وبينما كانت السلطات الإيرانية تتعامل مع "براي" تهديداً سياسياً، كانت الأغنية نفسها تتحول خارج إيران إلى رمزٍ عالميٍ للاحتجاج. ففي فبراير 2023 صعدت السيدة الأولى للولايات المتحدة حينئذٍ جيل بايدن إلى منصة حفل توزيع جوائز غْرامي، التي تمنحها سنوياً الأكاديمية الوطنية لتسجيل الفنون والعلوم الموسيقية في تكريم أبرز الأعمال الفنية والموسيقية حول العالم، لتعلن فوز الأغنية بأول جائزةٍ تُمنح في تاريخ المسابقة لفئة أفضل أغنية للتغيير الاجتماعي. ووصفتها جيل بايدن بأنها "دعوةٌ قويةٌ من أجل الحرية وحقوق المرأة". في المقابل، اتجهت الدولة الإيرانية لإنتاج أناشيد تحمل خطاب السلطة وتعيد صياغته، ومنها نشيد "سلام فرمانده" (سلام أيها القائد) في مارس 2022، متضمناً قَسَم ولاءٍ للمرشد الإيراني علي خامنئي وقاسم سليماني. وقد استثمرت الدولة بكثافةٍ في الترويج له داخل المدارس ووسائل الإعلام الرسمية، وحتى عبر المراكز الثقافية الإيرانية في الخارج.
بعد الثورة الإسلامية سنة 1979 تعاملت الدولة الإيرانية مع الأغنية أداةً سياسيةً يمكن توظيفها بمرونةٍ، تُحرَّم حين تخرج عن الخطاب الرسمي، ويُعاد إنتاجها ورعايتها حين تخدمه. هذا المسار أنتج بنيةً مزدوجة فكان هناك موسيقى رسمية خاضعة للرقابة وأخرى منفية أو موازية في الخارج أعاد من خلالها الفنانون الإيرانيون إنتاج هويةٍ ثقافيةٍ بديلة. وبالتوازي داخل إيران تحولت الموسيقى تدريجياً إلى لغةٍ رمزيةٍ للاحتجاج والالتفاف على القيود. ومع كل موجة اضطرابٍ سياسيٍ، من الحرب العراقية الإيرانية إلى احتجاجات سنة 2009 ووصولاً إلى احتجاجات سنة 2022، ظلت الموسيقى أداةً مركزيةً للتعبير والتعبئة. وفي المقابل، طورت الدولة منظومةً رقابيةً متعددة المستويات تشمل النص والأداء والتوزيع، ضمن فتراتٍ من تشديد هذه المنظومة وإرخائها، إلى جانب تقييداتٍ على الفضاء الرقمي تبلورت في فتراتٍ لاحقة.
وفي أعقاب ذلك التوجيه، قيدت السلطات الإيرانية مختلف أشكال الغناء والعزف، وأغلقت المدارس والمعاهد الموسيقية، ومنعت بثَّ البرامج الموسيقية من الإذاعة والتلفزيون الرسمي. ومُنع الموسيقيون وخاصةً العاملون في الموسيقى الشعبية من ممارسة عملهم، بل وأصبح حمل آلةٍ موسيقيةٍ في الأماكن العامة أمراً قد يعرِّض صاحبه للعقاب.
لم يطل الأمر قبل أن يمتد أثر تلك القرارات إلى رواد الأغنية الإيرانية، سواءً بإجبارهم على الصمت أو دفعهم إلى المنفى. وكان ذلك واضحاً في مصير كوكوش، نجمة السينما والغناء في إيران خلال الستينيات والسبعينيات. فقد عادت كوكوش إلى طهران في مايو 1979، بعد أشهرٍ قليلةٍ من الثورة. غير أنها عندما وصلت إلى المطار وبعد تسليم جواز سفرها أخبرها أحد الحراس بأنها محكومٌ عليها بالإعدام، قبل أن يسمح لها بالدخول بعد دقائق. لكن السلطات طلبت منها على الفور تغطية شعرها وملابسها، لأن الشارع ما زال يعيش الحالة الثورية، وقد يتعرف عليها الناس ويؤذونها.
لاحقاً، استدعى الحرس الثوري ولجنة الحفاظ على الشؤون الإسلامية كوكوش أكثر من مرةٍ، خاصةً بعد نشر مذكرة في الصحف الإيرانية تطالب عدداً من الفنانين بالمثول أمام المحكمة. وضمَّت القائمة أسماءً بارزةً في مجال الفن والغناء الإيراني حينئذٍ، مثل المغنيتين هايده وفريدون فروخزاد. وأُجبرت كوكوش على توقيع تعهدٍ بعدم ممارسة أيِّ نشاطٍ فنيٍ، قبل أن يحكم عليها بالسجن شهراً بسبب أعمالها الفنية قبل الثورة. ولم يكن مسموحاً لها بالغناء أو السفر.
دفعت القيود الجديدة على الموسيقى والفن كثيراً من الفنانين إلى مغادرة البلاد. وهكذا، في واحدةٍ من تجلياتها، بدأت الأغنية الإيرانية تعيش حياةً موازيةً خارج الحدود، لتصير أحد أدوات قوة الإيرانيين الثقافية في المنفى.
ومن هذه الشبكات الثقافية الجديدة، وجدت الموسيقى الإيرانية في المنفى، التي مزج بعضها بين الألحان الفارسية وإيقاعات الديسكو، سبيلها إلى الجمهور الإيراني من طرق بثٍ بديلة. إذ بدأت تُهرَّب إلى الداخل الإيراني على أشرطة الكاسيت المنسوخة والفيديوهات الموسيقية. ولاحقاً، ومع انتشار القنوات الفضائية الناطقة بالفارسية في التسعينيات، اتسعت قدرة هذه الموسيقى على الوصول إلى الجمهور الإيراني داخل البلاد. وذلك رغم أن السلطات الإيرانية منعت سنة 1994 استخدام أطباق الاستقبال، لحجب البث من الولايات المتحدة وأوروبا الغربية، بعدما بدأ استخدام هذه الأطباق يتوسع بين الإيرانيين.
ومن بين الموسيقيين الذين صدحوا في المهجر صوتاً وصل طهران، كان فرخ آهي. وهو الذي وصل إلى لوس أنجلوس في سن السابعة عشرة لدراسة الهندسة المعمارية في السبعينيات، قبل أن يتجه للعمل في إنتاج موسيقى الديسكو.
يقول آهي في تقريرٍ نشرته صحيفة لوس أنجلوس تايمز في أكتوبر 2025، إن الموسيقى الإيرانية لم تكن عنده وسيلة ترفيهٍ فقط، بل محاولةً للحفاظ على صلة أبناء الجالية الإيرانية بثقافتهم الأصلية، خاصةً مع انجذاب كثيرٍ من الشباب الإيرانيين في الولايات المتحدة إلى الموسيقى الأمريكية وفنانيها مثل مايكل جاكسون. وفي إشارةٍ للبعد الاحتجاجي للغناء، رأى آهي حينها أن الأغاني التي ينتجها تمثل أيضاً وسيلةً للفت الانتباه إلى ما يحدث داخل إيران بعد الثورة.
لكن استمرار هذا الحضور الثقافي والإنتاج الموسيقي في الولايات المتحدة لم يكن مهمةً سهلةً، خاصةً إبان أزمة الرهائن في نوفمبر سنة 1979. وكان طلابٌ مؤيدون للثورة قد اقتحموا السفارة الأمريكية في طهران، واحتجزوا بدايةً ستة وستين دبلوماسياً وفنياً وإدارياً أمريكياً، قبل أن يُطلق سراح أربعة عشر منهم في الأيام والأسابيع الأولى. وظل اثنان وخمسون آخرون محتجزين 444 يوماً. وهو الحدث الذي أجَّج المشاعر المعادية للإيرانيين داخل الولايات المتحدة. ويقول آهي إن أحداث السفارة عرقلت عملهم، إذ لم تكن الإذاعات أو الملاهي الليلية الأمريكية متحمسةً لتشغيل الموسيقى الإيرانية.
مع ذلك، استمر الموسيقيون الإيرانيون في تسجيل الأغاني وإنتاجها بموارد محدودةٍ للحفاظ على الموسيقى الإيرانية في المنفى وضخِّ بعضها صوب البلد الأمّ. وكان ذلك حين بدأ الغناء في الداخل الإيراني يتحول تدريجياً إلى شكلٍ من أشكال الاحتجاج على السلطة الحاكمة. وهو النمط الذي ترسخ ما بعد الثورة الإسلامية، مروراً بالحرب العراقية الإيرانية وما بعدها من فتراتٍ شهدت تقييداتٍ وأحياناً بعض التسهيلات المحدودة.
وجاءت الحرب العراقية الإيرانية ما بين 1980 و1988 لتشكل مرحلةً جديدةً في علاقة الجمهورية الإسلامية بالموسيقى. اعتمدت الدولة حينئذٍ على الموسيقى في خطابها الثوري أثناء الحرب، وسمحت ببثِّ أنواعٍ من الموسيقى عبر وسائل الإعلام الرسمية.
وترى ناهيد سيامدوست في كتابها "ساوندتراك أوف ذا ريفولوشن [. . .]" (الموسيقى التصويرية للثورة: سياسات الموسيقى في إيران) الصادر سنة 2017، أن زعماء الجمهورية الإسلامية خنقوا الموسيقى التي لم تخدم مصالحهم السياسية والعقائدية. وحظروا أيضاً الموسيقى التي رأوا أنها تهدد تلك المصالح، وسمحوا بثقافةٍ موسيقيةٍ شعبيةٍ سطحية. وتشير إلى أن تتبع الموسيقى الإيرانية يوضح كيف تطورت الدولة الإسلامية نفسها، إذ لعبت الموسيقى دوراً مهماً في الاضطرابات السياسية التي شهدتها إيران منذ الثورة الدستورية في ما بين 1905 و1911، عندما انتفض الإيرانيون ضد حاكم السلالة القاجارية مظفر الدين شاه للمطالبة بدستور. وأفرزت تلك المرحلة عدداً من الأغاني المرتبطة بالحرية، والتي رسخت في الذاكرة الإيرانية إرثاً موسيقياً استمر حضوره في ثورة 1979.
ووفقاً للكاتبة أيضاً، فإن الحكومة التي تأسست إبان الثورة شرعت في إنشاء منظومةٍ واسعةٍ من القوانين والمؤسسات بهدف أسلمة السياسة الإيرانية. وقد انعكس ذلك على كل المجالات، بدايةً من تنظيم المجال العام وإنتاج المحتوى الإعلامي، ومروراً بصياغة المناهج الدراسية، وحتى القضايا الأكثر خصوصيةً مثل الملابس وشرب الكحول. ومع دخول دستور الجمهورية الإسلامية الإيرانية حيز التنفيذ في ديسمبر 1979، نصت المادة الرابعة منه على أن تستند جميع القوانين واللوائح المدنية والجزائية والاقتصادية والثقافية والعسكرية والسياسية إلى المعايير الإسلامية.
لهذا في أول خطابٍ له بمناسبة رأس السنة الإيرانية (النيروز) في مارس 1979، شدّد آية الله الخميني على أن البلاد بحاجةٍ قبل كلِّ شيءٍ إلى ثورةٍ ثقافيةٍ شاملة. وفي خطاباتٍ ومراسم لاحقةٍ، كرَّر أهداف هذه السياسة. ففي خطاب الإعلان عن الجمهورية الإسلامية في أوّل أبريل 1979، أكد ضرورة أن يتغير ما هو موجودٌ في إيران. وأعاد التذكير بهذا النهج في خطاب النيروز سنة 1980، إذ تحدث عن ضرورة بناء مجتمعٍ إسلاميٍ وثقافةٍ إسلاميةٍ ومواجهة التأثيرات الفكرية الغربية.
وفي سياقٍ بدا تدرجاً في إعادة ضبط العلاقة بين الدولة والمجال الثقافي، ومع التحولات التي بدأت تفرض قدراً من الليونة على السياسات الثقافية مع نهاية الحرب مع العراق، أصدر الخميني في سبتمبر سنة 1988 فتوى أعادت تعريف نهج التعامل مع الموسيقى. قال إن بعض أنواع الموسيقى مسموحٌ بها ما لم تكن مثيرةً للعواطف، وإنه يحلّ شراء الآلات الموسيقية وبيعها.
تناول الخميني في الفتوى أيضاً حكم غناء المرأة، بما في ذلك تلاوة القرآن والأناشيد بحضور رجالٍ من غير محارمها. ونوَّه إلى أن الحكم يتوقف على تضمّن الغناء عنصراً يؤدي إلى الفساد أو يثير الشهوة. فإذا أدى إلى ارتكاب المعصية أو الأفعال المحرمة فلا يجوز.
وبعد وفاة الخميني في الثالث من يونيو 1989، بدأت قيود ما بعد الثورة تخفف تدريجياً. انتخب هاشمي رفسنجاني في يوليو من ذلك العام رئيساً لإيران وانتهج سياساتٍ تميل إلى فكِّ العزلة عن الدولة وإعادة علاقاتها مع الدول الأوروبية. ويمثل هذا التحول السياسي والإداري نقطة انتقالٍ من مرحلة التشدد الثقافي الأولى التي دامت أعواماً بعد الثورة إلى مرحلة إعادة تنظيم المجال العام، بما في ذلك قطاع الموسيقى.
وعن طبيعة هذا الانتقال، نشرت مجلة البحوث الإيرانية الثقافية دراسةً في 2021 عن التاريخ المضطرب للإنتاج الموسيقي في إيران ما بين 1971 و2018. وتناولت الدراسة التي حملت عنوان "تشالنجز أوف ريليجنآند ميوزيك إن كونتمبرري إيران" (تحديات الدين والموسيقى في إيران المعاصرة)، أرقاماً حول عدد الأعمال الموسيقية المرخصة للإنتاج والتوزيع في فتراتٍ مختلفةٍ من تاريخ البلاد الحديث. وأظهرت كيف أدت التفسيرات المتباينة للنصوص الدينية إلى فرض قيودٍ على الفنون والموسيقى في مراحل مختلفة.
ما بين 1981 و1985، أي في السنوات الأولى لما بعد الثورة وبداية الحرب الإيرانية العراقية، لم يُرخَّص سوى أحد عشر عملاً من الموسيقى التقليدية، فيما مُنح ثلاثة عشر عملاً التراخيص ما بين 1985 و1989. وخلال هذه السنوات الثماني التي تزامنت مع ولاية علي خامنئي الرئاسية، لم يحصل أي عمل من موسيقى "البوب" على ترخيصٍ رسميٍ للإنتاج أو التوزيع داخل إيران.
في المقابل، أنشأ مسؤولو وزارة الثقافة مركز الترانيم والأغاني الثورية الذي ركز بالأساس على إنتاج وترويج الأناشيد المؤيدة للجمهورية الإسلامية والأغاني العسكرية. وما بين 1981 و1989 مُنحت التصاريح لستة وثمانين عملاً موسيقياً مصنفاً بأنه تعليميٌ ومئة وستة عشر عملاً آخر موجهاً للأطفال.
تتابع الدراسة بأن السنوات الأربع الأولى من رئاسة هاشمي رفسنجاني شهدت نمواً كبيراً في إنتاج الموسيقى التقليدية. إذ أجازت وزارة الثقافة 206 أعمالٍ ما بين 1989 و1993، ورخَّصت ما لا يقلّ عن 196 عملاً آخر. وارتفعت تلك الأعمال إلى ما لا يقلّ عن 232 في السنوات الأربع التالية حتى 1997.
ثم في أواخر التسعينيات، وفقاً للدراسة، بدأت موسيقى البوب تشهد انتعاشاً. ومع أنه رُخص فقط ثلاثة وثلاثين عملاً فقط تحت إشراف رفسنجاني، إلا أنه سمح ببثها على الراديو والتلفزيون، وإتاحتها أيضاً من خلال أشرطة الكاسيت.
في العقد الأول من الألفية تحول الاتجاه نحو إقامة الحفلات الموسيقية والعروض العامة داخل الدولة. فبعد رفسنجاني تولى محمد خاتمي رئاسة إيران ما بين 1997 و2005، وخلال تلك المدة قُدمت ما لا يقلّ عن خمسة آلاف وثلاثمئة حفلةٍ موسيقيةٍ على خشبات المسرح في إيران بإذنٍ رسمي. غير أن هذا الرقم انخفض إلى 1740 فقط خلال مدة ولاية أحمدي نجاد الأولى ما بين 2005 و2009، ليعود ويرتفع قليلاً بما لا يقل عن 2200 في ولايته الثانية ما بين 2009 و2013.
وقد جاء هذا التراجع في ولايتَي أحمدي نجاد الرئاسيتين بسبب حملات رفض الغناء والموسيقى من بعض رجال الدين داخل إيران. فقد بقي القرار النهائي خاضعاً لوزارة الثقافة والإرشاد الإسلامي وأجهزتها الرقابية. ورغم منح تراخيص لعددٍ من العروض، ظل تنفيذ الحفلات مرتبطاً بمستوياتٍ إضافيةٍ من الموافقة المحلية والأمنية، ما جعل النشاط الموسيقي عرضةً للتعديل أو الإلغاء حتى بعد الحصول على إذنٍ رسمي.
في موازاة هذا الضبط الداخلي، اتجهت الدولة إلى توظيف الموسيقى خارجياً أداةً دبلوماسية. فقد واجهت إيران أزمةً مع الولايات المتحدة ودولٍ أوروبيةٍ بسبب برنامجها النووي، الذي قالت طهران إنه مخصصٌ للأغراض السلمية، في حين اتهمتها القوى الغربية بالسعي لامتلاك قدراتٍ نوويةٍ عسكرية. في المقابل وبينما كانت إيران تواجه ضغوطاً دوليةً بسبب برنامجها النووي، قدمت أوركسترا طهران عروضاً في جولةٍ شملت عدداً من العواصم الأوروبية بينها روما وباريس وبرلين ما بين يناير وفبراير 2010 تحت عنوان "سيمفونية السلام والصداقة"، بدلاً من اسمها الأصلي "سيمفونية الثورة الإسلامية". وأشار نائب وزير الثقافة للشؤون الفنية حينذاك محمد حسين إيماني خوشخو، في تصريحاتٍ نقلتها وكالة الأنباء الإيرانية "مهر نيوز"، إلى أن تلك الجولة تركت انطباعاً جيداً حول صورة الثقافة الإسلامية في أوروبا.
استمرت الانفراجة النسبية في المجال الثقافي في عهد حسن روحاني مع تولِّيه الحكم في 2013. إذ سمحت حكومة روحاني بإقامة مزيدٍ من الحفلات الموسيقية وأعادت إحياء الأوركسترا الوطنية وأوركسترا طهران السيمفونية في 2015 بعد أعوامٍ من التراجع الإداري والمالي وتقلص نشاطهما خلال أواخر عهد أحمدي نجاد.
كذلك شهدت الفترة تحسناً في أوضاع التعليم الموسيقي وتخفيفاً لبعض القيود على الموسيقى البديلة (الأندرغراوند)، وسُمح للمرة الأولى بنشر بعض أغانيها وفيديوهاتها رسمياً. وشهد عهد روحاني أيضاً توقيع الاتفاق النووي 2015 بين إيران والقوى الكبرى (الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا وروسيا والصين والاتحاد الأوروبي)، والذي فرض قيوداً على البرنامج النووي الإيراني مقابل رفع جزءٍ من العقوبات الدولية. وساهمت أجواء الانفتاح النسبي التي رافقت توقيع الاتفاق في توسيع التبادل الثقافي والفني مع الخارج، وهو ما انعكس على نشاط المؤسسات الموسيقية الإيرانية. وفي هذا السياق، استضافت أوركسترا طهران عدداً من الموسيقيين وقادة الأوركسترا العاملين في الخارج، من بينهم قائد الأوركسترا الفرنسي الإيراني بيغمان معمارزاده.
لكن هذا الانفتاح ظل محكوماً بسقفٍ سياسيٍ وأمنيٍ، ولم يؤدِّ إلى تغييراتٍ جذريةٍ في منظومة الرقابة التي حكمت المجال الثقافي منذ الثورة. ومع وفاة مهسا أميني وما أعقبها من احتجاجات سنة 2022، ترسخت الموسيقى إلى إحدى ساحات الصراع بين الدولة ومعارضيها، بعدما وجدت طريقها واجهةً لاحتجاجاتٍ شعبيةٍ سابقةٍ منذ 2009.
في الأيام التي أعقبت وفاة مهسا انطلق من شوارع إيران شعار "جين جيان آزادي" (المرأة.. الحياة.. الحرية). وقد سُمع هذا الشعار للمرة الأولى خلال مراسم دفن مهسا في مسقط رأسها بمدينة سقز شمالي غرب إيران، ثم انتشر سريعاً في أنحاء البلاد حتى تحول لهتافٍ احتجاجيٍ، ولُحِّن بعد أيامٍ قليلةٍ من الواقعة ضمن أغانٍ وأناشيد. وبرز من بين المحتجين موسيقيون إيرانيون منهم توماج صالحي وشرفين حاجيبور وسامان ياسين.
ردَّت السلطات الإيرانية على الاحتجاجات بحملة قمعٍ شاملة. إذ اعتُقل ما لا يقلّ عن خمسة عشر ألف شخصٍ، وفقاً لتقريرٍ صادرٍ عن الأمم المتحدة في نوفمبر 2022. ومن بين المعتقلين رياضيون وممثلون وفنانو راب. كذلك قُتل ما لا يقلّ عن أربعمئة متظاهر.
ومن بين المعتقلين كان توماغ صالح الذي قُبض عليه قبلاً سنة 2021. وتتطرق موسيقى صالحي عادةً إلى فساد الحكام وقمع السلطة للمعارضة، ومهاجمة المدافعين عن هذه السلطة. وقبل اعتقاله كان صالحي قد أجرى مقابلةً مع شبكة "سي بي سي" انتقد فيها "النظام"، ووفقاً لشبكة "إي بي سي نيوز" الإخبارية قُبض عليه بعد المقابلة مباشرةً، لتوجَّه إليه تهمة "شنّ حربٍ على الله"، بموجب الشريعة الإسلامية. اعتقلت السلطات الإيرانية أيضاً مغني الراب الكردي سامان ياسين من منزله بعد المشاركة في الاحتجاجات، ووجَّهت له التهمة نفسها.
وفي مقابلةٍ أجرتها كارولين بيلر، مقدمة البرنامج الإذاعي الأمريكي "ذا وورلد"، مع أستاذة الإعلام ودراسات الشرق الأوسط بجامعة تكساس، ناهيد سيامدوست، في سبتمبر 2025 بعد مرور ثلاثة أعوامٍ على انتفاضة مهسا أميني، اعتبرت ناهيد أغنية "برايِ" لشروين حاجي بور الصوتَ الأكثر تعبيراً عن الاحتجاجات. وقالت إنها لم تُكتب من خيال مؤلفها فقط، بل جُمعت كلماتها من آلاف التغريدات التي نشرها الإيرانيون تحت وسم "براي" أي (من أجل) ودونوا أسباب احتجاجهم وأحلامهم. ومن خلال جمع هذه الرسائل في عملٍ موسيقيٍ واحدٍ، تحولت "براي" إلى صياغةٍ مكثفةٍ لمَطالب الاحتجاجات وتطلعات المشاركين فيها، متناولةً قضايا تتصل بالحريات الفردية والحياة اليومية والبيئة والكرامة والحرية، بما جعلها أقرب إلى بيانٍ جمعيٍ للاحتجاجات منها إلى أغنيةٍ احتجاجيةٍ تقليدية.
كذلك وصفت سيامدوست مغنيَّ الراب توماج صالحي بأنه أبرز الأصوات الموسيقية المرتبطة بالحركة، مشيرةً إلى أن أغنيته "شلاو" التي شاركته فيها مغنية الراب جستينا، اكتسبت بعداً سياسياً خاصاً خلال الاحتجاجات. فالأغنية تتناول مسألة الحجاب الإجباري، وتعيد توظيف الشعار الذي استخدمته السلطات الإيرانية بعد الثورة لفرض الحجاب على النساء، فتقلب معادلة القمع إلى رسالة تحدٍّ موجهةٍ لرجال الدين. وترى سيامدوست أن الأغنية جسدت روح التمرد النسوي التي ميزت انتفاضة مهسا، خاصةً أن جستينا نفسها اضطرت لاحقاً إلى مغادرة إيران بسبب مواقفها النسوية الصريحة، في حين ذاق صالحي مرارة السجن والتعذيب.
وتوقفت المقابلة أيضاً عند أغنية "روساريتو" (حجابكِ) لمهدي يراحي، التي وصفتها سيامدوست بأنها من أكثر الأغاني مباشرةً في تاريخ الاحتجاجات الإيرانية الحديثة، والتي تدعو النساء صراحةً إلى خلع الحجاب. وتُظهر الأغنية المصورة نساءً يرقصن ويخلعن أغطية الرأس داخل إيران، في حين تحتفي كلماتها بفكرة التحرر من القيود المفروضة على الجسد والهوية. وقد دفع يراحي ثمن هذه الرسالة، شأنه شأن عدد من الفنانين المرتبطين بالاحتجاج. إذ حُكم عليه في سبتمبر 2023 بالسجن عامين بتهمة نشر "محتوى مخالف للمعايير الأخلاقية والدعاية ضد الدولة"، قبل أن يفرج عنه بكفالةٍ في مارس 2024.
في المقابل، حاولت الدولة خوض المعركة نفسها عبر الموسيقى، من خلال الأناشيد الدينية التعبوية. كان أبرزها "سلام فرمانده" (سلام أيها القائد)، الذي غنَّته أول مرةٍ مجموعةٌ من الأطفال على شاشة التلفزيون الإيراني في مارس 2022. ورغم الانتقادات التي طالت ضعف كلمات النشيد، اتجهت الحكومة للترويج له ونشره خارج إيران.
ففي مايو 2022 نظم المركز الإسلامي للتعليم في هيوستن بولاية تكساس الأمريكية فعاليةً شارك فيها أطفالٌ في أداء النشيد، في حين أعادت وسائل الإعلام الرسمية الإيرانية نشر مقاطع الفيديو والترويج لها. ولم تقتصر حملات الأداء الجماعي للنشيد على الولايات المتحدة، بل امتدت إلى لبنان وسوريا والعراق وباكستان، حيث نُظمت فعاليات أداءٍ جماعيٍ شارك فيها أطفالٌ في مناسباتٍ دينيةٍ ومدارس مرتبطة بمؤسساتٍ شيعيةٍ أو جهاتٍ دينيةٍ محلية.
غير أن الاستثمار الدعائي لم ينجح في منافسة التأثير الذي أحدثته الأغاني الاحتجاجية بين الإيرانيين. وهنا يشرح تقريرٌ نشره "إم إي آي" معهد الشرق الأوسط بواشنطن في يناير 2024 بعنوان "إيرانيان يوث أند ذا بروتست [. . .]" (الشباب الإيراني والحركة الاحتجاجية في 2023: الدوافع والقيود)، أنّ تصدّر الشباب الإيراني للاحتجاجات التي أعقبت وفاة مهسا أميني لم يكن فقط لأن الضحية شابةٌ أو لأن القضية متعلقةٌ بالحجاب، بل جاء نتيجة تراكمٍ طويلٍ من الأزمات السياسية والاقتصادية والاجتماعية. فالشباب يشكلون الكتلة الأكبر في المجتمع الإيراني، إذ إن ما لا يقلّ عن 60 بالمئة من السكان أعمارهم تحت الثلاثين عاماً. كذلك يواجه هؤلاء الشباب معدلاتٍ مرتفعةً من البطالة وانسداد الأفق رغم ارتفاع مستويات التعليم بينهم.
في الوقت نفسه، وفقاً للتقرير، نشأ هذا الجيل في بيئةٍ سياسيةٍ طابعها الاحتجاجات والقمع المتكرر، ويحمل في ذاكرته الجماعية أحداث "آبان الدامي" سنة 2019 حين قُتل نحو ألف وخمسمئة متظاهرٍ خلال الاحتجاجات التي اندلعت بعد رفع أسعار الوقود، بينهم سبعة عشر مراهقاً. وقد عززت هذه التجارب قناعةً لدى كثيرٍ منهم بأن السلطة الحاكمة غير مستعدةٍ للاستجابة لمطالب الإصلاح وأنها مستعدةٌ لاستخدام العنف المفرط ضد الاحتجاجات.
إلى جانب ذلك، يشير التقرير إلى أن المهارات الرقمية والاتصال الواسع بالعالم الخارجي، ساهم في جعل الشباب القوة المحركة للاحتجاجات وتنظيمها ونشرها. ولم يقتصر الحراك على الشارع فقط، فشهدت 143 جامعةً بكلّ المحافظات الإيرانية احتجاجاتٍ طلابيةً خلال الشهرين الأوَّلين بعد وفاة مهسا أميني. والدليل على مركزية الشباب في هذه الانتفاضة ما أعلنه علي فدوي، قائد الحرس الثوري الإيراني في أكتوبر 2022 بأن متوسط أعمار المعتقلين خلال الاحتجاجات بلغ خمسة عشر عاماً فقط.
نشأ هذا المناخ ضمن منظومةٍ رقابيةٍ متكاملةٍ تديرها مؤسساتٌ ثقافيةٌ، تؤدي أدواراً أمنيةً وسياسية. فمن خلال التراخيص والمنع والضغوط المهنية، أعيد تشكيل الحقل الموسيقي عقوداً، وتحول إلى فعلٍ سياسيٍ يصعب فيه الحفاظ على الحياد بين مؤسسات الدولة والمشهد الفني المستقل. وتتجسد هذه المنظومة عملياً عبر آلياتٍ إداريةٍ دقيقةٍ تشرف عليها وزارة الثقافة والإرشاد الإسلامي وهيئات الرقابة المتخصصة.
بعد الموافقة على الكلمات، يخضع العمل الموسيقي بأكمله لمراجعة لجنة الموسيقى التي تمنح الإذن النهائي بالإنتاج والنشر. وبعد اجتياز هاتين المرحلتين، قد يتعرض الفنان نفسه إلى تدقيقاتٍ أو فحوصٍ شخصيةٍ خلال عملية الإنتاج.
وفي هذا السياق، قال رامين صديقي مؤسس شركة التسجيلات الموسيقية الإيرانية "هيرمس ريكوردز"، وهي شركةٌ مستقلةٌ متخصصةٌ في إنتاج الموسيقى وتوزيعها، في حوارٍ مع منصة "قنطرة" تُرجم من الألمانية إلى الإنجليزية في 2014، إن تلك الإجراءات ليست موجهةً ضد عمل الفنان فحسب بل ضد المجتمع كافة. ويشير صديقي إلى أن كثيراً من الفنانين في إيران يريدون معالجة المشاكل الاجتماعية في بلادهم في أغانيهم، وإذا لم توافق لجنة الكلمات في المحطة الأولى فلن تحصل على تصريح.
ويخضع القرار لفريق التقييم الذي تعيِّنه اللجنة، وهو ما يجعل معايير القبول والرفض غير واضحة. تلك الرقابة من وجهة نظر المتحدث تفترض أن الجمهور غير قادرٍ على التمييز بنفسه بين ما هو جيدٌ وما هو سيِّئ. والمستمعون برأيه هم الأقدر على الحكم على قيمة الأعمال الفنية، وليس الجهات الرقابية.
إلى جانب القيود، سعت السلطات الإيرانية بالتوازي إلى إعادة توظيف الموسيقى لخدمة أهدافها. دعمت الدولة أعمالاً من الموسيقى الفارسية وأعادت تقديمها، منها أغنية "إيران يا بيت الأمل" لمحمد رضا شجريان. وكانت الأغنية صدرت خلال الثورة الإيرانية سنة 1979، واكتسبت دلالاتٍ مرتبطةً بالأمل والوحدة الوطنية وبدايات الجمهورية الإسلامية.
وبعد ثلاثة عقودٍ أعادت وسائل الإعلام الرسمية توظيف هذه الأغنية، إلى جانب أعمالٍ موسيقيةٍ ارتبطت بالثورة، خلال احتجاجات 2009، بعدما أعلنت السلطات فوز محمود أحمدي نجاد بولايةٍ ثانيةٍ في انتخاباتٍ رئاسيةٍ شكَّك معارضوه في نزاهتها. فقد اتهم أنصارُ منافسه الإصلاحي حينها مير حسين موسوي الحكومةَ بتزوير النتائج. وخرج مئات الآلاف إلى الشوارع في طهران ومدنٍ أخرى مطالبين بإعادة فرز الأصوات واحترام إرادة الناخبين. وسمِّيت هذه الاحتجاجات "الحركة الخضراء"، مستلهمةً اللون من رمز حملة ترشيح موسوي.
وفقاً لتقريرٍ نشرته ماريا كومين على منصة "قنطرة" في 2014، سعت الحكومة من خلال هذا البث المكثف إلى إعادة خلق الأجواء الثورية التي صاحبت قيام الجمهورية الإسلامية. لكن شجريان رفض هذا الاستخدام السياسي لأعماله، وأعلن دعمه المعارضةَ مطالباً هيئة الإذاعة والتلفزيون بالتوقف عن بث الأغنية. كذلك حاول إعادة ربطها بمعانيها الأصلية منها المواطنة والأمل والفخر الثقافي والوطني، بدلاً من توظيفها لخدمة الصراع السياسي. لهذا ردَّت السلطات في 2011 بحظر بثِّ أنشودته الرمضانية "ربنا"، ومنع تسجيلاته وعروضه الفنية.
بدا أن هذا الصدام بين الدولة والفنانين حول الرسائل الفنية وتوظيف العمل الموسيقي ساهم في تشجيع انتقال الإنتاج الموسيقي إلى الفضاء الرقمي، في محاولةٍ لتجاوز قنوات البثِّ الرسمية. وبذلك لم تعُد آليات الرقابة التقليدية قادرةً على السيطرة على الإنتاج والتوزيع بالفاعلية نفسها التي كانت تمارسها قبلاً. وأجبر هذا الواقعُ الدولةَ على البحث عن أساليب جديدة للرقابة.
فمع تحول الفضاء الإلكتروني إلى منفذٍ للموسيقيين لنشر أعمالهم، اتجهت الدولة الإيرانية إلى توسيع نطاق الرقابة ليشمل الفضاء الرقمي بحجب المنصات والمواقع وتقييد أدوات تجاوز الحظر، وتطوير بنية إنترنت محليةٍ لمراقبة المحتوى والتحكم. وجعلت النفاذ إلى الشبكة العالمية أكثر صعوبةً وأعلى تكلفةً، لدفع المستخدمين نحو نسخةٍ محليةٍ تستطيع الدولة من خلالها مراقبة المحتوى والتحكم فيه بفاعليةٍ أكبر.

