بين اقتصاد "الكاش" وبيع "الشيكات".. اللبنانيون خارج عباءة المصارف  

اضطر الكثير من المودعين اللبنانيين إلى بيع ودائعهم، أحد هؤلاء هو بسام إسماعيل الذي باع وديعته وقيمتها نحو أربعمئة ألف دولار بنحو مئة وعشرين ألف دولار.

Share
بين اقتصاد "الكاش" وبيع "الشيكات".. اللبنانيون خارج عباءة المصارف  
الأزمة المصرفية محطة فاصلة للبنانيين | خدمة غيتي للصور

بعد أشهرٍ قليلةٍ من بداية الأزمة المصرفية التي أصابت لبنان أواخر سنة 2019، لم يجد الشاب حسن مغنية بداً من أن يطلب من مصرفه مبلغ خمسة عشر ألف دولارٍ أمريكيٍ، من أجل إجراء عمليةٍ جراحيةٍ لوالدته المصابة بالسرطان. وأرفق بطلبه تقارير طبيةً تؤكّد الحاجة الملحّة إلى إجراء العملية، إلّا أنّ المصرف لم يلبِ طلبه.

رفع مغنية دعوى قضائية على المصرف وحصل على حكمٍ لصالحه في المحكمة الابتدائية. إلّا أنّ المصرف استأنف الحكم. وهذا ما دفع مغنية إلى النزول مجدداً إلى المصرف يوم 6 أبريل 2020، وإغلاق أبوابه بجنزيرٍ حابساً الموظفين من الثامنة صباحاً إلى الثامنة مساءً على مرأى القوى الأمنية التي لم تتدخل. بعد يومين، حصل مغنية على قرارٍ من قاضي الأمور المستعجلة بأن يسلّمه المصرف مبلغ خمسة عشر ألف دولارٍ أمريكي. وتسلّمها بعد مفاوضاتٍ استمرّت يومين آخَرين، وأجرى العملية الجراحية لوالدته لكنّها توفّيت بعد حوالي شهرين.

يقول مغنية للفِرَاتْس إنّ سبب وفاة والدته هو تأخّره في تأمين تكلفة العملية وهو ما دفعه إلى تحميل المصرفِ المسؤوليةَ، وزرع في نفسه "حقداً وكرهاً عميقَيْن تجاه القطاع المصرفي برمّته". وكان ذلك دافعه إلى تأسيس جمعية المودعين اللبنانيين التي باتت من أبرز المنادين بحقوق المودعين في لبنان. 

قصة مغنية ليست استثناءً، بل باتت القاعدة في علاقات المودعين والقطاع المصرفي. فخسارة اللبنانيين ودائعهم أصحبت تشكل أزمةً غير مسبوقةٍ، أصابتهم مادياً ونفسياً واجتماعياً، وزعزعت ثقتهم في القطاع المصرفي، ما دفعهم إلى الامتناع عن إيداع مزيدٍ من الأموال، والبحث عن بدائل ماليةٍ خارج النظام المصرفي. وهكذا، برز "اقتصاد الكاش" (النقدي) وانتشرت ممارساتٌ جديدةٌ مثل "شيك بنكير" (الشيك المصرفي)، إلى جانب توسّع الدَوْلَرة وتحوّل الادّخار نحو العقارات والذهب أو حتّى اكتناز الأموال في المنازل. وقد أدّى هذا التحوّل الكبير إلى تغييرٍ جذريٍ في سلوكيّات اللبنانيين المالية. 


عاش اللبنانيون كثيراً من الأزمات والحروب، إلّا أنّهم لم يتوقعوا أن يخسروا أموالهم فجأةً وبلا ذنبٍ  بعد أن أودعوها في المصارف كباقي شعوب العالم. ففي أواخر 2019، تحوّل تصرّفٌ بديهيٌ إلى سببٍ لمعاناة آلاف اللبنانيين، ليس فقط على المستوى المادي، وإنما كذلك على المستوى النفسي والاجتماعي إذ ترك ندوباً وجراحاً وقصصاً مؤلمةً للمودعين.

تتعدّد أسباب الأزمة المالية التي أدّت إلى تبخّر ودائع اللبنانيين. يقول الكاتب الاقتصادي علي نور الدين في حديثٍ مع الفِراتْس إنّ سبب الأزمة المباشر هو "سوء حوكمة المصرف المركزي"، مضيفاً أنّ "الأموال التي خسرناها هي تلك التي وُضعت في المصرف المركزي". وثمّة عوامل عديدةٌ أدّت إلى تبديد هذه الأموال، من بينها بحسب نور الدين استعمال الاحتياطات النقدية لتثبيت سعر صرف الليرة اللبنانية لأعوام ووضع المصارف التجارية معظم أموالها في المصرف المركزي طمعاً في فوائد مرتفعةٍ مما استنزف احتياطاتها النقدية، فضلاً عن العجز المزمن في ميزان المدفوعات اللبناني، أي أنّ الواردات تفوق الصادرات كثيراً.

وبعد "انتفاضة 17 تشرين" التي اندلعت في أكتوبر 2019، أقفلت المصارف مدة أسبوعين ثم فتحت أبوابها بشروطٍ خانقةٍ منها سقوفٌ على السحب لا تتجاوز بضع مئاتٍ من الدولارات شهرياً ومنع التحويلات إلى الخارج. ومنذئذٍ أدار المصرف المركزي الأزمةَ بتعميماتٍ متتاليةٍ بدلاً من خططٍ إصلاحيةٍ واضحةٍ، من أبرزها التعميم رقم 158 الصادر في يونيو 2021 والذي ينظم سحوبات المودعين من ودائعهم المجمّدة بالدولار. ويسمح التعميم لكلّ مودعٍ بسحب مبلغ ألف دولارٍ فقط نقداً شهرياً. مع الإشارة إلى أنّ هذا المبلغ يمكن تعديله بناءً على قرارات المصرف المركزي.

وفي تقريرٍ صادرٍ عن البنك الدولي في مايو 2021 بعنوان "لبنان سينكينغ (تو ذا توب 3)" (لبنان يغرق: نحو أسوأ ثلاث أزمات عالمية) عُدّ الانهيار الاقتصادي والمالي في لبنان "من بين أشدّ عشر أزماتٍ، وربما من بين الثلاث الأسوأ منذ منتصف القرن التاسع عشر". ورجّح التقرير أن يكون "أكثر من نصف السكان دون خط الفقر الوطني". إضافةً إلى ذلك، فقد تراجع سعر صرف الليرة اللبنانية أمام الدولار شيئاً فشيئاً إلى أن فقدت العملة الوطنية أكثر من 85 بالمئة من قيمتها.


أثّرت الأزمة في اللبنانيين من المستويات الاجتماعية كافّةً، وكان تأثيرها أكبر على الفئات الأضعف مثل المتقاعدين الذين غالباً ما أودعوا تعويضات نهاية الخدمة في المصارف. وأدّى ذلك إلى تآكل ثقتهم حدَّ الامتناع عن إيداع مزيدٍ من الأموال لدى المصارف. يروي الموظف المتقاعد أحمد يونس في حديثٍ مع الفِراتْس أنه بدأ يدّخر الأموال منذ دخوله الوظيفة العامّة في ثمانينيات القرن العشرين. وأضاف إليها تعويض نهاية الخدمة، أملاً في حياةٍ كريمةٍ عند بلوغه سنّ التقاعد. إلّا أنّ احتجاز وديعته حوّله إلى شخصٍ لا يملك قوت يومه، فيقول: "أصبحت أستعين بأقربائي لشراء أدويتي".

المغتربون الذين جمعوا مدّخراتٍ من سنوات عملهم الطويلة في الخارج وأودعوها المصارف اللبنانية انضمّوا إلى الفئات الأكثر تضرّراً. كان الأربعيني إبراهيم عبدالله يعمل في مجال العقارات في دولة الإمارات العربية المتحدة طيلة ثمانية عشر عاماً. ولم يكن يعلم أنّ حظّه العاثر سيقوده إلى اتخاذ قرارٍ سيقلب حياته رأساً على عقب. ففي منتصف سنة 2019، قرّر تصفية أعماله والعودة إلى لبنان لافتتاح عمله الخاص. تصاعدت الأزمة المصرفية حينها ولم يعد قادراً على الوصول لأمواله التي تفوق المليون دولار. في حديثه مع الفِراتْس يقول عبدالله: "عملت بجهدٍ لجمع هذه الأموال بغيةَ أن أعلّم أبنائي في أفضل الجامعات، فهل يُعقل أنّ شخصاً يملك ما يفوق المليون دولار غير قادرٍ على تسجيل ابنته في الجامعة الأميركية في بيروت؟". 

ما زاد من خسارة المواطنين المادية هو اضطرارهم إلى سحب جزءٍ من ودائعهم بأقلّ من قيمتها الفعلية. فمنذ اندلاع الأزمة وحتى اليوم، تكبّد عبدالله مثلاً خسارةً كبيرةً في وديعته جرّاء سحبه جزءاً منها على سعر صرف 3900 ليرةٍ لبنانيةٍ للدولار الواحد في حين أنّ سعر الصرف الفعلي كان يتجاوز خمسين ألف ليرة مقابل الدولار. وقد اضطرّ إلى ذلك لأنّه اعتمد في مدخوله على الأموال التي يتقاضاها من المصرف وفقاً لتعميمات مصرف لبنان. كذلك اضطرّ إلى بيع بعض الأملاك. كلّ ذلك دفع عبدالله إلى اتخاذ قرار الهجرة مُجدّداً مع بداية سنة 2026، قائلاً: "قرّرت البدء من جديدٍ بعد أن تعلّمت ألّا أضع قرشاً واحداً في المصارف اللبنانية، فالثقة في هذه المصارف لن تعود قبل عودة كامل الودائع".

أثّرت أزمة الودائع مباشرةً على بعض التجار الذين لم يعودوا قادرين على الوصول إلى أموالهم التي يستخدمونها لشراء البضائع. يملك المودع فراس طنوس شركةً لاستيراد الرخام، ولديه وديعةٌ تُقارب مليون دولارٍ هي رأس مال الشركة. يشرح في حديثه مع الفِرَاتْس الأثرَ الذي خلّفته الأزمة على عمله: "اضطررت لنقل مكتبي إلى مكانٍ آخر لتقليل المصاريف، كما قلّصت عدد الموظفين". ويلفت إلى أنّه "مع بدء الأزمة لم نعد نتمكن من استيراد البضائع بسبب حجز أموالنا مما أدّى إلى تراجع مكانتنا في السوق". واضطره ذلك لبيع شيكٍ مصرفيٍ بأقلّ من قيمته بنحو 60 بالمئة بغية الحصول على أموالٍ نقديةٍ لاستيراد البضائع. كذلك سبّبت الأزمة قطيعةً نفسيةً بينه وبين المصارف عموماً وليس فقط في لبنان، إذ يقول إنه لم يعد يجد الشجاعة لإيداع أموالٍ في حسابه المصرفي في الإمارات.

حملت الأزمة المصرفية انعكاساتٍ على الطلاب اللبنانيين في الخارج الذين يعتمدون أولاً على تحويلات أهاليهم. يقول عماد برّو للفِرَاتْس، وهو كان طالباً في إيطاليا مع بداية الأزمة، إنّ "المصرف حجز وديعة أهلي، ولم يكن أمامي سوى البحث عن عملٍ من أجل تأمين مصروفي، واضطررت للاستدانة من بعض الأصدقاء". ويضيف: "كان حظّي جيّداً وتمكّنت من تخطّي تلك المرحلة، في حين قرّر الكثير من الطلاب اللبنانيين العودة وعدم استكمال رحلتهم التعليمية. كانت ظروفنا قاسيةً ولم يكترث لمعاناتنا أيٌّ من المسؤولين اللبنانيين".

ما واجهه اللبنانيون من خسائر جرّاء الأزمة حوّل المصارف في نظرهم من ملاذٍ آمنٍ للادخار إلى مصدر قلقٍ وخسارةٍ، بعد خسارتهم جَنَى أعمارهم فيها. وأصبح طبيعياً ألّا يودعوا أيّة أموالٍ جديدةٍ مهما كان حجمها في حساباتهم المصرفية. ويوضح مغنية، رئيس جمعية المودعين اللبنانيين، للفِرَاتْس أنّه بات يُلزِم المصرفَ بإجراء عمليات التحويل للخارج خلال وجوده فيه بنفسه "أي أنني لا أغادر المصرف قبل انتقال الأموال إلى الخارج، فالثقة التي كنت أتعامل بها مع المصرف لم تعد موجودةً إطلاقاً". 


مع تقييد الودائع وخسارة المدخرات المحتجزة في المصارف، بدأ اللبنانيون بالبحث عن بدائل لحماية أموالهم تبعدهم عن النظام المصرفي. وتراوحت خياراتهم بين اكتناز الأموال في بيوتهم أو ادخارها في محافظ عقاريةٍ أو شراء الذهب والدولار. ليتحوّل مسار الاقتصاد من اقتصادٍ رسميٍّ موحّدٍ إلى اقتصاداتٍ متوازيةٍ، يقطع تفرّقُها الطريقَ على انتشال الاقتصاد اللبناني الكلّي من عثراته. 

يقول تقرير صدر في مارس 2021 عن شركة "الدولية للمعلومات" – وهي شركةُ أبحاثٍ وإحصاءاتٍ محلّيةٌ مستقلّةٌ تأسست في بيروت سنة 1995 – بعنوان "أين ذهبت الـ 34 مليار دولار من الودائع المصرفية؟"، إنّ "نحو 17.5 مليار دولار، القسم الأكبر منها بالدولار والأقل بالليرة لا تزال في المنازل والبيوت. وهذا ما ضاعف من شراء الخزائن الحديدية لحفظ الأموال التي هي قنبلةٌ موقوتةٌ قد تعرّض من يملكها للقتل بدافع السرقة، ولكن بالنسبة لهؤلاء الناس فإنها أكثر أمناً وضمانةً من وضعها في المصارف". 

يوضح المودع جان أيوب أنّ إعادة وضع أمواله في المصارف أمرٌ لا يمكنه تصوّره مُجدّداً. وقال لنا "أحد الأصدقاء اقترح عليّ استئجار خزنةٍ في المصرف باعتبار أنّ وضع الأموال في المنزل غير آمنٍ، إلّا أنني رفضت الفكرة نهائياً، إذ بات لديّ عقدةٌ من كلّ شيءٍ اسمه مصرفٌ، وبذلك تحوّلت منازلنا إلى مصارف. فسرقة الودائع مُجدداً واردةٌ في أيّ لحظةٍ في ظلّ غياب المحاسبة".

أمام هذا الواقع الذي نتج عن عجز النظام المصرفي عن أداء وظائفه الأساسية، نشأ نموذجٌ اقتصاديٌ موازٍ يعتمد كثيراً على التعاملات النقدية وتحوّلت البلاد إلى ما يسمّى "اقتصاد الكاش" إذ أصبحت التعاملات اليومية تتمّ نقداً، خصوصاً بالدولار الأمريكي، ومن ذلك الرواتب والإيجارات والبيع والشراء مهما كانت قيمتها. وقدّر البنك الدولي قيمة الاقتصاد النقدي المُدَوْلَر في لبنان بحوالي عشرة مليارات دولارٍ في سنة 2022. وهذا الرقم يسير في اتجاهٍ تصاعديٍّ إذ ينقل الباحث في المعهد اللبناني لدراسات السوق خالد أبو شقرا، في حديثٍ مع الفِرَاتْس، عن أمين سرّ هيئة التحقيق الخاصة في مصرف لبنان عبد الحفيظ منصور قوله في مؤتمر اتحاد المصارف العربية سنة 2024 إنّ "التعامل النقدي بات يُسيطر على أكثر من 60 بالمئة من السوق، بحجمٍ يُقدّر من أربعة عشر إلى ستة عشر مليار دولار".

إلّا أنّ الاقتصاد النقدي البعيد عن المصارف يمنع المواطنين من مزايا كثيرةٍ باتت بديهيةً في الحاضر مثل الشراء عبر الإنترنت أو تحويل أموالٍ محدودةٍ إلى الخارج. وهذه المزايا التي تحوّلت إلى حاجاتٍ أدّت إلى ازدهار عمل شركات تحويل الأموال. يوضح أبو شقرا للفِرَاتْس أنّ "لبنان شهد زيادةً في عدد هذه الشركات وزيادة تعامل المواطنين معها خصوصاً في الجانب المتعلّق بالتحويلات إلى الخارج. وهي استفادت من هذه الأزمة لتوسيع نشاطها وباتت تقدم خدماتٍ أخرى مثل الشراء عبر الإنترنت وغيره". 

نتيجة الأزمة أيضاً، انتشرت ممارساتٌ جديدةٌ مثل بيع "شيك بنكير" (الشيك المصرفي) بأقلّ من قيمته الحقيقية. إذ يبيع المودع أمواله في المصرف من خلال شيكٍ مصرفيٍّ لطرفٍ آخَر ولكن بقيمةٍ أقلّ من قيمته الفعلية. أي أنّ المودع الذي يملك مئة ألف دولارٍ، على سبيل المثال، يستطيع أن يحوّلها إلى شخصٍ آخر عبر شيكٍ مصرفيٍّ مقابل نسبةٍ من القيمة الكلية للمبلغ المدوّن في الشيك. وتتباين تلك النسبة من حالةٍ إلى أخرى. 

لجوء بعض المودعين لنظام "شيك بنكير" كلّفهم قدراً من مدخراتهم، إذ اضطرّوا للتنازل عن نسبةٍ منها لمجّرد استخراجها من المصارف. ويشرح أبو شقرا للفِرَاتْس أنّ "سبب انهيار قيمة الشيك المصرفي يعود إلى أنّ الودائع بالدولار التي كانت تُشكّل نحو 80 بالمئة من مجمل الودائع بالمصارف، كانت موجودةً فقط على الأوراق والشاشات ولكنها غير موجودةٍ فعلياً، لأنّ المصارف التجارية وظّفتها في مصرف لبنان". ويلفت إلى أنّه "في المقابل، إذا أراد أي مودعٍ سحب وديعته لم يكن المصرف يستطيع منعه بسبب غياب قانون ضبط رأس المال [الكابيتال كونترول] من ناحية. ومن ناحيةٍ أخرى لا يملك المصرف الأموال النقدية اللازمة لمنحها للمودعين، لذا كان المصرف يلجأ إلى إعطائه المبلغ من خلال شيكٍ مصرفيٍّ ولكن لا يستطيع المودع صرفه من أيّ مكانٍ، فكان يلجأ لبيعه في السوق السوداء بقيمةٍ أقلّ من قيمته الحقيقية".

اضطر كثيرٌ من المودعين إلى بيع ودائعهم بهذه الطريقة فتكبّدوا خسائر هائلة. أحد هؤلاء بسام إسماعيل، الذي باع وديعته وقيمتها نحو أربعمئة ألف دولارٍ بنحو مئةٍ وعشرين ألف دولارٍ نقداً، أي بنحو 30 بالمئة من القيمة الحقيقية. يوضح إسماعيل للفِرَاتْس أنّ "الخسارة وقعت منذ اليوم الأوّل للانهيار ولم يعد يمكن العودة للوراء. وأعتقد أنّ هذه الطريقة كانت الأجدى في إنقاذ ما يُمكن من الأموال المسروقة". يستذكر إسماعيل أنّه زار مدير أحد فروع المصارف في ساحل العاج حيث يُقيم قبل الأزمة بنحو خمس سنواتٍ، وبدأ يعقد اجتماعاتٍ مع أبناء الجالية اللبنانية لحثّهم على نقل ودائعهم إلى المصرف الذي يعمل فيه في لبنان. وقدّم لهم مغرياتٍ عبر فوائد عاليةٍ مُقارنةً بمصارف أخرى. "حينها قررتُ نقل وديعتي إلى المصرف المذكور ولم أكن أتوقع لحظةً واحدةً أن يكون ذلك بمثابة فخّ".

في المقابل فإن الخسائر التي تكبّدها المودعون جرّاء بيع الشيكات المصرفية درّت أرباحاً طائلةً على آخرين، لاسيما فئةً من التجار الذين كانوا مقترضين من المصارف. يقول أبو شقرا للفِرَاتْس إنّ "هناك مواطنين وتجار ومطوّرين عقاريين وغيرهم، مدينون للمصارف. كانوا يشترون الشيك المصرفي بأقلّ من قيمته ويُسدّدون به دينهم للمصرف. فمصرف لبنان سمح للمقترضين من المصارف بتسديد ديونهم بهذه الطريقة". وهذه العملية أدّت إلى رواجٍ أكبر لسوق الشيكات المصرفية آنذاك. 

ويشير فراس طنوس الذي يملك شركة استيرادٍ إلى أنّ الأزمة أدّت إلى تغيّرٍ على مستوى تجار السوق "فبتنا نحن التجار الكبار نصارع من أجل البقاء، في حين أصبح بعض التجار الصغار الذين كانوا مقترضين من المصارف من أصحاب الثروات، إذ أنهم سدّدوا هذه القروض بشيكاتٍ مصرفيةٍ بأقل بكثيرٍ من قيمتها الحقيقية، ومن ثمّ باعوا البضائع بسعرها الفعلي". 

أدّت الأزمة المصرفية أيضاً إلى تغييراتٍ كبيرةٍ على مستوى سلوك المغتربين اللبنانيين. فبعد أن فقد جزءٌ كبيرٌ من هؤلاء ودائعهم في المصارف، تراجعت تحويلاتهم إليها كثيراً. وأظهرت أرقام البنك الدولي أنّ تحويلات المغتربين اللبنانيين إلى المصارف انخفضت في سنة 2024 إلى 5.8 مليار دولارٍ لتُسجّل أدنى مستوىً لها منذ سنة 2007، بحسب النشرة الأسبوعية من مجموعة بنك بيبلوس. في حديثه للفِرَاتْس يرى المودع عمار غريب المغترب في الإمارات أنّ "المغتربين هم أكثر الفئات تضرّراً من الأزمة المصرفية. فنحن أمضينا عمرنا بعيداً عن بلدنا لجمع الأموال، ونحن من غذّينا لبنان بالعملات الصعبة. فكان ردّ الجميل لنا بسرقة أموالنا". يجزم غريب أنّ "المغتربين لن يفكروا مُجدداً بإرسال الأموال إلى بلدهم سوى لمساعدة أقاربهم بمبالغ محدودةٍ، أما ما يجنونه من أموالٍ فيشترون به عقاراتٍ أو أصولاً في بلدان اغترابهم".

مع بداية الأزمة كان المواطنون يترقّبون مصير مدّخراتهم، أمّا التجار فلم يحظوا بترف الانتظار إذ إنّ استيراد البضائع كان مرهوناً بتحويل أموالٍ نقديةٍ إلى الخارج. هكذا عمد بعض التجار الكبار إلى فتح حساباتٍ مصرفيةٍ في الخارج لتيسير الاستيراد. ويُشير أحد هؤلاء للفِرَاتْس (مفضلاً عدم الكشف عن اسمه) إلى أنّه "على المستوى الشخصي لم أتأثر بأزمة الودائع، فكل أموالي أعمل بها ولا أملك وديعةً في المصارف، كما أنني لم أستدن أيّ مبلغٍ منه [من المصرف]. ولكن مع بدء الأزمة والخسائر الهائلة التي مُني بها الكثير من التجار لم تعد لدينا الثقة بالتعامل مع المصارف التجارية في لبنان، فاعتمدنا كلياً على وضع الأموال في أحد المصارف الخارجية لتحويلها إلى الصين بغية استيراد البضائع". 

وفي السياق عينه، يؤكد نور الدين للفِرَاتْس أنّ "الكثير من التجار الكبار والشركات الكبرى يتداولون صفقاتهم الكبيرة عبر حساباتٍ في بلدان خارج لبنان، فهؤلاء إما يطلبون من زبائنهم تسليمهم الأموال في تلك البلدان وإما يحوّلونها إلى حسابهم خارج لبنان فور بيع البضائع".


استمرار الأزمة أتاح للمصارف فرصةً للتخفيف من مديونيّتها للمودعين. فمع انتشار نظم مثل "شيك بنكير" انتقل عبء توفير الودائع نقدياً من البنك إلى السوق الموازية، ولم يعد على المصارف سوى إصدار تلك الشيكات وإرجاء أزمة توفير العملات المطلوبة للمستقبل. يوضح نور الدين للفِرَاتْس أنّ "المصارف التجارية استفادت من عدم تقديم معالجاتٍ أو حلولٍ طيلة السنوات الماضية، إذ صَفّت حجمَ الودائع من خلال عدّة إجراءاتٍ مُمنهجة". ومن بين تلك الإجراءات – كما يوضح نور الدين – تأتي الاستفادة من تدهور سعر الصرف الذي خفّض قيمة الودائع الموجودة بالعملة الوطنية، ثم "دفع السواد الأعظم من المودعين نحو الممارسات الجديدة المتمثلة بسحب جزءٍ من وديعتهم عبر أقساطٍ شهريةٍ وفقاً لتعاميم مصرف لبنان مما أدّى لتكبّدهم خسائر طائلةً، فضلاً عن بيع بعض المودعين شيكاتٍ مصرفية". ويضيف أنّ كثيراً من المصارف باعت عقاراتٍ تملكها من دون الكشف عن الجهة التي اشترت العقارات وطريقة الشراء سواء عبر شيكاتٍ مصرفيةٍ أو أموالٍ نقديةٍ، ولم تعلن المصارف عن وجهة استخدامها هذه الأموال.

ازدهار "الاقتصاد النقدي" (أي المبني على تجارة الأموال وتوريقها) بإفراطٍ دفع المصرف المركزي إلى اتخاذ خطواتٍ للحدّ من التعاملات خارج القطاع المصرفي، وذلك تحت وطأة الضغوط الدولية بسبب المخاطر المرتبطة باستخدام الأموال النقدية في أنشطةٍ غير مشروعة. إحدى المحاولات جاءت من خلال تعميمٍ من مصرف لبنان في نوفمبر 2025 يُلزم الشركات المالية تعبئة استمارةٍ خاصّةٍ بكلّ عمليةٍ نقديةٍ تتجاوز ألف دولارٍ أمريكيٍّ، سعياً للحدّ من التعامل النقدي. 

يرى أبو شقرا أنّ الغرض من هذا التعميم هو ملاحقة عمليات تبييض (غسيل) الأموال وعدم التصريح عن الضرائب ووقف التهرّب الماليّ، عبر محاصرة الاقتصاد النقدي. إلّا أنّ الخطوة الأساس تبقى استعادة عافية القطاع المصرفي وعودة المعاملات عبره. ويتوقع أنّ "هذا وحده سيوقف الاقتصاد النقدي". هذه الوجهة ليست ببعيدةٍ عن رأي نور الدين الذي يؤكد أنّ "هذا الإجراء ليس سوى خطوةٍ تُحاول من خلالها الحكومة أن تبدي تعاوناً مع الجهات الدولية. إلّا أنّ تطبيق إجراءات مُلاحقة مصادر الأموال بفعاليةٍ كبيرةٍ سيولّد سعرَيْن للصرف، الأوّل للعمليات المُصرَّح عنها والآخَر سعر صرفٍ في السوق السوداء. وهذا يؤدي إلى أزمةٍ نقديةٍ ويعود بنا إلى بداية الأزمة". 

غير أنّ الخطوة الأبرز تمثّلت في إقرار الحكومة مشروعَ قانون معالجة الفجوة المالية، الهادف إلى معالجة الأزمة المالية وإعادة تنظيم القطاع المصرفي، أملاً في استعادة ثقة اللبنانيين فيه، على أن يسلك المشروع مساره نحو البرلمان في المرحلة المقبلة. يوضح نور الدين أنّ "هذا المشروع لا يقدّم إجراءاتٍ مُباشرةً للحدّ من الاقتصاد النقدي ولكنه يُعيد الانتظام لعمل المصارف. فالحلّ الوحيد للحدّ من التعاملات النقدية هو إعادة هيكلة القطاع المصرفي وحلّ الأزمة المصرفية، مما يُعيد التداولات الشرعية داخل النظام المالي". ويجزم أنه "طالما أن النظام المصرفي مُتعثرٌ فسيبقى الاقتصاد النقدي مُسيطراً على السوق". 

إلّا أنّ مشروع القانون الحالي يبدو عاجزاً عن إعادة ثقة المودعين في النظام المصرفي، إذ إنه يُحّملهم جزءاً كبيراً من الخسائر. فوفقاً للمشروع، فإن المودعين الذين تقلّ وديعتهم عن مئة ألف دولارٍ، ويشكّلون 85 بالمئة من إجمالي الحسابات، سيتمكّنون من استعادتها كاملةً خلال مدّة أربعة أعوام. في المقابل، سيتمكّن كبار المودعين من الحصول على مئة ألف دولارٍ، على أن يعوّض الجزء المتبقي من ودائعهم عبر سنداتٍ ممكنة التداول بعد عشرة أعوام. 

وبرأي مغنية فإنّ "من تخسر وديعته، وإنْ عادت بعد عشر سنواتٍ [طالما مرّ على الأزمة ستّ سنواتٍ وستقسّط الوديعة على السنوات الأربع المقبلة]، لن يجرؤ على تكرار الأمر. وربما الحل الوحيد هو استبدال القطاع المصرفي كلّياً على مستوى المصارف التجارية ومجالس إداراتها". 

الأخطر في هذا القانون أنّه يجعل المصارف في حِلٍّ من التزاماتها مع المودعين ولا يعرض آليّةً للمحاسَبة. ويوضح المودع إبراهيم عبدالله أنّ "مشروع القانون يفكّ ارتباطي بصفتي مودعاً مع المصرف، أيْ إنّه يُعفي المصرف من التزامه ومسؤوليّته تجاهي، في حين أنني وضعت أموالي في هذا المصرف وليس لدى المصرف المركزي أو أيّ جهةٍ أخرى". ويصف القانون بأنّه "قانون تشريع سرقة الودائع وليس إعادتها".

يتجاهل مشروع القانون حقوق فئاتٍ عديدةٍ من المودعين لم يأتِ على ذكرهم، إذ لم تُدرج خسارتهم في أيٍّ من النقاشات المرتبطة بعملية استرداد الودائع وهُم المودعون بالليرة اللبنانية. تستذكر المودعة لمى حرفوش في حديثٍ مع الفِرَاتْس قائلةً "كانت لديّ ثقةٌ كبيرةٌ في العملة الوطنية، فالمسؤولون السياسيون كانوا يطلقون التصريحات المطمئنة باستمرار. وعلى هذا الأساس وضعتُ أموالي في المصرف بالليرة اللبنانية". وتلفت إلى أنّ "هذه الأموال فقدت نحو 90 بالمئة من قيمتها بسبب ارتفاع سعر الصرف، ومشروع القانون الحالي لا يقدّم لهذه الفئة من المودعين أيّ تعويضات".

على سلبيات هذا القانون إلّا أنه يُحسب له أنّه أوّل طرحٍ يعرض حلولاً فعليةً لاستعادة المودعين جزءاً من أموالهم. يصعب على المودع فراس طنوس تحديد موقفٍ واضحٍ من مشروع القانون، إذ "من الجيّد أنه بات هناك قانونٌ ينظم عمل المصارف بعيداً عن مزاجيّتها في التعامل مع المودعين. لكنّه في المقابل  يُشرّع بطريقةٍ ما السرقة، أو يخفف من القصاص الذي يجب أن يناله مَن تسبّب بالأزمة".

طوال الأعوام الماضية حاول المودعون تنظيم أنفسهم ضمن جمعياتٍ للدفاع عن ودائعهم والضغط لاستعادتها، إلّا أنهم فشلوا في تحقيق ذلك. يؤكد رئيس جمعية المودعين اللبنانيين حسن مغنية أنّ "الجمعية وغيرها من تجمّعات المودعين لم تتمكّن من تحقيق إنجازاتٍ كبيرةٍ على المستوى العام، وإنّما تمكّنت من تحقيق بعض النقاط مثل المساهمة في وقف مشروع قانون الكابيتال كونترول الذي كان يتضمّن بنداً يمنع الدعاوى القضائية ضد المصارف، كما تمكّنت من إبقاء القضية حيّةً على مدى السنوات الست الماضية".


صُوّرت الأزمة المصرفية صراعاً بين المودعين والمصارف التجارية، في حين غاب كلّياً الفاعل الحقيقي المُتمثل بالنظام السياسي والاقتصادي القائم على الاستدانة من دون بناء اقتصادٍ منتِجٍ، ومسؤولين هرّبوا الأموال وتهرّبوا من المُحاسبة. فقضية الودائع لم تُطرح قضيةَ حقٍّ ينبغي إعادته لأصحابه وإنما عبئاً ماليّاً ينبغي تقاسم خسائره. هكذا، تحوّل النقاش العامّ إلى حجم توزيع هذه الخسائر على الأطراف: المودعون والدولة والمصرف المركزي والمصارف التجارية. فباتت أشبه بأزمةٍ تقنيةٍ تستدعي معالَجةً حسابيةً، وأُغفل الضرر الذي لحق بالمواطنين وزاد من تلاشي ثقتهم في المؤسسات الرسمية.

برزت الأزمة المصرفية محطةً فاصلةً في حياة اللبنانيين، وأحدثت تداعياتها تغييراً كبيراً في سلوكهم المالي فبحثوا عن طُرقٍ وأساليب جديدةٍ للهروب من التعامل مع القطاع المصرفي بعد أن نشأ بينهم وبينه حاجزٌ نفسيٌ يصعب كسره في المدى المنظور. وأخطر ما في هذه الأزمة ليست الخسائر المادية، على أهمّيتها، وإنما القطيعة التي أصابت جوهر العلاقة بين المواطن من ناحيةٍ والقطاع المصرفي والدولة من ناحيةٍ أخرى. وبدل أن تُشكل هذه الكارثة المالية لحظةً مفصليةً في إعادة بناء العقد الاجتماعي، قرّرت الحكومات المتعاقبة اتباع سياسة اللامبالاة وعدم المبادرة بأيّ حلولٍ حيال قضيةٍ تمسّ كلّ بيتٍ لبناني. هكذا، وجد اللبنانيون أنفسهم في خانة الضحية التي تُعاني منذ ستة أعوامٍ، ويُتوقع أن ترافقها المعاناة في الأعوام المقبلة.

اشترك في نشرتنا البريدية