أرشيف الأنساب المورموني.. تقاطع العقيدة والعلم

تحول أرشيف الأنساب لدى طائفة المورمون من ممارسة دينية مرتبطة بالخلاص بعد الموت إلى منظومة رقمية وجينية تثير جدلاً واسعاً حول الخصوصية.

Share
 أرشيف الأنساب المورموني.. تقاطع العقيدة والعلم
أكبر مشاريع الأرشفة العائلية في العالم | تصميم خاص بالفراتس

يقف المسيح بثوبه الأبيض في لوحةٍ زيتيةٍ معلقةٍ على جدارٍ رماديٍ، باسطاً ذراعيه لجمعٍ من الناس يبدون في لحظة تأثرٍ عند أطلال مبنىً قديمٍ يحاذيه نخيلٌ وخلفه جبالٌ، وكأنه في زيارةٍ للقارة الأمريكية قبل أن تغدو العالم الجديد. رأيتُ اللوحة في مدخل "كنيسة يسوع المسيح لقديسي الأيام الأخيرة" القريبة من منزلي في إحدى ضواحي العاصمة الأمريكية واشنطن. وقد زرتها يومَ أحدٍ لأعيش التجربة المورمونية ساعتين من الزمن.

وصلتُ متأخرةً دقائق قليلةً عن الموعد المحدد للمقابلة، فانتظرتُ خارج القاعة حيث السكون ملء المكان، حتى خرج طفلٌ ببزةٍ رسميةٍ وناولني قطعةً من "خبز القربان"، في مشهدٍ مغايرٍ صورةَ المناولةِ التقليديةَ التي يمارسها رجال الدين في كنائس أخرى. أخذتُها وسألتُه الدخولَ، فأجاب بهدوءٍ أن أنتظر حتى انتهاء الفريضة. ثم ما لبث أن خرج طفلٌ آخَر صِنوُه في الهيئة وقدّم الماء.

في الانتظار وصلت شابتان من البعثة التبشيرية وبيّنت إحداهما أن الخبز والماء يرمزان لجسد المسيح ودمه، وأن أبناء الكنيسة يجتمعون كلّ أسبوعٍ لتجديد عهودهم معه. وأوضحت أن معظم المبشرين يختارون هذه المهمة تطوعاً في سنٍّ مبكرةٍ، فيُمضي الذكور عامين في المهمة وتُمضي الإناث ثمانية عشر شهراً، يرسَلون فيها إلى مناطق تحددها الكنيسة لخدمة الناس وإقناعهم بالانضمام للمورمونية.

على أن اختزال الكنيسة المورمونية بالطقوس الدينية قد يغفل صورةً أشمل وأعقد للطائفة. فمن دفاتر ورقيةٍ إلى قواعد بياناتٍ رقميةٍ واختبارات حمضٍ نوويٍ، تحولت مهمة المورمونيين في توثيق الأنساب إلى أحد أكبر مشاريع الأرشفة العائلية في العالم. فقد بَنَت الكنيسة شبكةً عالميةً لجمع السجلات من أكثر من مئة دولةٍ، قبل أن ينتشر هذا الإرث خارج حدود الجماعة الدينية عبر مكتباتٍ إلكترونيةٍ متاحةٍ مجاناً للجميع. وهو ما سمح بتحويل التاريخ العائلي إلى مساحة بحثٍ مفتوحةٍ وعابرةٍ الحدود. وفي قلب هذه المنظومة برزت ممارسة التعميد بالوكالة جزءاً من التعامل مع سجلات الأموات، إذ يدرج المتوفّون ضمن السجل الديني عبر نسلهم، بغضّ النظر عن انتماءاتهم السابقة. غير أن التوسع في جمع البيانات العائلية خلق مخاوف متزايدةً بشأن توظيفها في غير هدفها، بما يشمل انتهاك خصوصية الأفراد، وحدود الحق في التحكم في الهوية والسجل الشخصي للأحياء والأموات.


نشأت طائفة قدّيسي الأيام الأخيرة، المعروفة بِاسم المورمونية، في الولايات المتحدة في أوائل القرن التاسع عشر، بعد أن كفل الدستور الأمريكي حرية المعتقد وفتح المجال أمام الأفراد لاختيار طرق عبادتهم. وفي هذا المناخ برزت محاولاتٌ فرديةٌ لإعادة التفكير في الإيمان وتنظيمه، من بينها ما قاد إلى تأسيس كنيسة يسوع المسيح لقديسي الأيام الأخيرة.

ارتبط نشوء الطائفة بشخص جوزيف سميث المولود سنة 1805 في ولاية فيرمونت شمالي شرق الولايات المتحدة. كان سميث يبحث منذ شبابه المبكر عن إجاباتٍ دينيةٍ، فتأمّل الكنائس المختلفة من حوله، وشعر بوجود مسافةٍ بين تعاليم المسيح ومعاملة الناس بعضهم بعضاً. ووفقاً للموقع الرسمي لكنيسة يسوع المسيح لقديسي الأيام الأخيرة، توجّه سميث في 1820 إلى الغابة للصلاة، طالباً من الله أن يهديه إلى ما ينبغي له فعله. استجيبت صلاته بظهور المسيح له ودعوته إلى أداء دورٍ دينيٍ خاصٍّ لا يقوم على الانضمام إلى أيّ كنيسةٍ قائمةٍ، بل ليصبح نبيّ العصر الحديث، للمساعدة في استعادة الكنيسة التي يعتقد أن يسوع المسيح أسسها في القرن الأول الميلادي، ولم تستمر على صورتها الأصلية بعد وفاة الرسل الأوائل. لاحقاً سنة 1829 أصدر سميث "كتاب مورمون" ليكون سجلاً مقدساً جديداً إلى جانب الكتاب المقدس. ثم في أبريل 1830 أُسّست كنيسة يسوع المسيح.

خلال هذه المرحلة، شجع سميث أتباعه على التجمع وبناء جماعاتٍ دينيةٍ منظمةٍ شملت إنشاء مدنٍ ومعابد. ومن ثمّ استخدمت هذه المعابد لعقد عهودٍ دينيةٍ تربط المؤمنين بالله وبعائلاتهم، وتمتد آثارها إلى ما بعد الموت فتربط الأفراد بذويهم المتوفين، بل وتعميد هؤلاء المتوفين بأثرٍ رجعيٍ من خلال ما يسمى "المعمودية بالوكالة".

في جولةٍ سابقةٍ لي مع مبشرين شابّين أحدهما من ولاية مونتانا الأمريكية والآخر من بنما، دخلتُ غرفة المعمودية. يتوسط الغرفة حوضٌ منخفضٌ تفضي إليه درجاتٌ، ويستخدم للتغطيس الكامل خلال معمودية الأحياء. أما في المعمودية بالوكالة، ويقوم بها شخصٌ حيٌّ بالنيابة عن شخصٍ متوفىً لم يتلقّ المعمودية في حياته، فيقف الشخص الحي في حوض التعميد ويذكر اسم المتوفى ثم يغطّس في الماء كما في تعميد الأحياء. وينطلق التعميد بالوكالة من اعتقادٍ بأن الموت لا ينبغي أن يحرم الإنسان من فرصة قبول التعميد. كذا لا يُفرض هذا التعميد على المتوفى، إنما ينظر إليه فرصةً روحيةً يترك له في الحياة الآخرة قبولها أو رفضها. 

ولا يسمح بدخول غرفة المعمودية إلا للأعضاء الحاصلين على "توصية دخول" خاصة. ويمنحها عادةً أسقف الرعية ثم رئيس الحصة أو أحد مستشاريه لأعضاء من الكنيسة تنطبق عليهم معايير دينيةٌ وسلوكيةٌ محددة. 

سألتُ أحد المبشرين (فضّل عدم الإفصاح عن اسمه)، ويطلق عليه لقب "شيخ" وهو اللقب الكنسي للمبشرين الذكور، عن عدم وجود صليبٍ فوق المبنى أو داخله. فأوضح أن الكنيسة تركز على المسيح الحي بعد قيامته أكثر من موته، فينظر إلى الصليب أداة صلبٍ، في حين يُراد لحضور المسيح داخل الكنيسة أن يكون تعبيراً عن الحياة لا الموت.

أهداني المبشرون "كتاب مورمون" الذي يبدأ بمجموعة لوحاتٍ من بينها صورةٌ للمسيح في الولايات المتحدة، وأخرى لجوزيف سميث في مشهد تلقّيه الوحي. يقول الكتاب إن "موروني"، آخر أنبياء شعبٍ يُعرف بالنيفيين، تسلّم قبل وفاة والده سجلاً تاريخياً عمل على تجميعه وأضاف إليه كتاباتٍ أخرى. ووفق الرواية الواردة في موقع الكنيسة الرسمي، ظهر موروني لجوزيف سميث في 1823 بعد أن تحوّل إلى ملاكٍ، وظلّ يرشده أعواماً قبل أن يدلّه على مكان الصفائح التي حملت هذا السجل. ترجمها سميث إلى الإنجليزية ثم أعادها إلى موروني.

ويتتبع الكتاب قصة شعبين قديمين استوطنا القارة الأمريكية، أحدهما قدم من "أورشليم" قبل الميلاد، ثم انقسم مع مرور الزمن إلى جماعتين متصارعتين. بينما يرجع أصل الشعب الآخر إلى زمنٍ أقدم مرتبطٍ بقصة برج بابل الواردة في سفر التكوين في الكتاب المقدس، والتي تشير إلى أن البشر حاولوا بناء برجٍ شاهقٍ يرتقون به إلى السماء، فغضب الرب عليهم وبلبل ألسنتهم، ومن ثم نشأت لغات الشعوب المختلفة. ومع تقادم القرون دخلت هذه الجماعات في صراعاتٍ لم تعد بعدها مجتمعاتٍ قائمةً بذاتها، ولم يبق منها سوى نسلٍ يعتقد أنه امتد إلى بعض شعوب أمريكا الأصليين.

ولأنها جماعةٌ دينيةٌ مغايرةٌ عن النمط السائد، واجهت المورمونية مع بداياتها أعمال عنفٍ واضطهادٍ مارستها جماعاتٌ من غير المورمونيين، وشملت الهجوم على المنازل والأعمال والاعتداء على المؤمنين بها وقتل بعضهم. ووفقاً لموقع الكنيسة الإلكتروني، كان الاضطهاد أكثر حدّةً في ولاية ميزوري في الولايات المتحدة، حيث تصاعد التوتر مع المورمونيين وجيرانهم بسبب المخاوف من تزايد نفوذهم جماعةً دينية. وبعد انتقال أتباع المورمونية وبناء مدينةٍ جديدةٍ في ولاية إلينوي المجاورة، استمر العنف مما أدى لمقتل جوزيف سميث وشقيقه هايرم في 1844.

بعد مقتل سميث انتقلت قيادة الجماعة إلى خليفته بريغهام يونغ، الذي قاد أتباع الكنيسة في هجرةٍ جماعيةٍ ليستقروا في منطقة تقع اليوم بولاية يوتا. ومع مرور الوقت تحولت المورمونية إلى حركةٍ دينيةٍ ذات امتدادٍ أوسع، عبر النشاط التبشيري وتنظيم الجماعات الدينية في مناطق مختلفة.

وعطفاً على تاريخ الجماعة وما عايشه أتباعها، يرى المورمونيون أنفسهم جماعةً دينيةً مسيحيةً تُساء قراءتها على نطاقٍ واسع. فبحسب مسحٍ أجراه مركز "بيو" للأبحاث في 2012، يشعر كثيرٌ من المورمونيين بأنهم غير مفهومين ويواجهون تمييزاً وعدم قبولٍ بوصفهم جزءاً مختلفاً عن المجتمع الأمريكي السائد. ويرى ستةٌ من كلّ عشرةٍ، وفقاً للمسح، أن الأمريكيين يفتقرون إلى معرفةٍ حقيقيةٍ بعقيدة المورمونيين. 

في المقابل، يعرّف المورمونيون أنفسهم بأنهم مسيحيون متمحورون حول المسيح، ويعبّرون عن بالغ رضاهم عن حياتهم ومجتمعاتهم، مع اعتقاد أغلبيةٍ منهم بأنّ تقبّل المورمونية آخذٌ في التحسن وأن المجتمع بات أكثر استعداداً لانتخاب رئيسٍ مورموني.

وعلى مستوى التمثيل الإعلامي، يرى أكثر من نصفهم، حسب المسح، أن صور المورمونيين في التلفزيون والأفلام تضرّ بصورتهم العامة، في حين ينقسم تقييمهم التغطيةَ الإخباريةَ بين من يراها عادلةً ومن يعدّها غير منصفة.

ويبقى أن أحد أوجه تميّز العقيدة المورمونية عما سواها من الطوائف المسيحية هو نظرها إلى الإيمان علاقةً ممتدةً عبر الزمن لا تنتهي بالموت، بل تربط الأحياء بأسلافهم وسيلةً لخلاص الموتى الذين رحلوا دون سماع الرسالة الكاملة لإنجيل يسوع المسيح. ومن هذا التصور بدأت الطائفة في البحث عن سجلات الأنساب لتتبّع تاريخ العائلات المنتمية إليها وتوثيق الروابط بين الأجيال.


أنشأت الطائفة سنة 1965 قبواً محصناً بعمق ستمئة قدمٍ (أكثر من مئة وثمانين متراً) في جبل الغرانيت في مدينة سولت ليك سيتي في ولاية يوتا، حيث مقر الطائفة، ليكون مستودعاً آمناً لحفظ ملايين السجلات العائلية بما تشمله من وثائق الميلاد والزواج والوفاة والوصايا. ويضم المستودع بداخله اليوم أكثر من ثلاثة ونصف مليار سجلٍ، وتشغل سجلات العائلات والأنساب نحو 60 بالمئة من مساحته الأصلية. وهو بهذا يصنف أكبر مجموعةٍ من سجلات الأنساب في العالم. ويتكون القبو من ستّ حُجراتٍ يمكن الوصول إليها عبر مدخلٍ رئيسٍ وممرّين. وتحتوي كلّ حجرةٍ على صفوفٍ من خزائن بارتفاع عشرة أقدام (نحو ثلاثة أمتار).

تؤكد الكنيسة أنها تمتلك سجلاتٍ لأكثر من اثني عشر مليار شخصٍ متوفّىً، يعود بعضها إلى القرن الأول الميلادي. وقد جمعت المواد والصور الموجودة داخله باتفاقياتٍ مع الأرشيفات والمكتبات والكنائس في أكثر من مئة دولة. وتُمنح نسخٌ من هذه السجلات مجاناً لجهة حفظها الأصلية. وفي بعض الحالات تُقدّم نسخٌ إضافيةٌ لتعويض سجلاتٍ قد تكون فُقدت بسبب حريقٍ أو كارثةٍ طبيعية.

ومع تطور المشروع، انتقلت الكنيسة لرقمنة هذا الأرشيف الضخم. ويعمل جامعو البيانات ضمن مئتين وعشرين فريقاً في خمسٍ وأربعين دولةً، إلى جانب مئات الآلاف من المتطوعين، على رقمنة ملايين السجلات الورقية والصور والميكروفيلم. وبحلول سنة 2014 فاقت سجلات الكنيسة حجم البيانات المسجلة في مكتبة الكونغرس الأمريكية باثنتين وثلاثين مرة.

وكانت جهود الكنيسة لرقمنة السجلات قد بدأت سنة 1999، إلا أنها واجهت في بدايتها صعوباتٍ تقنيةً متعلقةً بقراءة الصور القديمة، ما دفعها في مراحل لاحقةٍ للتعاون مع شركاتٍ دوليةٍ لتحسين جودة الصورة والسجلات. وأتاحت الكنيسة هذه السجلات لاحقاً للجمهور عبر مراكز تاريخ العائلة التابعة لها، وكذلك عبر الإنترنت من خلال موقع مؤسسة "فاميلي سيرتش".

ومع تطور أدوات حفظ المعرفة وانتقال سجلات الأنساب من الورق إلى الأرشفة الرقمية، ظهرت الحاجة إلى مساحاتٍ تجمع بين الباحثين في تاريخ العائلات والمتخصصين في التقنية لمناقشة طرق الرقمنة والحفظ والبحث والتطوير. لهذا أعلنت الطائفة عن مؤتمر "رووتس تيك" بدايةً من 2011، مؤتمراً سنوياً يربط بين علم الأنساب والتقنية، ويجمع المهتمين بتاريخ العائلات مع مطوّري البرمجيات وخبراء التقنيات الرقمية. ويركز المؤتمر كذلك على تطوير أدواتٍ رقميةٍ لتسهيل الوصول إلى سجلات الأنساب، وتحسين طرق تنظيمها وتحليلها.

لم يكن هذا نهاية المطاف في المشروع الرقمي، فقد أعلنت الطائفة المورمونية سنة 2025 عن تطورٍ جديدٍ في مشروعها الرقمي يعتمد على تقنية الذكاء الاصطناعي، أُطلق عليه اسم "مساعد البحث بالذكاء الاصطناعي". وتستخدم التقنيات لمساعدة المستخدمين في عملية البحث، من بينها تحليل شجرة العائلة الموجودة لدى المستخدم، وتحديد الأشخاص المفقودين واقتراح مصادر محتملةٍ لم تُكتشف سابقاً. ويحصل الذكاء الاصطناعي على السجلات مباشرةً من أرشيف موقع "فاميلي سيرتش" ويعرض رؤىً تحليليةً استناداً إلى تلك السجلات المتاحة، إلى جانب استجلاب معلوماتٍ من الإنترنت لتوسيع نطاق البحث خارج الأرشيفات التقليدية.

في تقريره لسنة 2025، بيّن موقع "فاميلي سيرتش" أنه استقبل أكثر من 297 مليون زيارةٍ، كما سجل مؤتمر "رووتس تيك" أعلى مستويات مشاركةٍ في تاريخه. وأوضح التقرير أنه خلال العام أضيف أكثر من 2.2 مليار اسمٍ وصورةٍ جديدةٍ متاحةٍ للبحث ضمن السجلات التاريخية، ليصل إجمالي المحتوى على الموقع إلى أكثر من 22.7 مليار. وعمل الموقع على توسيع إتاحة السجلات القادمة من إيطاليا وبولينيزيا الفرنسية والفلبين وأوكرانيا، إلى جانب إجراء تحديثاتٍ كبيرةٍ على مجموعات سجلاتٍ من البرازيل وفرنسا والفلبين وفنزويلا.

التراكم الهائل في سجلات الأنساب صاحَبَه مسارٌ موازٍ في البحث عن الروابط العائلية، اعتمد على علم الوراثة واختبارات الحمض النووي أداةً مكملةً للسجلات الورقية ولمتابعة فروعٍ عائليةٍ يصعب تتبّعها عبر الأرشيف التقليدي. لكن هذا المسار فتح باباً موازياً من الجدل حول مخالفة نتائج الحمض النووي بعضَ أصول العقيدة المورمونية ومخاوف حول خصوصية البيانات الوراثية وحدود استخدامها، خاصةً بعد إتاحة الكنيسة تلك البيانات للجمهور عبر منصاتها الإلكترونية.


نشرت جامعة هارفارد بحثاً في 2019 أوضحت خلاله أنه في 2001 أسّس الملياردير المورموني، جيمس سورنسون، شركةً متخصصةً في اختبارات الأنساب الوراثية، استحوذ عليها لاحقاً من إحدى كبرى شركات الأنساب التجارية، التي اعتمدت بدورها على سجلات الكنيسة وفهرس الأنساب الدولي. وأشار البحث إلى أنه بفضل الجمع بين البيانات الوراثية وسجلات الأنساب المفصلة التي راكمتها الكنيسة عبر عقودٍ، أصبح المورمون في ولاية يوتا مجموعةً مثاليةً للأبحاث الجينية. فقد تمكن العلماء من مطابقة سجلات الأنساب مع قواعد بياناتٍ صحيةٍ، مثل سجلات الأمراض الوراثية لدراسة الصفات الموروثة عبر قرون. في الوقت نفسه أكد البحث أن هذا الانفتاح على علم الوراثة ظل محدوداً، إذ رفضت الكنيسة إتاحة الأرشيف الخاص بها لأبحاثٍ رأت أنها تتعارض مع تعاليمها مثل الإجهاض. 

وفيما اتُخِذ علم الوراثة وسيلةً لتعزيز جذور العقيدة المورمونية بشأن الأنساب، إلا أنه جاء بتحدياتٍ مباشرةٍ للرواية التقليدية التي قدّم بها كتاب مورمون نفسه سجلاً تاريخياً عن أسلاف الأمريكيين الأصليين. فالمسوحات الجينية الواسعة التي تناولت آلافاً من السكان الأصليين في الأمريكيتين لم تعثر على دلائل كافيةٍ على أن السكان الأصليين من بني إسرائيل قدموا من خلال هجراتٍ عبرانيةٍ إلى العالم الجديد. وأظهرت بدلاً من ذلك أن الغالبية الساحقة تعود إلى شرق آسيا، عبر هجراتٍ قديمةٍ من سيبيريا.

وهذا من ضمن ما ذهب إليه الباحث في اللاهوت جون إم باتل في دراسةٍ بعنوان "مورمونز آند دي إن إيه" (المورمون والحمض النووي) صدرت في منتصف العقد الأول من الألفية. استند باتل إلى نتائج أبحاثٍ منشورةٍ في علم الوراثة السكانية والإناسة واللغويات المقارنة، ليجادل بأن الأدلة الجينية المتراكمة تتعارض مع السردية التاريخية الواردة في كتاب المورمون، ومع ما تعدّه العلوم الحديثة دلائل مستقرةً على أصول الشعوب.

في مواجهة تلك النتائج جادل بعض قادة المورمونيين في البداية بأن نتائج الحمض النووي عُبث بها بغرض مهاجمة الكنيسة. إلا أن الكنيسة أخذت تعدّل خطابها شيئاً فشيئاً. وجاء أول هذه التعديلات في 2006 حين غيّرت صياغة مقدمة كتاب مورمون. فبدلاً من القول إن اللامانيين وحدهم الأسلاف الرئيسيون للأمريكيين الأصليين، أصبحت تقول إن اللامانيين من ضمن الأسلاف الرئيسيين. ويقصد باللامانيين وفق رواية الكتاب الدينية نسل جماعةٍ يُعتقد أنها خرجت من بني إسرائيل وهاجرت من القدس إلى الأمريكيتين في العصور القديمة. 

الخطوة الثانية جاءت على تقريرٍ نشره موقع "مورمون ستوري" المتخصص في تغطية الجوانب المتعلقة بالعقيدة المورمونية سنة 2014، بعنوان "دي إن إيه آند ذا بوك أوف مورمون" (الحمض النووي وكتاب مورمون). ضيّق التقرير نطاقَ القصة جغرافياً، فبدل تصوير أحداث كتاب مورمون ممتدةً عبر الأمريكتين، طُرحت نماذج تقول إن هذه الأحداث وقعت في منطقةٍ محدودةٍ فقط مثل أمريكا الوسطى أو أجزاءٍ من أمريكا الشمالية.

وفي السنة نفسها نشرت الكنيسة مقالاً بعنوان "بوك أوف مورمون آند دي إن إيه ستديز" (دراسات كتاب مورمون والحمض النووي) سعياً لاحتواء تحديات أبحاث الوراثة السكانية، دون إعلانٍ أو نقاشٍ علني. أقرّ المقال صراحةً بأن لا شيء معروفٌ عن الحمض النووي لشعوب كتاب مورمون. وبدل مواجهة هذا التناقض لجأ المقال إلى تفسيراتٍ افتراضيةٍ لتبرير انعدام أيّ أثرٍ جينيٍّ للمورمون مثل تغيّر الصفات الجينية مع مرور الوقت. وخلص المقال إلى أن اختبارات الحمض النووي لا يمكنها حسم تاريخية كتاب مورمون، لا إثباتاً ولا نفياً. وأوضحت الكنيسة في مقالها أن الإيمان بالكتاب لا يقوم على الأدلة الوراثية، بل على التجربة الروحية، وأن الحقيقة الدينية تختبر في الإيمان لا في المعامل البحثية.

ولم تقتصر المخاوف المرتبطة باستخدام اختبارات الحمض النووي على الخروج بنتائج تتعارض مع العقيدة المورمونية، إنما امتدت إلى كيفية إدارة البيانات بعد جمعها، وملكية المعلومات الخاصة بالأنساب ومصيرها خارج إطار البحث العلمي.

فقد نشر موقع "إيه بي سي نيوز" الإخباري تقريراً في مارس 2025 حول تقدّم شركة "توينتي ثري آند مي" المتخصصة في اختبارات الحمض النووي بطلب إشهار إفلاسها. ومع تأكيد الشركة أن طريقة تخزين بيانات العملاء وحمايتها لم تتغير، فإن الإفلاس أثار مخاوف واسعةً بشأن مصير البيانات الشخصية والجينية لأكثر من خمسة عشر مليون مستخدمٍ حول العالم. وتصاعدت المخاوف حول إمكانية استخدام هذه المعلومات أو مشاركتها مع أطرافٍ ثالثةٍ، سواءً مؤسساتٍ بحثيةٍ أو جهاتٍ أخرى دون علمٍ أو موافقةٍ صريحةٍ من الأفراد الذين قدّموها في الأصل.

ونقل التقرير شكوكاً من خبراء وباحثين في قوانين الصحة وجمع البيانات، في أن الشركة وفّرت منذ البداية موافقاتٍ واضحةً وكافيةً تشرح للمستخدمين المخاطر المحتملة لمشاركة بياناتهم الجينية. وأكّد أن سياسة الخصوصية تسمح في حال البيع أو الإفلاس بانتقال بيانات المستخدمين إلى شركةٍ جديدةٍ، على أن تلتزم تلك الشركة سياسة الخصوصية القائمة، وهي السياسة نفسها التي تنصّ على إمكانية تعديلها في أيّ وقت. ما يعني أن الشركة الجديدة يمكنها مشاركة قواعد استخدام البيانات لاحقاً بطريقةٍ لا يوافق عليها المستخدمون.

من هنا احتدّ الجدل في استخدام سجلات الأنساب ونتائج الحمض النووي في التعميد بالوكالة. وهو الذي حوّل السجلات ونتائج الاختبارات من شعائر عقائديةٍ إلى أسئلةٍ ومخاوف حقوقيةٍ وأخلاقية.


بما أن التعميد بالوكالة إحدى العقائد الجوهرية لدى المورمونيين، ويشترط قبل إجرائه أن يكون المتوفى مدرجاً في سجلات الأنساب، فقد بات يقتضي تتبّع الأنساب واستخدام اختبارات الحمض النووي. غير أن هذه الممارسة لم تمرّ دون جدل. 

في يناير 2026 نشر موقع الكنيسة الرسمي قصةً وصفها بالمعجزة. ومفادها أنه في 2012 بدأ زوجان من مدينة أتلانتا بولاية جورجيا البحث في أصول أسلاف إيطاليين ضمن شجرة عائلتهما عبر منصة "فاميلي سيرتش"، قبل أن يتواصل معهما مستخدمون آخرون يبحثون عن الأقارب نفسهم. وبعد ستة أعوامٍ توصلوا إلى ألفٍ وستمئة اسمٍ جديدٍ لشجرة العائلة. بدأ الزوجان في 2018 مراسم التعميد بالوكالة لهؤلاء الأسلاف داخل الكنيسة في مسارٍ استمرّ أعواماً، وبلغ ذروته في نوفمبر 2025 حين عُمّد مئتا شخصٍ من أفراد العائلة المتوفين في ليلةٍ واحدة.

القصة التي روتها الكنيسة نموذجاً للإيمان والعمل العائلي، ارتبطت بجدلٍ في الجوانب القانونية والأخلاقية لعملية تعميد الموتى. خاصةً بعدما تبيّن تعميد المئات من اليهود، بينهم ضحايا المحرقة النازية. وهو ما أثار اعتراضات مؤسساتٍ يهوديةٍ رأت في ذلك انتهاكاً لذاكرة الموتى. وذلك مع أن كنيسة يسوع المسيح لقديسي الأيام الأخيرة كانت قد أبرمت سنة 1995 اتفاقاً مع ممثلين عن الناجين من المحرقة يقضي بالامتناع عن إجراء معمودياتٍ بالوكالة لضحايا المحرقة اليهود، إلا في حالاتٍ استثنائيةٍ يكون فيها للمتوفى أقارب مورمون أحياء.

تجدّد الجدل سنة 2008 وفقاً لتقريرٍ نشره موقع "جويش جين" المتخصص في علم الأنساب اليهودي، حين أعلنت منظماتٌ يهوديةٌ أن الكنيسة لم تلتزم بالاتفاق واستمرت في إدراج أسماء الضحايا في قواعد بيانات الأنساب تمهيداً لإجراء المعموديات. ترتب على ذلك أيضاً، وفق ما أورد موقع وكالة "سي بي إس" الإخباري، أن قيّدت الكنيسة الوصول لبيانات مئات الآلاف من ضحايا المحرقة النازية، ووافقت على عدم تعميدهم بالوكالة. لكن هذا لم يمنع من استمرار النقد على أساس أن حجب قاعدة البيانات لهؤلاء الضحايا لا يعني بالضرورة أنهم لم يُعمدوا. 

في المقابل تجاوز الجدل الأمور العقائدية إلى نقاشاتٍ أوسع تتعلق بالخصوصية وأمن البيانات. فخلال الأعوام الماضية تحولت السِيَر العائلية لملايين الأفراد إلى بياناتٍ رقميةٍ متاحةٍ في الفضاء العام، ما أثار مخاوف بشأن استخدام هذه المعلومات خارج سياقها الديني أو البحثي. وبرزت نقاشاتٌ قانونيةٌ حول توظيف قواعد بيانات الأنساب في التحقيقات الجنائية، إذ أن تتبّع الحمض النووي عبر روابط القرابة قد يقود إلى الاشتباه بأشخاصٍ لم يشاركوا ببياناتهم من البداية.

وقد نشرت مؤسسة "إلكترونيك فرونتير فاونديشن" المعنية بالحقوق الرقمية تقريراً في 2015 انطلق من قضية قتلٍ في ولاية أيداهو أعيد فتحها بعد نحو عشرين عاماً، حين استخدمت الشرطة قاعدة بيانات أنسابٍ جينيةٍ خاصةٍ لمطابقة عينةٍ من مسرح الجريمة مع أقارب محتملين. وهو ما أدّى إلى الاشتباه في شخصٍ بريءٍ لم يدلِ ببياناته الجينية. وحذّر التقرير من أن التوسع في استخدام أجهزة تحليل الحمض النووي سيؤدي إلى جمع كمياتٍ أكبر من البيانات الجينية وتخزينها في قواعد بياناتٍ ضعيفة التنظيم وربطها بجرائم. وهو ما يزيد احتمالات الزجّ بأبرياء في تحقيقاتٍ جنائية. وأشار كذلك إلى أن هذه الممارسات تتجاوز إطار القضايا الجنائية لحدود استخدام البيانات العائلية وحق الأفراد في الخصوصية.

وإلى جانب الجدل الديني والحقوقي برزت إشكاليةٌ أخرى تتعلق بالأرشيفات التي تخضع لاتفاقات رقمنةٍ تشترك فيها أكثر من جهة. ففي سنة 2007 وقّع الأرشيف الوطني الأمريكي اتفاقية رقمنةٍ مع منصة "فاميلي سيرتش" لتصوير ملايين الوثائق المتعلقة بالأنساب وإتاحتها رقمياً للجمهور والباحثين، في إطار سعيٍ رسميٍ لحفظ الأرشيف العام وتوسيع الوصول إليه وخفض تكاليف التخزين التقليدي. وتكرر النموذج خارج الولايات المتحدة. ففي أستراليا وقّعت اتفاقياتٌ بين الأرشيف الوطني الأسترالي والكنيسة المورمونية، أتاحت رقمنة سجلات الأنساب وإتاحتها إلكترونياً.

في هذا السياق نشرت صحيفة "سيدني مورنينغ هيرالد" الأسترالية تقريراً في 2025 معتبرةً أن المسألة لم تعد تقنيةً أو أرشيفيةً فقط، بل تتعلق بمن يملك القرار النهائي بشأن بياناتٍ تمتد مئات الأعوام بعد رقمنتها. وفي 2022 أعلنت "فاميلي سيرتش" عن رصد نفاذٍ غير مصرّحٍ به إلى بيانات بعض المستخدمين.


ما بدأ لدى المورمونيين ممارسةً دينيةً لتخليد الروابط العائلية تحوّل مع الوقت إلى مشروعٍ أرشيفيٍ وتقنيٍ تتقاطع فيه العقيدة مع العلم والسياسة والحقوق. سجلات الأنساب واختبارات الحمض النووي فتحت آفاقاً غير مسبوقةٍ لجمع التاريخ العائلي وتتبع الروابط بين الأجيال، وفي الوقت نفسه طرحت أسئلةً عن الخصوصية وملكية البيانات وحدود استخدامها، وعن تقاطع السرديات الدينية بالأدوات العلمية. ترى الكنيسة في سجلات الأنساب طريقاً للخلاص ووفاء بالعهد بالمسيح، وفي المقابل يتخذها العلم بياناتٍ عرضةً للفحص وتقود نتائجها إلى استنتاجاتٍ تتعارض مع الرواية العقائدية نفسها.

اشترك في نشرتنا البريدية