل لجانٍ قرويةٍ لليقظة (المراقبة) في المناطق الحدودية، أي لجانٍ محليةٍ تساعد في نقل التنبيهات والمعلومات بين السكان والسلطات الإدارية والمصالح الأمنية. ولم يقتصر الخطاب الرسمي على المنع والتحذير، بل أعلن أيضاً أن وضعية المراعي داخل البلاد جيدةٌ، وأن الحكومة باشرت برنامجاً لحفر الآبار في المناطق الرعوية، بهدف توفير المياه والحد من حاجة المواطنين إلى التنقل خارج الحدود.

بهذا المعنى، لم تعد الدولة تتعامل مع الانتجاع نحو مالي على أنه حركةٌ رعويةٌ تحتاج إلى مجرد التنظيم، بل مسألةً أمنيةً تمسّ حياة الناس مباشرة. فلم تعد المشكلة في أن المنمّي يعبر خطاً إدارياً فقط، بل في أنه يدخل مجالاً مفتوحاً على عملياتٍ عسكريةٍ وجماعاتٍ مسلحةٍ ووقائع قتلٍ واعتقالٍ يصعب ضبطها أو توقعها.

مقاتلون طوارق من حركة تحرير أزواد سنة 2020 | خدمة غيتي للصور

جاءت هذه التحذيرات على خلفية توتراتٍ قرب الحدود. فقد نقل موقع الجزيرة نت في مايو 2024، عن وكالة الصحافة الفرنسية، أن موريتانيا اتهمت الجيش المالي وحلفاءه الروس بملاحقة مسلحين داخل الأراضي الموريتانية، قبل أن ترسل باماكو وفداً رفيع المستوى إلى نواكشوط لاحتواء التوتر. وأورد موقع "منبر الدفاع الإفريقي" في الشهر نفسه أن موريتانيا اتهمت الجيش المالي وشركاءه الروس بدخول قريتي مدالله وفصالة داخل موريتانيا في أبريل 2024. 

تقول سمية بنت عبد الرحمن، ابنة باسنكو الحدودية في حديثها للفراتس، إن هذه التحذيرات الحكومية انعكست على سلوك بعض السكان في المجال الحدودي. فبحسب ما تنقله عن شهاداتٍ محليةٍ، تراجعت بعض المجموعات التي كانت ترتبط تقليدياً بآبارٍ ومواضع رعيٍ قريبةٍ من المجال المالي عن ارتياد تلك المواضع، وبدأت تتداول فيما بينها تنبيهاتٍ داخليةً تدعو إلى الابتعاد عنها، تحت ضغط التحذيرات الحكومية وتزايد الخوف من اقتراب الحرب.

وأصدر الجيش الموريتاني في أبريل 2026، بياناً توضيحياً نفى فيه شائعاتٍ محليةً عن دخول قواتٍ آليةٍ إلى قرىً حدوديةٍ موريتانية. وأكد أن القرى التي زارتها دورياتٌ من القوات المالية تقع بالكامل داخل التراب المالي وفق الخرائط المعتمدة. ووضح الجيش أن الزيارات شملت قرى "لبيزية" و"كطع الدافع" و"أهل إبراهيم" و"فوصات" وأنها جميعها "داخل التراب المالي". 

لكن أهمية هذه الروايات في سياق حياة السكان لا تكمن فقط في تحديد موقع القرى إدارياً، بل في ما تكشفه من تحوّلٍ نفسيٍ وعملي. فالخوف صار حاضراً في وعي السكان بالآبار والقرى والمسارات التي كانت مألوفةً من قبل.

امتدت آثار هذه التحولات إلى الأسواق أيضاً. فبحسب لالة بنت أعمر، تاجرة "الأخناط" وهي أقمشةٌ نسائيةٌ معروفةٌ في السوق المحلية في باسكنو، كانت بعض الأسواق في القرى والبلدات المالية جزءاً من اقتصادٍ يوميٍ ينتفع منه سكان باسكنو ومحيطها. وتوضح بنت أعمر أن الحركة نحو مالي لم تكن مقتصرةً على الانتجاع، إذ كان كثيرٌ من الشباب الموريتانيين يعبرون الحدود لاقتناء الحبوب والأعلاف بأسعارٍ أقلّ، إلى جانب سلعٍ أخرى من بينها أخناطٌ قادمةٌ من النيجر. غير أن تصاعد الخطر والتحذيرات الحكومية غيّرا معنى الطريق إلى تلك الأسواق، حتى أصبح عبوراً محفوفاً بالمخاطر.

تدعم تقارير شبكة نظام الإنذار المبكر بالمجاعة، المعروفة بِاسم "فيوز نت"، هذا الربط بين الأزمة المالية والضغط على العيش والأسواق في الحوض الشرقي. ففي تحديثها الصادر في أبريل 2024، أشارت الشبكة إلى أن تدفق اللاجئين الماليين في جنوب شرق موريتانيا، وخاصةً في الحوض الشرقي ومخيم مبره والمناطق القريبة من الحدود، يضغط بقوةٍ على مصادر الغذاء والعمل وسبل العيش، ويمكن أن يوسع وضعية الأزمة الغذائية خلال موسم الشحّ (بين أبريل وأغسطس). وربطت الشبكة بين هشاشة الأسر الفقيرة في المناطق الرعوية والزراعية المطرية وبين تراجع المخزون الغذائي وارتفاع تكلفة الوصول إلى الغذاء.

يظهر حجم هذا الضغط في بيانات المفوضية السامية لشؤون اللاجئين. فبحسب ورقة المفوضية الخاصة بموريتانيا في فبراير 2026، تجاوز عدد اللاجئين وطالبي اللجوء في البلاد عتبة ثلاثمئة ألف شخصٍ سنة 2025، بعد وصول نحو خمسين ألف وافدٍ جديد. ويستضيف الحوض الشرقي وحده أكثر من 290 ألف لاجئٍ ماليٍّ، منهم نحو 120 ألفاً في مخيم مبره، وأكثر من 170 ألفاً موزعين على أكثر من سبعين قريةً مضيفة. وتذكر المفوضية في وثيقةٍ أخرى أن أكثر من عشرة آلاف لاجئٍ ماليٍّ جديدٍ عُرفوا في جنوب شرق موريتانيا منذ 24 أكتوبر 2025، وأن أغلبهم فضّل البقاء في قرىً كبيرةٍ مثل كليفه وفصالة وآغور، وهي قرىً ومواضع استقبالٍ في المجال الحدودي الشرقي، بدل الانتقال مباشرةً إلى المخيم.

هذه الأرقام تجعل الحوض الشرقي مجالاً يتلقى أثر الحرب من الجهتين معاً. فمن جهةٍ، تتراجع حركة بعض المنمِّين نحو الداخل الماليّ بفعل الخوف والتحذيرات. ومن جهةٍ ثانيةٍ، يتوسع حضور الوافدين من مالي داخل القرى الموريتانية، وهم بحاجةٍ بالطبع إلى الماء والغذاء والعمل والمرعى. وقد أشارت الصحفية الفرنسية سيليا كوورديـفيد في تقريرٍ عن مخيم مبره ومحيطه منشورٍ في "لوموند" سنة 2025، إلى أن المخيم الذي كان يضم نحو سبعين ألف لاجئٍ سنة 2022 صار يضم أكثر من 120 ألفاً سنة 2025، وأن عشرات الآلاف يعيشون خارج المخيم في ظروفٍ أكثر هشاشةً، بما يضع الموارد المحلية في الحوض الشرقي تحت ضغطٍ متزايد.

على ذلك لم يؤدِّ تراجع الحركة التجارية إلى توقف الحركة نحو المجال المالي كلياً، خاصةً في الفترات المرتبطة بالصيف، حين تشتد حاجة المنمِّين إلى الماء والكلأ. فعلى التحذيرات الحكومية وما رافقها من تخوفاتٍ أمنيةٍ، ظل بعض المنمِّين والشباب المرتبطين بحركة المواشي يغامرون بالعبور أو يفكرون فيه، غير ملتزمين أحياناً بالتوجيهات المتعلقة بتجنب المناطق غير الآمنة والامتناع عن الانتجاع داخل الأراضي المالية.

يفسر يسلم ولد عبدي للفراتس هذا النهج ببنية الرعي الاجتماعية التي ترسخت طيلة عقود. منبهاً إلى أن قراءته تستند إلى فترةٍ قضاها في مناطق من الحوض الشرقي، من بينها تمبدغة وعدل بكرو، حيث عاين بعض أنماط السكن والمعايشة في ذلك الحيز القريب من الحدود المالية. ومن هذه الملاحظة، يرى ولد عبدي أن الماشية لا تمثل في بعض الأوساط الرعوية مصدر دخلٍ فحسب، بل تدخل في بناء القيمة الاجتماعية لصاحبها. إذ تتحدد مكانة الشخص، في جانب معتبرٍ منها، بعدد رؤوس المواشي التي يمتلكها. فكلما اتسع القطيع تعززت قيمة صاحبه داخل محيطه.

هذه القراءة تفسر لماذا لا تكفي التحذيرات الحكومية وحدها لإغلاق احتمال العبور. فبعض المنمِّين لا يتجاوزون منطقة الأمان لأنهم لا يدركون الخطر، بل لأنهم يرون في بقاء القطيع شرطاً لبقاء المكانة التي يمنحها لهم محيطهم الاجتماعي، حتى وإن كان بقاؤه مرهوناً بالمخاطرة. غير أن هذه المجازفة، كما يلاحظ ولد عبدي، تجعلهم أكثر عرضةً للهجمات والاعتداءات. إذ تدفعهم محاولة حماية مكتسباتهم المادية والمعنوية إلى دخول مجالاتٍ باتت مفتوحةً على مخاطر الجماعات المسلحة والعمليات العسكرية وتبدل شروط الأمن.


تكشف علاقة الحوض الشرقي الموريتاني بمالي أن الحدود لا تُفهم دائماً كما ترسمها الخرائط. فقد ظل هذا المجال، قبل أن تضغط عليه الحرب، مجالاً للحركة والرعي والتبادل والروابط الاجتماعية، تتحرك فيه الجماعات وفق منطق الماء والكلأ والسوق أكثر مما تتحرك وفق منطق الخط السياسي وحده. لكن أزمة مالي، بتعاقب موجات العنف واللجوء والتحذيرات الرسمية، أعادت تعريف هذا المجال في حياة سكانه. فما كان امتداداً مألوفاً صار منطقة خطرٍ، وما كان مساراً رعوياً صار موضوعاً أمنياً، وما كان جزءاً من اقتصادٍ يوميٍ صار محكوماً بالحذر والاشتباه. ومن ثم لا تبدو أزمة مالي بالنسبة إلى شرق موريتانيا خبراً خارجياً عن دولةٍ مجاورةٍ، بل تحولاً مسّ طريقة الناس في فهم المكان، وفي حساب الحركة، وفي الموازنة بين ضرورات العيش وحدود السيادة.

اشترك في نشرتنا البريدية