ليست هذه الحالة مثالاً نظريّاً على اقتصادٍ بديلٍ، بل ممارسةً اجتماعيةً واقتصاديةً تشكّلت في سياق الحرب، ضمن ما يمكن وصفه باقتصاد البقاء الذي برز في ظلّ الظروف الصعبة مع تراجع دور الدولة. يعتمد هذا النمط على رأس المال الاجتماعي وشبكات الثقة في إعادة تنظيم الوصول إلى الخدمات الأساس. داخل هذا الإطار، ظهرت أنماطٌ من التبادل غير النقدي، من بينها التبادل بالخدمات، استجابةً مباشرةً لأزمة السيولة وانهيار الأسواق الرسمية. وتبرز هنا تجربة بشرى صالح علي، السيدة الأربعينية التي استطاعت على مدى عقدين تحويل مدرستها الأهلية الصغيرة إلى نموذجٍ محليٍ للابتكار الاجتماعي في زمن الفقر والحرب، عبر المزج بين منطق التكافل وآليات التبادل غير النقدي. وبينما تبرز أيضاً نماذج أخرى للتكافل، تظلّ هذه البدائل المجتمعية محدودة القدرة على تلبية احتياجات اليمنيين في ظلّ أزمةٍ أعمق تضرب الدولة ومؤسساتها.
تستذكر بشرى تلك المرحلة بقولها: "اضطررنا إلى ترك المبنى الواسع الذي كنا خصصناه مركزاً للمدرسة بسبب القصف في محيطه عقب تصاعد الحرب سنة 2014، والعودة إلى مبنى الروضة الصغير. تولّيتُ تدريس مادّتَي القراءة والاجتماعيات بنفسي. وعملتُ كذلك محاسِبةً في بعض السنوات لتسيير العمل الذي بدأ يتأثر كثيراً، بما في ذلك انتظام التحاق الطلاب بالمدرسة مع بروز تحدياتٍ أكثر إلحاحاً تتعلّق بتأمين الغذاء".
ومنذ أكثر من عقدٍ، يعاني اليمن من ظروف الحرب والانهيار الاقتصادي، بما في ذلك توقف رواتب موظفي الدولة أعواماً. ويشير البنك الدولي في تقريره عن اليمن الصادر خريف سنة 2025 بعنوان "إيكونوميك هاردشيب ديبنز إن يمن" (تفاقم الصعوبات الاقتصادية في اليمن)، إلى أنّ أكثر من 60 بالمئة من الأسر تعاني من عدم توفّر كميات غذاءٍ كافية. في حين يعيش أكثر من 80 بالمئة من السكان تحت خط الفقر، وفق أرقام برنامج الأغذية العالمي التابع للأمم المتحدة. وتُظهر بيانات البرنامج في تقريره الصادر في فبراير 2026 حول الأمن الغذائي في اليمن، أنّ 63 بالمئة من الأسر في جميع أنحاء البلاد تكافح لتلبية الحدِّ الأدنى من احتياجاتها الغذائية، فيما تواجه 36 بالمئة منها مستوياتٍ حادَّةً من الحرمان الغذائي.
وبينما تشير هذه الأرقام إلى حدة الأزمة والتراجع الحادِّ في دور الدولة في إيجاد حلولٍ لمعاناة اليمنيين، لا تنهار الحياة بالضرورة لدى الجميع. إذ يُعيد بعض الأفراد تشكيلها من خلال أنماطٍ بديلةٍ من التنظيم الاقتصادي والاجتماعي.
ففي خضمِّ حالة الانهيار هذه، برزت لدى بشرى فكرةٌ بديلةٌ لتنظيم العلاقة مع أولياء الأمور وضمان استمرار التحاق الأطفال بالتعليم. فتقول: "كنت ألاحظ أنّ أبناء الأسر القادرة على الدفع يواصلون تعليمهم، بينما ينسحب أبناء أصحاب الحِرَف أو الأعمال البسيطة بعد سنةٍ أو سنتين. فعرضتُ عليهم إصدار سنداتٍ مقابل أي خدمةٍ يمكن أن أحتاجها". هكذا نشأ نظام تبادل الخدمات استجابةً عمليةً لقيود الواقع الاقتصادي. إذ بدأت الأسر غير القادرة على دفع الرسوم النقدية، التي تتراوح بين 15 و30 دولاراً للفصل الدراسي، بتقديم خدماتٍ عينيةٍ بدلاً من النقد. ومن ذلك ما صنع مالكُ صهريجِ ماءٍ عندما زوّد المدرسة ومنزل بشرى بالمياه، وحلاقٌ قدّم خدمات الحلاقة لأبنائها، وجزّارٌ أرسل اللحوم لمنزلها، إلى جانب أعمال الخياطة والبناء وشراء الملابس وحتى خدمات التزيين النسائي. هكذا، تحافظ المدرسة ومشغِّلتها على الموارد، ولا تحرِم الأسر أبناءها من التعليم.
ويقول عمر عبد الله، مالك صهريج المياه وأبٌ لطلابٍ في المدرسة: "لم أكن قادراً على دفع رسوم التعليم لأبنائي. قالت لي الأستاذة بشرى: 'لديك صهريج مياه، زوّدنا بها'. الآن أعلِّم أبنائي وأنا راضٍ وهي راضيةٌ، والمدرسة وبيت المديرة لا تنقطع عنهما المياه".
ومع ارتفاع أسعار المحروقات بعد سنة 2014، لم يعد الطلاب القادمون من الأطراف قادرين على تحمّل تكاليف المواصلات. فابتكرت بشرى حلاًّ موازياً بفتح فروعٍ للمدرسة في هذه المناطق، وهو ما عزَّز الثقة والعلاقات والتعاون بين المدرسة والأهالي والمعلمين، بحسب ما تقول. واليوم، تضم روضة ومدرسة "الفجر الباسم" عدّة فروعٍ في مديرية بني الحارث، وتقدم خدمات التعليم لأكثر من أربعمئة طالبٍ وطالبة.
وتُحذر منظمة يونيسف في تقريرها حول اليمن عن سنة 2025، من أنّ أزمة انقطاع التعليم في اليمن مرشَّحةٌ للاتساع لتشمل نحو ستة ملايين طفلٍ، مع وجود 4.5 مليون طفلٍ خارج المدرسة بالفعل من أصل 10.6 مليون طفلٍ في سنّ الدراسة. هذا الواقع يبرز الأهمية الحيوية لتجارب مثل مدرسة "الفجر الباسم" التي تمثّل استجابةً ضروريةً لضمان الحد الأدنى من الاستمرارية التعليمية، من أجل سدِّ الفجوة التي خلّفها انهيار موازنات التعليم وتدمير أو تضرر عددٍ كبيرٍ من المدارس.
الابتكار الأبرز في نموذج بشرى هو إعادة اختراع وظيفة النقود من دون الحاجة إليها فعلياً. فهي لم تلغِ الرسوم، بل حوّلتها إلى وحدة حسابٍ تُقاس بها الخدمات، بحيث تُقدَّر كلّ خدمةٍ بقيمةٍ نقديةٍ تعادل الرسوم المطلوبة. ربما لا تكمن جدّة نموذجِ بشرى في تحويل النقود إلى وحدة حسابٍ محضةٍ، فهذه السمة من خصائص الأنظمة المالية المعاصرة، بحيث تتم معظم المعاملات ضمن أنظمةٍ محاسبيةٍ رقميةٍ من دون تداول النقد فعلياً. غير أن ما يميّز هذه التجربة الطابع الفريد في الإدارة المجتمعية التشاركية لهذه الآلية، إذ تُنظَّم وتُدار خارج إطار الدولة والمؤسسات المالية المتعارف عليها.
وتجدر الإشارة إلى أنّ تجربة بشرى لم تنشأ في فراغٍ، فهي جزءٌ من ظاهرةٍ أوسع في اليمن، حيث 70 بالمئة من المرافق الصحية العامة مهددةٌ بالتوقف عن العمل في سياق انهيارٍ واسعٍ في النظام الصحي، وانقطاع شبكات الكهرباء والمياه وتراجع قدرة الدولة على تقديم الخدمات الأساسية.
صور خاصة بالفراتس من مدرسة "الفجر الباسم"
وفي محافظة إب وسط اليمن، أُطلقت مبادراتٌ مجتمعيةٌ بتمويلٍ كبيرٍ من مغتربين، استجابةً لحالة التدهور العام التي سببتها الحرب. ففي مديرية الشَعِر، بادر مغتربون من أبناء المنطقة، خصوصاً المقيمون في الولايات المتحدة، إلى استكمال مشروع طريق "الصيادي الرضائي" الذي يزيد طوله على ثمانية كيلومترات، وذلك بعد أن توقف المشروع الحكومي بهذا الخصوص أكثر من عشرة أعوام. وقد بلغت تكلفة إنجازه مليوني دولار أمريكي.
ولا تقتصر هذه المبادرات على مشاريع البنية التحتية المموّلة من المغتربين، بل تمتد لتشمل أشكالاً أوسع من التدخلات المجتمعية ذات الطابع الخدمي والتكافلي. ففي منطقة جدر شمال العاصمة صنعاء، يتحوّل منزلٌ متواضعٌ في شهر رمضان من كلّ عامٍ إلى مطبخٍ شعبيٍ تديره أمّ عمر، وهي سيدةٌ في العقد الخامس وأمٌّ لثلاثة أطفال. تقول للفراتس: "بدأت الفكرة بطلبٍ من أحد معارفي الذي تولّى تسويقها في مرحلتها الأولى، فاستحسنتُها وتبنّيتُ المشروع". ويضمّ المطبخ اليوم فريقاً متكاملاً من المتطوعين، إلى جانب تنوّعٍ في شكل التبرعات. وتشرح أمّ عمر أنّ "هناك مشاركة فاعلة من أشخاص لا يملكون مالاً أو طعاماً، لكنهم يساهمون بجهودهم العملية مثل التقطيع والتنظيف والطبخ". أما الدافع وراء استمرار هذه المبادرة، فتقول إنه مزدوجٌ يتمثّل في "الشعور بالرضا والسعادة عند رؤية فرحة الناس، إلى جانب السعي لنيل الأجر والثواب".
السمة التي تشترك فيها كل هذه المبادرات هي في عملها خارج إطار الدولة والاقتصاد الرسمي. ففي غياب السلطة العامة والعقود القانونية والنقود وسيطاً للتبادل، تحلّ محلّها آلياتٌ قائمةٌ على الثقة وذاتُ طابعٍ قبليٍ ومجتمعي. وتستند هذه الثقة إلى السمعة المتراكمة، والضمانات الاجتماعية، والقيم الدينية. ففي حالة بشرى، ما كان لهذا النمط أن يستمر لولا رصيد الثقة الذي راكمته على مدى عقدين من الزمن، إذ تقول للفراتس: "يعرف الناس أنني لا أستغلّهم، وأن تعليم أبنائهم أمانة لدي". وهذا النمط من الجهود خارج الأطر الرسمية راسخٌ في المجتمع اليمني.
ويلفت الكمالي إلى أنّ المبادرات التي نشأت خلال سنوات الحرب اتسمت بعدّة خصائص. ومن أبرزها انطلاقها عفوياً، ثمّ تطورها إلى لجانٍ مجتمعيةٍ منظمةٍ على مستوى المناطق، وتركيزها على معالجة المشاكل الخدمية الملحَّة، واعتمادها بدرجةٍ كبيرةٍ على دعم المغتربين. هذا فضلاً عن تحوّلها بفعل وسائل التواصل الاجتماعي إلى نماذج ملهمةٍ تتناقلها المناطق وتقتديها.
وحول نظام تبادل الخدمات الذي ابتكرته بشرى صالح علي في مدرستها، يرى الكمالي أنه يمثّل نموذجاً واعداً لتفعيل الجهد المجتمعي بكفاءةٍ أعلى، إذ يتيح للأفراد الاستفادة من المبادرة والحصول على خدماتٍ يحتاجونها. ويضيف أن الأهم في هذا النموذج فتحه المجال أمام الجهات المانحة، محلياً ودولياً، ولاسيما تلك المعنية بدعم التنمية في اليمن، لتوجيه برامجها نحو مشاريع تحقّق فائدةً مزدوجةً، كأن تُسهم في بناء مدرسةٍ وتشجع على التعليم في الوقت ذاته.
وحول طبيعة العلاقة بين هذه المبادرات والدولة، يحذّر الكمالي من تحميل المجتمع أكثر مما يحتمل، مشيراً إلى أنّ هذه الجهود لا يمكن أن تشكّل بديلاً عن دور الحكومة، بل تؤدي وظيفةً مكمّلةً لها. ويرى الكمالي أنّ اليمن بحاجةٍ إلى خطةٍ تنمويةٍ شاملةٍ، في حين تندرج هذه المبادرات ضمن نطاقاتٍ محليةٍ محدودة. كذلك، فإنّ المشاريع الخدمية، وفق قوله، ينبغي أن تستند إلى دراساتٍ مفصّلةٍ، وغالباً ما تتطلّب هذه التحرّكات دعماً وتعزيزاً فنياً. ويختم بالقول: "إنّ ازدهار هذه المبادرات خلال سنوات الحرب يُعدّ في حدّ ذاته مؤشراً على غياب الدولة ودورها".
يبرز حضور النساء في العديد من هذه التجارب. إذ تكشف هذه النشاطات في مجتمعٍ تقليديٍ يقيّد حركة النساء في المجال العام، عن تحوّل الأزمة إلى مساحةٍ لإعادة تشكيل الأدوار. وتعدّ تجربتا بشرى وأم عمر مثالين على ذلك. وفي هذا الإطار تقول بشرى: "حلمي هو صناعة قيادةٍ نسويةٍ متزنةٍ وفاعلةٍ، والحمد لله لديّ نماذج مشرّفة".
ما تقوم به هاتان السيدتان يتجاوز حدود إدارة مدرسةٍ أو مطبخٍ. فهما تديران شبكاتٍ قائمةً على الثقة، وتسهمان في إنتاج معايير ضمنيةٍ للجودة. كذلك تعملان على تأهيل كوادر نسائيةٍ قادرةٍ على الاستمرار وربما التوسّع. غير أنّ هذين النموذجين الملهمين يثيران تساؤلاتٍ جوهرية: هل تمثّل هذه البدائل المجتمعية حلّاً مستداماً أم أنها مجرد استجاباتٍ مؤقتةٍ تخفف من حدة الأزمة؟
وتمكّن "برنامج تعزيز الصمود الريفي"، وهو برنامجٌ مشتركٌ تقوده عدّة وكالاتٍ أمميةٍ، من بينها برنامج الأمم المتحدة الإنمائي، وفق تقريرٍ له عن المدة من 2016 إلى 2025، من الوصول إلى أكثر من 2.1 مليون يمني، من خلال تقديم دعمٍ أسهَمَ في تحسين الأمن الغذائي، وتوليد فرص عملٍ، وتعزيز الحوكمة المحلية، وتمكين المجتمعات المحلية من زيادة قدرتها على الصمود. وعلى ذلك، تبقى هذه التدخلات دون مستوى الاستجابة الشاملة لحجم الأزمة، وتظلّ محدودة النطاق والأثر، وغير قادرةٍ بمفردها على تعويض غياب سياساتٍ تنمويةٍ متكاملةٍ أو استعادة دور الدولة المؤسسي في تقديم الخدمات الأساسية، كما يقول الكمالي.
غير أنّ دراساتٍ حديثةً تشير إلى دور المبادرات المجتمعية المتنامي بوصفها فاعلاً محلياً مؤثراً. ففي دراستهما بعنوان "لوكال سيرفيس بروفيجن ديورنغ وور" (توفير الخدمات المحلية خلال الحرب: دراسة حالة اليمن) المنشورة سنة 2025، يرى الباحثان أحمد المويري وحسن العوامي أن هياكل الحكم المحلي تؤدي دوراً حاسماً في توفير الخدمات الأساسية في المناطق المتأثرة بالنزاع. وتشير الدراسة إلى أنّ هذه المبادرات المجتمعية قد تمثّل نواةً لحكمٍ محلّيٍ بديل. لكن الحالة اليمنية تبدو أكثر تعقيداً، إذ تكشف هذه الجهود من جهةٍ عن قدرةٍ مجتمعية لافتةٍ على التنظيم الذاتي، لكنها من جهةٍ أخرى تُبرز حدود هذا التنظيم، إذ يصعب استمرار الحياة وتنظيمها على نطاقٍ واسعٍ من دون شكلٍ ما من أشكال الدولة، وفق رؤية الكمالي.
مع ذلك، فإنّ هذه التجربة لا يمكن قراءتها بوصفها نموذجاً حالِماً لقدرة المجتمع على الصمود. فهي قبل أيّ شيءٍ، تمثّل في جوهرها مؤشراً على إخفاقٍ ذريعٍ في أداء الدولة أبسط وظائفها. هؤلاء الناس لا يختارون طوعاً العمل والعيش خارج الاقتصاد الرسمي، بقدر ما تدفعهم الظروف القسرية إلى ذلك. وتدرك بشرى هذه المفارقة جيداً، فلدى سؤالها عن طموحها، لم تقل "استمرار نظام تبادل الخدمات"، إذ عبّرت عن رؤيةٍ مؤسسيةٍ أوسع بقولها: "طموحي إنشاء مجمعٍ تربويٍ كبيرٍ بمعايير جودة تعليمٍ عالميةٍ، وبشراكةٍ قائمةٍ على أسهمٍ متاحةٍ للجميع ضمن أطرٍ تنظيميةٍ واضحة". هي لا تريد البقاء في حالة الطوارئ، بل الانتقال إلى منطق العمل المؤسسي المستدام.
لعلّ هذا هو الدرس الأعمق الذي يمكن استخلاصه من الحالة اليمينة: المجتمعات المحلية لا تريد أن تحلّ محلّ الدولة، لكنها في الوقت نفسه لا تتردد في الاضطلاع ببعض وظائفها حين يقتضي الأمر ذلك. فهي لن تقف مكتوفة اليدين ريثما تعود الدولة، بل ستبتكر، وتبادل الخدمات، وتفعّل العمل التطوعي، وتطوّر آلياتٍ للصمود، ليس لأن هذا خيارٌ مثاليٌّ، بل لأنه لا خيار آخر.

