الأزمات المالية والحروب تختبر نموذج دبي 

أعادت تبعات الحرب على إيران التساؤلات والشكوك حول مدى قدرة الهيكل الاقتصادي لإمارة دبي على الصمود أمام الأزمات المتكررة.

Share
الأزمات المالية والحروب تختبر نموذج دبي 
محاولات للتكيف والبحث عن مسارات للتعافي | تصميم خاص بالفراتس

تجدد شاشات الأخبار التذكير بهشاشة وقف إطلاق النار المتفق عليه بين إيران والولايات المتحدة وإسرائيل من ورائها، فيما تسقط الصواريخ متباعدة فوق أجواء الخليج في محاولات طرفي الاتفاق تثبيت ما يرونه ردعاً متبادلاً. 

وبينما كانت تتوالى التقارير عن الضربات والتحذيرات الأمنية قبيل وقف إطلاق النار، ازدادت في مقابلها الإعلانات عن شقق سكنية تتراجع أسعارها بحثاً عن مشترٍ سريع في مناطق متفرقة من الإمارات العربية المتحدة، وخصوصاً في درتها المالية، دبي. 

في مارس 2026 بالقرب من برج خليفة في دبي، طُرحت وحدة سكنية بخصم يصل 12 بالمئة، وظهرت عروض مشابهة في منطقة نخلة جميرا. ووجدت وكالة رويترز في تلك الوقائع وأخرى شبيهة دليلاً على ضعف مبكر -جراء الحرب- في قطاع الاستثمار العقاري، المزدهر عادة في دبي، حسب تقرير لها نشرته في مارس 2026. فبعد نحو ثلاثة أسابيع من اندلاع الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران، إلى جانب الضربات التي طالت عدة مناطق في دبي، سجلت أحجام المعاملات بالمدينة تراجعاً حاداً وبدأت بعض الوحدات تُطرح بخصومات ملحوظة. وقدَّر المحللون انخفاض المعاملات العقارية في الإمارات بنسبة 37 بالمئة. ومع هذا الانخفاض، أكد وكلاء عقاريون أن السوق لم يدخل مرحلة انهيار ولكنه شهد تباطؤاً وحذراً مؤقتاً. إلا أن ذاك الحذر لا يزال قائماً بعد مرور أكثر من شهرين على بدء سريان وقف إطلاق النار رسمياً في 8 إبريل 2026 -وربما يبقى كذلك بعد اتفاق وقف إطلاق النار المبدئي الأخير الذي أعلنه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في 14 يونيو 2026-يرافق الحذر تحليلات تحليلات تردد المخاوف المستعادة من "تراجع نموذج دبي" ومعه وضع الاستثمار في دول الخليج العربي. 

منذ نحو عقدين تتكرر المفردات نفسها التي تتنبأ بانهيار وشيك لنموذج دبي مع كل أزمة تواجه المدينة. حدث ذلك في الأزمة المالية العالمية سنة 2008، ثم في جائحة كورونا في 2020، وتكرر الأمر مع اندلاع الحرب الإسرائيلية الأمريكية على إيران في 2026. وفي كل مرة تعود النقاشات بالأسئلة ذاتها، هل تستطيع مدينة قامت على السياحة والاستثمار العقاري والتدفقات المالية دون اقتصاد إنتاجي، أن تصمد عندما تتعطل هذه التدفقات. وبينما يرى محللون هشاشة في تلك البنية الاقتصادية، تظهر في المقابل رؤية أخرى تصنعها الحياة اليومية في المدينة والشبكات الاقتصادية التي تربطها بالعالم، ومرونة دبي إلى الآن في استيعاب تلك الأزمات.


في غضون بضعة عقود تحولت دبي من ميناء تجاري متواضع إلى مدينة عالمية كبرى تُعرف اليوم ملاذاً مالياً لأثرياء العالم، وتشتهر بالسياحة والعقارات الفاخرة. عند زيارتها، تستقبلك المدينة بناطحات السحاب وفنادق الدِعة ومراكز التسوق الضخمة. وبينما تعتمد المدن حولها تقريباً، على عوائد استخراج النفط وتكريره وتصديره مصدراً أساساً للدخل، بنت المدينة اقتصاداً متنوعاً قائماً على التجارة العالمية والسياحة والخدمات المالية والعقارات. وظل هذا الاقتصاد المتنوع مثيراً لشهية صناديق الاستثمار الأجنبية حتى جاءت الأزمة المالية العالمية سنة 2008 لتبدأ الشكوك في ديمومته. 

انتقلت إمارة دبي من تجمع ساحلي صغير يعتمد سكانه على صيد الأسماك والغوص لاستخراج اللؤلؤ، إلى واحدة من أبرز المدن العالمية في مجالات التجارة والسياحة واستضافة مقار الشركات العالمية الكبرى. واستند هذا التحول إلى موقعها الجغرافي على الخليج العربي، مستفيدة من تسارع إيقاع التجارة العالمية في الثلث الأخير من القرن العشرين. 

وعلى أنها تعمل وفق بنية اقتصادية واجتماعية مختلفة عن غيرها من الإمارات التابعة لدولتها، إلا أن دبي تبقى واحدة من أدوات التأثير الاقتصادي والسياسي لدولة الإمارات، ولا يمكن النظر إليها بمعزل عن الطموحات السياسية للدولة التي يساهم الاقتصاد في تحقيقها.

في كتابه "الرأسمالية والطبقية في دول الخليج" الصادر سنة 2011 وترجمته للعربية إيمان معروف في 2021، يتناول آدم هنية -أستاذ الدراسات التنموية في مدرسة الدراسات الشرقية والإفريقية بجامعة لندن- مسار تشكل الرأسمالية الخليجية منذ الطفرة النفطية وحتى ما بعد تداعيات الأزمة المالية العالمية في 2008. يحلل هنية ما جرى في المنطقة على ضوء الأزمة المالية العالمية، ويطرح أن ما شهدته منطقة دول مجلس التعاون الخليجي وقتئذ لا يمكن فهمه عبر النفط وحده، بل على ضوء اندماج الخليج في بنية الرأسمالية العالمية. 

يدفع هنية بأن طبقة رأسمالية خليجية قد تشكلت مستفيدة من عوائد النفط، إذ تحولت المجموعات التجارية العائلية التي نشأت بدعم الدولة إلى تكتلات اقتصادية ضخمة تمتد استثماراتها ونفوذها خارج الحدود الوطنية. وبحسب هذا التصور، لم تعد اقتصادات الخليج تعمل وحداتٍ منفصلة، بل ترابطت ضمن فضاء اقتصادي إقليمي تتحرك داخله رؤوس الأموال والشركات والمصالح بتداخل. 

في مقابلة معه على منصة "تروث آوت" خلال الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران في أبريل 2026، قال هنية إنه لا يزال كثيرون ينظرون إلى دول الخليج على أنها مجرد خزانات نفط أو مصادر ضخ عملاقة للطاقة، لكن هذه الصورة تتجاهل التحول الذي شهدته اقتصادات الخليج في أعقاب الأزمة المالية العالمية. إذ تجاوزت دول الخليج مرحلة تصدير النفط، وأصبحت لاعباً رئيساً في أسواق السلع الأساس مثل الكيماويات والأسمدة والألومنيوم، إلى جانب دورها الكبير في النقل البحري والجوي والتمويل العالمي.

في المقابل، في دراسته المعنونة "ريسك برسيبشن آند أبيتايت إن يو إيه إي [. . .]" (نزعة الإمارات إلى المخاطرة ورؤيتها لها) المنشورة عن معهد "تشاتام هاوس" سنة 2000، ينظر الباحث بيتر ساليزبيري إلى دبي معبرةً عن "نموذج القوة الإماراتي". يقوم هذا النموذج على معادلة معقدة تجمع بين الانفتاح الاقتصادي المرن والانغلاق السياسي والأمني الصارمين. وفقاً لساليزبيري، كفل هذا النموذج -إضافة للطموح الإقليمي للإمارات- تحولها إلى فاعل إقليمي مؤثر، خصوصاً في العقدين الثاني والثالث من القرن الحالي. إذ لم تعد الإمارات تكتفي بسياسة خارجية دفاعية قائمة على تجنب المخاطر، وتبنت ما يمكن وصفه بسياسة المخاطرة المحسوبة، تسعى بها إلى إعادة تشكيل البيئة الإقليمية بما يتوافق مع رؤيتها للاستقرار والنظام. 

النموذج الإماراتي وفق البحث يقوم على ثلاث ركائز مترابطة، اقتصاد منفتح ومندمج في الأسواق العالمية، وجهاز دولة يركز على الكفاءة وتقديم الخدمات، ونظام سياسي يرفض أي منافسة إقليمية حتى خارج الإقليم. هذه المعادلة التي تبدو ناجحة داخلياً، تنعكس خارجياً في شكل سياسة تدخلية عنيفة أحياناً، سواء بدعم أطراف سياسية وعسكرية في المنطقة وخارجها، أو بناء تحالفات أمنية واقتصادية تمتد من شرق إفريقيا إلى جنوب آسيا. ومع ذلك تشير الدراسة إلى أن عملية صنع القرار تظل مركزة في دائرة ضيقة للغاية من النخبة الحاكمة، وغالباً ما تكون القرارات تفاعلية أكثر منها إستراتيجية طويلة المدى، وهو ما يفتح المجال أمام أخطاء في التقدير أو مبالغة في ردود الفعل.

وفقاً لتحليله، ينظر ساليزبيري لدبي على أنها أكثر تعقيداً من مجرد مدينة ناجحة اقتصادياً، ويضع انفتاحها ضمن المظلة السياسية والأمنية للطموحات الإماراتية، التي تحدد الاتجاهات الكبرى للسياسة الاقتصادية والأمنية الإماراتية. 

لكن على الصورة اللامعة التي يُقدَّم بها نموذج دبي، فإن استدامته تعود إلى واجهة التساؤلات مع كل أزمة كبرى تضرب المنطقة أو الاقتصاد العالمي. 


أرست دبي دعائم نموذجها الاقتصادي القائم على تجاوز ريع البترول والتحول إلى وجهة للتجارة والرفاه، من قبل إعلان دولة الإمارات العربية المتحدة دولة مستقلة في سبعينيات القرن العشرين. بداية من إنشاء المطار والموانئ، وعلى رأسها ميناء جبل علي الذي غدا أكبر ميناء في العالم. مروراً بافتتاح ناطحة السماء الأولى في 1979 التي حملت اسم "مركز التجارة العالمي" وصولاً إلى استقرارها في مطلع الألفية واحدة من أهم الملاذات الضريبية والتجارية العالمية. لكن الأزمة المالية العالمية في 2008 حملت أولى إشارات المخاوف من أن يكون النموذج الاقتصادي الذي بنته دبي وتسعى عواصم عربية لاستنساخه، نموذجاً مهدداً بالانهيار. وتكررت المخاوف نفسها مع أزمة الجائحة العالمية في 2020، وأخيراً في الحرب الإقليمية سنة 2026 التي وجدت الإمارات نفسها طرفاً فيها. 

في كل مرة صمد النموذج الاقتصادي. لكن الأزمة الثالثة تختلف عن سابقتيها في أنها حملت تهديداً لسلعة دبي الرئيسة وهي الأمان. فصارت تلك الشكوك أكثر إلحاحاً، واضعة قدرة دبي على التعافي موضع المساءلة. ومعها تتجدد التساؤلات عن قابلية هذا النموذج للاستنساخ في ظل اعتماده على استثمارات قليلة الولاء كالاستثمارات العقارية والسياحة والخدمات المالية.

بعد ثلاثة أشهر من وقف إطلاق النار -ما قبل المبدئي الأخير- بين إيران والولايات المتحدة، نشرت صحيفة "نيويورك تايمز" في 9 يونيو 2026 تقريراً بعنوان "دبي ريانفينتينغ إتسّيلف [. . .]" (دبي تعيد اختراع نفسها [. . .]) تستعرض فيه الخطوات التي تتخذها الإمارة المشرفة على مياه الخليج لاستعادة وضعها الاقتصادي المستمر في التراجع بسبب ما تلقته من ضربات فترة الحرب.

بحسب التقرير، باتت الحياة الليلية التي اشتهرت بها دبي في مقاصدها السياحية البارزة شبه خاوية. ووصفت الحرب الأمريكية الإسرائيلية ضد إيران بأنها أضحت اختبار تحمّل للإمارة الصغيرة بالغة الثراء، التي تواجه ظرفاً لم تواجهه من قبل، يضع سلعتها الأساس وهي الاستقرار موضع اختبار. فوفقاً للبيانات الرسمية الإماراتية، أطلقت إيران نحو الإمارات 2265 مسيَّرة و551 صاروخاً "بالستياً" و29 صاروخ "كروز" أسفرت عن مئتين وثلاثين إصابة وثلاثة عشر قتيلاً معظمهم من الأجانب، إضافة إلى خسائر عينية لم تنشر الإمارات رسمياً تقديراً لها. وبحسب تقرير لموقع "دويتشة فيله" الألماني، لم تساعد تحركات السلطات الإماراتية للسيطرة على صورة الدولة وصورة دبي الآمنة التي استثمرت فيها كثيراً في حفظ تلك الصورة من التشويه. يقول التقرير الألماني المنشور في 11 إبريل 2026 بعد أيام من سريان وقف إطلاق النار-ما قبل المبدئي الأخير-  إن "أعمال قمع علنية شملت اعتقال مؤثرين [. . .] بسبب نشر صور ومقاطع فيديو لأضرار ناجمة عن الهجمات الإيرانية" أسهم في هزة عنيفة لصورة دبي ملاذاً آمناً.  

 ما نشرته الصحف الغربية ليس جديداً سوى في الظرف الذي يتناوله ويحلل أثره. فقدرة دبي ونموذجها على الاستدامة دائماً ما كانت موضع تساؤل منذ الأزمة المالية العالمية سنة 2008 وما تلاها من أزمات.

قامت التحليلات العديدة التي طرحت تلك الشكوك على عوامل كامنة في اقتصاد الإمارة نفسها. منها عوامل تواجهها مدن ودول أخرى يستند دخلها في جانب كبير منه على الاستدانة بأوراق الدين (الأموال الساخنة) التي تتخارج سريعاً من الأسواق عند أي هزة اقتصادية أو أمنية أو سياسية. ثم تأتي عوامل أخرى خاصة بدبي نفسها، على رأسها المركزية المطلقة في نموذج التخطيط الحضري والتطوير العقاري، حسبما تُبرِز دراسة لجامعة "إراسموس" بعنوان "أندرستاندينغ ذا إنوفيشن ديستريكت [. . .]" (فهم منطقة الابتكار) المنشورة سنة 2015 وتقارن بين نموذجي مدن المعرفة والإنترنت في دبي وبرشلونة الإسبانية. وجدت الدراسة أن نموذج برشلونة الشبيه بدبي قادر على الاحتفاظ برؤوس الأموال في الأزمات، كونه يسمح بأن يشارك رأس المال الخاص في المشروعات العقارية والبنية التحتية، ويقتصر دور الحكومة على التنسيق ووضع المخططات العامة، ما يُصعِّب على هذا المال التخارج وقت الأزمات. على عكس دبي التي تعتمد على مركزية تامة في التخطيط والبناء والاستثمار الثابت، تتولاه الأسرة الحاكمة وحكومتها. وترى الدراسة أن افتقار نموذج دبي لعنصري المشاركة والمرونة في الاستجابة للمتغيرات، يجعل قدرته على الاحتفاظ بالاستثمار هشاً وقت الأزمات. 

ولا ترى الدراسة افتقار دبي في دمج الاستثمارات في بنيتها فقط، بل افتقاراً في دمج المستثمرين ومجتمعات الأعمال المتشكلة فيها. إذ "لا تهتم" خطط دبي الاقتصادية بالجوانب الاجتماعية والثقافية التي تضمن أن يتجاوز الأفراد والمجتمعات العاملة والمستثمرة فيها حواضنهم المغلقة، ليندمجوا ضمن مجتمع أكبر يجعلهم ينظرون لدبي مُستَقَراً، لا مجرد وجهة للعمل والاستثمار. 

ولا تقتصر آثار غياب الاهتمام بدمج الأجانب على كون اقتصاد دبي بات محتشداً بالاستثمارات القابلة للتطاير فقط، بل أنتج كذلك هشاشة في سوق العمل، تناولتها دراسة رقية الهدى وبانكوري بارساد "ليبور ماركت داينامكس إن يو إيه إي [. . .]" (تفاعلات سوق العمل في الإمارات [. . .]) الصادرة عن جامعة هارفارد سنة 2022 في أعقاب جائحة كورونا. ترى الدراسة أن سوق العمل في الإمارات العربية المتحدة، بما فيها إمارة دبي هو سوق فريد إذ يشكل الأجانب 88 بالمئة من قوة العمل فيه. هذا العامل، إضافة إلى كون 82 بالمئة من الإماراتيين يعملون في قطاع الخدمات المدنية الحكومي، يجعل من الهزات الاقتصادية العالمية والإقليمية عنصري تهديد لسوق العمل المُنتج. فخروج العمالة الأجنبية نتيجة لتلك الهزات، مع غياب الكفاءات الإماراتية القادرة على حمل عبء العمل في حالة غياب هؤلاء الأجانب، يجعل القطاعات المنتجة في الاقتصاد في وضع تهديد دائم. خصوصاً مع سياسات الدولة السلبية مع التوطين، وغياب حوافز نقل الخبرات والمعارف وتوطينها محلياً بسبب بنية سوق العمل وبيئة الاستثمار.     

كل تلك العوامل تجعل الصحف ووسائل الإعلام ومراكز الدراسات الغربية تقفز إلى التخوف من انهيار نموذج الاقتصاد الذي تعتمد عليه دبي. وإلى الآن نجحت دبي في الصمود في مواجهة الأزمات التي ضربتها في العقدين السابقين، لكنها كانت أزمات مختلفة في بنيتها ومسبباتها عن الأزمة الحالية. إذ لم تهدد أي من الأزمتين السابقتين في 2008 و2020 صورة دبي المرتبطة بالأمان والاستقرار، ما يجعلها بحاجة إلى وصفة جديدة لتجاوز الأزمة الناتجة عن الحرب الأمريكية الإيرانية، ربما تتجاوز وصفتها التي طبقتها في الأزمتين الأوليين وكفلت لها الاستدامة.


تضررت دبي ضرراً بالغاً أغرقها في أزمة ديون متصاعدة جراء الأزمة المالية العالمية سنة 2008، ووضعتها تقديرات اقتصادية عند حافة الإفلاس، خصوصاً وأن الأزمة اتصلت بقطاعي الائتمان والعقارات، القطاعين الرئيسين في اقتصاد دبي وقتئذ. وعلى امتداد آثار الأزمة لسنوات، إلا أن دبي تمكنت من استيعابها مستفيدة من حزمة الإنقاذ التي قدمتها لها إمارة أبو ظبي، وهي الفرصة التي قد لا تتوفر لمدن عربية أخرى سعت لاستنساخ هذا النموذج. 

 في منتصف سبتمبر 2008 أعلن بنك "ليمان براذرز" إفلاسه لتبدأ الأزمة المالية حينها بعد أشهر من اضطرابات في سوق الرهن العقاري الأمريكي، قبل أن تمتد التداعيات سريعاً إلى الأسواق العالمية، بما في ذلك قطاع العقارات في دبي.

استخدمت الصحافة الغربية حينها لغة التشكيك. وتساءلت صحيفة "ذا غارديان" البريطانية في تقرير نشر في فبراير 2009 عن استدامة النموذج الاقتصادي لدبي، القائم على العقارات والتمويل الخارجي والسياحة. في المقابل ركزت مجلة "تايم" في تقرير منشور مطلع ديسمبر 2009 على هشاشة النمو السريع المبني على الديون الضخمة والاقتراض المفرط بإصدار السندات والصكوك (الأموال  الساخنة) أكثر من اعتماده على الإنتاج، ما أدى إلى ضربة شديدة لاقتصاد الإمارة نتيجة توقف التدفقات. وربط المقال أزمة دبي ببرج خليفة الذي افتتح ليكون أعلى برج في العالم، واعتبرته رمزاً على التوسع غير المخطط والرغبة في تسجيل أرقام قياسية ومشاريع عملاقة، ربما تجاوزت الحسابات الاقتصادية الواقعية.

 جزء من الأزمة بحسب "تايم" كان ناتجاً عن التناقض الصارخ بين الخطاب الرسمي والواقع الاقتصادي. فبموازاة تفاقم الأزمة، استمرت دبي في تنظيم فعاليات فاخرة ومكلفة، مثل افتتاح فندق "أتلانتس" في سبتمبر 2008 بحفل ضخم بلغت تكلفته نحو عشرين مليون دولار. ومع اعتراف التقرير بأن صعود دبي في غضون عقود قليلة يعد إنجازاً استثنائياً، رأى أن هناك "مبالغة وطموح مفرط وربما غرور في مشروع مدينة دبي".

بلغ الخطاب المتشائم ذروته بنهاية 2009 حين فشلت دبي في سداد دفعات من ديونها، واضطرت لأن تطلب من دائنيها منح شركة "دبي وورلد"، رافعة مشروعاتها العقارية الكبرى مهلة تأجيل لسداد ديونها، بالتزامن مع بدء خطة لإعادة هيكلة الشركة المثقلة بالالتزامات المالية. وكانت ديون الشركة قد بلغت نحو 60 مليار دولار.

أصدر صندوق النقد الدولي في 2010 تحليلاً لتداعيات الأزمة المالية العالمية على اقتصاد الإمارات. بيَّن فيه أن الاقتصاد الإماراتي دخل سنة 2009 في تباطؤ حاد نتيجة تداخل ثلاث صدمات رئيسة، أولاها الأزمة المالية العالمية التي اندلعت في 2008 وأدت إلى تقلص السيولة، وثانيها الانخفاض الكبير في أسعار النفط، ما انعكس مباشرة على الإيرادات الحكومية، وأخيراً انفجار فقاعة العقارات في دبي، التي كانت تمثل أحد أبرز محركات النمو.

واتفقت مع تحليل صندوق النقد دراسة "دبي إن كريسيس" (دبي في الأزمات) الصادرة عن جامعة هارفارد في 2010، مؤكدةً أن الخلل يكمن في تمويل مشاريع طويلة الأجل بديون قصيرة الأجل، استناداً لتقدير متفائل باستمرار تدفق رؤوس الأموال، إلا أن الأزمة المالية العالمية أظهرت هشاشة هذا الاعتماد. 

في المقابل، قدمت أبو ظبي في 2009 حزمة إنقاذ قدرها عشرة مليارات دولار إلى دبي، ما ساعد على استقرار الاقتصاد ومنع التعثر في السداد. وبالموازاة بدأت دبي اتصالات لإعادة جدولة ديونها بتمديد آجال السداد وخفض الفوائد، وفي بعض الحالات تحويل الديون إلى حصص ملكية فيما يعرف اقتصادياً ببرامج مبادلة الديون. وكان الهدف من إعادة الهيكلة جعل عبء ديون دبي أكثر قابلية للإدارة.

مع قدرة دبي على الخروج من الأزمة مدعومة بعوائد النفط التي سعت للهرب من الاعتماد عليها -ممثلة في حزمة الإنقاذ من أبو ظبي- إلا أن الأزمة تركت أثراً لم يُمح على صورة دبي في العالم. يقول جيمس ساهوتا المتخصص في الاستثمار العقاري في دبي، إن التعافي من الأزمة استغرق نحو ست سنوات. وبلغت أسعار عقاراتها قاعاً غير متوقع سنة 2011، ولم تبدأ بالارتفاع حتى 2013 و2014. وأضاف ساهوتا في منشور على "لينكد إن" في مارس 2026، أن "ما ينساه البعض هو أن الأزمة أجبرت دبي على إعادة بناء إطارها التنظيمي بالكامل. وأصبحت حسابات الضمان إلزامية، وفرضت حدوداً على الرهون العقارية". 

وبعد سنوات، جاءت جائحة كورونا لتفرض اختباراً جديداً على المدينة في 2019، ومعها عادت العناوين نفسها ونبرة التشكيك ذاتها في نموذجها الاقتصادي وقدرته على الاستدامة.


بدأت جائحة كورونا في نهاية 2019  قبل أن تتحول في 2020 إلى أزمة عالمية شلت حركة السفر والتجارة وأغلقت الحدود في أنحاء واسعة من العالم. شكلت الجائحة أزمة جديدة لدبي، التي يعتمد جزء كبير من نموذجها الاقتصادي على السياحة الدولية والطيران والخدمات المرتبطة بالتدفقات الخارجية.  فقد توقفت حركة الطيران وخَلَت الفنادق من الزوار وتراجعت السياحة بشدة. ومع دخول الإمارة في أزمة جديدة، عادت معها التحليلات الدولية لتثير تساؤلات مجدداً عن قدرة هذا النموذج  على الصمود أمام الأزمات.

نشرت صحيفة "واشنطن بوست" تقريراً في 2020 عنوان "فيروس كورونا يضرب دبي كاشفاً هشاشة نموذجها الاقتصادي". واتجه كاتب التقرير مجدداً نحو اعتماد الإمارة البنيوي على التدفقات المالية سريعة الهرب. وأضاف أن أبوظبي ذات الاحتياطيات النفطية الضخمة والصناعات الهيدروكربونية معزولة نسبياً عن هذه الأزمة العالمية، في حين تعرضت دبي التي تعتمد على السفر والتجارة لأزمة حادة بسبب بقاء زوارها في منازلهم. وتنبأ التقرير بانهيار المدينة مع استمرار وقف السفر والتباعد الاجتماعي.

وذكر تقرير لغرفة تجارة دبي نشره موقع "سي إن بي سي" أن 70 بالمئة من الشركات في دبي كان من المتوقع إغلاق أبوابها في نهاية 2020. واستطلعت الغرفة آراء 1228 من الرؤساء التنفيذيين في قطاعات اقتصادية عدة في الفترة مابين 16 و22 أبريل 2020، أثناء الإغلاق. وتوقع 71 بالمئة خسارة أعمالهم في الستة أشهر الأخيرة من 2020. بدت المخاطر مضاعفة لدولة يشكل الأجانب نحو 80 بالمئة من سكانها، ويعتمد اقتصادها بدرجة كبيرة على وجودهم ونشاطهم الاستهلاكي والمهني. ففقدان الوظائف يعني عودة الكثير منهم إلى بلدانهم الأصلية، مما يضعف القاعدة السكانية والاستهلاكية التي يحتاجها أي تعافٍ اقتصادي. 

وفي محاولة احتواء الأزمة، أعلنت حكومة دبي في مارس 2020 حزمة تحفيز بقيمة مليار ونصف درهم (408 ملايين دولار) لتعزيز السيولة والتخفيف من أثر الإغلاق، شملت الحزمة خفضاً للضرائب والرسوم وإتاحة استرداد المدفوع من بعضها، وخفض تكاليف المرَافِق. وفي الشهر نفسه، أعلنت أبوظبي خطة تحفيز طارئة بقيمة سبعة وعشرين مليار دولار لدعم شركات القطاع الخاص والبنوك في كافة الإمارات بما فيها دبي. وأطلق البنك المركزي الإماراتي حزمة بقيمة سبعين مليار دولار لمساعدة البنوك التجارية على تقديم إعفاءات من الديون.

وأشار مقال بعنوان "إز ذس تايم ديفرنت؟ [. . .]" (هل هذه المرة مختلفة؟  [. . .]) الصادر عن معهد "الخليج العربي" في واشنطن سنة 2020، إلى أن دبي تبنت سلسلة واسعة من السياسات لمواجهة تلك الأزمة. شملت حزم دعم اقتصادي كبيرة للشركات والمستثمرين، وإعادة النظر في نظم الرعاية والمزايا الاجتماعية، وتقليص بعض بنود الإنفاق وإعادة توجيهها والبحث عن مصادر دخل محلية جديدة، إلى جانب التوسع في الاقتراض عبر أسواق الدين.

ورصد المقال أن الصدمة الاقتصادية التي أحدثتها الجائحة وتراجعت معها أسعار النفط وارتبكت سلاسل التوريد، دعت دبي إلى تسريع تبني آليات اقتصادية سعت إليها غيرها من مدن الخليج من قبل الجائحة، على رأسها تنويع مصادر الدخل ومبادرات توطين الوظائف في سوق العمل لتقليل تحويلات العمالة الوافدة. وخلص البحث إلى أنه مع التشابه مع أزمات سابقة، إلا أن أزمة 2020 حملت سمات مختلفة تزامنت مع ارتفاع مستويات الدين السيادي، وتراجع الطلب العالمي على النفط. ومع ذلك، فإن الاستجابة الأولية لحكومات الخليج جاءت أقرب إلى الأدوات التقليدية المعروفة، أكثر من كونها تحولاً جذرياً في النموذج الاقتصادي والسياسي للمنطقة. 

وفي تقرير صادر عن صندوق النقد الدولي في 2021، ظهر انكماش اقتصاد الإمارات بنسبة 6.1 بالمئة في 2020 نتيجة تراجع القطاع النفطي بنسبة 6 بالمئة، والقطاع غير النفطي بنسبة 6.2 بالمئة. وكانت القطاعات الأكثر تضرراً هي الأنشطة التي تعتمد على الحركة المباشرة والتواصل بين الناس، مثل السفر والسياحة والضيافة، وانخفض عدد سكان الدولة بنسبة 2.3 بالمئة في العام نفسه. وذكر التقرير أن الحكومة انتقلت من فائض يعادل 0.6 بالمئة من الناتج المحلي الإجمالي في 2019 إلى عجز بلغ 5.1 بالمئة في 2020 نتيجة تراجع الإيرادات.

أيضاً ساعدت الظروف المالية العالمية في ذلك، إذ تمكنت أبوظبي ودبي والشارقة معاً من جمع 19.25 مليار دولار من أسواق الدين خلال 2020، ثم أصدرت أبوظبي سندات بقيمة 5 مليارات دولار والشارقة سندات بقيمة ملياري دولار في 2021. في المقابل، واجهت دبي أثناء الجائحة خسائر كبيرة جعلتها تعاني عجزاً كلياً بلغ 5.5 بالمئة من الناتج الإجمالي للإمارة، وذلك بعد انخفاض الناتج بنسبة بلغت 9.3 بالمئة، تحققت في قطاعات الاقتصاد غير النفطي في الإمارات. إذ أدى الإغلاق التام إلى شلل بقطاع السياحة وما يتصل به من صناعة ترفيه باتت تشكل جانباً كبيراً من اقتصاد الإمارة. 

لمواجهة الأزمة أصدرت دبي وحدها حزم دعم بلغت 7.1 مليار درهم (نحو 1.9 مليار دولار) في الفترة بين مارس 2020 وسبتمبر 2021، ولجأت دبي لاحقاً إلى إنهاء مبكر للإغلاق لاستعادة نشاط السياحة وما يرتبط به من قطاعات اقتصادية. وظهر هذا على السياسات الصحية للإمارة التي تشددت في العلاج الوقائي بين سكانها مواطنين وأجانب. 

الاستجابة للأزمة لم تقتصر على الأدوات المالية والاقتصادية فقط، بل شملت أيضاً إجراءات تنظيمية وتسويقية استهدفت حماية جاذبية الإمارة نموذجاً مفتوحاً للأعمال والسياحة. ففي تقرير لصحيفة "الإندبندنت" البريطانية في أغسطس 2020، خففت دبي قوانين بيع المشروبات الكحولية وحيازتها، في محاولة للخروج من حالة ركود اقتصادي تفاقمت بسبب الجائحة. وفي فترة الإغلاق، سمحت السلطات لأول مرة بتوصيل الكحول إلى المنازل. وعدلت نظام التصاريح القانونية لشراء الكحول. قبل ذلك كان يتعين على المقيمين غير المسلمين حمل بطاقات حمراء تصدرها الشرطة تسمح لهم بشراء الكحول ونقلها واستهلاكها، وإلا غُرّموا أو اعتُقلوا. 

وبعد تدفق الاستثمارات وانتعاش حركة الطيران والخدمات مجدداً، جاءت الحرب الإسرائيلية الأمريكية على إيران في 2026 لتفتح فصلاً جديداً من الشك. فمع اتساع نطاق المواجهة الإقليمية لم تعد دبي بمنأى عن تداعيات الصراع. وامتدت آثار الحرب إلى الإمارة بعدة مسارات. أولها الاضطراب الأمني والجوي، مع تصاعد المخاوف من استهداف البنية التحتية الحيوية في دول الخليج، وما تبعه من إغلاقات مؤقتة واضطرابات في بعض المسارات الجوية الإقليمية من جديد. لتدخل الإمارة أزمة جديدة لا تأتي هذه المرة من ركود مالي أو جائحة صحية، بل من حرب إقليمية.


اندلعت الحرب بنهاية فبراير 2026، ومع اتساع العمليات العسكرية، نفذت الولايات المتحدة وإسرائيل ضربات على أهداف داخل إيران. قبل أن ترد إيران بإطلاق صواريخ وطائرات مسيرة باتجاه مواقع أمريكية وأهداف في دول الخليج، ومن بينها إمارة دبي.

نشرت صحيفة "ذا غارديان" تقريراً عقب بداية الحرب مباشرة بعنوان "وي ثوت إت واز فايرووركس: [. . .]" "ظنناها ألعاباً نارية: الباحثون عن الرفاه في دبي يهتزون تحت وقع صواريخ إيرانية". ومثل غيره من التغطيات السابقة واللاحقة، ذكر أن الضربات أثرت على الصورة التي بنتها دبي لنفسها مدينة آمنة ومنفصلة عن صراعات المنطقة. إذ اضطر نزلاء فنادق فاخرة إلى الاحتماء في المواقف السفلية والممرات الداخلية، بينما تلقى السكان والزوار تنبيهات طارئة للبقاء في الداخل. ومع استمرار التوتر، ارتفعت المخاوف من تراجع السياحة وتأجيل الاستثمارات وزيادة تكاليف التأمين والشحن، ما وضع دبي أمام اختبار اقتصادي جديد بعد سنوات من التعافي من أزمات سابقة.

وبالمثل، تحدث مقال لصحيفة "ذا نيويوركر" عن "تفكك دبي ملاذاً آمناً". ذكر التقرير أن الهجمات على المدينة جاءت محدودة مقارنة بمدن أخرى، لكنه في الوقت نفسه ذهب لنفس الشكوك عن استمرار النموذج بسبب الآثار النفسية للهجمات. حاجج المقال أن الأجانب في دبي أتوها لا بحثاً عن البريق الذي تتجاوزها فيه مدنٌ أخرى رفاهاً وجمالاً، بل بحثاً عن الفرص الاقتصادية والاستقرار السياسي. مذكراً بأن الإماراتيين لا يشكلون أكثر من 15 بالمئة من سكان دبي -على أقصى تقدير- وأن ما يجذب معظمهم هو الحوافز الضريبية والخصوصية والإحساس بالأمان والبُعد عن الصراعات، وهو ما بات مهدداً أثناء تلك الحرب. 

في المقابل، قدم الكاتب بوبي جوش قراءته في صحيفة "تايم" متسائلاً هل انكسر حلم دبي؟ وجاءت إجابته ربما لا. فالحكم على قدرة المدينة على تجاوز الحرب والعودة إلى الازدهار يتطلب فهم ما الذي بُني فيها، وما الذي تضرر. فدبي ليست مجرد مدينة ثرية، بل واحدة من أكثر التجارب الحديثة في صناعة القوة الناعمة، إذ نجحت في تحويل الوفرة الاقتصادية إلى جاذبية ثقافية وسمعة عالمية بوتيرة نادرة. ولا يغفل الكاتب عن دور الصواريخ الإيرانية التي  أصابت هذا البناء، لكنها لم تُسقطه، مضيفاً أن "ما يميز دبي عن مدن أخرى مرت بتجارب مشابهة، أنها لا تعتمد فقط على الجاذبية ولكنها تمتلك قوة المال، وهو مزيج قد يجعل تعافيها أسرع من المتوقع".

ووصف جيم كرين الباحث في معهد بيكر للسياسات العامة بجامعة رايس، جوهر الخطر بقوله إن نموذج دبي الاقتصادي يعتمد بدرجة كبيرة على المقيمين الأجانب الذين يجلبون رأس المال والخبرة واليد العاملة، وهؤلاء لا يختارون الإقامة إلا في البيئات المستقرة والآمنة. ومن هنا، تبدو الخسارة الأعمق التي أصابت المدينة ليست في الأبراج أو المنشآت، بل في صورتها الذهنية وسمعتها ملاذاً آمناً. 

وبالعودة للأرقام، نشرت منصة "غَلْف بيزنيس" الاقتصادية  الإماراتية تقريراً في أبريل 2026 بعد ما يقرب من شهرين من الهجمات، عن النمو الاقتصادي في الإمارات. ووفقاً للتقرير واصل اقتصاد الإمارات مساره التصاعدي في الأشهر الأولى من 2026 مدعوماً بقوة القطاعين المالي والمصرفي، إلى جانب ارتفاع مؤشرات التجارة الخارجية والاستثمار. ونقل التقرير نفسه عن مصرف الإمارات العربية المتحدة المركزي، ارتفاع إجمالي الأصول المصرفية بنسبة 1.1 بالمئة في فبراير 2026 ليتجاوز 5.472 تريليون درهم، مقارنة بمبلغ 5.414 تريليون درهم في يناير من السنة نفسها. وارتفع إجمالي الائتمان بنسبة 1.2 بالمئة ليصل إلى 2.63 تريليون درهم مدفوعاً بزيادة قدرها 20.6 مليار درهم في الائتمان المحلي. ونمت الودائع المصرفية بنسبة 1.9 بالمئة إلى 3.4 تريليون درهم، فيما زادت ودائع المقيمين بنسبة 1.7 بالمئة إلى 3.098 تريليون درهم.

وعلى امتداد الأزمات الثلاث، لم تكن المعطيات التي استندت إليها توقعات الانهيار وهمية أو مبالغاً فيها. فدبي مدينة شديدة الارتباط بالتدفقات العالمية مما يجعل أي تراجع في  الاستثمار والسياحة وحركة السفر مؤثراً عليها بشدة. تعتمد المدينة أيضاً على صورة الملاذ الآمن التي بنتها لنفسها. لكن في المقابل ما أظهرته الأزمات المتعاقبة وتجاهلته الكثير من التقارير، أن هشاشة النموذج لم تؤد إلى انهياره، بل دفعت الإمارة في كل مرة إلى إعادة تكييف أدواتها الاقتصادية والتنظيمية والمالية لاحتواء الأزمة.


يمثل الخليج مركزاً خدماتياً ومالياً مهماً داخل الاقتصاد العالمي، ما يعني أن أي اضطراب في مدن مثل دبي ينعكس سريعاً على حركة الأسواق والتجارة الدولية، ويجعل استقرار المنطقة قضية تتجاوز حدودها الإقليمية. وقد مرت دبي بعدة اضطرابات، تكررت في كل محطة منها التوقعات ذاتها بأن النموذج وصل إلى نهايته، والمدينة التي بُنيت على الانفتاح والخدمات والاستقرار لن تصمد كثيراً أمام الصدمات. صحيح أن كل أزمة تركت آثاراً ملموسة على الأسواق والثقة وقطاعات رئيسة مثل العقارات والسياحة والطيران، لكن التجربة أظهرت في المقابل محاولات للتكيف والبحث عن مسارات للتعافي.

اشترك في نشرتنا البريدية