رقصة الكبارة في اليمن: تراثٌ يقاوم الغياب

في أقصى شرق اليمن، تحولت رقصة الكبارة من عادة تمارس في الأعياد إلى جهد مجتمعي يحاول حماية الذاكرة والهوية من الغياب.

Share
رقصة الكبارة في اليمن: تراثٌ يقاوم الغياب
الكبارة رمزٌ للحفاظ على الهوية المحلية | تصوير ياسر الجرادي

مع فجر اليوم الثالث من عيد الأضحى، اعتاد أهالي مدينة سيحوت بمحافظة المهرة شرق اليمن على سماع دق الطبول. وما إن يرتفع إيقاعها حتى يتجهوا مع أطفالهم وقد توشحوا ملابس العيد الجديدة إلى الساحة المفتوحة في السوق القديم إيذاناً ببدء رقصتهم الشعبية التي تسمى الكبارة. ومع توافد الحاضرين، تبدأ الساحة في اتخاذ شكلها المعتاد، ويترقب الناس قليلاً قبل أن يبدأ الحدث السنوي المشهود. وما إن تكتمل الدائرة حتى يُسمع قرع الضربة الأولى على الطبل، فيتقدم أول الراقصين ليضرب الأرض بقدمه على وقع الإيقاع، ثم يلتحق به الآخرون تباعاً. ولا تقتصر هذه الترتيبات على تنظيم الحضور، بل تحدد أيضاً من يدخل فضاء الرقصة وكيف يتشكل منذ لحظاته الأولى، في نمطٍ تَوارثه أهل سيحوت جيلاً بعد جيل. 

لم يعد حضور الرقصة اليوم منفصلاً عن سياقٍ أوسع فرضته سنوات الصراع وتراجع مؤسسات الدولة منذ 2015. فقد ألقت هذه التحولات بظلالها على الحياة الثقافية بأكملها في اليمن، ووضعت الكبارة مثل غيرها من الفنون الشعبية في وضعٍ هشٍّ، في حين تحولت أولويات كثيرين تجاه الصعوبات المعيشية فحسب. ووسط هذا، تحولت الكبارة بين بعض الأهالي من فنٍّ شعبيٍّ يُمارس في الأعياد والأعراس إلى رمزٍ للحفاظ على الهوية المحلية. وهو ما تبلور في مبادراتٍ غير رسميةٍ يقودها شبّانٌ لتوثيق الرقصة وتعليمها لمن هم أصغر سناً، مع محدودية الموارد وغياب الدعم المؤسسي. وضمن هذا المسار تتأرجح الرقصة بين كونها ممارسةً حيّةً تتجدد مع كلّ عيدٍ، وبين التعامل معها موروثاً مهدداً بالانقطاع.  


رقصة الكبارة من أبرز الفنون الشعبية في مديرية سيحوت بمحافظة المهرة شرق اليمن، وتُؤدَّى خلال عيد الأضحى وبعض المناسبات الاجتماعية، كالأعراس. وتُقام عادة داخل "الممدارة"، وهي ساحةٌ دائريةٌ يتوسطها الراقصون، بينما يصطف الحضور في حلقاتٍ أو صفوفٍ تحيط بمكان الأداء. وتعتمد الرقصة على إيقاعات الطبول والدفوف، وتتخللها القصائد الشعبية التي يرددها المشاركون في الاحتفال.

الكبارة من أبرز الفنون الشعبية في سيحوت | خاص الفراتس | تصوير ياسر الجرادي

وقد اكتسبت الرقصة اسمها من مشعل نارٍ صغيرٍ يوضع في وسط ساحة الرقص ويتخذ شكلاً مثلثاً أو مخروطياً. ويُستخدم هذا المشعل في الاستعراض أثناء الرقصة، ولتُسخن به الطبول والدفوف. وخلال الأداء يتحرك الراقصون داخل الممدارة على وقع الطبول، فيما يشارك الحاضرون بالتصفيق والتشجيع.

على هذا الإيقاع الذي يبدو آنياً، تنتقل الرقصة بين الأجيال بالمشاهدة والممارسة فيتعلمها الأطفال في الساحات، قبل أن يصبحوا جزءاً منها. ويستعيد سالم علي، أحد راقصي الكبارة في سيحوت في حديثه مع الفراتس، تلك اللحظات الأولى من طفولته: "كان عمري ست سنوات. كنت أسمع الطبل من البيت وأركض إلى الساحة. لم أفهم ما يحدث، لكني كنت أعرف أن شيئاً مهماً سيبدأ". ويشرح الطريقة التي انتقلت بها الكبارة بين الأجيال عقوداً مديدةً، فاكتسب الأطفال حركاتها وإيقاعاتها من خلال حضور الاحتفالات ومراقبة الراقصين الأكبر سناً، والمشاركة التدريجية في الرقصة مع تقدمهم في العمر.

وتتجاوز الرقصةُ الخبرةَ الفرديةَ لتندرج ضمن نمطٍ اجتماعي. فقد ساعد موقعُ سيحوت الجغرافيُّ في أقصى شرق اليمن، وبُعدُها النسبي عن مراكز السلطة والتغيرات السياسية الكبرى، على الحفاظ على كثيرٍ من ملامحها الثقافية المحلية. وهو ما يشير له عامر فائل بلحاف، رئيس مركز اللغة المهرية للدراسات والبحوث بجامعة المهرة، في كتابه "المهرة في مصادر اللغة والأدب" الصادر سنة 2018، إذ يتتبع تراث المهرة الثقافي واللغوي وحضوره في المصادر اللغوية والأدبية العربية.

في السياق ذاته، يشير تحليلٌ صادرٌ عن مركز صنعاء للدراسات الاستراتيجية سنة 2022 بعنوان "تأثير التدخل السعودي على المعايير الاجتماعية في المهرة"، إلى أن محافظة المهرة حافظت على هويةٍ ثقافيةٍ ولغويةٍ مميزةٍ بفضل تاريخها وخصوصيتها الاجتماعية. ويرى التحليل أن هذه العوامل ساعدت في استمرار الأعراف والتقاليد المحلية وتعزيز التماسك الاجتماعي. وهو ما يفسر بقاء موروثاتٍ ثقافيةٍ مثل رقصة الكبارة حاضرةً في الحياة الاجتماعية اليومية.

ووفقاً لتقريرٍ أحدث عن المركز عنوانُه "أثر الحرب على التراث الثقافي غير المادي" صادرٍ سنة 2026، تتجذر الموسيقى والغناء والرقص في النسيج الثقافي اليمني، وتمتلك كل منطقةٍ تقاليدها الفنية الخاصة التي تتوارثها الأجيال جيلاً بعد جيل. كذلك يشير التقرير إلى أن كثيراً من هذه المهارات تنتقل داخل الأسر والمجتمعات المحلية، كما هو الحال في بعض الحرف التقليدية. 

ضمن هذا الإطار الثقافي الراسخ ظهرت الكبارة واستمرت عقوداً جزءاً طبيعياً من الحياة الاجتماعية في سيحوت. ويتذكر سالم علي لحظة مشاركته الأولى في الرقصة، مستكملاً حديثه لنا عن بُعدِ الرقصةِ الجيليِّ والثقافيِّ المحليّ: "كان عمري نحو اثنتي عشرة سنة. قبلها كنت أكتفي بالمشاهدة فقط، أراقب الكبار وهم يدخلون الدائرة، ويتحركون على إيقاع الطبول والأهازيج".

يضيف أن رجلاً دعاه ذات يومٍ للانضمام إلى الحلقة أول مرّةٍ، "كان قلبي يدق سريعاً، لكن صوت الطبل كان أعلى من قلبي". هذه اللحظة، كما يرويها لنا، تمثل الطريقة التي تنتقل بها الفنون الشعبية في المجتمعات التقليدية، إذ تصبح الساحة العامة مدرسةً لنقل الفنّ، ويتحول التكرار إلى وسيلةٍ للتعلم.

ومن منظور سالم وأهل سيحوت، تعكس الكبارة صورةً مصغرةً عن المجتمع نفسه. يقول لنا سالم إن ترتيب المشاركين داخل حلقة الكبارة يعكس مكانة كل فئةٍ ودورها داخل المجتمع المحلي: "الدائرة مثل المجتمع. في الوسط كبار السن، لأنهم أصحاب الخبرة والحكمة. حولهم العازفون، الذين يمدون الجميع بالإيقاع. ثم المتفرجون، الذين هم جزء من الحدث حتى وإن لم يرقصوا. والنساء يشاركن الفريق بصفٍّ يقابل صف الرجال الآخر، وهن يلبسن الحلي والملابس التقليدية المتعددة الألوان". 

النساء يشاركن وهنَّ يلبسن الحلي والملابس التقليدية | خاص الفراتس | تصوير ياسر الجرادي

يردف أن هذا التنظيم متوارثٌ عبر الأجيال، ويبدأ الإعداد له قبل حلول العيد بأسابيع. فالاحتفالية تُقام في اليوم الثالث من عيد الأضحى وتستمر حتى مغرب اليوم الخامس، وتسبقها اجتماعاتٌ تنسيقيةٌ تجمع كبار السن ومجموعةً من الشباب لتحديد مواقع الفِرَق والصفوف الراقصة وتنظيم أدوارها. يقول: "نعطي أسماءً للفرق المشاركة ونحدد مواعيد رقصها، ونتداول في شأن تنظيم الأدوار على مدار أيام المناسبة، إلى جانب توزيع المهام بين الفرَق والمشرفين. الأهالي يطلقون على هذه المرحلة التحضيرية اسم هندسة الكبارة".

في اليومين الأخيرين قبل بدء الاحتفالية تُجهَّز الطبول التي يزيد عددها على اثني عشر طبلاً لكلّ صفٍّ، أي نحو أربعةٍ وعشرين طبلاً للصفين، إلى جانب عددٍ احتياطيٍّ منها. وتختلف هذه الطبول في أحجامها وأشكالها بحسب الدور الذي تؤديه داخل الرقصة. وهنا يقول خميس عوض، وهو عازف طبولٍ في سيحوت: "الطبل هو الذي يقود الرقصة. من صوته يعرف الناس نوع المناسبة. إذا كان عيداً فالإيقاع مختلف، وإذا كان عرساً فالإيقاع مختلف". ويضيف أن الأهالي كانوا في الماضي يستطيعون تمييز المناسبة من مسافاتٍ بعيدةٍ بمجرد سماع الإيقاع.

مع حلول اليوم الثالث من عيد الأضحى، وهو اليوم الذي تنطلق فيه الفعاليات رسمياً، تتجمع الفرق الراقصة. ومع اقتراب غروب الشمس تبدأ مرحلة تُعرف بِاسم "الزف". وخلال هذه المرحلة، يتوافد المشاركون والزوار من مدن المهرة المختلفة ومن مناطق حضرموت الساحل والوادي، فيما تخرج فرق سيحوت المحلية إلى الطريق العام لاستقبالهم. وتتحول عملية الاستقبال إلى موكبٍ احتفاليٍّ يجوب شوارع المدينة وأحياءها على وقع الطبول، قبل أن يتجه الجميع إلى ساحات الرقص الرئيسة في قلب منطقة السوق القديم، لتبدأ الفعاليات الجماعية التي تستمر حتى ساعاتٍ متأخرةٍ من الليل.

وداخل المدارة يتوزع المشاركون وفق ترتيبٍ محدد. إذ يصطف الرجال في صفٍّ من جهةٍ والنساء في صفٍّ مقابل. وتتزين النساء بالحليّ والفضة والخلاخيل في أقدامهن، وتتدلى على صدورهن قلائد فضيةٌ عريضةٌ يحرّكنها أثناء الرقص فيصدر عنها رنينٌ مميز. وفي قلب المدارة يقف راقصٌ وراقصةٌ يؤديان حركاتٍ دائريةً تتبدل بين الحين والآخر مع مشاركين آخرين، بينما يصطف الشعراء على أطراف الساحة مرددين الأبيات الشعرية الخاصة بالرقصة، مصحوبةً بالتصفيق والتمايل الجسدي المتناغم مع إيقاع الطبول. 

هذه الفعاليات تستمر بالتناوب بين الفِرَق المشاركة على مدار يومين. تغادر فرقة كبارة الساحة لتفسح المجال لأخرى، بينما تبقى الطبول حاضرةً طوال الوقت. ومع نهاية اليوم الخامس من عيد الأضحى ينتقل المشاركون رفقة الأهالي إلى ساحةٍ عامةٍ تقع على بعد عشرات الأمتار من مدارات الرقص. وهناك تُؤدَّى رقصة نهاية الاحتفالات. 

ومع استمرار الكبارة في المناسبات المحلية، إلا أنها اليوم تؤدَّى في سياقٍ مختلفٍ عن ذلك الذي نشأت فيه قبل عقود. فمنذ اندلاع الحرب في اليمن بين جماعة الحوثي والحكومة اليمنية المعترف بها دولياً سنة 2015، شهدت اليمن تحولاتٍ جمّةً أثّرت في الحياة اليومية والأنشطة الثقافية. وقد انعكس ذلك على ممارسات الكبارة، إذ تراجع حضورها في بعض المناسبات التي كانت تؤدَّى فيها سابقاً، وتقلَّص انتظامها في عددٍ من السياقات الاجتماعية.  


لم تشهد محافظة المهرة دماراً واسعاً، إلا أن آثار الحرب وصلت إليها بطرقٍ مختلفةٍ بينها التراجع الاقتصادي وتوقف الخدمات العامة، وما صاحبه من تبدلٍ في الأولويات وشعورٍ متنامٍ بأن كل ما ليس ضرورياً للبقاء يمكن تأجيله. وفي هذا المناخ، لا تختفي الفنون الشعبية مرةً واحدةً، لكنها تنزوي ببطءٍ إلى هامش الحياة، بالتوازي مع التدهور في المشهد الثقافي عامة.

فثمة مؤسساتٌ معنيَّةٌ بحفظ التراث طالتها أعمال سرقةٍ وتدميرٍ فذهبت بجزءٍ من ذاكرة البلاد الثقافية. ومن بين ذلك تسجيلاتٌ نادرةٌ من مركز التراث الموسيقي اليمني في صنعاء. إلى جانب استهداف محطاتٍ إذاعيةٍ كانت تحتفظ بأرشيفاتٍ مهمةٍ للموسيقى اليمنية. أيضاً تضررت عدة مواقع ومبادراتٍ ثقافيةٍ بفعل القصف أو إعادة توظيفها لأغراضٍ عسكريةٍ، من بينها قلعة القاهرة في تعز التي كانت تضم مركزاً للحِرف التقليدية، فضلاً عن تعرض متاحف ومبادراتٍ ثقافيةٍ مستقلةٍ للاعتداء والتخريب.

يقول رفيق عكوري، الباحث في التراث الثقافي اليمني، في مقالٍ نشره مركز صنعاء في فبراير 2026 بعنوان "أثر الحرب على التراث الثقافي غير المادي"، إنه ومع هذا التأثير العميق على التراث الثقافي الحيّ، لكنه ظل أقل حضوراً في النقاشات المرتبطة بالحرب. ويرى أن تهجير آلاف اليمنيين من أرض أجدادهم يهدد استمرارية موروثاتٍ وممارساتٍ عريقةٍ امتدت قروناً. لأنه مع طول النزاع لا تبقى الخسارة محصورةً في الموارد وتمتد أيضاً إلى الموروثات المجتمعية، فيقلّ استعداد الأشخاص للاستثمار في ممارسةٍ لا تعود عليهم بفائدةٍ مباشرة. 

يضيف أنه مع تعدد أطراف النزاع، برزت محاولاتٌ لإعادة تشكيل المجال الثقافي بما يخدم تصوراتٍ سياسيةً أو فكريةً محددةً، من خلال تقييد بعض الممارسات الثقافية والدينية أو إعادة تعريفها. وفي المناطق الخاضعة لسيطرة الحوثيين، شملت هذه السياسات التضييق على بعض أشكال الغناء والموسيقى، وفرض قيودٍ على ممارساتٍ اجتماعيةٍ ودينيةٍ، في مقابل تشجيع ممارساتٍ أخرى وإعادة تقديمها في سياقاتٍ جديدةٍ تخدم سردية الجماعة وهويتها. ومن أبرز الأمثلة على ذلك الاحتفال بالمولد النبوي، الذي كان يُمارس تقليدياً في نطاقاتٍ دينيةٍ واجتماعيةٍ محدودةٍ، قبل أن يتحول إبان سنوات الحرب إلى فعاليةٍ عامةٍ واسعة النطاق ذات طابعٍ رسمي. أيضاً وُظف الشعر الشعبي في الخطابات التعبوية المرتبطة بالحرب. 

وفي هذا الإطار، سعياً لفهم ما تعنيه الكبارة داخل المجتمع المهري، يرى أستاذ الأدب والنقد وعميد كلية التربية بجامعة المهرة أمين عبد الله اليزيدي في حديثه معنا، أن هذا الإرث يمثل جزءاً من شبكةٍ رمزيةٍ تعرّف المجتمع بنفسه، وأن أي تراجعٍ في هذا الإرث يشكل اهتزازاً أوسع في المجال الاجتماعي الذي يحتضنه.

هذا الإرث يمثل جزءاً من شبكةٍ رمزيةٍ تعرّف المجتمع بنفسه | خاص الفراتس | تصوير ياسر الجرادي

يردف: "المهرة تمتاز بخصوصيةٍ ثقافيةٍ ولغويةٍ فريدة. اللغة المهرية ما زالت حيةً، والعادات الاجتماعية متماسكة. لكن هذا لا يعني أنها محصنة. الحرب لم تصل إلينا مثل المدن الأخرى، لكنها وصلت إلينا بشكلٍ آخر: عبر تغير الأولويات، والضغط الاقتصادي، والشعور بأن كل شيءٍ مؤقت". 

لكن في سيحوت لا تُقاس هذه التحولات التي يشير لها اليزيدي بمقاييس رسميةٍ فقط، وإنما كذلك بمشاهد صغيرةٍ يعرفها الناس واعتادوا رؤيتها. فالعيد بات يمرّ دون أن تتشكل الدائرة كما كانت، أو لربما وُجدت ساحةٌ أقلّ ازدحاماً وعازفون يكبر سنّهم دون أن يجدوا من يحلّ محلهم من الشباب.

وهنا يقول للفراتس مسؤول وحدة التوثيق في مركز اللغة المهرية للدراسات بجامعة المهرة سعد مسلم، إن الأنشطة الثقافية كانت تسير طبيعياً قبل الحرب، من مهرجاناتٍ وعروضٍ فنيةٍ متواصلة. فالمحافظة كانت تستضيف مهرجاناً سنوياً للفنون الشعبية تشارك فيه فرقٌ من مختلف مديريات المهرة، وكانت الكبارة من أبرز فقراته. إلّا أن الأوضاع – وفق مسلم – تغيرت بعد 2015 كثيراً، إذ "تحول الاهتمام إلى الجانب الأمني، وأصبح الحديث عن الثقافة نوعاً من الترف". 

يضيف مسلم، في طرحٍ يتشابه مع ما أورده اليزيدي، أن الكبارة شهدت تراجعاً ملحوظاً مقارنةً بما كانت عليه في السابق، فلم تعُد تُؤدى بالزخم نفسه. حتى الأعراس تقلصت، وأصبح الناس منشغلين بتأمين احتياجاتهم الأساسية.

وأمام هذا التراجع، اتجه البعض إلى التعامل مع الرقصة مسؤوليةً جماعيةً تتطلب جهداً لصيانتها. فاستمرار هذا الفن والحفاظ عليه للأجيال القادمة أصبح اليوم تحدياً يعتمد على مبادراتٍ محليةٍ فرديةٍ، في ظل غياب الدعم المؤسسي والرسمي وضعف التمويل.


التقت الفراتس محمد راشد، أحد الشباب الذين حاولوا تأسيس فرقةٍ شعبيةٍ للكبارة، والتي واجهت جانباً من التحديات التي تواجه المبادرات المحلية للحفاظ على هذا الفن. قال راشد: "كانت الفكرة بسيطةً، مجموعةٌ من الشبان يحبون الكبارة يتدربون في أوقات الفراغ ويشاركون في الأعراس والمناسبات، ويشعرون أنهم لا يؤدون مجرد رقصةٍ بل يحمون شيئاً من روح المكان. ثم بدأت الحسابات اليومية تتغلب على الحماسة. الطبول تحتاج إلى شراءٍ وصيانةٍ والملابس تحتاج إلى تجهيزٍ، والتنقل يحتاج إلى مال. الوقت نفسه صار نادراً، وبعض الأصدقاء سافروا وبعضهم انشغلوا بأسرهم وآخرون فقدوا ثقتهم بجدوى أي نشاطٍ طويل الأمد".

وقد رصدت الفراتس مبادراتٍ محليةً أخرى كلّلها النجاح يقودها شبانٌ من سيحوت لتعليم الكبارة للأجيال الأصغر. من بين هؤلاء فهد سعيد، الذي لاحظ أن الساحات المخصصة للرقصة أصبحت أقل ازدحاماً مما كانت عليه في السابق، وأن عدداً من الشبان لم يعودوا يعرفون تفاصيلها كما آباؤهم. دفعه ذلك إلى إطلاق مبادرةٍ لتنظيم تدريباتٍ دوريةٍ للشباب في 2019، والاستعانة بعددٍ من كبار الممارسين لتعليم الحركات والإيقاعات التقليدية، إلى جانب تشجيع المشاركة في الفعاليات والمناسبات التي تُؤدى فيها الرقصة.

يشعرون أنهم لا يؤدون مجرد رقصةٍ بل يحمون شيئاً من روح المكان | خاص الفراتس | تصوير ياسر الجرادي

بدايات فهد لم تكن منظمةً بالشكل الذي بدت عليه لاحقاً. جاء التحدي الأول في إقناع المتحمسين للفكرة بتخصيص ساعتين أسبوعياً لتعلم حركات رقصةٍ لا تدرّ عليهم دخلاً ولا تعدهم بفرصة عمل. فالشباب في سيحوت مثل أي مكانٍ في اليمن، حسبما يقول، مثقلون بهموم المعيشة وتحدياتها، بعضهم يبحث عن عملٍ وبعضهم يفكر في السفر، وآخرون يقضون أيامهم في مهنٍ مرهقةٍ تستهلك معظم وقتهم وطاقتهم.

ويعود في حواره مع الفراتس إلى بدايات الفكرة، متذكراً جلوسه قبل أشهرٍ من عيد الأضحى في إحدى زوايا السوق القديم الذي كانت تُقام فيه فعاليات الكبارة. يومها، بدا المكان خالياً من الروح التي عرفها في طفولته، وهو ما دفعه إلى التفكير في فعل شيءٍ يعيد إليه شيئاً من حيويته السابقة. يقول فهد: "في البداية لم أكن أدعو الشباب رسمياً. كنت أتحدث معهم ودياً في جلساتٍ مختلفة. كان أغلبهم متحمساً للفكرة، لكن الحماسة وحدها لا تكفي".

على هذا، أدرك فهد أن الاستناد إلى منطق الواجب أو الحفاظ على التراث لن يجدي وحده نفعاً. لذا كان لا بدّ من تحويل التدريبات إلى مساحةٍ اجتماعيةٍ يجد فيها الشاب استراحةً من عناء اليوم.

بدأ فهد باختيار توقيت التدريبات بعنايةٍ في المساء بعد العمل وحين تهدأ وتيرة الحياة قليلاً وتنخفض حرارة الشمس. واستخدم خطاباً مفاده أن الرقصة تمنح أبناء سيحوت تميزاً لا يملكه غيرهم. كان يقول لأقرانه: "حين يأتي الزوار من حضرموت أو من أماكن مختلفةٍ بالمهرة ليشاهدوا الكبارة في العيد، ويعرفون أن هذه الرقصة لا توجد عندهم، ألا تشعرون بأنكم تحملون شيئاً خاصاً؟ هذا الشيء نحن من نملكه لا أحد غيرنا". من هنا بدأ التجمع للتدريبات على الرقصة بثلاثةٍ من أصدقائه المقربين ثم صاروا سبعةً، ثم وصلوا إلى خمسة عشر شاباً ينتظمون في التدريب مرةً كل خمسة عشر يوماً، كما أخبرنا. 

جمع الشباب وإقناعهم كان نصف المهمة فقط، أما النصف الآخر فكان استعادة من يعرفون تفاصيل الرقصة وحركاتها المختلفة. وهنا برز اسم الحاج سالم، وهو رجلٌ تجاوز السبعين من عمره ويُعد من أبرز العارفين بالكبارة وإيقاعاتها المتعددة. لم يكن إقناعه بالمشاركة أمراً صعباً، إذ كان يشارك فهد القلق نفسه على مصير الرقصة.

التحدي كان في خوفه من عدم قدرته على مواصلة تدريب الحضور بانتظامٍ والوقوف مُدداً طويلة. لهذا رتب فهد بمساعدة المهتمين مكاناً مريحاً للحاج سالم في زاويةٍ من الساحة التي عُرفت لاحقاً بِاسم "مدارة التدريب". وهي ساحةٌ صغيرةٌ قريبةٌ من منزله، جهزها الشباب بعد إزالة الحجارة منها وفرشها بالرمل الناعم، ليجلس سالم على كرسيه الخشبي ممسكاً بعصىً صغيرةٍ يضرب بها الأرض لتحديد الإيقاع، بينما يؤدي الشباب الحركات أمامه فيتابعهم ويصحح أخطاءهم.

ومع مرور الوقت، واجهت المبادرة تحدياتٍ تجاوزت مسألة الحضور والحماسة. فالتدريب يتطلب أدواتٍ، والطبول ليست متاحة دائماً، وكذلك فالملابس التقليدية التي يرتديها الراقصون باهظة التكاليف. عند هذه النقطة، بدأت المبادرة تتشعب إلى مساراتٍ أخرى لم يُخطط لها. ويروي فهد أنه قبل عيد الأضحى في 2026 اجتمعت مجموعةٌ من نساء سيحوت وقرّرن التطوع لخياطة الأزياء التقليدية وتجهيزها للراقصين. وقد عملن أسابيع في تطريز الأثواب وتجهيز الحليّ اللازم.

مساهمة النساء في استمرارية الكبارة لم تقتصر على تجهيز الأزياء. فبحسب معلمةٍ في إحدى مدارس سيحوت فضَّلت عدم ذكر اسمها، لم تعد كثيرٌ من النساء يمارسن الكبارة كما في السابق، لكنهن ما زلن يحتفظن بذاكرتها وينقلنها عبر الحكايات اليومية والحديث عن الأعياد القديمة وتفاصيل الساحة والمشاركين فيها. ومن خلال هذا السرد المنزلي، تنتقل معاني الرقصة ورمزيتها إلى الأجيال الجديدة.

هذا الانتقال الشفوي، على أهميته في حفظ الذاكرة الثقافية، يظل هشّاً. فقد لاحظ بعض طلاب جامعة المهرة أن الرقصة، مع محاولة إحيائها ممارَسةً، لم تحظَ بتوثيقٍ كافٍ، وأن الاعتماد على الذاكرة الشفوية وحدها ينطوي على مخاطرةٍ حقيقيةٍ، خاصةً مع تقدم كبار الممارسين في السنّ ورحيل بعضهم. 

ولهذا بادر ثلاثةٌ منهم، هم ناصر ونائف ومحمد، إلى تشكيل فريقٍ تطوعيٍ صغيرٍ أطلقوا عليه اسم "أرشيف سيحوت للفنون الشعبية" لتوثيق الرقصة نوعاً من الفنون الشعبية في التراث اليمني. ولم يمتلك الفريق كاميراتٍ احترافيةً أو معدات تسجيلٍ متطورةً، واعتمد أعضاؤه على هواتفهم المحمولة لتصوير التدريبات والعروض، وإجراء مقابلاتٍ مع كبار السن حول تاريخ الكبارة حتى تمكنوا من بناء أرشيفٍ رقميٍ يضم ما لا يقل عن ثلاثين مقطع فيديو ومقابلةً صوتيةً، يحتفظون بها على أجهزتهم الخاصة وينسخونها على أقراصٍ صلبةٍ خارجية.

يقول ناصر أحد أعضاء الفريق للفراتس: "لسنا خبراء ولا نملك تمويلاً، لكننا نشعر أن ما نفعله مهمّ. قد تمرّ سنواتٌ، وقد يرحل الحاج سالم وغيره من الكبار، لكن هذه التسجيلات ستبقى شاهدةً على أن هذه الرقصة كانت هنا، وأن الناس أحبوها وحافظوا عليها".

في هذا الإطار، يفسر أمين اليزيدي سر استمرار الكبارة وتمسك أهالي سيحوت بها بأنه يعكس آليةً أوسع تلجأ إليها المجتمعات في أوقات الأزمات في تحول الرموز الثقافية إلى وسيلةٍ للحفاظ على التماسك الاجتماعي والتعرف إلى الذات خارج شروط الحرب والقلق. لكنه يشير في الوقت نفسه إلى أن استمرارية هذه الجهود تتطلب أكثر من الحماسة الفردية، عبر التوثيق والدعم المؤسسي وإدماج الفنون المحلية في الأنشطة التعليمية والثقافية.

ويتفق معه مسؤول التوثيق سعد مسلم، قائلاً في حديثه للفراتس إن ما يمنح الأمل هو تشكل وعيٍ متزايدٍ لدى مختلف فئات المجتمع بأدوارها. فالكبار ينقلون المعرفة، والشباب يحملونها إلى المستقبل، والنساء يحفظن حضورها في الذاكرة اليومية.

يستدرك اليزيدي بأن الكبارة لن توقف الحرب ولن تعالج الفقر ولن تحل أزمة التمويل الثقافي، لكنها تصنع شيئاً آخر لا يقلّ أهمية في المجتمعات المأزومة. إنها تذكّر الناس بأنهم ليسوا مجرد أفرادٍ يسعون إلى النجاة كلٌّ على حدةٍ، بل هم جماعةٌ لها تاريخها ورموزها الخاصة في التعبير عن ذاتها. 


الكبارة أكثر من قصة رقصةٍ شعبيةٍ تقاوم الاندثار. ما يظهر من بعيدٍ رقصةً محليةً محدودةً، يكشف عند الاقتراب منه قصةً أوسع عن محاولة المجتمعات الهشة حماية ما يميزها حين تضيق الخيارات وتضعف المؤسسات وتصبح متطلبات الحياة اليومية هي الأكثر إلحاحاً. ففي سيحوت يأتي الجواب من الساحة التي ما تزال تجمع الناس، ومن الأجساد التي تكرر ما تعلمته جيلاً بعد جيلٍ، ومن أفرادٍ قرروا أن ما ورثوه لا ينبغي أن يختفي بصمت. وفي هذا التوتر بين الاستمرار والتراجع، لا تنحصر الكبارة في إطار الممارسة الفنية، وإنما تعبّر عن الإصرار على إبقاء الذاكرة حيّةً في مواجهة التبدل البطيء لشروط الحياة. ومع كل دورةٍ جديدةٍ للرقصة، لا يتراجع حضورها بقدر ما يتبدل شكله، فيغدو أقل انتظاماً وأكثر هشاشةً، لكنه يظل مشدوداً إلى رغبةٍ واضحةٍ في البقاء داخل الذاكرة الجماعية.

اشترك في نشرتنا البريدية