أزمة الضمير في الجيش الأمريكي.. الالتزام الأخلاقي في مواجهة الأوامر العسكرية

في وقت تتسع فيه الحرب على إيران، اتجه بعض الجنود الأمريكيين إلى استخدام الاعتراض الضميري للتوقف عن المشاركة في حرب لا تتفق مع قناعاتهم الأخلاقية.

Share
أزمة الضمير في الجيش الأمريكي.. الالتزام الأخلاقي في مواجهة الأوامر العسكرية
الاعتراض الضميري ليس ظاهرة جديدة | تصميم خاص بالفراتس

في بهو مبنى كانن لمكاتب مجلس النواب في الكونغرس الأمريكي في واشنطن، تجمَّع عشرات المحاربين القدامى والنشطاء في أبريل 2026 احتجاجاً على الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران التي بدأت في فبراير من السنة نفسها. حمل المحتجون في قاعة المبنى المستديرة زهور توليب حمراء، تكريماً للمدنيين الإيرانيين الذين قُتلوا في الغارات، ورفعوا لافتات كُتب عليها "أوقفوا الحرب على إيران". ونظموا أيضاً مراسم لطيِّ العلم الأمريكي، في إشارة إلى الجنود الأمريكيين الذين سقطوا في الحرب. ولم تنتهِ الوقفة إلا بعد تدخل الشرطة التي قيَّدت أيدي المشاركين بالأربطة البلاستيكية، واقتادتهم إلى خارج المبنى، وألقت القبض على ما لا يقلّ عن ستة وستين شخصاً.

أعادت الحرب على إيران إحياء نقاش قديم داخل الجيش الأمريكي حول الاعتراض الضميري، وهو المسار القانوني الذي يسمح للعسكريين برفض المشاركة في الحروب لأسباب أخلاقية أو دينية. 

الاعتراض الضميري ليس ظاهرة استثنائية أو رد فعل عاطفي على الحرب على إيران، وإنما مؤسسة قانونية وأخلاقية راسخة داخل الجيش الأمريكي، تظهر كلما اتسعت الفجوة بين مبررات الحرب الرسمية وبين قناعات بعض العسكريين الأخلاقية أو الدينية. وعلى مدار العقود الماضية، تطورت هذه الآلية من الامتناع عن الخدمة العسكرية الإلزامية لأسباب دينية، إلى الامتناع عن المشاركة في حروب معينة بعد الانضمام الطوعي للجيش.


دفعت الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران عدداً متزايداً من العسكريين الأمريكيين إلى إعادة النظر في استمرارهم بالخدمة العسكرية. وتجلى ذلك في الارتفاع الكبير في طلبات الاعتراض الضميري، وهو حقٌّ يتيح للعسكريين طلب الإعفاء من المشاركة في بعض الحروب أو المهام القتالية إذا تعارضت مع قناعاتهم الأخلاقية أو الدينية أو الإنسانية. ففي مارس 2026 تلقَّى "مركز الضمير والحرب"، وهو منظمة أمريكية تقدم المشورة والدعم القانونيَّيْن للعسكريين الراغبين في مغادرة الخدمة العسكرية، ما لا يقلّ عن ثمانين طلباً واستفساراً من عسكريين يبحثون عن سبل لترك الخدمة. ويقارب هذا العدد ضعف ما يستقبله المركز عادة خلال عام كامل. ومع تنوع دوافع المتقدمين بهذه الطلبات، فإن الحرب على إيران شكلت الدافع الأبرز وراء هذه الموجة.

كثيراً ما يبدأ الاعتراض الضميري سؤالاً أخلاقياً قبل أن يتحول إلى طلب رسمي لمغادرة الخدمة العسكرية. فمع استمرار الحرب وتزايد خسائرها، يضطر بعض العسكريين إلى إعادة النظر في دورهم داخل المؤسسة العسكرية وفي مشروعية المشاركة في القتال. ونقلت إذاعة "إن بي آر" الأمريكية في أبريل 2026 عن أحد أفراد الحرس الوطني الجوي في ولاية أوهايو أنه بدأ التفكير في ترك الخدمة بعد أشهر من الصراع الداخلي حول دوره العسكري. إلا أن مقتل ثلاثة من زملائه ضمن ستة عسكريين لقوا حتفهم في حادث طائرة للتزود بالوقود في العراق خلال الحرب على إيران شكَّل نقطة تحول حاسمة لديه. وقال إن الحادث جعله يشعر بأنه لم يعد قادراً على الاستمرار، فبدأ البحث عن سبل لإنهاء خدمته العسكرية والانتقال إلى حياة مدنية تتوافق مع قناعاته.

أدت الحرب على إيران إلى ارتفاع غير مسبوق في طلبات المشورة المتعلقة بالاعتراض الضميري داخل الجيش الأمريكي. ويقول مدير مركز الضمير والحرب مايك برايسنر إن عدد العسكريين الذين تواصلوا مع المركز للحصول على مشورة بشأن الاعتراض الضميري ارتفع عشرة أضعاف منذ اندلاع الحرب. وبرايسنر عسكري قديم خدم في العراق بعد الغزو الأمريكي سنة 2003، قبل أن يغادر الجيش ويعيد النظر في مبررات الحرب ودور المؤسسة العسكرية الأمريكية. ويشير في حديثه للفراتس إلى أن المركز كان يتلقى نحو خمسين طلباً سنوياً من عسكريين في الخدمة الفعلية يسعون للحصول على صفة "معترض ضميرياً" لأسباب أخلاقية أو دينية أو إنسانية. إلا أن اندلاع الحرب على إيران أدى إلى تدفق غير مسبوق في الاتصالات والاستفسارات. ويضيف: "نستقبل مئات الاتصالات من عسكريين في الخدمة الفعلية لا يريدون المشاركة في هذه الحرب ويعارضونها بشدة، من مختلف الدرجات العسكرية. بعضهم ضباط وبعضهم جنود. أحد الذين تواصلوا معنا أمضى أكثر من سبعة عشر عاماً في الخدمة".

لا تقتصر هذه الموجة من الاعتراض الضميري على فئة محددة من العسكريين، ولا تعكس خوفاً من المشاركة في الحرب بقدر ما تعكس اعتراضاً أخلاقياً عليها. يقول برايسنر إن العسكريين الذين تواصلوا مع المركز ينتمون إلى رتب واختصاصات مختلفة، بينهم ضباط وجنود وأطباء وطيارون وأفراد من القوات البرية والبحرية والجوية، سواءً في الخدمة الفعلية أو ضمن قوات الاحتياط والحرس الوطني. وأضاف أن المركز تلقى طلبات من ثلاثة طيارين مقاتلين على الأقل سعوا إلى بدء إجراءات الاعتراض الضميري مع بداية الحرب. ويشير إلى أن معظم المتصلين لا يعبِّرون عن خوفهم من الموت أو المشاركة في القتال، بل عن رفضهم المساهمة في قتل أشخاص في حرب لا يؤمنون بمبرراتها. ويرجح أن يكون قصف مدرسة شجرة طيبة للبنات في مدينة ميناب الإيرانية في اليوم الأول من الحرب، والذي أسفر عن مقتل ما لا يقل عن مئة وخمسين شخصاً بينهم طالبات ومدنيون، قد شكَّل نقطة تحوّل عند كثير من العسكريين الذين طلبوا المساعدة. ويقول إن كثيرين أشاروا إلى الحادثة بوصفها اللحظة التي بدؤوا فيها إعادة النظر في استمرارهم بالخدمة العسكرية: "تلك الحادثة كانت اللحظة التي أدركوا فيها أنهم لا يريدون أن يكونوا جزءاً من قتل الأطفال".

ولا تقتصر اعتراضات العسكريين على الخسائر البشرية أو مشاهد الحرب، بل تمتد إلى المبررات الأخلاقية للحرب. يضيف برايسنر أن بعض العسكريين الذين تواصلوا مع المركز قالوا إنهم لا يرون الحرب مرتبطة مباشرة بالدفاع عن الولايات المتحدة، في حين أعرب آخرون عن انزعاجهم من الخطاب الديني ونبوءات نهاية العالم التي استُخدمت أحياناً لتبريرها داخل بعض الأوساط السياسية والعسكرية. بعض المتصلين عبَّروا أيضاً عن اعتقادهم بأن الحرب مرتبطة بالمصالح الإسرائيلية أكثر من ارتباطها بالمصالح الأمريكية. ويرى برايسنر أن هذه الموجة لا ترتبط بالحرب على إيران وحدها، وإنما تعكس تحولاً أوسع في وعي جيل من الجنود الذين نشؤوا في ظل "الحرب على الإرهاب"، وشاهدوا آثار الحرب في العراق وأفغانستان ثم الحرب على غزة في أكتوبر 2023. كثيرون باتوا يطرحون على أنفسهم أسئلة حول استعدادهم للمشاركة في أعمال تتعارض مع قيمهم الأخلاقية. ويشير إلى أن بعض من تواصلوا معه شاركوا في عمليات عسكرية في الإكوادور وكوبا، وليس بالضرورة في إيران.

ظهرت هذه التساؤلات الأخلاقية تكراراً مع المنظمات المختلفة المعنية بحقوق العسكريين. ومن بينها منظمة "أباوت فايس: فيترنز أغينست ذا وور" (إلى الخلف دُر: محاربون قدامى ضد الحرب)، التي تضم محاربين قدامى أمريكيين، وتقدم دعماً قانونياً ونفسياً للعسكريين الذين يعيدون النظر في مشاركتهم في الحروب. التقت الفراتس ريبيكا روبرتس مسؤولة التنظيم والاتصالات في المنظمة، والتي انضمت إلى الحرس الوطني الجوي في ولاية نيوجيرسي في 2012، وخدمت ضابطة في الحرس الوطني للجيش الأمريكي، قبل أن تستقيل سنة 2023 احتجاجاً على الدعم الأمريكي للحرب الإسرائيلية على غزة. تقول ريبيكا إن كثيراً من الجنود يتساءلون عن أسباب خوض الولايات المتحدة الحرب من الأساس، خاصة في ظل غياب أي تفويض من الكونغرس. بعضهم يشكك في قانونية الأوامر العسكرية، وآخرون يريدون معرفة البدائل المتاحة لهم في حال تعارض الحرب مع قناعاتهم الشخصية والأخلاقية.

وفقاً لريبيكا ارتفع عدد الجنود الذين يتواصلون مع المنظمة سراً دون الإفصاح عن هوياتهم خوفاً من ملاحقتهم أو عرقلة محاولة تركهم الخدمة العسكرية خلال الأسابيع اللاحقة للحرب على إيران. وأضافت: "كثيرون التحقوا بالجيش لأنهم أرادوا خدمة قضية نبيلة، ثم اكتشفوا لاحقاً أن الأمر لم يعد كذلك. لذلك قرروا الاعتراض، مع أن ذلك قد يجعلهم عرضة لفقد وظائفهم ومصدر دخلهم وحتى شبكة الدعم الاجتماعي التي يعتمدون عليها". 

بعض العسكريين لا يبررون اعتراضهم باعتبارات سياسية فقط، بل يستندون إلى رؤى دينية وأخلاقية ترى أن المسؤولية الفردية لا تسقط حتى أثناء الحرب. وفي هذا السياق، استشهد مركز الضمير والحرب في يونيو 2026 بمواقف بابا الفاتيكان ليو الرابع عشر إطاراً أخلاقياً يمكن الاستناد إليه في طلب الاعتراض الضميري. ونشر المركز رسالة للبابا شكك فيها في صلاحية مفاهيم تقليدية مثل "الحرب العادلة" في عصر الطائرات المسيرة والذكاء الاصطناعي والأسلحة ذات القدرة التدميرية الهائلة. واعتبر أن الأحكام الأخلاقية لا يمكن اختزالها في حسابات تقنية أو قرارات تصدرها الخوارزميات، مؤكداً أن المسؤولية الأخلاقية تظل مسؤولية فردية، حتى في ظل تطور أدوات الحرب الحديثة. 

لكن الاعتراض الضميري لا يتحول إلى حق قابل للتطبيق بمجرد اقتناع الجندي به. فالعسكريون الذين يرون أن الحروب تتعارض مع قناعاتهم الأخلاقية والدينية لا يستطيعون الانسحاب من المشاركة فيها تلقائياً. بل يتعين عليهم المرور عبر مسار قانوني وإداري محدد، يُطلب من الجندي خلاله إثبات طبيعة اعتراضه ومدى رسوخ المعتقدات التي يستند إليها قبل أن تقرر المؤسسة العسكرية الاعتراف به معترضاً ضميرياً.


تبلور الاعتراف بالاعتراض الضميري في الولايات المتحدة عبر مسار تاريخي طويل بدأ في منتصف القرن التاسع عشر. فمع اندلاع الحرب الأهلية الأمريكية وصدور أول قانون للتجنيد الإجباري سنة 1863، أتاحت السلطات الأمريكية أشكالاً من الخدمة البديلة للأشخاص الذين يرفضون حمل السلاح لأسباب دينية أو أخلاقية. ظلت هذه الترتيبات محدودة النطاق حتى اتخذ الاعتراف القانوني بالاعتراض الضميري طابعاً قانونياً في قوانين التجنيد الصادرة سنة 1940، التي سمحت لبعض الأفراد بأداء خدمات بديلة داخل المؤسسة العسكرية أو خارجها.

اتسع مفهوم الاعتراض الضميري عبر العقود. ففي بدايته كان الاعتراف بهذا الحق يقتصر على المنتمين إلى طوائف دينية ترفض الحرب من حيث المبدأ، ولم تكن الاعتراضات الأخلاقية أو السياسية على حربٍ معيَّنةٍ كافيةً للإعفاء من الخدمة العسكرية. وقضت المحكمة العليا الأمريكية سنة 1971 بأن رفض المشاركة في حرب بعينها لا يكفي، بل يجب أن يكون الشخص معارضاً جميع الحروب. ومع مرور الوقت، توسعت المعايير لتشمل أصحاب القناعات غير الدينية والمعتقدات الأخلاقية أو الفلسفية، شريطة ألا يكون الدافع مجرد موقف سياسي من حرب محددة أو مصلحة شخصية.

يفترض الجيش الأمريكي أن الملتحق بالخدمة العسكرية يقبل من حيث المبدأ المشاركة في الحرب. لذلك يوقِّع المجندون الجدد عند انضمامهم إلى القوات المسلحة على إقرارٍ يفيد بأنهم لا يعدّون أنفسهم معترضين ضميرياً. لكن القانون يتيح التقدم بطلب رسمي لاحقاً إذا طرأ تغير جوهري على قناعاتهم. وبحسب لوائح الجيش ينقسم المعترضون ضميرياً إلى فئتين رئيستين: رافضو المشاركة في أي شكل من أشكال الحرب، ورافضو أداء المهام القتالية الذين يقبلون أداء مهام غير قتالية داخل الجيش. ويُنقل من يتقدم بطلب اعتراض ضميري إلى مهام غير قتالية فور تقديم الطلب، إلى حين انتهاء التحقق من صدق قناعاته. 

تخضع طلبات الاعتراض الضميري لمراجعة تهدف إلى التحقق من صدق القناعات التي يستند إليها أصحابها. وتتولى هذه المهمة لجنة متخصصة داخل وزارة الجيش الأمريكي تُعرف باسم مجلس مراجعة المعترضين ضميرياً. وتتألف من ثلاثة أعضاء: قسيس عسكري يمثل مكتب كبير قساوسة الجيش، ومحام من مكتب الشؤون القانونية بالجيش، وضابط من مجلس المراجعة الخاصة التابع لإدارة شؤون الأفراد في الجيش. ويدرس كل عضو الطلب مستقلاً، استناداً إلى المعايير والإجراءات المنصوص عليها في اللائحة العسكرية الخاصة بالاعتراض الضميري، قبل التصويت على قبوله أو رفضه، على أن يحسم القرار بالأغلبية. ولا يَمْثُل مقدم الطلب شخصياً أمام اللجنة. وتستند المراجعة حصراً إلى الوثائق والشهادات والأدلة المرفقة بالملف. وإذا رُفض الطلب لا يعاد النظر فيه على الأسس نفسها، إلا إذا قدم صاحبه طلباً جديداً يستند إلى وقائع أو أدلة مختلفة عن تلك التي سبق رفضها.

تبحث المؤسسة العسكرية الأمريكية في صدق ورسوخ القناعات التي يستند إليها طالب الإعفاء لأسباب ضميرية. وفقاً لمدير مركز الضمير والحرب برايسنر، فإن العامل الحاسم في قبول الطلبات هو الصدق، أي أن المجند عليه إثبات اعتراضه، والتأكيد على أنه نابع من قناعة أخلاقية راسخة وليس رغبة في تجنب الخدمة. ويخضع لسلسلة من إجراءات التحقق تشمل مقابلة مع قسيس عسكري لتقييم طبيعة قناعاته، وتقييماً نفسياً للتأكد من عدم ارتباط الطلب بحالة عقلية مؤثرة، إلى جانب تحقيق رسمي يجريه ضابط مختص يراجع الأدلة والشهادات قبل رفع الملف إلى لجنة المراجعة النهائية لاتخاذ القرار.

يتجاوز دور المرشدين الدينيين في الجيش الأمريكي التحقق من المعتقدات الدينية للمتقدمين بطلبات الاعتراض الضميري إلى محاولة فهم طبيعة الأزمة الأخلاقية التي دفعتهم إلى تقديمها. فهم مكلَّفون بتقييم صدق القناعات التي يستند إليها الطلب. ويقول أحد المرشدين الدينيين في الجيش (طلب عدم  ذكر اسمه) إن هذه المقابلات تمثل تمحيصاً لدعوى الجندي المرور بأزمة ضمير. وأضاف "الجيش الأمريكي ربما يكون المؤسسة الأكثر تنوعاً في العالم. لديك جنود من خلفيات دينية وثقافية وعرقية مختلفة للغاية، وما يجمعهم في النهاية ليس الدين نفسه، بل فكرة الخدمة والوطن والقيم التي يقول الجيش إنه يقاتل من أجلها". وتابع أن الجندي حين يفقد إيمانه بهذه الفكرة "يصبح الأمر خطيراً بالنسبة للمؤسسة كلها، وليس فقط بالنسبة للفرد. لذلك يأخذ الجيش هذه الطلبات بجدية شديدة، ويأخذ أيضاً دور المرشدين الدينيين بجدية كبيرة". 

ولا يُعد الاعتراض الضميري تمرداً. إذ يتاح للمجند طلب إعفائه من المشاركة في الحرب عبر إجراءات قانونية معترف بها، في حين يُصنَّف التمرد جريمةً عسكرية. ووفقاً لقانون القضاء العسكري، يُعد متمرداً كل عسكري يتعاون مع آخرين لعصيان الأوامر أو تعطيل أداء الواجبات بقصد تحدي السلطة العسكرية، أو يسعى إلى إثارة اضطرابات أو أعمال عنف ضدها. يخضع المتمردون لعقوبات قد تصل إلى الإعدام.

تشكلت قواعد الاعتراض الضميري عبر عقود من الجدل الذي رافق الحروب الأمريكية الكبرى. فمع كل موجة اعتراض جديدة تعود الأسئلة نفسها إلى الواجهة: ما حدود الطاعة العسكرية. ومتى يحق للفرد أن يرفض المشاركة في حرب تتعارض مع معتقداته. ومن الحرب العالمية الثانية إلى حرب فيتنام ثم العراق، برزت شخصيات وقضايا تحوَّلت إلى محطات مفصلية في تاريخ الاعتراض الضميري أسهمت في إعادة رسم حدوده القانونية والأخلاقية.


تطوَّر مفهوم الاعتراض الضميري على وقع الحروب والأزمات العسكرية الكبرى. فتحت الحرب العالمية الثانية باب النقاش في حدود أداء الواجب العسكري. ثم تصاعدت موجات الاعتراض خلال حرب فيتنام، قبل أن يحتد الجدل حول حدود هذا الحق مرةً أخرى في الحروب التي خاضتها الولايات المتحدة خلال العقود الأخيرة، لاسيما في العراق وأفغانستان.

كانت الحرب العالمية الثانية أول اختبار واسع لنظام الاعتراض الضميري. فمع اعتماد التجنيد الإجباري على نطاق واسع بين سنتي 1939 و1945 خدم نحو ستة عشر مليون شخص في القوات المسلحة، أكثر من 60 بالمئة منهم مجندون إلزامياً. كان بإمكان من يرغب في الحصول على صفة معترض ضميرياً التقدم بطلب إلى مجلس التجنيد المحلي. وتشير التقديرات إلى أن نحو أربعة وثلاثين ألف شخص تقدموا بهذه الطلبات خلال الحرب. غير أن الحصول على هذه الصفة لم يكن متاحاً لمجرد معارضة الحرب أو رفضها على المستوى الشخصي، بل اقتضى الانتماء إلى إحدى الطوائف الدينية المعروفة بمواقفها السلمية ورفضها المبدئي للحرب. وفقاً لتقرير صادر في أكتوبر 2020 عن متحف الحرب العالمية الثانية القومي، المخصص لتوثيق تاريخ الحرب.

لم يكن الاعتراف بالاعتراض الضميري يعني إعفاءً كاملاً من التجنيد. بل أتاح للجيش الأمريكي عقاب المعترضين أو توزيعهم على مسارات خدمة مختلفة. ومع ذلك رفض ما لا يقل عن ستة آلاف شخص التعاون مع نظام التجنيد من الأساس، وانتهى الأمر بسجن ما لا يقل عن أربعة آلاف وأربعمئة من أتباع طائفة شهود يهوه. وفي المقابل، قبِلَ نحو خمسة وعشرين ألفاً الالتحاق بالخدمة العسكرية في مهام غير قتالية، وعمل معظمهم في الخدمات الطبية مسعفين. أما الذين رفضوا حمل السلاح أو الانضمام إلى الجيش لكنهم قبلوا أداء الخدمة الوطنية بصور أخرى، فقد أتاح لهم قانون الخدمة الانتقائية والتدريب الصادر سنة 1940 الالتحاق ببرنامج الخدمة المدنية العامة  الذي وفر أعمالاً خارج المؤسسة العسكرية، منها العمل في المستشفيات ودور الرعاية ومراكز الإغاثة والدعم. واستفاد من هذا البرنامج نحو اثني عشر ألف شخص.

أعادت حرب فيتنام رسم حدود الاعتراض الضميري في الولايات المتحدة أكثر من أي حربٍ أخرى في تاريخها الحديث. تحدثت إلى الفراتس مارجوري كوهين مؤلفة كتاب "رولز أوف ديسنغيجمنت" (قواعد الانسحاب) الصادر في 2009، والذي تناول الاعتراض والاحتجاج داخل القوات المسلحة الأمريكية. وتوضح كوهين أن الاعتراف بحق الاعتراض الضميري في الولايات المتحدة يعود إلى الحرب الأهلية الأمريكية، إلا أن أهميته برزت أكثر خلال الحرب العالمية الثانية، قبل أن يصل إلى ذروته خلال حرب فيتنام بين سنتي 1964 وحتى 1973. ففي تلك الحقبة تقدَّم ما يقرب من نصف مليون أمريكي بطلبات للحصول على إعفاء من التجنيد الإجباري لأسباب ضميرية، في واحدة من أكبر موجات الاعتراض على الحرب في التاريخ الأمريكي الحديث. 

وتضيف أن حرب فيتنام ساهمت أيضاً في إعادة تعريف مفهوم الاعتراض الضميري قانونياً، بعدما توسع نطاقه ليشمل المعتقدات الأخلاقية والإنسانية إلى جانب الدينية التي ارتبط بها سابقاً. ومع إنهاء الولايات المتحدة نظام التجنيد الإجباري في 1973 والانتقال إلى جيش قائم بالكامل على التطوع، تراجعت طلبات الاعتراض الضميري تراجعاً ملحوظاً. غير أن هذا الحق لم يختفِ من المنظومة العسكرية الأمريكية، وظل متاحاً لأفراد القوات المسلحة الذين تتعارض مشاركتهم في الحروب مع قناعاتهم الدينية أو الأخلاقية.

ساهم في هذا التحول لجوء شخصيات شهيرة إلى الاعتراض الضميري في رفضهم المشاركة في حرب فيتنام. ويعد بطل الملاكمة السابق محمد علي كلاي أحد أبرز هؤلاء. إذ رفض أداء الخدمة العسكرية خلال الحرب ما أدى لتجريده من لقب بطل العالم للوزن الثقيل وإبعاده عن ممارسة الملاكمة أكثر من ثلاث سنوات. وبرر محمد علي موقفه بقوله: "لا أستطيع المشاركة في أي شيء من شأنه أن يساعد على إطلاق النار على شعوب آسيوية ملونة لم تشنقني، ولم تحرمني من حريتي أو العدالة أو المساواة، ولم تغتل قادتي". وفي 1967 أدين بالتهرب من التجنيد الإجباري، وصدر بحقه حكم بالسجن خمس سنوات وغرامة قدرها عشرة آلاف دولار، حتى ألغت المحكمة العليا الحكم في 1971.

غيَّر إنهاء التجنيد الإجباري طبيعة حق الاعتراض الضميري. فمع انتقال الجيش الأمريكي إلى نظام الخدمة التطوعية، لم يعد الاعتراض متعلقاً برفض الالتحاق بالجيش من الأساس، بل بعسكريين اختاروا الخدمة طوعاً ثم أعادوا النظر في مشاركتهم بالحروب بعد احتكاكهم المباشر بتجارب القتال. وظهر ذلك خلال حرب العراق، التي شهدت ارتفاعاً في طلبات الاعتراض الضميري. ووفقاً للأرقام التي نشرها الجيش الأمريكي في أغسطس 2007، وافق الجيش سنة 2001 على ما لا يقل عن ثمانية عشر طلباً للإعفاء من أصل ثلاثة وعشرين. وارتفع العدد إلى أربعة وسبعين طلباً في 2005، قُبل منها تسعة وثلاثون فقط.

يكشف تاريخ الاعتراض الضميري أن لحظته الحاسمة لا تبدأ برفض الحرب، بل بالشعور بأن الطاعة العسكرية لم يعد ممكناً التوفيق بينها وبين الضمير الشخصي. وتبرز قضية الضابط المسلم جيمس يي التناقض الذي قد يواجهه بعض العسكريين خلال الحروب. فقد خدم داخل معتقل غوانتانامو مسؤولاً عن تقديم الدعم الديني للمعتقلين المسلمين، قبل أن يتحول هو إلى محلِّ تحقيق واتهامات من جانب السلطات الأمريكية. وفي كتابه "فور غاد آند كانتري" (من أجل الربِّ والوطن) الصادر سنة 2005، روى كيف قادته تلك التجربة إلى التساؤل عن الحدود الفاصلة بين الواجب العسكري والالتزام بالمبادئ الدينية والأخلاقية. 

موقع يي داخل المؤسسة العسكرية الأمريكية جعل تجربته مثالاً استثنائياً على التوتر بين متطلبات الأمن القومي والالتزام الديني والأخلاقي. ففي 2001، عُيِّن واحداً من أوائل المرشدين المسلمين في الجيش. وبعد هجمات الحادي عشر من سبتمبر 2001، انتقل لتوعية الجنود بالإسلام وتعزيز الفهم المتبادل داخل المؤسسة العسكرية. واختير للعمل مرشداً دينياً في معتقل غوانتانامو، حيث احتُجز ما لا يقل عن سبعمائة معتقل أُلقي القبض عليهم خلال "الحرب على الإرهاب". وفي سبتمبر 2003، وبعد عشرة أشهر من الخدمة في غوانتانامو في منصب أتاح له الوصول الكامل إلى المعتقلين، اعتُقل أثناء توجهه للقاء زوجته وابنته خلال إجازة اعتيادية لمدة أسبوعين. وأودع في سجن تابع للبحرية الأمريكية، وتلقى المعاملة نفسها التي تلقاها معتقلو غوانتانامو. واتُهم بالتجسس ومساعدة حركة طالبان وتنظيم القاعدة، وقضى ستة وسبعين يوماً في الحبس الانفرادي. مع تهديده بالحكم عليه بالإعدام، قبل أن تُسقط الحكومة جميع التهم الموجهة إليه. روى يي في كتابة ما تعرض له من اتهامات وإجراءات انتهت بتدمير مسيرته العسكرية وسمعته المهنية، وأدلى بشهادة من الداخل على أجواء الشك والخوف التي سادت الولايات المتحدة في السنوات التي أعقبت هجمات الحادي عشر من سبتمبر. 

يكشف تاريخ الاعتراض الضميري أن جوهر القضية لم يتغير مع تغيّر الحروب والأجيال. فالمعضلة نفسها تعود للظهور كلما وجد العسكريون أنفسهم أمام فجوة بين الأوامر والقيم. ظهرت هذه الفجوة مجدداً خلال الحرب على غزة ثم الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران، التي دفعت عدداً متزايداً من العسكريين إلى إعادة النظر في علاقتهم بالحرب ودورهم فيها.


يستمد الجنود تصوراتهم عن الحرب من منظومات أخلاقية ودينية قد تدفعهم أحياناً إلى مراجعة مواقفهم من القتال. ففي الوقت الذي تبنَّى فيه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب خطاباً يصوِّر الحرب على إيران معركة ضرورية لحماية الأمن الأمريكي ومواجهة ما وصفه بالتهديد الإيراني، برزت أصوات دينية ترفض منح الحرب شرعية مطلقة أو اعتبارها خياراً أخلاقياً. وتكتسب هذه المواقف أهمية داخل المؤسسة العسكرية.

يستند الدور الذي يلعبه المرشدون الدينيون في ملفات الاعتراض الضميري إلى مكانة راسخة داخل المؤسسة العسكرية الأمريكية. فمنذ تأسيس سلاح المرشدين الدينيين سنة 1775، شملت مهمتهم تقديم المشورة للقادة في القضايا الأخلاقية والمعنوية التي قد تؤثر في تماسك الوحدات العسكرية وجاهزيتها. ويصف الجنرال المتقاعد مارك هيرتلينغ هؤلاء المرشدين بأنهم ضمير القوة الأخلاقي. ويضيف للفراتس إن دور المرشدين الدينيين لا يقتصر على تقديم الدعم الروحي، بل يمتد إلى مساعدة الجنود على التعامل مع تجارب قاسية مثل القتال والموت وفقدان الرفاق، مشيراً إلى أن هذا النوع من الدعم ينعكس مباشرة على الروح المعنوية والاحتفاظ بالأفراد والجاهزية القتالية، لاسيما حين الحروب والأزمات الممتدة. 

يعدّ الجيش الإرشاد الديني جزءاً من منظومة بناء السلوك والانضباط العسكري. في حديثه مع الفراتس، يقول الباحث في مركز الحقوق الإنسانية التطبيقية بجامعة يورك والمتخصص في قضايا الدين والقانون الدولي الإنساني، أندرو بارتلز سميث، إن دور رجال الدين العسكريين لا يقتصر على تقديم الرعاية الروحية للجنود، إذ إنهم يشاركون أيضاً في رفع المعنويات وتعزيز الانضباط والمساهمة في تشكيل سلوك المقاتلين الأخلاقي. ويعدّهم القادة العسكريون عنصراً مهماً في الحفاظ على فعالية القوات وتشجيع احترام قواعد الحرب والقانون الدولي الإنساني. ويعكس ذلك تصوراً أوسع داخل الجيش الأمريكي يربط بين الكفاءة العسكرية والبناء الأخلاقي للفرد العسكري. إذ يؤكد الدليل العقائدي الصادر عن الجيش الأمريكي في 2025 أن مهمة المؤسسة العسكرية ليست كسب الحروب، ولكن تشمل أيضاً التحقق من التزام العسكريين بالقيم الأخلاقية. 

ظهرت الاعتراضات على حرب إيران داخل المؤسسات الدينية المرتبطة بالجيش. فقد شكك المسؤول عن الأبرشية الكاثوليكية للخدمات العسكرية في الولايات المتحدة تيموثي بروغليو في مشروعية الحرب أخلاقياً، وفي استيفائها شروط نظرية الحرب العادلة في الفكر الكاثوليكي، لأن واشنطن تتعامل في نظره مع تهديد نووي محتمل كما لو كان متحققاً. وأضاف بروغليو في لقاء مع شبكة "سي بي إس نيوز" في أبريل 2026 أن نظرية الحرب العادلة تجعل الحرب خياراً أخيراً لا  استباقياً. واستشهد بموقف البابا ليو الرابع عشر، الذي دعا ترامب قبلها بأيام إلى البحث عن سبل لخفض مستوى العنف في الشرق الأوسط وإيجاد مخرج من الحرب مع إيران. 

قابل ترامب خطاب القادة الدينيين المشكك في أخلاقية الحرب بخطاب أخلاقي وديني يدافع عنها.  فصوَّر الصراع مواجهة بين قوى الخير وقوى الشر. وتحدث عن ضرورة الانتصار، وعدَّ النظامَ الإيرانيَّ تهديداً أخلاقياً. ووفقاً لتقرير نشرته رويترز في أبريل 2026، وصف ترامب إنقاذ طيار أمريكي سقطت طائرته في إيران بمعجزة عيد الفصح، وألمح إلى أن الضربات الأمريكية والإسرائيلية تحظى ببركة إلهية.

قبل الحرب على إيران، طرحت الحرب الإسرائيلية على غزة أسئلة حول حدود الطاعة العسكرية والاعتراض الأخلاقي. ومع عدم مشاركة الولايات المتحدة بقواتها مباشرة في الحرب، فإن دعمها العسكري والسياسي إسرائيلَ دفع بعض العاملين داخل مؤسسات الأمن والدفاع إلى الاعتراض أو الاستقالة. ومن بين هؤلاء الضابط في الجيش الأمريكي الذي كان يعمل لدى وكالة استخبارات الدفاع هاريسون مان، الذي قدم استقالته احتجاجاً على الدعم الأمريكي الحربَ الإسرائيلية في غزة. وفي رسالة مفتوحة نشرها على منصة "لينكد إن"، قال إن عمله مَهما بدا إدارياً أو هامشياً، فإنه ساهم مباشرة في الدعم الأمريكي لإسرائيل، وهو ما لم يعد قادراً على التعايش معه أخلاقياً. 


الاعتراض الضميري ليس ظاهرة جديدة صاحبت الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران، بل هو حق قانوني صيغ عبر عقود طويلة. فمنذ الحرب العالمية الثانية مروراً بفيتنام والعراق وأفغانستان، وجد بعض العسكريين أنفسهم بين الطاعة العسكرية ومشروعية المشاركة في القتال. وفي كل مرة تظهر أسئلة بصيغ مختلفة، لكنها تدور حول القضية نفسها: ماذا يفعل الجندي عندما تتعارض الأوامر التي يتلقاها مع قناعاته الأخلاقية أو الدينية؟ ومع اختلاف الظروف السياسية من حرب إلى أخرى، فإن الجدل في العلاقة بين الواجب العسكري والضمير الفردي ظل جزءاً ثابتاً من تاريخ المؤسسة العسكرية الأمريكية، وعاد إلى الواجهة مجدداً مع الحرب على إيران.

اشترك في نشرتنا البريدية