العمل عن بُعد في مصر بعد القانون الجديد.. وعودٌ تصطدم بالواقع

رغم إقرار قانون ينظم العمل عن بُعد في مصر، يواجه العاملون قيوداً قانونية وتنظيمية تحد من إمكانية تحويل هذا التنظيم إلى واقع عملي فعَّال.

Share
العمل عن بُعد في مصر بعد القانون الجديد.. وعودٌ تصطدم بالواقع
البيئة الرقمية في مصر محاطة بالقيود | خدمة غيتي للصور

في أغسطس 2025، كتب أحمد مصطفى، خريج العلوم السياسية، على منصة التواصل المهنية "لينكدإن" منشوراً يشكو فيه صعوبات العمل عن بُعد مع المنصات الصحفية، بعدما فشل في استقبال حوالة مالية لا تتجاوز قيمتها مئة دولار أمريكي. وقد أعادها البنك إلى المُرسِل بحجة عدم وجود علاقة واضحة تربطه بالمُسقبل. وفي تعبير بيّن عن استيائه من واقع العمل عن بُعد، قرر أحمد ترك هذا النمط والبحث عن فرصة عمل داخل مصر هرباً من تعقيدات التعامل مع عملاء في الخارج التي لازمته أشهراً.

توقفتُ أمام قصة أحمد لأنها بدت نسخة شبه مطابقة لما عانيته منذ بدأت العمل عن بُعد مع منصات صحفية خارجية قبل سنة، وبدا منشوره تعبيراً عن مشكلة أوسع يواجهها عاملون كثر في هذا المجال. غير أن المفارقة عندي برزت في الشهر التالي، في الوقت الذي كنتُ أفكّر فيه بترك مجال العمل عن بُعد تحت وطأة تلك التعقيدات. فقد نشرت الصفحة الرسمية لرئاسة مجلس الوزراء على منصة فيسبوك منشوراً يحتفي بموقع مصر في سوق العمل الحر على الإنترنت. واستندت في ذلك إلى تقرير صادر عن البنك الدولي في سبتمبر 2025، تحت عنوان "إمبريسنغ آند شيبينغ تشينج [. . .]" (احتضان التغير وتشكيله [. . .]). تصدرت فيه مصر دول الشرق الأوسط وشمال إفريقيا من حيث عدد العاملين عبر منصات العمل الحر على الإنترنت. وقد وضعت رئاسة مجلس الوزراء هذا المؤشر في سياق صدور قانون العمل الجديد رقم 14 لسنة 2025، الذي اعترف للمرة الأولى بما سمَّاه "أنماط العمل الجديدة"، ومن بينها العمل عن بُعد وعبر المنصات الرقمية، وبعض صيغ العمل الحر.

على هذا، فإن الاعتراف القانوني والحضور الكبير للمصريين في سوق العمل الحر عبر الإنترنت، لم يوقف شكاوى العاملين عن بُعد من الصعوبات التي تواجههم في أداء هذا النمط من العمل. فقانون العمل الجديد يمثل خطوة إيجابية بإدخاله هذه الأنماط إلى الإطار القانوني بعد سنوات من تجاهلها. لكنه لم يحسم كثيراً من الأسئلة التي تمس العاملين عن بُعد مباشرةً. بعض نصوصه عامة أو غير كافية، فيما بقيت قضايا مؤثرة خارج نطاق نصوصه، الأمر الذي يفرض على العاملين في هذا المجال أعباءً وعوائق متواصلة. إذ تضع بعضهم أمام مخاطر قانونية قد تعصف بمستقبلهم المهني، أو تفرض عليهم طرقاً بديلة لتأمين مصدر دخلهم على هامش المتاح حكومياً في مصر.


استقبل مهندس البرمجيات عبد الرحمن أحمد في فبراير 2025 أول دفعة مستحقة عن عمله الأول عن بُعد. كانت قيمتها خمسةً وعشرين ألف جنيه مصري، أي نحو خمسمئة دولار أمريكي آنذاك. فبعد أشهر من العمل براتب لا يتجاوز ثمانية آلاف جنيه في وظيفة بالقطاع الخاص بمصر، كان يضيع نصفه تقريباً في المواصلات، بحسب ما يقول للفراتس، وجد نفسه يحصل في شهر واحد ما يوازي راتب عدة أشهر، مع عدد ساعات أقل وبلا تكلفة انتقال يومية.

هذا التحول في تجربة عبد الرحمن لا يبدو استثناءً فردياً بقدر ما يندرج ضمن موجة أوسع اتسعت في السنوات الأخيرة مع توسّع العمل عن بُعد في مصر. فوفقاً لتقرير لمنتدى البحوث الاقتصادية بعنوان "وورك أرينجمنتس إن ذا إنفورمال سيكتر [. . .]" (ترتيبات العمل في القطاع غير الرسمي واقتصاد العمل الحر [. . .]) المنشور سنة 2023، تضاعف العمل المدعوم بالتقنية الرقمية ثلاث مرات بين سنتي 2012 و 2018. وكانت نسبته أعلى بين الحاصلين على تعليم عالٍ، إذ بلغت 22 بالمئة، مقارنةً بنحو 7 بالمئة بين الحاصلين على تعليم ثانوي. كذلك فإنَّ تقرير البنك الدولي عن احتضان التغير وتشكيله أظهر وضع  مصر سنة 2025 في المركز التاسع عالمياً في العمل الحر عبر الإنترنت ، مع مساهمة تقدَّر بنحو 2 بالمئة من قوة العمل العالمية في هذا المجال.

يمكن فهم هذا التحوّل مع التغيّرات الاقتصادية السريعة التي شهدتها مصر منذ دخول العقد الثاني من الألفية. فمنذ تحرير سعر صرف الجنيه سنة 2016، تصاعدت الضغوط الاقتصادية على المصريين مع الانخفاض المستمر في قيمة العملة وارتفاع التضخم، علاوةً على الثبات النسبي للأجور في الوظائف المحلية. ولا تنفصل هذه الضغوط عن ضيق سوق العمل نفسه. وهو ما أظهره تقرير آخر للبنك الدولي في نوفمبر 2025 بعنوان "مور جوبز، بتر جوبز [. . .]" (وظائف أكثر وظائف أفضل: قاطرة النمو لمصر في المستقبل). ويذكر التقرير أن نحو مليون وثلاثمئة ألف شابٍ وشابة يدخلون سوق العمل في مصر سنوياً، فيما لا يخلق الاقتصاد في العام نفسه سوى نحو نصف مليون وظيفة. ووسط هذه الفجوة، يصبح العمل عن بُعد محاولة للبحث عن دخل يتجاوز حدود السوق المحلي، لاسيما حين يتيح لهم التعامل مع عملاء ومنصات خارج مصر والحصول على دخل بالدولار.

وفي ظل محدودية قدرة سوق العمل المحلي على استيعاب الأعداد المتزايدة من الداخلين إليه سنوياً، تبنَّت الدولة هذا النمط من العمل أيضاً بالدعم والترويج منفذاً لخلق فرص عمل خارج حدود السوق المحلية، ومصدراً محتملاً للدخل الأجنبي.

ففي كلمة لوزير الاتصالات المصري السابق عمرو طلعت أثناء مشاركته في حفل تخرج متدربات أتممن برنامج "ديجيتال مصر" (مصر الرقمية) الحكومي في ديسمبر 2025، قدّم الوزيرُ تأهيل الشباب للعمل مهنيين مستقلين عبر الانترنت "وسيلة عملية" لخلق فرص في المجتمعات التي يصعب فيها على الاقتصاد المحلي توفير وظائف تقليدية كافية في قطاع الاتصالات وتقنية المعلومات. وعدّ ذلك توسعةً لنطاق سوق العمل متجاوزاً الحدود الجغرافية. وفي تقرير نشرته "هيئة تنمية صناعة تكنولوجيا المعلومات" الحكومية في مارس 2024، أشار طلعت إلى أنَّ متوسط الدخل السنوي للمهني المستقل في مصر يبلغ نحو خمسة آلاف وستمئة دولار، وأنه قريب من المتوسط العالمي البالغ ستة آلاف دولار.

تُرجم هذا الدعم الرسمي إلى إجراءات في البنية الرقمية وبرامج تدريبية. ففي تقرير صادر سنة 2022 عن برنامج الأمم المتحدة للتنمية بعنوان "إكسباندنغ أوبورتشونيتيز فور ذا إيجيبشن برايفت سيكتور [. . .]" (توسيع الفرص أمام القطاع الخاص المصري في حقبة ما بعد كوفيد)، ذُكر أنَّ الحكومة أنفقت مئتي مليون جنيه لزيادة حصة التحميل الشهرية لمشتركي الإنترنت بنسبة 20 بالمئة. وذلك استجابة للطلب المتزايد على الإنترنت مع التوسّع في العمل عن بُعد والتعلم عبر الإنترنت.

وكانت وزارة الاتصالات قد طرحت سنة 2020 مبادرة "مستقبلنا رقمي" أكاديميةً افتراضيةً لتدريب الشباب على المهارات الرقمية المطلوبة في سوق العمل. وتوضح صفحة "هيئة تنمية صناعة تكنولوجيا المعلومات" (المعروفة اختصاراً باسم "إيتيدا") التابعة للوزارة أنَّ النسخة الثانية من المبادرة التي أطلقت في مارس 2022، استهدفت تدريب مئتين وخمسين ألف شاب مصري. وتعرض الصفحة نفسها مؤشرات عن رفع مهارات مئة وخمسة آلاف شاب في مجال العمل الحر، وانضمام 23.5 ألفاً آخرين إلى سوقه، مع تقدير إجمالي الدخل السنوي الناتج عن العمل المستقل بنحو مئة وثلاثين مليون دولار.

سياسات دعم العمل الرقمي هذه امتدت لتشمل برامج أخرى موازية، منها "شغلك من بيتك" في مايو 2020، ثم "إيتيدا غيغز" (منصة إيتيدا للعمل الحر) مطلع 2025. وبحسب وزارة الاتصالات، تستهدف مبادرة "شغلك من بيتك" تدريب الشباب على مهارات العمل الحر والعمل عن بُعد، وتنمية مهاراتهم الرقمية بالشراكة مع منصات العمل الحر. أمّا برنامج "إيتيدا غيغز"، فتعرضه "إيتيدا" برنامجاً يمتد ثلاثة أشهر، يستهدف إكساب المشاركين معرفة عملية تساعدهم على الحصول على فرصة عمل حر واحدة مدفوعة على الأقل. فضلاً عن أهداف معلنة تشمل تأهيل عشرين ألف شاب بمهارات العمل الحر، وانضمام ستة آلاف منهم إلى سوقه.

تتسع هذه السياسة لتشمل مظلة أكبر من مبادرات بناء القدرات الرقمية. وبحسب البيانات المنشورة عن حفل تخريج دفعات جديدة من مبادرات "أجيال مصر الرقمية" لسنة 2025، بلغ إجمالي المتدربين ضمن مبادراتها الأربع - وهي "براعم مصر الرقمية" و"أشبال مصر الرقمية" و"رواد مصر الرقمية" و"بناة مصر الرقمية" - نحو 277 ألفاً حتى نهاية 2025. من هؤلاء ما لا يقل عن 156 ألف متدرب في سنة 2025 وحدها. أيضاً تشير البيانات نفسها إلى حصول نحو تسعةٍ وعشرين ألف متدرب على فرص عمل بمنصات العمل الحر، في وقت تجاوز فيه عدد حسابات المهنيين المستقلين المصريين ثمانمئة وخمسين ألف حساب.

يظل هذا التشجيع الحكومي، على ما ينطوي عليه من طموح، مقيداً بعقبات تنظيمية وقانونية حكومية تحدّ من أثره العملي. فالاعتراف القانوني المحدود بأنماط العمل غير التقليدية لم يردم الهوة بين التشريع والواقع للعاملين المستقلين عبر الحدود الذين لا تربطهم علاقة عمل مباشرة بجهة داخل مصر. ومن ثمّ، يبرز سؤال ملحّ عن قدرة المنظومة القانونية الحالية على استيعاب التحولات الجارية في طبيعة العمل، وملاحقة الأشكال المتغيرة للتوظيف والكسب في الاقتصاد الرقمي.


مثَّل قانون العمل الجديد خطوة تشريعية مهمة، إذ أفردت المادة 96 منه للمرة الأولى تعريفاً لأنماط العمل الجديدة، وذكرت من بينها صراحةً العمل عن بُعد الذي ينفَّذ بوسائط التقنية الرقمية. كذلك أدرجت المادة نفسها صوراً أخرى مثل العمل الجزئي والعمل المرن والعمل المشترك. وفتحت الباب أيضاً أمام إدراج أشكال جديدة بقرار من الوزير المختص. ويمنح هذا التوسعُ القانونَ قدراً من المرونة، في ظلّ التطور السريع لأشكال العمل عبر الإنترنت، وتغيّر طبيعة العلاقة بين العامل وصاحب العمل أو العميل.

ولم يكتفِ القانون بتسمية هذه الأنماط، بل قرر في مادته رقم 97 أن علاقات العمل الجديدة تسري عليها، من حيث الأصل، الأحكام نفسها التي تسري على علاقات العمل التقليدية، مع مراعاة طبيعة كل عمل وطريقة أدائه. وخصّت المادة العاملين في هذه الأنماط بالحق في الحماية الاجتماعية والضمان الاجتماعي والحد الأدنى للأجر وضمان الحصول عليه والتدريب المهني وتنمية المهارات، فضلاً عن الحق في المفاوضة الجماعية والحرية النقابية.

حاول القانون أيضاً معالجة جانب من مشكلة إثبات العمل وتعدد مصادر الدخل، وهي من أبرز المشكلات التي يواجهها العاملون عن بُعد عند التعامل مع البنوك أو الجهات الرسمية. فقد أوجبت المادة 99 منه أن تكون علاقة العمل في أنماط الشغل الجديدة واضحة ومحددة في عقد عمل مكتوب، ورقياً كان أو إلكترونياً. ومن ثم أجازت للعامل إثبات علاقة العمل بجميع طرق الإثبات. وسمحت المادة 98 باتفاق الطرفين، للعامل بأن يعمل لدى أكثر من صاحب عمل أو لحسابه الخاص، مع التزامه بعدم إفشاء أسرار العمل.

ويبدو أن هذه الإصلاحات القانونية، إلى جانب التسهيلات الضريبية التي أعلنت على دفعتين في مارس 2025 ومارس 2026، ساعدت بعض العاملين عن بُعد على محاولة تقنين أوضاعهم. من بين هؤلاء محمد خالد، وهو مبرمج يعمل مع شركة خارج مصر.

في حديثه للفراتس، يقول إن صدور القانون شجعه على التوجه إلى مصلحة الضرائب لفتح ملف ضريبي. وهناك تعرّف إلى مبادرة "نقطة ومن أول السطر"، التي أطلقتها مصلحة الضرائب في مارس 2025 للتوعية بالتسهيلات الضريبية الجديدة وتشجيع الامتثال الطوعي. ويوضح محمد أنَّ الموظف شرح له هذه التسهيلات أنها "بداية جديدة" دون غرامات عن فترات سابقة، وهو ما جعله أكثر اطمئناناً لخطوة التسجيل. وقد ساعده في التسجيل أن معه عقداً إلكترونياً من الشركة التي يعمل معها، مستنداً يثبت طبيعة عمله ودخله.

لكنَّ هذا التقدم القانوني لم يكن كافياً لتوفيق أوضاع كثير من العاملين عن بُعد، خاصة المستقلين الذين يعملون مع عملاء أو منصات خارج مصر. يبدأ الإشكال من تعريف علاقة العمل نفسها. فالمادة 86 التي تعرِّف العامل تضبط الوضع القانوني لهذا العامل ضمن علاقة يلتزم فيها بأداء مهام لصالح صاحب العمل وتحت إدارته أو إشرافه مقابل أجر.

على ذلك، تلفت ورقة بعنوان "أنماط العمل الحديثة في قانون العمل الجديد [. . .]"، الصادرة عن منصة "مسار" المعنية بتعزيز الحقوق الرقمية، بالشراكة مع مكتب "دفاع" القانوني الحقوقي، إلى أنّ كثيراً من أصحاب الأعمال والمنصات يحررون عقوداً تتضمن توصيفاً مغايراً للعلاقة الفعلية مع العاملين. ويُوصف العامل مثلاً بأنه "مقدم خدمة" لا "عامل"، وهو توصيف قد يحرمه من حقوق علاقة العمل التقليدية، مثل التأمين الاجتماعي والتأمين الصحي.

وتشير الورقة كذلك إلى أن غياب تعريف دقيق يحدد متى تتحوّل العلاقة بين العامل والمنصة إلى علاقة عمل، يترك مساحة واسعة للشركات لتصنيف العاملين "مقاولين مستقلين"، حتى في الحالات التي يخضعون فيها لرقابة أو إدارة غير مباشرة.

بهذا المعنى، ظل القانون يدور حول عناصر علاقة العمل التقليدية، أجر وصاحب عمل ودرجة من الإدارة أو الإشراف. أما المستقل الذي ينجز مشروعاً لعميل خارجي دون تبعية واضحة، أو يكتب مقالاً لصالح منصة لا تقرر نشره إلا بعد الانتهاء منه، فلا يجد لنفسه فئة قانونية مستقلة داخل النص تصون حقوقه.

تزداد هذه الفجوة وضوحاً في حالة المنصات أو الجهات التي لا تملك كياناً قانونياً واضحاً داخل مصر، مثل أن لا تملك فرعاً مسجلاً أو ممثلاً قانونياً يمكن الرجوع إليه. ففي هذه الحالات، يصبح إلزامها بالحقوق التي أقرها القانون للعاملين عن بُعد صعباً، مثل الحماية الاجتماعية والحد الأدنى للأجور وبقية حقوق العمال.

وتثير عبارة "مع مراعاة طبيعة كل عمل وطريقة أدائه" الواردة في المادة 97 إشكالاً إضافياً. إذ تبين ورقة "مسار" بأن هذه العبارة تفتقر إلى التحديد القانوني الدقيق، ما يفتح الباب أمام تفسيرات مرنة قد تُستخدم للانتقاص من الحقوق الأساس للعاملين في أنماط العمل الجديدة. فيمكن للمنصات أو أصحاب الأعمال التذرع بخصوصية العمل الرقمي لتقليص التزامات الإجازات أو ساعات العمل. وربما يؤدي ذلك إلى تفاوت في التطبيق بين عمال يؤدون المهام نفسها، لكنهم يحصلون على مستويات مختلفة من الحماية تبعاً لتوصيف العلاقة التعاقدية.

يبرز أثر هذا الغموض أوضح في ملف التأمين الاجتماعي. فالقانون يعترف مبدئياً بحق العاملين في أنماط العمل الجديدة في الحماية الاجتماعية والضمان الاجتماعي، لكنه لا يوضح كيف سيُطبّق ذلك مع قانون التأمينات الاجتماعية والمعاشات رقم 148 لسنة 2019، وهو التشريع الموحد الذي يدمج ويغطي جميع فئات القوى العاملة.

وتشير ورقة مسار إلى أنّ التطبيق قد يواجه صعوبات، خاصة مع من يعمل جزئياً ممن قد تقلّ أجورهم عن الحد الأدنى للأجر التأميني الشهري، أو مع من يعملون لدى أكثر من صاحب عمل في الوقت نفسه. فهنا تبقى أسئلة عدة معلَّقة مثل، من يتحمل الاشتراك التأميني؟ وكيف تُوزَّع المسؤولية بين جهات عمل متعددة؟ وماذا يحدث إذا تعرّض العامل لإصابة أثناء أداء مهمة لصالح منصة أو صاحب عمل، بينما هو مسجّل أيضاً لدى جهة أخرى؟

قدم القانون إضافة مهمة بسماحه للعامل بالعمل لدى أكثر من جهة، إلا أن ورقة مسار تلفت إلى أن ربطه بعدم إفشاء أسرار العمل يظل إشكالياً في غياب تعريف دقيق لمفهوم "أسرار العمل" أو تحديد واضح لحدوده. فهذه الصياغة قد تفتح المجال أمام أصحاب الأعمال أو المنصات لفرض قيود واسعة على حرية العامل في الانتقال بين فرص العمل، أو العمل لحسابه الخاص، تحت ذريعة حماية المصالح التجارية.

كثير من هذه القضايا الإشكالية تركها القانون معلَّقة على قرارات وزارية لاحقة. ففي المادة 100، أحال القانون إلى الوزير المختص إصدار القرارات اللازمة لتنظيم أنماط العمل الجديدة بالتشاور مع المنظمات النقابية العمالية ومنظمات أصحاب الأعمال. وتشمل هذه القرارات تحديد صور هذه الأنماط، والنماذج الاسترشادية لعقود العمل ولوائحها، وطرق إثبات علاقة العمل، وآليات حصول الطرفين على حقوقهما. على أن تصدر في مدَّة لا تتجاوز ستة أشهر من تاريخ إصدار القانون. وبما أن القانون صدر في الرابع من مايو 2025، فقد انتهت هذه المهلة في نوفمبر من العام نفسه، دون نشر قرارات وزارية واضحة تنظِّم هذه الأنماط وتجيب عن أسئلتها العملية.

لذا تنتقد الباحثة الاقتصادية بيسان كساب هذه الإحالة في بحثها "مصر: ما الجديد في قانون العمل الجديد؟"، المنشور عن "مبادرة الإصلاح العربي" في ديسمبر 2025. إذ ترى أنَّ النصَّ في ظلِّ غياب منظمات نقابية فعلية تمثِّل العاملين عن بُعد وعمال المنصات، قد يفرغ جانباً مهماً من الاعتراف القانوني من مضمونه. فبينما يسهل نسبياً التشاور مع منظمات أصحاب الأعمال، يبقى تمثيل العمَّال في هذه الأنماط غامضاً جراء غياب تنظيم نقابي واضح يعبِّر عن مصالحهم في عملية التشاور. وهو ما قد يحوِّل الحوار المنصوص عليه في المادة إلى إجراء شكلي، لا إلى آلية فعلية لضمان حقوق هؤلاء العاملين.

وتقرأ كساب هذا التناقض جزءاً من طبيعة القانون نفسه. إذ يقدم نصوصاً إصلاحية تبدو منسجمة مع توجهات منظمة العمل الدولية، خاصة مع تزايد الاهتمام بأنماط العمل المرن واقتصاد المنصات، لكنه يترك تفعيل هذه النصوص لآليات تمثيل غير مكتملة في السياق المصري. فالقانون يمنح الاعتراف من جهة، ثم يجعل تحويله إلى حماية فعلية مرهوناً بحوار لا يملك فيه العاملون المعنيون تمثيلاً واضحاً.

هذه الفجوة بين النصوص التشريعية وواقع العاملين عن بُعد تتجلى عند الانتقال من النصوص إلى التجربة اليومية. فبعض المشكلات ظلت خارج نطاق المعالجة القانونية، بينما عُولجت مشكلات أخرى مبدئياً بلا توفير آليات تنفيذ كافية تضمن فعالية التطبيق.


سنة 2022 بدأتُ دراسة تحليل البيانات ضمن مبادرة "مستقبلنا رقمي" الحكومية. كان المساق ينقسم إلى مستوى تأسيسي يمتدّ سبعة أسابيع للتدريب التقني، يعقبه أسبوعان للتدريب على سوق العمل الحر الرقمي وآليات دخول السوق، بما يؤهل المتدربين للعمل عبر الإنترنت.

في الجزء الثاني من التدريب الخاص بسوق العمل، ظهر صانع المحتوى المصري أحمد أبوزيد في مقاطع مصورة مسجلة يشرح مهارات العمل الحر، وكيفية الحصول على عمل عبر الإنترنت، واستخدام المهارات التقنية في الوصول إلى عملاء خارج السوق المحلية. لكن المفاجأة كانت عندما قُبض على أبوزيد نهاية ديسمبر 2024 بتهمة الاتجار في النقد الأجنبي خارج نطاق السوق المصرفية.

ما بدا مفارقةً هو أن الشخص الذي ظهر في تدريب حكومي لشرح فرص العمل الحر، وجد نفسه لاحقاً متهماً بسبب أموال بالدولار، قال محامي دفاعه إنها جاءت بتحويلات بنكية وشركات صرافة مرخصة.

وقد مثّلت الواقعة، رغم انتهائها ببراءة أبوزيد في مارس 2025، تجسيداً للمخاوف القانونية التي تحيط بالعاملين عن بُعد، خصوصاً حين يحصلون على أجورهم بالعملة الأجنبية. إذ مازال الوضع القانوني والإجرائي غير واضح حتى بعد صدور القانون الأخير.

تحدثت الفراتس إلى مصطفى، وهو شاب مصري يعمل في مجال التصميم البصري منذ سنة 2018. وهو الذي قضى عامين في عمل حضوري داخل مصر، قبل أن ينتقل إلى العمل عن بُعد لخمس سنوات مع شركات خارجها.

يلخّص مصطفى مشكلاته مع استقبال المدفوعات بعبارة واحدة: "حصولك على أموال من خارج مصر يُعامل على أنه تهمة حتى يثبت العكس". وتخلق هذه النظرة، كما يقول، صعوبات متكررة أثناء محاولة استلام مستحقاته، ما يدفعه أحياناً إلى اللجوء إلى طرق غير رسمية لتلقيها، دون أن يستفيض بالشرح.

يواجه محمود ناصر، وهو صحفي يعمل عن بُعد مع عدد من المنصات بنظام القطعة، المشكلة نفسها. يروي لنا أنه كلما حاول سحب مدفوعاته بالدولار من خدمة تحويل الأموال "ويسترن يونيون"، اصطدم بإجراءات معقدة، يقول الموظفون إنها اشتراطات حكومية ورقابية. وتفرض هذه الإجراءات، بحسبه، جهداً كبيراً حتى لسحب مبالغ محدودة، مثل مئة دولار أو مئتين.

ففي إحدى المرات طلب منه موظفو "ويسترن يونيون" صورة من جواز سفر المُرسِل. لكن لم يتمكن ناصر من توفيرها، لأن المُرسِل رأى أنها وثيقة شخصية لا تُشارك. عرض ناصر، بدلاً من ذلك تسجيل نفسه ضريبياً واستخراج بطاقة ضريبية تثبت أنه يعمل عن بُعد. لكن الموظفين رفضوا هذا المسار، وأخبروه أن امتلاك بطاقة ضريبية لن يعفيه من تقديم صورة جواز سفر المُرسِل. وبسبب عجزه عن توفير هذا المستند، بقيت أمواله عالقة.

نتيجة لذلك، اضطر ناصر في مراحل لاحقة للجوء إلى منصة "بينانس" لتداول العملات الرقمية من أجل الحصول على مستحقاته. والعملية، وفق ما يشرح، تكون بتحويل صاحب العمل المبلغ إلى حساب العامل على المنصة باستخدام عملة رقمية مستقرة تعادل الدولار وتُعرف باسم "يو إس دي تي". تصل الحوالة فوراً إلى حساب المستفيد الذي يبيعها لاحقاً داخل المنصة لأحد التجار مقابل الجنيه المصري، ثمّ يتلقّى قيمتها في محفظة إلكترونية مثل "فودافون كاش"، أو من حسابه البنكي.

تبدو العملية أسرع وأسهل مقارنة بالتحويلات البنكية التقليدية، لكنها لا تخلو من المخاطر. فقد حذَّر البنك المركزي المصري في مارس 2023، من التعامل في جميع أنواع العملات الافتراضية المشفرة، سواء عبر الأفراد أو الشركات أو التطبيقات والمنصات الإلكترونية. وأكَّد أنه لم يُصدر تراخيص لأي من هذه الأنشطة داخل السوق المصرية. كذلك تنصّ المادة 206 من قانون البنك المركزي والجهاز المصرفي على حظر إصدار العملات المشفَّرة أو الاتجار بها أو الترويج لها أو تشغيل منصات لتداولها أو تنفيذ أنشطة مرتبطة بها دون ترخيص. لذلك يبقى مستخدمو هذه الوسائل في حالة قلق دائمة. فهي تحلّ مشكلة الوصول إلى الأموال، لكنها تفتح في الوقت نفسه باباً آخر للخوف من الملاحقة القانونية.

وما يجعل استقبال المدفوعات أكثر تعقيداً غموض الوضع القانوني للعاملين عن بُعد. فكثير منهم يظهرون أمام المؤسسات الرسمية أنهم "بلا عمل"، وهي الصفة المسجلة غالباً في بطاقاتهم الشخصية. وضمن هذا السياق، يصبح استقبال تحويلات مالية من الخارج، خاصة حين تتكرر أو ترتفع قيمتها، سبباً للمساءلة أو للتعقيدات الإجرائية التي تفرضها المؤسسات المالية.

هذا الغموض لا ينفصل عن الإطار القانوني المنظِّم لخدمات الدفع والتحويل في مصر. فبموجب قانون البنك المركزي والجهاز المصرفي رقم 194 لسنة 2020، تخضع خدمات الدفع وتحويل الأموال لرقابة البنك المركزي. وتنص المادة 184 من القانون على حظر مزاولة أي نشاط يتضمن تشغيل نظم الدفع أو تقديم خدمات الدفع من دون ترخيص، سواء من داخل مصر أو من خارجها للمقيمين فيها. من هنا، تعمل منصات الدفع الدولية ضمن ترتيبات تضعها الدولة، وتراقب منها حركة الأموال الداخلة إلى السوق المحلية.

تظهر هذه القيود بينةً في منصة المدفوعات "باي بال" داخل مصر. فبحسب اتفاقية "استقبال الأموال والتحويل التلقائي" المنشورة على موقع المنصة، تندرج مصر ضمن الدول الخاضعة لهذا النظام، الذي يتيح للمستخدم استقبال المدفوعات ثمَّ تحويلها تلقائياً إلى حساب بنكي أمريكي - وهو ما يندر وجوده لدى العاملين عن بُعد في مصر- أو إلى بطاقة ائتمان. 

كذلك تنصّ الاتفاقية على أنَّ المستخدم لا يستطيع استخدام رصيد باي بال لإرسال المدفوعات، بل يتعيَّن سحب المبالغ المتاحة بالتحويل التلقائي. ناهيك أن البنوك تطلب عادةً وثائق إضافية عند استقبال التحويلات، وقد تُعيد أحياناً بعض المبالغ إلى باي بال إذا لم تكن هناك وظيفة مثبتة تبرِّر التحويل إلى الحساب البنكي. وهكذا لا يعمل الحساب في الحالة المصرية محفظةً إلكترونيةً كاملة يحتفظ فيها المستخدم بأمواله ويتداول بها بحرية، بل قناة عبور تُنقل الأموال منها إلى بطاقة أو حساب أو وسيط مالي يخضع لشروط إضافية.

لهذا ولفترة طويلة، مثَّلت بطاقة "إيزي باي" الصادرة عن البريد المصري، المسار الأكثر شيوعاً بين العاملين عن بُعد لسحب أموال باي بال. وساعد على ذلك تراجع استقرار البطاقات المصرفية الصادرة عن البنوك المصرية في التعامل مع المنصة، خصوصاً بعد قرار البنوك المصرية منذ أكتوبر 2023 حظر استخدام بطاقات الخصم المباشر بالمعاملات الأجنبية. إلى جانب تشدد بعض البنوك في استخدام بطاقات الائتمان مع بعض المواقع، ومنها باي بال.

وهنا مدفوعاً بالتسهيلات الجديدة التي وفَّرها قانون العمل الجديد، ذهبتُ إلى أحد فروع البريد لمحاولة استخراج بطاقة إيزي باي وفهم الطريقة التي يعمل بها هذا المسار. ومع أن صفحة البريد المصري تقول إنَّ المستخدم يستطيع شراء البطاقة من أي مكتب بريد وطلب تفعيل الخدمة، فإنَّ التجربة العملية بدت أكثر تعقيداً.

تبدأ معاناة العامل عن بُعد من الخطوة الأولى. فالبطاقة ليست متوفرة في جميع فروع البريد، ما يفرض على من يريد استخراجها البحث أولاً عن فرع يتيحها. لذا حاولت الاتصال بخدمة العملاء لمعرفة الفرع المناسب، لكنني بقيت على الانتظار فترةً طويلة، ما دفعني إلى الذهاب بنفسي والبحث عن فرع يصدر البطاقة.

عند الوصول، ظهرت مرحلة أخرى من التعقيد. كان المكان مزدحماً، إذ لا يقتصر دور البريد المصري على تقديم خدمات مالية رقمية، بل يشمل أيضاً خدمات حكومية يومية واسعة. وبعد انتظار طويل، وجدت أن معرفة الموظفة بإجراءات البطاقة التقنية محدودة، إلى درجة أنها احتاجت إلى مساعدتي لفهم النظام الإلكتروني الذي ستُدخل عبره بياناتي.

ومع أنَّ البطاقة تُقدَّم عادةً إحدى الوسائل التي تساعد العاملين عن بُعد على استقبال مدفوعاتهم، إلا أن الموظفة سجَّلتني أثناء إدخال البيانات أنني "بلا عمل"، لأن بطاقتي الشخصية لا تتضمن وظيفة مثبتة. وقالت إنَّ البريد لا يعترف بالعمل مع جهات خارج مصر إلا إذا كان مثبتاً في بطاقة الرقم القومي. وهو ما يتطلَّب بحسب شرحها، سجلاً تجارياً أو وضعاً مهنياً رسمياً.

 وبعد انتظار وجهد، حصلت أخيراً على البطاقة، لكنني اكتشفت لاحقاً أنني لا أستطيع تفعيل تطبيقها الإلكتروني. تواصلت مع خدمة العملاء، لكن المشكلة استمرَّت بسبب عطل بالبطاقة نفسها كما أحيل لي.

وليس هذا نهاية التعقيدات، فصعوبة إثبات العمل عبر الإنترنت وغياب الاعتراف السلس بدخل العاملين عن بُعد، يحرمهم من خدمات مالية وإجرائية أساس. ويعرقل ذلك استخراج بعضهم بطاقة ائتمان، بل حتى الحصول على تأشيرات للسفر.

العامل الآخر صعوبة استخراج بطاقات الائتمان ما يعرقل أداء بعضهم أعمالَهم ذاتها، خصوصاً من يعتمدون على برامج أدوات مثل برامج "أدوبي" للتصميم والمونتاج، الذي يتطلب اشتراكاً شهرياً أو سنوياً.

يحكي مصطفى أنه بعد القيود التي فرضتها بنوك مصرية منذ أكتوبر 2023 على استخدام بطاقات الخصم المباشر في المعاملات الأجنبية، أصبح الدفعُ ببطاقة الائتمان المسارَ العملي المتاح في كثير من الحالات. غير أنه لا يستطيع استخراجها بسبب غياب وظيفة موثقة. لذلك يلجأ أحياناً إلى حلول جانبية، مثل أن يطلب من عميل أجنبي نشأت بينهما علاقة ثقة، أن يدفع قيمة اشتراك البرامج مباشرةً، بدلاً من تحويل هذا المبلغ ضمن مستحقاته المالية.

ومن لا يتاح له هذا الحل، قد يلجأ إلى تحميل برامج أدوبي بطرق غير رسمية، وهو خيار يقول مصطفى إنه يتجنبه. فهو لا يراه حلاً مقبولاً من الناحية الأخلاقية، ويخشى أن تتضمَّن هذه النسخ مخاطر تقنية قد تضر جهازه أو تؤثر لاحقاً في جودة عمله واستقراره المهني، خاصة في بيئة عمل رقمية يصعب فيها إثبات كثير من الحقوق وانتهاكات علاقات العمل عن بُعد.

وتتسع هذه التحديات لتشمل كيفية إدارة الدخل وتسويته ضمن الأطر الرسمية في مصر، متمثلةً في غموض الوضع الضريبي وغياب تنظيم عملي واضح له في القانون الجديد وسياسات الدولة. 


مع أن العامل عن بُعد لا يحصل غالباً على المزايا التي يحصل عليها العامل التقليدي في مصر، إلا أنه يظلّ خاضعاً لالتزامات ضريبية لا تبدو دائماً مصممة بما يتناسب مع طبيعة عمله الفردي أو دخله غير المنتظم. ووفق ما نقله موقع "بوابة الأهرام" عن مصلحة الضرائب المصرية في سبتمبر 2024، فإن من يزاول مهنة عبر الإنترنت أو يعمل لحسابه الخاص يخضع لأحكام الباب الرابع من قانون الضريبة على الدخل، الخاص بإيرادات المهن غير التجارية. ويعني ذلك أن ضريبته تحتسب على صافي الدخل، ويحتاج العامل غالباً لملف ضريبي وفواتير ومستندات اثبات دخل.

كذلك تؤكد مصلحة الضرائب أن تقديم الإقرار الضريبي التزام قانوني على الممول، وأنَّ أصحاب المهن الحرة ملزمون بالتسجيل في منظومة الفاتورة الإلكترونية، وإرسال فواتيرهم عند التعامل مع منشآت مسجلة. كذلك فإن المصروفات لا يُعتدّ بها في الإقرار الضريبي إلا بالفاتورة الإلكترونية. بهذا المعنى، يجد العامل المستقل نفسه بين دولة لا تمنحه دائماً صفة عمل واضحة تسهّل استقبال دخله، لكنها في الوقت نفسه تفرض عليه امتثالاً ضريبياً وإجرائياً معقداً. وهذا ما يدفع كثيرين إلى عدم التسجيل أصلاً أو اللجوء إلى حلول التفافية عبر محاسبين ووسطاء، بما قد يعرِّضهم لاحقاً لمشكلات قانونية.

مع أنَّ القانون ساعد المبرمج محمد خالد على تسجيل عمله رسمياً، بحكم عمله بصورة مستقرة عن بُعد لدى شركة محددة، إلا أن هذا المسار لا يبدو بالسهولة نفسها لجميع العاملين. إذ يشتكي محمود ناصر، الصحفي العامل عن بُعد مع عدد من المنصات بنظام القطعة، من أنَّ التسجيل قد يكون مفهوماً لمن يعمل ثابتاً مع شركة واحدة في الخارج، أو يتلقى دخلاً منتظماً يسهل توثيقه. أما في حالته، فإنه يعمل مرة أو مرتين شهرياً مع عملاء مختلفين وبمبالغ صغيرة غير منتظمة، وبالتالي فالتسجيل يبدو عبئاً إدارياً أكثر منه حلاً عملياً. فمحمود يخشى ألّا يتمكَّن من استيفاء متطلبات الإثبات وإصدار الفواتير، ومتابعة الالتزامات الضريبية. وهو ما يدفعه إلى العزوف عن التسجيل من الأساس، وفق قوله.

ويرتبط العزوف عن التسجيل الضريبي أيضاً بشعور بعض هؤلاء العاملين بأن الالتزام الرسمي يضيف عليهم أعباء جديدة دون أن يمنحهم مقابلاً واضحاً في الحماية أو الخدمات.

تشرح مروة، التي تعمل مع شركة تسويق خارج مصر، هذا التردد للفراتس قائلةً إنها غير متحمسة للتسجيل القانوني لأنها تخشى أن يتحول الأمر إلى شكل من الرقابة على أموالها وحركتها ووضعها عموماً. تضيف أنها لا ترى مقابلاً واضحاً لما قد تدفعه، فلا توجد خدمات فعلية تحصل عليها، ولا حماية قانونية تضمن حقوقها إذا واجهت مشكلات في العمل. لذلك يبدو التسجيل القانوني "ضريبة فقط"، لا أداة لتنظيم وضعها أو حمايتها.

تتقاطع مخاوف مروة من نتائج أبحاث تناولت الاقتصاد الرقمي غير الرسمي في مصر. ففي موجز السياسات "وومن أند وورك إن إيجيبتس إنفورمال ديجيتال إيكونومي" (النساء والعمل في الاقتصاد الرقمي غير الرسمي في مصر) الصادر سنة 2023، تُطرح مسألة التقنين والضرائب والتنظيم إحدى القضايا المركزية أمام النساء العاملات في الاقتصاد الرقمي غير الرسمي. ويوصي الموجز بتبسيط الإجراءات التنظيمية والقانونية المرتبطة بالتجارة الاجتماعية الرقمية، مع ربط التسجيل الضريبي بالحماية الاجتماعية بدلاً من تركه عبئاً منفصلاً على العاملات.

ويعزز هذا المعنى ما يخلص إليه بحث لصندوق النقد الدولي بعنوان "سيتيزنز برسَبشنز أوف تاكس أوثورتيز [. . .]" (تصورات المواطنين عن السلطات الضريبية وكفاءة الضرائب في أفريقيا) نُشر سنة 2024. يعتمد البحث على بيانات من اثنين وثلاثين دولة إفريقية، من بينها مصر، ويكشف عن علاقة سلبية واضحة بين ضعف الثقة في مصلحة الضرائب وكفاءة تحصيل ضريبة القيمة المضافة وضريبة الشركات. ويخلص إلى أنَّ بناء القدرة الضريبية لا يعتمد فقط على القوانين والرقمنة، بل أيضاً على اقتناع المواطنين بأنّ الموارد العامة ستستخدم صحيحة.

هناك أيضاً مسألة أخرى لا تقل أهمية تتعلق بالخصوصية الرقمية. تقول لنا صحفية مستقلة في مصر اسمها أيضاً مروة، إنَّ جهة عملها تطلب منها استخدام الشبكة الافتراضية الخاصة المعروفة اختصاراً باسم "في بي أن" أثناء العمل، لتقليل احتمالات التتبع والمراقبة.

ويبدو هذا الموقف مفهوماً في ضوء ما يورده تقرير "فريدوم أون ذا نت 2024" (الحرية على الإنترنت 2024) الصادر عن مؤسسة "فريدوم هاوس" البحثية والمهتمة بتتبع مقياس الحريات حول العالم. إذ يشير التقرير إلى أنَّ المراقبة تمثِّل مصدر قلق كبير لمستخدمي الإنترنت في مصر، وأنَّ عملياتها تفتقر إلى الشفافية، بما قد يتعارض مع ضمانات الخصوصية الدستورية. يضيف أنَّ قانون مكافحة جرائم تقنية المعلومات يتيح لجهات الأمن القومي الوصول إلى البيانات الإلكترونية لمستخدمي منصات الإنترنت والاتصالات دون رقابة قضائية واضحة أو تنظيم كافٍ أو آليات فعَّالة لتعويض المتضررين من انتهاكات الخصوصية.

ومع التوسع القانوني في الاعتراف بالعمل عن بُعد، ظلَّت البيئة الرقمية في مصر محاطة بقيود ومخاوف تتعلق بحرية الإنترنت والخصوصية. ففي تقرير "فريدوم أون ذا نت 2025"، صنَّفت المؤسسة مصر دولة "غير حرة" على الإنترنت، بمنحها درجة 28 من 100. وأشارت إلى أنَّ حرية الإنترنت وحقوق المستخدمين ظلتا مقيدتين بشدة في الفترة التي يغطيها التقرير من يونيو 2024 حتى نهاية مايو 2025. وهذا يشير إلى أن إعداد القانون لم يترافق مع محاولات جادة لإيجاد بيئة رقمية آمنة يعمل ضمنها العاملون عن بُعد. ويأتي هذا التقييم ضمن سياق أوسع من التضييق على المجال الرقمي وصناعة المحتوى، بما في ذلك الحملات الأمنية التي طالت عدداً من صنَّاع المحتوى على تطبيق "تيك توك".

تدفع هذه المشكلات والتعقيدات مجتمعة بعض العاملين عن بُعد إلى التفكير في مغادرة السوق المحلي أو الهجرة. مع أنَّ الترويج الرسمي لهذا النمط من العمل يقوم في جانب منه على توفير فرص أوسع للشباب داخل البلاد والحفاظ على الكفاءات وتمكينها من الوصول إلى دخل أعلى من دون الاضطرار إلى السفر.

من بين هؤلاء محمد بدر، الذي يعمل مسوِّقاً في شركة مصرية براتب لا يتجاوز ستة آلاف جنيه، أي أقل من الحد الأدنى للأجور في مصر، والمحدد بسبعة آلاف جنيه. ومن هذا الراتب، كان ينفق نحو ألفي جنيه على المواصلات وحدها. وللخروج من هذه الدائرة، تعلَّم تصميم الفيديوهات (المونتاج) باحتراف، ثم حصل على أول عميل له من الخارج في نهاية 2025. وبسرعة صار قادراً على تحقيق ما يعادل راتبه السابق من عمل لا يستغرق سوى ساعات قليلة دون مواصلات يومية أو دوام طويل داخل مكتب.

لكن على انتقال بدر إلى هذا النمط من العمل، فلا يزال يواجه مشكلات استقبال مدفوعاته ووضعه القانوني. ويقول للفراتس إنه يسعى لجمع مبلغ يكفي للهجرة، ليتمكّن من العمل بحرية أكبر.

الطموح نفسه يشاركه مصطفى، الذي أخبرنا أنه يرغب في الهجرة إلى كندا، ليس فقط بسبب التعقيدات التي يواجهها في عمله، بل أيضاً بسبب ما يصفه بالتمييز داخل سوق العمل الرقمي. إذ تُعرض عليه أجور أقل بسبب عمله من مصر.

ويرى مصطفى أنَّ هذه التجربة لا تخصه وحده، بل تشبه أوضاع كثير من العاملين عن بُعد في مصر، الذين يناقشون مشكلاتهم باستمرار على منصاتهم الخاصة، ويتبادلون الخبرات عن التعامل مع التعقيدات الحكومية والمصرفية. 

من أبرز هذه المساحات مجتمع "إيجيبشن فريلانسِرز" على منصة "ريديت"، حيث يتجمَّع آلاف الشباب المصريين العاملين مستقلين، لطرح أسئلتهم عن استقبال المدفوعات والتسجيل الضريبي والتعامل مع البنوك وتجاوز العوائق اليومية للعمل من مصر. وتظهر في كثير من هذه النقاشات رغبة متكررة في استخدام العمل عن بُعد وسيلةً لجمع ما يكفي من المال للهجرة، لا مساراً مستقراً للعمل داخل مصر. 


يقدِّم قانون العمل الجديد في مصر أساساً لتنظيم العمل عن بُعد، لكنه لا يكفي وحده ما لم يتحوِّل إلى مسار إداري وقانوني واضح يستوعب العاملين في هذا المجال. فهؤلاء يحتاجون إلى آليات سهلة لتسجيل أنفسهم قانونياً وإثبات عملهم واستقبال مدفوعاتهم وسداد ضرائبهم دون خوف أو تعقيد. يحتاجون أيضاً إلى فتح قنوات حوار فعَّالة، مثلما نصَّ عليه القانون، بينهم وبين الوزارات والجهات المعنية لأنهم فئة عمل جديدة تتطلّب تنظيماً وتمثيلاً، وربما أشكالاً نقابية قادرة على نقل مشكلاتها الحقيقية. وتتضاعف أهمية هذا التوجّه بالنظر إلى الإمكانات التي يحملها هذا القطاع. فالعمل الحر يمكن أن يساهم في تخفيف البطالة، وتوليد العملة الصعبة، وتعزيز توزيع الوظائف خارج المركز.

لكن يبقى أن هذه الإمكانات لا تتحقق بمجرَّد تدريب الشباب أو الاكتفاء بالاحتفاء بهم في الخطاب الرسمي، بل تتطلَّب نظاماً يستوعب تعقيدات هذا النمط غير التقليدي من العمل، ويوفِّر له إطاراً قانونياً وإدارياً مستقراً.

اشترك في نشرتنا البريدية