ثورة علي بن غذاهم: كيف أعاد التونسيون قراءة حدث تاريخي واحد

اختلف التونسيون في تسمية ثورة علي بن غذاهم، فرأيهم فيها متأثر بالظرف التاريخي وانتماء الراوي السياسي والاجتماعي.

Share
ثورة علي بن غذاهم: كيف أعاد التونسيون قراءة حدث تاريخي واحد
جدّ القبيلة المبارك ووالدها | تصميم خاص بالفراتس

كتب جهاد نصيب سنة 2017 مقالته "ثورة، انتفاضة أم انقلاب؟" على منصّة "نواة" التونسية. وقد أراد من المقال إعطاء توصيف قاطعٍ لما وقع في تونس يوم 14 يناير 2011، عندما سقط نظام زين العابدين بن علي بعد موجة احتجاجاتٍ شعبيةٍ، وهو حدثٌ اختلف التونسيون في طبيعته وما يزالون. لكن لهذا الاختلاف سابقةٌ، إذ اقترن بكثيرٍ من الخطوب التي ألمّت بتونس في تاريخها وصولاً إلى سنة 1864، حين خرجت واحدةٌ من أكبر الحركات الاحتجاجية، وحملت اسم أبرز قادتها علي بن غذاهم.

لكن قبل أن يكتب نصيب مقالته بأربعة أعوامٍ، سأل المؤرخُ محمد الأزهر الغربي السؤالَ نفسه عن أحداث 1864 في كتابه "تونس رغم الاستعمار"، بعدما يناهز قرناً ونيّفاً على الواقعة. وقد أبان أنه على ما في المدونة الضخمة من كتاباتٍ عن الحدث تراكمت مع الزمن، لم تفضِ إلى سرديةٍ موحدةٍ أو موقفٍ جمعيٍّ مما انطلق ذلك الصيف في أقصى غرب البلاد في القرن التاسع عشر.

اختلاف الروايات يكشف عن تباينٍ في توصيف أحداث 1864، مثلما يبين أثر السياقات السياسية والاجتماعية في كتابة تاريخها. فقد كانت ثورة 1864 موضوعاً لكتاباتٍ غير منفصلةٍ عن ظروف أصحابها، وتأثرت بالانتماء الطبقي والالتزام السياسي والهواجس الذاتية وسطوة اللحظة. ويتجلّى هذا في أهمّ تلك الكتب، بدءاً من كتاب "إتحاف أهل الزمان بأخبار ملوك تونس وعهد الأمان" الذي كتبه الوزير أحمد ابن أبي الضياف في سبعينيات القرن التاسع عشر، وفيه تعاطف مع بن غذاهم. ويظهر أيضاً فيما كتبه الإصلاحيون التونسيون أمثال محمد السنوسي من تعريضٍ ببن غذاهم وحركته. ويمتد إلى ما كُتِب في سنين الاستقلال الأولى لاسيما مع ما كتبه  الشاعر محمد المرزوقي عن كونها جزءاً من تاريخ ثورة الشعب التونسي، والتي توقفت سنة 1957 عندما أصبح الحبيب بورقيبة أوّلَ رئيسٍ للجمهورية. وهكذا تبارت أقلام المؤرخين في وصف تلك الحركة، ممّن تعاطف معها ولم يسمّها ثورةً، كالمؤرخ الهادي التيمومي، ومن نسج منها أدباً يعيد أَسطَرَةَ بن غذاهم بطلاً للتونسيين.


تعود القصة إلى شهر أبريل 1864 في جنان باردو، مقرّ حكم ملك تونس محمد الصادق باي. فقد ورث الصادق مملكةً تتنازعها الرغبة في الاستقلال وروابط الولاء للباب العالي العثماني ومخاوف من احتواءٍ فرنسيٍ وشيك. وعلى خلاف أسلافه في العقود الماضية، لم يكن يبدو الباي ليحمل مشروعاً سياسياً خاصاً، وإنّما تجاذبته الأهواء من كلّ جانب.

في البداية، ركب موجة استكمال الإصلاحات التي أطلقها ابن عمّه أحمد باي قبله بثلاثة عقود. وتحت تأثير القناصل والجاليات الأوروبية الذين أملوا من خلفه وضع وثيقة إعلانٍ عامٍّ للحقوق والحريات حملت اسم "عهد الأمان" سنة 1857، تحمس الصادق باي وأصدر سنة 1861 أول دستورٍ حديثٍ في العالم الإسلامي. ولكن الاحتفاء الخارجي بإصلاحات الملك وحاشيته المتنورة اصطدم بواقع أزمةٍ ماليةٍ شاملة.

تدهورت زراعات الزيتون، وانتهت العائدات التي كانت تجنيها تونس من مهاجمة السفن التجارية الأوروبية في البحر المتوسط، بعدما اضطرت إلى وقف هذه الممارسات سنة 1830 تحت ضغط القوى الأوروبية، لاسيما بريطانيا وفرنسا. كذا تراجعت الأنشطة الحِرَفية في الحاضرة والمدن الكبرى. وفي المقابل، ظهرت تكلفة الإصلاحات السابقة على حقيقتها في جيشٍ ضخمٍ ومكلفٍ، ومشاريع بنيةٍ تحتيةٍ فاشلةٍ ومؤسساتٍ عاجزةٍ، ونخبةٍ إداريةٍ وماليةٍ فاسدةٍ، وديونٍ خارجيةٍ متراكمة.

أمام هذا الواقع القاتم، انسحب الصادق هوناً من المشهد، وترك إدارة شؤون البلاد لمصطفى خزندار، وزيره الأكبر (صنو رئيس الوزراء)، والذي ارتبط في ذاكرة كثيرٍ من التونسيين لاحقاً بالفساد المالي والدهاء السياسي.

وصلت الأزمة ذروتها أواخر 1863. عبثاً حاول الملك جمع حاشيته لإيجاد حلّ. وفي الاجتماع طرحت النخبُ المحافظة رفعَ المجبى. وهي ضريبةٌ على الأفراد أحدثها محمد باي سنة 1856 تُدفع على كلّ فردٍ في البلاد، باستثناء سكّان بعض المدن كمدينة القيروان، وبعض الفئات الدينية. ومع مرور السنوات، تزايدت الضريبة حتّى بلغت ستة وثلاثين ريالاً، وهو رقمٌ ضخمٌ بمعايير ذاك الزمان، لاسيما تحت وطأة ضرائب أخرى مثل ضريبة العُشر والقانون التي فُرضت على محاصيل الحبوب والزيتون والنخيل. وقد تقرر في ذلك الاجتماع مضاعفة ضريبة المجبى إلى اثنين وسبعين ريالاً. 

أثار الاقتراح حفيظة القلّة الإصلاحية في المجلس. حينئذٍ أطلق الجنرال حسين، أحد أبرز وجوه هذا التيار، تحذيراً صدّقته الأيام لاحقاً، مفاده أن البلاد أمست "كحال البقرة إذا حلب ضرعها حتى خرج الدم". ولكن التحذير لم يلقَ آذاناً مصغيةً، أمام إغراءات خزندار وتأكيده على ثروة القبائل المكنوزة "تحت التراب". 

ما إن تسرّب الخبر حتى بدأت القلاقل في الانتشار. فأعلن الناس في برّ الأعراض، جنوب البلاد، عن رفضهم الدفع. وفي نواحي القيروان بدأ العصيان بين قبائل جلاص، وأعلنت قرى الساحل عن رفضها. لكن التمرد الأكبر حدث في الغرب بين قبائل ماجِر والفْراشيش ووُنِيفة، التي اجتمعت حول رجلٍ من أبناء ماجر "يُنسب إلى العلم"، هو الشيخ علي بن غذاهُم (يُنطق في تونس اغْذَاهُم)، ومعه نحا التمرد منحىً أخطر. فقد قاد الرجل في 16 أبريل أول هجومٍ عسكريٍ على القَايِد فرحات، ممثل السلطة في مدينة الكاف كبرى مدن الشمال الغربي. وعلى إثر انتصاره على القايد، الذي قُتل في المواجهة، زحف نحو مدينة الكاف.

من هناك تصاعدت شعبية بن غذاهم، وتوافدت إليه القبائل ووفود القرى معلنةً عن تحالفها معه. وعند جبل طرزة، على مقربةٍ من القيروان، انعقد ميعاد العروش الأكبر (اجتماع أعيان القبائل)، الذي نودي فيه بِبن غذاهم "باياً للعرب". وفي غضون أشهرٍ، فقد الباي سلطته على جلّ البلاد، حتّى سرت الشائعات بأن الثوار يتأهبون لاقتحام العاصمة. وقد أثار احتمال سقوط الحكم حفيظة عدّة أطرافٍ، فوصلت بواخر ووفودٌ عسكريةٌ فرنسيةٌ وإيطاليةٌ وإنجليزيةٌ وعثمانيةٌ تحت شعار حماية الجاليات الأوروبية. 

في هذه الأشهر استتبّ الأمن للثوار في مناطق نفوذهم، وتوقفت إغارات القبائل على بعضها بعضاً، ولكن ذلك الربيع المتأخر لم يطُل كثيراً. فقد تردد بن غذاهم في مواصلة المعركة إلى النهاية، وتمكن خزندار من استمالة بعض الزعامات المحلية وشقّ صفوف الثورة. وكان لقيادات الحركات الصوفية فيه بالغ الأثر في نشر خطابٍ يعادي التمرد ويدعو للعودة إلى طاعة العرش الحسيني، فأسفر كل ذلك إلى تراجع الثورة وانهيارها في آخر الصيف. 

في أغسطس، بدأت الحملات العسكرية تنطلق من جديد. والحاصل أن الانتفاضات المحلية كُسرت تحت القمع الدموي من قادة الباي العسكريين من المماليك، الجنرال زروق في الساحل والجنرال رستم في الغرب، الذين تولوا قيادة الحملتين الكبريَيْن.

ومع استعادة السلطة نفوذها يوماً فيوماً، اتسع تنكيلها بالثوار وقبائلهم وقراهم. في الساحل غُرِّم الناس وأُعْدِمت القيادات وصودرت الأملاك. أما في الغرب، فناهيك من التنكيل والمصادرة، لوحق القادة حتّى حُمِلوا أسرى إلى سرايا باردو. وهناك عُذّبوا على الملأ، وجُلِدَ الشيوخ ونُتفت لحاهم. 

كان مصير بن غذاهم مماثلاً، إذ أُسر بعد خديعةٍ وتواطؤٍ من شيخ طريقته الرحمانية الذي احتمى به. وفي العاصمة أُلقِيَ في سجنٍ انفراديٍّ، وآل به الأمر مدفوناً تحت أرضية حصن حلق الوادي، بعدما قيل إنّه نُووِل كأس ماءٍ مسموم. ومعه انتهت أكبر ثورةٍ عرفتها البلاد على الحكم التركي منذ سنة 1574، الذي تراوح من الحكم العثماني المباشر إلى قيام سلالةٍ شبه مستقلةٍ كان الحسينيون آخرها.


لم يمضِ سوى عقدٍ على الثورة حتى شمّرت النخبة المثقفة التونسية عن سواعدها للكتابة عنها، بدءاً بأحمد بن أبي الضيّاف، الوزير الذي خدم ملوك تونس وخطَّ بيده وثيقة عهد الأمان سنة 1857. بلغ بن أبي الضيّاف أيام الثورة خريفَ عمره، وكانت مسيرته المهنية قد شارفت على نهايتها، ولم تعُد تتجاوز حضوراً شرفياً ضمن مجالس الباي.

بعد إحكام خزندار سيطرته على الحكم، انسحب ابن أبي الضياف تدريجياً ليتفرغ لإعداد مصنّفه في تاريخ تونس منذ الفتح الإسلامي إلى زمن البايات الذين عاصرهم وخدمهم. وهو العمل الذي حمل عنوان "إتحاف أهل الزمان بأخبار ملوك تونس وعهد الأمان"، وفرغ منه سنة 1872. طيلة تسعين عاماً بقي الكتاب حبيساً مع المخطوطات التي لا يطّلع عليها إلا الخاصة في خزائن جامع الزيتونة وغيره، حتى نُشِرَ كاملاً بعد الاستقلال بين سنتي 1963 و1965. 

ما ميّز ابن أبي الضياف عن غيره من مؤرخي البلاد القدامى هو انتمائه لفئةٍ اجتماعيةٍ لم يعتَد أبناؤها الوصول إلى هذه المناصب الرفيعة في السلطة. إذ أوضح المؤرخ أحمد عبد السلام في مؤلفه المخصص لسيرته "أحمد ابن أبي الضياف: حياته ومنزلته ومنتخبات من آثاره" المنشور سنة 1984، أن أصوله تعود إلى أولاد عون، وهي قبيلةٌ من قبائل شمال غرب البلاد، في حين اعتاد الجمع بين الوزارة والتأريخ شخصياتٌ أندلسية الأصل مثل الوزير محمد السرّاج والوزير حمودة بن عبد العزيز بين القرنين السابع عشر والثامن عشر. وفي الوقت نفسه، انتمى ابن أبي الضياف لفئةٍ إصلاحيةٍ أخذت على عاتقها تحديث البلاد وبناء سياستها على نظامٍ قانونيٍ دستوريٍ يكسر قيودها مع الحكم المطلق.

هذا الانتماء المركّب، مع تراجع مكانته السياسية أمام خزندار وحاشيته، ربما أثّرا في نظرته إلى الأحداث وتسجيله لها في مؤلّفه، وهو ما قد يفسر فرادة هذه الوثيقة التاريخية واختلافها عن كلّ ما كُتب عن ثورة 1864، إذ إن كاتبها عايَشَ وقائعها بنفسه. ومثلما عايَش التنكيلَ بأكبر مكونٍ سكانيٍ، شهد سقوط النظام القانوني برمّته عشيّة الثورة، عندما عُلِّقَ العمل بالدستور وعهد الأمان والمجالس المنتخبة، ومعها عاد الحكم عضوضاً مطلقاً. 

لهذا حازت الثورة قسماً مهماً من الكتاب، فسجّلها ابن أبي الضيّاف بكلّ تفاصيلها ودقائق ما دار فيها من أحداث. ومنذ أولى الصفحات التي خصصها للثورة، لم يتردد عن إبداء تعاطفه مع القبائل بقولِه إنّ "القدر المزاد عليهم في الإعانة لا طاقة لهم على حمله. ومن أراد أن يطاع، فليأمر بما يستطاع". أما بن غذاهم فيقدّمه في وصفٍ سيكون مرجعاً لمن جاء بعده، "ظهر في عرش ماجر [. . .] من عامة من ينسب نفسه إلى العلم، وقصارى أمره معرفة حروف الكتابة [. . .] ولم يكن له قدم في إمرة ولا شهرة سوى أن أباه كان من أطباء العربان، وولي خطة القضاء بناجعته".

مع ذلك، يُلاحظ أنّ هذا الأسلوب في الحديث عن سيرة بن غذاهم السابقة للثورة قد تحوّل في السطور اللاحقة إلى إطراءٍ صريحٍ عند الحديث عن سيرته في إدارة البوادي الثائرة. إذ أطنب الكاتبُ في الأمان الذي ساد البلاد زمن الثورة، وتوسّع في نقل الشواهد التي تعضده، حتّى نقل أنّ الناس قالت: "ما عهدنا مثل هذه العافية والأمان في السبل". وبقدر الانتصارات التي ظفر بها الثوار في الأشهر الأولى، يؤكد ابن أبي الضيّاف أن بن غذاهم لم يُظهِر من نفسه شيئاً من إشارات الإمرة، "بل يواكل العامة، ويجلس معهم على التراب كواحد منهم [. . .] وهو في ضمن ذلك يدسّ لهم أن لا نجاح لعملهم إلا بكفّ الأيدي عن العدوان". 

هذا التأكيد الذي يقدّمه المؤلف قد يُفهم تضامناً مع أبناء جلدته، وربمّا محاولةً لدحض رأيٍ سائدٍ بين نخب عصره ينفي عن القبائل التونسية كل مظاهر التنظيم والقدرة على إدارة نفسها، ويربطها بالتوحش والإغارة والسلب. فعلى النقيض من هذا، ربط ابن أبي الضياف صور النهب والقسوة بقمع الثورة، الذي باشره كبار ضباط المماليك ورجال البلاط، وتحديداً الحملة التي قادها الجنرال زروق لقمع الثورة بالساحل. يقول عنها: "ذهب هذا الصَّقْع، الذي هو عمران هذه المملكة، كأمس الدابر. ولم يبق به إلا من حسد الميت على موته. وشرّ من الموت ما يتمنى له الموت". 

أما بن غذاهم فينقل لنا ابن أبي الضيّاف في هذا السياق مشهدَ أسرِه بأسلوبٍ ملحميٍ سيبقى في الذاكرة الشعبية التونسية آيةً على بطولته. يكتب أنّه أُتِيَ به في ساحة قصر باردو مقيّداً ليقف وسط الساحة. وعندما سرى خبر مشاهدة الصادقِ باي الأسيرَ من شرفة قصره، سارع بعضهم لإبداء مظاهر الطاعة، فبصقوا على الأسير وشتموه ونتف أحدهم لحيته وهو ثابت الجنان، حتّى خرجت له عجوزٌ من سرايا الملك قائلة: "أنت الذي تريد أن تكون سيدنا؟". وهنا ينقل الكاتب جوابَ بن غذاهم الأخير: "هلاّ أتيتم لي وأنا على فرسي، أما إذا أتيتكم بنفسي فلا فخر لكم والحالة هذه".

وبمثل الحماس الذي دافع به عن الثوّار، تصدى الكاتب لتفنيد واحدةٍ من أخطر المقولات التي راجت أيام الثورة. إذ نُسب للثوار أنهم طالبوا بتعليق العمل بالإصلاحات الدستورية والقضائية. إذ أكّد أنّ المتسبب الحقيقي في تعليق العمل بالإصلاحات هم معارضو الإصلاحات في القصر ممّن استغلّوا الوضع للعودة إلى النظام القديم تحت شمّاعة القبائل. هنا يكتب ابن أبي الضيّاف: "تاهت الأفكار في مهامه الظنون، وصرّح الناقد على الدولة بما كان كامناً في نفسه، واختلفوا طرائق قدداً، وكلّ قائل ينسب قوله إلى العربان. ونفق في الحاضرة سوق الكذب والافتراء". 


رواية ابن أبي الضيّاف لم تكن وحدها قراءةً في الثورة. فلم يكد يتوفى سنة 1874، حتى خرجتْ كتاباتٌ تعيدُ قراءة ثورة بن غذاهم تمرّداً للعربان كاد أن يعصف بالحكم الحسيني. كان من أهم تلك المؤلفات كتاب "مسامرات الظريف بحسن التعريف" سنة 1879، لصاحبه محمد السنوسي، المثقف المنسوب للحركة الإصلاحية. 

انتمى السنوسي للنخبة الإدارية المخزنية، وتحديداً لمجموعة الإصلاحيين التي أحاطت بالوزير الأكبر خير الدين باشا، الذي تولى الوزارة في العام ذاته. وعلى شعارات هذه النخبة ومشاريعها الإصلاحية، إلا أنّها حافظت على الموقف نفسه تجاه المكونات القبلية في المجتمع التونسي، باعتبارها فئةً لا تُقوَّم إلا بالقمع والحملات العسكرية والتأديب الجماعي، وفقاً للمؤرخ عبد المجيد الجوادي في كتابه "المحلّة والهمامة" المنشور سنة 2018، والذي خصصه لدراسة المقاربة الأمنية والعسكرية التي تبنّاها خير الدين ورفاقه في التعامل مع ملف القبائل. 

تجلّى هذا الموقف في كتابات السنوسي عن ثورة علي بن غذاهم. فعند عروجه على أسباب الحرب دَلَف إلى لوم القبائل على رَدّها، وكتب: "أما أجلاف الأعراب ولاسيما أهالي الجبال فإنهم تجمعوا وأشهروا السلاح ومنعوا الطرقات وتعمدوا البغي". وقد أضاف واصفاً بن غذاهم بأنّه "أحد أجلافهم وهو دعيّ"، وفي موضعٍ آخر نعته برئيس البغاة. أما الثورة نفسها فوصفها بالداء، بل وتبنّى رواية دعوة القبائل في ثورتها لإلغاء القوانين نتيجة "حمقاهم". 

وفي تعريضه بالثورة، أورد قصيدةً للشاعر محمود قابادو، ذي الأصول الأندلسية وأحد أعلام التيار الإصلاحي، الذي لم يمنعه انتماؤه إلى هذا التيار من نظم قصيدةٍ تبرّر ما اقترفه الباي وقواته من جرائم ضربٍ ومصادرةٍ وتنكيلٍ جماعي. وجاء في القصيدة: "وَقَدْ كَانَ جَلْدُ الْبَعْضِ زَجْراً وَأُهْدِرَتْ، نُفُوسٌ بِجَلْدِ الزَّجْرِ فَادَ جَلِيدُهَا". 

ما مَرّ موقف السنوسي هذا مرور الكرام، حتى إنّه أصبح موضع قدحٍ ضمن النخب الحضرية. فمثلاً الشيخ محمد الشاذلي النيفر، الذي تولى تحقيق كتاب السنوسي ونشره سنة 1994، لم يجنح إلى رأي السنوسي لما رآه فيه من مغالاة. وقد كتب على حاشية الكتاب ملحقاً خصصه لنقد موقف السنوسي من ثورة علي بن غذاهم، فوصف منهجه بأنه "موقف تزلّف [. . .] فهو لم ينظر لها [الثورة] نظرة تاريخية، بل نظر إليها بغير منظار المؤرخ النزيه، ولولا أن الواقف على كتابه الذي أخرجته للطبع يغتر بكرمه ما كنت أتوسع في الكلام على هذه الثورة". 

وفي الكتابات اللاحقة المرتبطة بالعرش الحسيني، خفّت حدّة الإدانة التي ميّزت موقف السنوسي، وإن لم يتغير الموقف من الثورة جذرياً. ويُعَدّ حسن حسني عبد الوهاب أبرز مثالٍ على هذه المرحلة. فقد وُلد في أسرةٍ مخزنيةٍ من أصولٍ أندلسيةٍ، وتدرّج مبكراً في وظائف إداريةٍ وثقافيةٍ وتعليمية. وفي سنة 1918 وضع كتابه "خلاصة تاريخ تونس"، الذي قدّمه لعامّة القرّاء ليكون عملاً ملخصاً وجامعاً وتعريفياً بكلّ مراحل تاريخ البلاد. 

تبنّى الرواية الرسمية التي كرّست صورةَ القبائلِ النمطيةَ، فكتب عن تحركهم بأنهم "أشهروا السلاح ومنعوا السابلة". ولعل اللافت فيما كتبه حسن حسني هو اعتماده لفظ "الفتن" لوصف أحداث تلك السنة، بما يحمله من معابةٍ ترتبط بالاضطراب والفوضى. ويكتسب هذا الاختيار دلالته من اقتصار روايته على وصف تحركات القبائل، دون التوسع في أسباب الثورة أو مطالب المشاركين فيها. وهكذا، تبدو أحداث 1864 في سرده أقرب إلى اضطراباتٍ أخلّت بالنظام منها إلى حركةٍ احتجاجيةٍ لها دوافع اجتماعيةٌ واقتصادية.


مرّت سنوات الاستعمار بما فيها، وتراجع أثر بن غذاهم وثورته من الكتب، وإن بقي في الذاكرة الشعبية، حتى جاءت العظائم التي عصفت بالعرش الحسيني والاستعمار الفرنسي الحامي له منذ 1881، وفتحت المجال للتفكّر في تاريخ البلاد وثوراتها. وفي هذا السياق، خرج كتاب "تونس الثائرة" سنة 1954 لعلي البلهوان، الذي أصبح بعد الاستقلال سنة 1956 أميناً لأول مجلس نوّابٍ في تونس المستقلة.

انعكست الأجواء المحتدمة التي طوتها دفّتا الكتاب على مضمونه. فوقتئذٍ، كانت القضية التونسية قد بلغت منعرجاً حاسماً، ومعه انصبّ همّ البلهوان على شأن الإطاحة بالاستعمار الجاثم على البلاد. وهنا يستحضر في الكتاب أحداث سنة 1864، ولكن في سياقٍ مختلف. 

صحيحٌ أنه يعتمد عبارة الثورة عندما يصفها، لكنه يربطها البتّة بالاستعمار. ففي نظره كان الوزير مصطفى خزندار "رغم عيوبه" حجر عثرةٍ أمام الفرنسيين. وفي المقابل كانت الثورة مظهراً من مظاهر القلاقل التي أضعفت البلاد، والتي كانت تغذيها القوى الاستعمارية وخاصةً فرنسا.

في الكتاب لم تبدُ مناهضةُ البلهوان الاستعمارَ تعني بالضرورةِ القطيعةَ مع التاريخ الحسيني. لاسيما أن الملكية وقت صدوره كانت قائمةً ولو شكلياً في ظل الحماية الفرنسية. وأصوله "البِلْدِيّة" (أي من أهالي مدينة تونس) وانتماؤه الطبقي، لم يجعلاه ألدّ الخصام مع البايات وتاريخهم. على النقيض، فقد تضمن الكتاب إشارات احتفاءٍ كثيرةً بحكمهم، إذ يقول: "استقلت تونس استقلالاً حقيقياً منذ أن اعتلى عرشها مؤسس الدولة الحسينية جلالة الباي حسين بن علي سنة 1705". 

مع ذلك، تغيّر هذا الموقف جذرياً مع تغيّر المعطيات خلال أعوامٍ قليلة. فمع استقلال البلاد ونجاح رئيس الوزراء الحبيب بورقيبة في فرض سلطته على الدولة الوليدة، صوّب نظره في العرش الحسيني باعتباره تركةً من تركات الماضي التي ينبغي كنسها. وعلى مواقف البلهوان السابقة كلّفه بورقيبة بمهمة دقّ آخر مسمارٍ في نعش الأسرة، فكان هو من سلّم الأمين باي آخرَ ملوك تونس بلاغَ انتهاء حكمه وتحوّل البلاد إلى جمهوريةٍ في 25 يوليو 1957. 


توفي البلهوان سنة 1958 وبرز جيلٌ جديدٌ من الكتّاب والمؤرخين ممّن كتبوا أعمالهم في ظلّ هيمنة بورقيبة على الحياة السياسية والثقافية. فقد كرّست مؤسسات الدولة الثقافية جانباً من نشاطها لتمجيد مسيرة بورقيبة وتقديمها امتداداً لمسيرة الشعب التونسي. وينقل الوزير السابق الطاهر بلخوجة في كتابه "الحبيب بورقيبة: سيرة زعيم" المنشور سنة 1999، عن بورقيبة أنه اعتاد تكرار جملةٍ مفادها أن ميلاد الأمة حقاً كان في الثالث من أغسطس 1903، وهي سنة ميلاده، أمّا كلّ ما سبقها فلم يكن سوى إرهاصاتٍ وتشنجاتٍ مهدّت لهذا الميلاد، ولم تُجاوِزه ثورةُ بن غذاهم.

ضمن هذه الأجواء، تجدد الاهتمام التاريخي بثورة بن غذاهم، وبرز دور المؤسسات الثقافية الرسمية في نشر الدراسات المتعلقة بها. فعندما أطلقت كتابة الدولة للشؤون الثقافية (وزارة الثقافة) سلسلة "المكتبة التاريخية"، كان ثاني عملٍ منشورٍ ضمن السلسلة هو "ثورة علي بن غذاهم" الصادر سنة 1965، للمؤرخ الفرنسي جان غانياج. أما العمل الثالث من السلسلة نفسها فظهر بعنوانٍ مشابهٍ هو" ثورة بن غذاهم" سنة 1967، وكان نتاج بحثٍ تاريخيٍ للتونسية بياتريس سلامة باللغة الفرنسية بعنوان "انْسُورِكْسْيُون دُو 1864 أَنْ تُونِيزِي" (تمرّد 1864 في تونس)، قبل أن يترجم للعربية ضمن هذه السلسلة تحت عنوان "ثورة بن غذاهم". 

اللافت أن كلمة "تمرد" في العنوان الفرنسي وُضعت بدلاً منها كلمة "ثورة" في النسخة المترجمة. وقد مالت المؤسسة الرسمية إلى اعتماد اللفظ الأخير، بما يحمله من دلالةٍ أنبل، وبما يوحي بالقطيعة مع الميراث الذي ساد كتابات العهد الحسيني، والتي استخدمت مفردات العصيان والفتن. ومع ذلك، فإن مضمون كتاب بياتريس جاء رصيناً، واتّسم بقدرٍ من الحياد بما يلائم توجّه المؤسسة الرسمية. إذ يوثّق الكتاب انتهاكات البايات بالمعطيات والأرقام، دون أن يقدّم في الوقت نفسه قراءةً عاطفيةً ومنحازةً إلى بن غذاهم أو القبائل عموماً، لاسيما وأن علاقة النظام بالقبائل لم تكن وقتئذٍ على قدرٍ عالٍ من الوفاق.

في هذه الفترة، برز اسم الشاعر والصحفي الدستوري محمد المرزوقي. وعلى خلاف سلامة وغانياج، لم يأتِ المرزوقي من عالم الجامعة الحديثة، بل صقلته بوادي الصحراء ومقاهي المدينة العتيقة. انخرط مبكراً في مسار وضع الخطوط العريضة للسياسة الثقافية للقومية التونسية الناشئة. وتميز بانتمائه القبلي الصريح للمرازيق، وهي قبيلةٌ عربيةٌ من قبائل أقصى الجنوب التونسي. وبفضل الوشائج القوية مع أصوله البدوية، تصدّر واجهة تمثيل الثقافة الشعبية البدوية، وألّف خلال عقدين مجموعته الضخمة المعروفة بِاسم "الأعمال الكاملة" والتي صدرت إثر وفاته سنة 1981. ضمن هذه المجموعة، جمّع المرزوقي دواوين شعراء الملحون وأخبارهم وقصص البدو وعاداتهم وتقاليدهم، إضافةً لديوان شعره وكتاباته الصحفية وأبحاثه الأدبية المتواترة. 

تُظهر أعمال المرزوقي تبنّيه فكرة ثورة الشعب التونسي المستمرة. وهو طرحٌ برز في معرض عمله على تدوين الشعر الشعبي التونسي في كتابه "الشعر الشعبي والانتفاضات التحررية" المنشور أول مرةٍ سنة 1971. وقد خصصه للأشعار التي جمعها من مختلف المناطق التونسية، التي عرفت انتفاضاتٍ وحركات مقاومةٍ في القرنين الماضيين. 

يعود الفضل لهذا الكتاب في حفظ جمعٍ نادرٍ من القصائد والأبيات القليلة التي قيلت في ثورة بن غذاهم، بعدما أدى تنكيل السلطة بالثوار وأهاليهم إلى طمس جانبٍ كبيرٍ منها. فالملاحم الحماسية التي "بقي الشعب يتغنى بها زماناً"، على حدّ تعبير المرزوقي، اندثرت برحيل رواتها الأولين، ولم يعثر الباحث إلا على أبياتٍ معدودةٍ، أبرزها مطلع قصيدة: "الله ينصر بن غذاهم، جماعة الباطل فيّاهم [أي أفناهم]".

وسوى التسجيل، اصطف المرزوقي مع القبائل واحتفى بتاريخها، ما انعكس على رؤيته لثورة علي بن غذاهم. إذ مثّلت الحدث الأول الذي انطلق به كتابه، وجاء في أول سطرٍ منه: "لم تظهر حركة شعبية تحررية منتظمة قبل حركة [علي بن غذاهم] سنة 1864". وعلى خلاف مؤرخي العرش الحسيني، مثل السنوسي، وصف بن غذاهم بالرجل المثقف نسبياً. كذلك تبنّى السردية القائلة إنّ قيادة الثورة بريئةٌ من تهم النهب والخراب، وإنّما دعت للابتعاد "عن الفوضى والنهب، وإقامة العدل، ونشر الأمن في البلاد".

ومع ذلك، فإن المرزوقي بدا ملتزماً الخطّ العامّ السائد في عصره، الذي رأى في البنية القبلية عائقاً أمام تطورها إلى حركةٍ سياسيةٍ منظمة. إذ يكتب إنّ "النزعة القبلية التي لا تزال تسيطر على العقول، والجهل الفاشي في الأحياء المتزعمة للثورة، وتداخل رجال الزوايا والدراويش لفائدة الباي [. . .] كل ذلك كان من أسباب فشل الثورة". 

هذه الخلاصة التي وصل لها المرزوقي قد لا تُعزل عن بقية أعماله. إذ يمكن في ضوئها بناء فكرةٍ عن تصوّره، لاسيما كتابه الثاني "دماء على الحدود" المنشور سنة 1975، الذي وثّقَ فيه مرحلة نضال التونسيين ضد الاستعمار الفرنسي في القرن العشرين. 

ففي مقدمة الكتاب يؤرخ المؤلف سنة الاستقلال نهايةً لتاريخ الثورات التونسية، التي امتدت من عهد البايات ثم الحماية مثل "البركان تندلع نيرانه أحياناً في قوة، وأحياناً في ضعف". وكأن ذلك التاريخ إعلانٌ ضمنيٌّ عن نهاية عصر التمردات، ودخول عصر الدولة القادرة على تحقيق أحلام ومطالب كلّ ما سبقها، وبذلك تأتي البورقيبية بالخلاص لمحنة الشعب التونسي. وهو رأيٌ لخّصته أبياتٌ قالها المرزوقي بمناسبة زيارة بورقيبة لولاية قابس جنوب البلاد سنة 1967:

حل فيه ركب الحبيب بلادا / أخلصت للحبيب والله شاهد

حلّ فيها حلول غيث كريم / مسعفاً، مرشداً، مشيراً، مساند

إنها نقطة التحول حقاً / إنها معجزات هذا المجاهد 

وعلى خلاف المرزوقي، الذي ظهر مسكوناً بخيال الزعيم الطاغي على عصره، فإن هالة الأخير تراجعت بعد انقلاب رئيس الوزراء زين العابدين بن علي سنة 1987. ومع ذلك، فإن سردية دولة الاستقلال تجسيداً لكل طموحات التونسيين ما برحت الخطاب العامّ، وإن تَراجَع فيها حضور شخص بورقيبة فاعلاً تاريخياً أوحد لصالح مقولةٍ أكثر جماعيةٍ هي الحركة الوطنية. 

بلغ هذا التوجه صورةً أكثر تماسكاً مع كتاب المؤرخ محمد الأزهر الغربي "تونس رغم الاستعمار" الصادر سنة 2013، الذي قدّم فيه قراءةً متماسكةً لثورة بن غذاهم، بعيداً عن كل نزعةٍ تحقيريةٍ وتمجيدية. ومع أنّ الغربي نشر كتابه متأخراً عن عهد بن علي، إلا أنّه كان نتاج أبحاثه التي سبقت الثورة التونسية سنة 2011، ما يجعل الكتاب معبّراً عن التوجهات التي سادت المدرسة التاريخية الرسمية.

أمّا الغربي فلم يرَ الثورة تمرداً هامشياً ومشتتاً، بل خلص لمقولةٍ مفادها أن "أحداث 1864 لم تقسم البلاد إلى صفّين كالحرب الحسينية الباشية [وهي حرب أهلية انطلقت سنة 1723] وإنما كانت حركة شبه شاملة نجحت في تعبئة جلّ المجتمع بما في ذلك الأرياف وجانب كبير من المدن ضد السلطة". وبذلك يصبغ الكاتبُ الحدثَ بصبغة فعلٍ تاريخيٍ واعٍ قوامه وجود قوىً مجتمعيةٍ متنوعةٍ من قبائل وحاضرةٍ وقرىً نجحت في الالتقاء حول مشروعٍ وهدفٍ واحد. وربما ما يلفت أكثر من غيره في هذه المقولة هو الإشارة للانقسام الصفّي الحسيني والباشي. 

ويرى الغربي أن ثورة بن غذاهم قد عبّرت عن هذا الانصهار بين مكونات المجتمع، وأبرزت ما أسماه "الشعور الوطني المبكر ضد دولة جائرة". وهي عبارةٌ ذات دلالةٍ تاريخيةٍ تُرجع جذور الوعي الوطني التونسي إلى مرحلةٍ سبقت ظهور الحركة الوطنية خلال الاستعمار الفرنسي.

مع أنّ الكاتب يسبغ على حركة بن غذاهم صفة الوطنية، ولكنه لا يغالي فيها. فيستدرك أن هذا الوعي الوطني بقي وعياً جنينياً محدوداً، عدّه خطوةً نحو البناء الوطني. وبرأيه فإن هذا البناء لم يكتمل إلا مع الاستقلال، تماماً مثلما "اقترن بالحزب الجديد الذي قاد الحركة الوطنية وبالحبيب بورقيبة الذي أصبح الزعيم والمجاهد الأكبر". 

بهذه الخلاصة يقدم الغربي أكثر صيغةٍ توفيقيةٍ ضمن هذا التيار من الكتابات. إذ يصل في النهاية إلى النتيجة القائلة بمفصلية دور الزعيم. ولكنه خلافاً لسردية عصره، يمنح للشعب والجماهير حيزاً ضمن هذه السردية. 


على خلاف القراءة التي يمثلها الغربي، كانت تتشكل في الثمانينيات سرديةٌ أخرى، للشعب فيها نصيبٌ أوفر. فعلى التغيير الذي عرفته البلاد على أصعدةٍ عديدةٍ بعد انقلاب بن علي، إلّا أن المسألة التاريخية الرسمية لم تختلف في بعض الملفات، كملف بن غذاهم وثورته. فقد ظلّت السلطات تحتفي بالحدث محلياً في ولاية القصرين، ووطنياً في كتاباتٍ رسميةٍ حذو الخط العامّ للعهد السابق.

ما تغير هو بروز أصواتٍ منفردةٍ لم تعُد ترضى بالبقاء أسيرةً لهذا الخط، وهي أصواتٌ استعادت صورة الحدث بألقٍ ثوريٍ أخمدته قراءة الجيل السابق المحايدة والباردة. وفي هذا السياق الجديد، لم يعُد بن غذاهم وسيرته حدثاً عابراً في مسيرة الأمة نحو التشكل، ولكنه أمسى رمزاً. وقد ارتبطت قصة هذه النقلة بزين العابدين بن علي ارتباطاً وثيقاً، قبل أن يصل لقصر قرطاج في ذلك الشتاء القارس من سنة 1983.

في نهاية ديسمبر من تلك السنة الشاقّة اقتصادياً، أعلنت حكومة الوزير محمد مزالي عن سلسلةٍ من الإجراءات التقشفية الكبرى، كان أقساها رفع الدعم عن الخبز، مما تسبب في مضاعفة سعره تلقائياً وأثار بدايةً اضطراباتٍ محدودةً بأقصى الجنوب التونسي. 

ومع دخوله حيز التنفيذ أوّل يومٍ من يناير 1984، انتقلت الاحتجاجات لكامل البلاد، وأخذت طابعاً دموياً وعنيفاً آل إلى نزول الجيش للشارع لقمعها. أسفرت تلك الاحتجاجات عن رقمٍ غير محسومٍ من القتلى قيل أنه بلغ المئات، وعن خطابٍ استثنائيٍ للرئيس بورقيبة للتراجع عن قرار الزيادة في سعر الخبز.

أما الأثر الآخر للأحداث فقد تمثل في إعادة الجنرال بن علي من منفاه في بولندا، ليتسلم قيادة الحرس الوطني، وهو ما فتح له الطريق لخلافة بورقيبة فيما بعد. 

عاش الفنّان الأزهر الضاوي أحداث "انتفاضة الخبز" تلك. انتقل قبلها من قفصة جنوب البلاد، معقل الحراك العمالي، إلى العاصمة من أجل دراسة التاريخ، وتعرّف إلى أقطاب اليسار الجامعي، وعلى رأسهم الشاعر الشاب فاضل ساسي. في اليوم الثالث من الانتفاضة كان الفاضل يقود مظاهرةً في قلب العاصمة، وعند مفترقٍ للطرق أصيب برصاصةٍ تلتها زخاتٌ أردته قتيلاً. وقد هزّ مقتله الضاوي، ليحمل قلمه وعوده ويرثيه بقصيدةٍ لحّنها وغنّاها بنفسه بِاسم "يا شهيد". وهي التي أصبحت من أشهر أغانيه، ونشيداً لانتفاضة الخبز.

جعل الضاوي لأغنيته بطلين. الأول هو فاضل ساسي الذي بذل دمه من أجل شعبه. أما الثاني فهو الشعب الذي لم يتخلّ عن النضال من أجل حقوقه وكرامته منذ القدم. وبهذه الصورة، قلب الضاوي السردية البورقيبية التي جعلت من الزعيم تجسيداً للأمة، فالشعب هنا هو صاحب البطولة، في حين يظهر بورقيبة حلقةً أخرى في تاريخ استغلاله.

وتتجلى هذه الرؤية في مقطعٍ يستحضر فيه الضاوي بطلين من ذاكرة المقاومة، هم بن غذاهم والدغباجي. والأخير بطلٌ من أبطال القبائل تمرّد عسكرياً على الاستعمار الفرنسي، قبل أن تنتهي حركته بإعدامه سنة 1924. ويحضر الدغباجي في المقطع رفقة بن غذاهم وكأنهما في مهمةٍ للبحث والتعرف على بطل الشعب الجديد. ووسط الملحمة يتعرفان على صاحب الدماء، الفاضل الذي أمسى دمه مختزلاً لدماء العشرات أو ربما المئات من المجهولين في انتفاضة الخبز. وبذلك يصبح الفاضل نظيراً للدغباجي وبن غذاهم، وعنواناً للشعب الذي انتفض بحثاً عن الخبز. يقول الضاوي: 

بن غذاهم والدغباجي / كي [عندما] تلاقوا بين الوديان

يتمشوا والدم سواقي / من قبِلّي للدِنْدان

قالوا هذا دمّ الفاضل / ساح وغطّى كلّ مكان

ينده ويشوّر [يلوّح ويطالب] ع الخبزة / رفعوها رجال الديوان

ناري نا [يا حسرة] ع القمح الباجي / في مخازنكم يا رومان

لم يغنّ الأزهر الضاوي الأغنية أمام جمهورٍ واسعٍ في عهد بورقيبة، ولا في أيام بن علي التي تلته، وإنما انحصر الأداء فقط ضمن حلقات الطلبة والمناضلين، ممن عرفتُ بعضهم في مسقط رأسه قفصة، وعن طريقهم تعرّفتُ إلى الأغنية.

جاءت الأغنية في فترةٍ انتقاليةٍ صعبةٍ تراجعت فيها مكتسبات النظام الاقتصادية والاجتماعية، وغابت غياباً شبه كلّيٍ أفق الحريات السياسية والديمقراطية. وفي هذه الأجواء جاء انقلاب بن علي. ومع أول بيانٍ له قدّم النظام الجديد للتونسيين وعوداً كبرى. فبدأ بإصلاح النظام السياسي واستئناف الحياة الديمقراطية، ذلك أن "شعبنا بلغ من الوعي والنضج ما يسمح لكلّ أبنائه وفئاته بالمشاركة البنّاءة في تصريف شؤونه"، كما ورد في نصّ البيان يومئذ. 

في العلن رحبت أحزاب المعارضة، ولاسيما الإسلاميون، بالرئيس الجديد ووعوده. أما في الخفاء فقد ترجم شخصٌ آخر استبشاره بلغةٍ مختلفة. لقد كان توفيق البشروش.

انتمى البشروش للجيل الثاني من مؤرخي الجامعة التونسية الحديثة. وعلى اشتغاله بالتاريخ الحديث، لم ينقطع البتة عن واقعه، وتحديداً تجربة بن علي الديمقراطية القصيرة بين 1987 و1990. إذ عكف فيها على تجميع كلّ الوثائق المكتوبة ذات الصلة بثورة 1864، لتكون الحصيلة جملةً من الوثائق النادرة، من مراسلاتٍ وخطاباتٍ كتبها قادات الباي وأعوان السلطة المحليون. لكن درّة التاج في عمله كانت مراسلات بن غذاهم نفسه، بتوقيعه الخاص وختمه الذي نُقش فيه "الشريف علي بن غذاهم". جمع البشروش مختلف هذه الوثائق، ثمّ بوّبها ونشرها سنة 1991 ضمن مؤلفٍ حمل عنوان "ربيع العربان: أضواء عن أسباب ثورة علي بن غذاهم". 

نُشر الكتاب في حين قرّر بن علي غلق قوس الديمقراطية الذي عُرف بِاسم "ربيع تونس". وعبارة الربيع في العنوان استعارةٌ لميراثٍ تليدٍ من التمردات والثورات، الناجحة أحياناً والفاشلة في أحيانٍ أخرى، بدايةً من ربيع الشعوب في أوروبا سنة 1848، ووصولاً لربيع براغ سنة 1968. أراد البشروش من اختيار هذه العبارة ربط العُربان – وهو لفظٌ كثيراً ما اقترن بنبرةٍ تحقيريةٍ في المدونة المحلية – بمعانٍ أكثر حداثةً وكرامة.

فالعربان – الذين ظهروا في بعض الكتابات التاريخية جماعاتٍ متمردةً على السلطة أو عائقاً أمام بناء الدولة واستقرارها – يظهرون هنا فاعلين سياسيين لهم مطالبهم ومظالمهم، وقادرين على الاحتجاج ومقاومة الاستبداد. وبهذا المعنى لا يقتصر التحول على إعادة الاعتبار إلى انتفاضة بن غذاهم، بل يشمل إعادة النظر في موقع القبائل من التاريخ التونسي. فللعربان نصيبٌ من الفعل السياسي والتوق نحو الحرية ومناهضة الاستبداد، حتّى وإن لم يكتب لحركتها تلك الانتصار في النهاية. 

وغير بعيدٍ عن البشروش، كان الهادي التيمومي يشقّ طريقه داخل عالم الجامعة التونسية. وعلى خلاف الأوّل ذي الأصول الحضرية، ترعرع الهادي التيمومي في قريةٍ قصيّةٍ من ولاية سيدي بوزيد تحمل اسم "كبّارة"، بين أهله من قبيلة جلاص، إحدى القبائل التي شاركت في انتفاضة بن غذاهم سنة 1864. 

في الجامعة تأثر التيمومي بالأفكار الماركسية وشعارات المساواة والعدالة الاجتماعية، ومعها ابتنى لنفسه منهجاً صارماً قوامه قراءة تاريخ بلاده قراءةً اجتماعيةً ووفق معايير الصراع الطبقي. وبذلك حظيتْ المكونات الاجتماعية المختلفة بمكانةٍ في القلب من مشروعه. إذ رفض عزلها عن الفعل التاريخي، وأصرّ على البحث في دور كلّ الفئات حتى المنسية منها، وانتزاع مكانٍ لها ضمن السردية الكبرى للبلد.

جاء كتاب "المغيّبون في تاريخ تونس الاجتماعي" سنة 1999 تتويجاً صريحاً لهذه الرغبة. وهو عملٌ جماعيٌ تحت إشرافه وتنسيقه هدفه كان الاهتمام "لا بنخب المال والدين والسلطة السياسية – وإنما بالعناصر الاجتماعية التي رزخت تحت سيطرة تلك النخب"، كما كتب التيمومي في تقديمه للعمل.

وإلى جانب التحرير، ساهم التيمومي بمقالة "مهنة الخمّاسة بين القانون الواقع (1861-1875)". ومع أن المقالة خُصصت لدراسة أوضاع الخمّاسة، وهم من أدنى فئات العمال الزراعيين آنذاك، فإن ثورة بن غذاهم حضرت فيها من زاويةٍ اجتماعية. رأى التيمومي أن كثيراً من أسباب الانتفاضة لا تزال مجهولةً، وفي طليعتها ما يتصل بالأوضاع المتردية لهذه الفئة من الفلاحين.

في هذا العمل لم يستعمل التيمومي لفظ الثورة، بل استعاض عنه بلفظ "انتفاضة". ولوهلةٍ يبدو هذا الموقف تراجعاً لصالح التبخيس من حركة بن غذاهم، ولكنه قد يُفهم في ظل المنهج الماركسي الذي تبنّاه، وما يقتضيه من تمييزٍ بين الانتفاضة والثورة بحسب طبيعة التحولات السياسية والاجتماعية التي تُحدثها، لا بحسب حجمها أو التعاطف معها. لكن في المقابل، يؤكد التيمومي على معطىً آخر كثيراً ما تجاهلته الكتابات السابقة، وهو قوة الجماهير وتحديداً الفئات الدنيا، والتي لم تكن فقط عنصراً فاعلاً في الأحداث، وإنما طبقةً ذات وعيٍ بمصالحها أثناء الانتفاضة وبعدها. 

لا يُخفي المؤلف هدفه من وراء عمله، وهو محاولة تفنيد الرواية الرسمية لدولة الاستقلال باعتبارها المنجَز النهائي. يقول بصراحة: "آن الأوان – وقد تقدمت عملية تحرير تونس من الاستعمار أشواطاً – أن نرفع عنهم مظلمة التعتيم التي رزحوا تحتها عصوراً طويلة". 

وفي عملٍ آخر قبل كتاب "المغيّبون…"، قدّم التيمومي بحثاً أكثر مجهريةً وأكثر اتصالاً بموضوع بن غذاهم جغرافياً ومجتمعياً، ألا وهو "انتفاضات الفلاحين في تاريخ تونس المعاصر: مثال 1906"، الذي نشره أول مرةٍ سنة 1993. خصص التيمومي الكتاب لانتفاضةٍ قادها الفلاحون ضد المصادرة والتجويع إبان الاستعمار الفرنسي، وفي المنطقة نفسها حيث عاش بن غذاهم وقاد منها ثورته، أي منطقة تالة والقصرين، التي يصفها الكاتب بتونس الأعماق. وهي المنطقة التي تعاقبت عليها الانتفاضات منذ العهد الروماني وحتى "انتفاضة" 14 يناير 2011.

هذا الربط بين انتفاضة 1906 وما سبقها يتجلى على امتداد الكتاب. إذ ترد أحداث سنة 1864 مراراً باعتبارها حدثاً مفصلياً ساهم في تعميق أزمة المكونات الشعبية نتيجة "ما تلاها من قمع رهيب ومجاعات وأوبئة"، وسبباً من أسباب الانتفاضات اللاحقة. وبذلك تمسي الانتفاضات خيطاً متواصلاً من تمردات الطبقات الاجتماعية الدنيا على الطبقات المتحكمة بها عبر القرون. 

وفي سياق هذه القراءة للصراع بين الفئات الشعبية والسلطة، يضع التيمومي ملاحظةً يردّ فيها على تراث الكتابات التاريخية التي حاولت خلق نوعٍ من المصالحة التاريخية بين النخب الإصلاحية في القرن التاسع عشر والمجتمع المحلي، عبر الحديث عن "تونسة البايات". والمقصود بهذه العبارة هو وضع الحكّام الحسينيين في خانة السلالة الوطنية لا الأجنبية، من أجل عزلها عن مرحلة الاستعمار الفرنسي. رفض التيمومي هذه "التونسة" حتّى وإن كُتبت بين معقوفين، إذ إن فقدان الطابع التركي حتّى وإن حدث "ظاهرة فردية لا تهمّ العناصر التركية ككلّ".

ويظهر موقفه من "تونسة البايات" أيضاً في تفسيره مطالبة القبائل الثائرة سنة 1864 بطرد المماليك المحيطين بالعرش. فقد عدّت كتابات العهد الحسيني هذا المطلب واحداً من أبرز عيوب الثورة، لِما أعقبه من تجميد الإصلاحات التي قادها المماليك. التيمومي لم ير هذا المطلب خاطئاً في جوهره، بل سوّغه عجز هذه الطبقة عن خلق روابط بالمجتمع، وعدم كفاءتها الإدارية وممارستها الاستغلالية. ويرى أن هذا الاستغلال سبق الحكم التركي واستمر بعده في عهد الاستعمار ودولة الاستقلال، وهو رأيٌ صرّح به علناً بعد ثورة 2011. 

أصدر التيمومي بعد ثلاثة أشهرٍ من انتصار الثورة التونسية الطبعةَ الثانية من كتاب "انتفاضات الفلاحين"، ولكن تحت تسميةٍ جديدةٍ هي "انتفاضة القصرين، تالة 1906". هذا التحول جاء إثر الثورة التي أدّت مدينتا تالة والقصرين دوراً محورياً في جعلها حدثاً وطنياً يتجاوز حدود سيدي بوزيد. 

في توطئة الطبعة الجديدة، حافظ التيمومي على منهجه الماركسي الصارم، فعدّ ما وقع في 2011 انتفاضةً، وإن كانت انتفاضةً "شعبية كبرى". وضمن هذه التوطئة أكّد على أن ما وقع في 2011 لا يختلف كثيراً عمّا وقع في 1906، باعتبارهما فصلين من فصول نضال تونس الأعماق "غير المحظوظة بطبيعتها والمهمشة وموطن الفلاّح الشجاع المقدام. لكن [الفلاح] غير البارع في الحسابات السياسية وغير القادر على استثمار زخمه الانتفاضي لتحسين حاله جوهرياً". وتنسحب هذه الخلاصة على ما قبل 1906، لتشمل كلّ حركات الفلاحين البطولية والمهزومة من العصور القديمة وصولاً إلى انتفاضة علي بن غذاهم.


اشتملت إعادة قراءة ثورة ابن غذاهم بعد سنة 2011 على الكتابة التاريخية مثلما اشتملت على الأدب، إذ استعاد الروائيون والكتّاب شخصيته وأحداث انتفاضته، وأعادوا صياغتها في أعمالٍ تراوحت بين الاحتفاء بالبطولة الشعبية واستكشاف تناقضات الثائر الإنسان.

ففي سنة 2015، أصدر الكاتب حميد عبايدية رواية "يا باي البايات". وفي السنة نفسها صدرت للكاتب جمال الجلاصي روايته "باي العربان". وفي السنة الموالية، صدر للشاعرة سلوى الراشدي كتابها السردي "راس العين". وتواصل الزخم حتى سنة 2024، عندما صدرت للصحفي كمال الهلالي روايته "الأوج الفسيح".

ما يجمع هذه الأعمال هو الاحتفاء الوجداني بثورة الشعب وتمرّده. فعند تقديم حميد عبايدية روايته، وصف أحداث ثورة بن غذاهم بأنها "حكومة ثورية [. . .] عاش الشعب فيها حرية عجيبة". أما الجلاصي، فقد تفرّد في روايته برسم صورةٍ عجائبيةٍ لبن غذاهم حوّلته إلى بطلٍ أسطوري. إذ منذ ميلاده حُملت البشائر الخارقة بميلاد "علّي" الفتى الذي لم تأتِ نجوع العربان بمثله يوماً. بدوره حوّل الراشديُّ عليّاً وكلّ الذين معه من الثوار إلى شهداء ضحّوا بما لهم من ثروةٍ وحبٍّ وهناءٍ من أجل سعادة القبيلة والأمة قاطبة. أما كمال الهلالي، فيستحضر في "الأوج الفسيح" ثورة ابن غذاهم بالمقارنة بين اضطرابات القرن التاسع عشر وما شهدته تونس بعد ثورة 2011، مستكشفاً ما يتكرر من عنفٍ وخوفٍ وتفككٍ اجتماعي.

ولئن تبيّن في الأعمال التي استحضرت ابن غذاهم بعد ثورة 2011 نزعةٌ شاعريةٌ تمجّد الثورة وأبطالها، إلا أنها لم تأتِ بلا استثناءات. ففي سنة 2018 أصدر حسنين بن عمّو رواية "عام الفزوع" بعد سنواتٍ طويلةٍ من الانقطاع عن الأدب والرواية التاريخية، التي اشتهر بها في التسعينيات وبدايات الألفية الثالثة. وقد ارتبطت جلّ أعماله السابقة بأجواء الحاضرة تونس خلال العهد الحفصي (1229-1574) والعهد التركي، لذلك جاءت الرواية وصلاً بعد قطيعةٍ وانفتاحاً جديداً خرج به من المدينة نحو البوادي والقبائل. 

لم تكن هذه الرواية عملاً تمجيدياً آخر، ولكن بحثاً في التاريخ بأدوات الأدب، وتشريحاً دقيقاً لنفسية رجلٍ أعزل من كلّ شيءٍ، ما عدا الإيمان. تُظهر الرواية بن غذاهم رجلاً قاده إيمانه لدخول المحظور وقول "لا" التي لم تُقل لتركيٍّ من قَبل. وهذا الذي قاده لتوحيد مكوّناتٍ شتّى فرّقتها الصراعات القبلية والمعارك الشخصية. وهو الإيمان نفسه الذي قاده أخيراً للتردد والخوف، عندما تطلّب منه الوضع شجاعة الفارس وقسوة السياسي. 

بهذا أراد بن عمّو أن يجيب بالأدب عمّا اختلف فيه المؤرخون، وأن يعيد للثورة تاريخيتها ولقادتها إنسانيتهم. فجاءت روايته خليطاً من البطولة والضعف، ومن الرغبة الصادقة في التغيير والشوق إلى متاع الدنيا، ومن الوحدة والشقاق. 

وتجلّت رؤية بن عمّو لإرث ابن غذاهم أيضاً في لقاءٍ نظّمتُه سنة 2020، وكان الأخير من سلسلة لقاءاتٍ أدبيةٍ عبر جمعية "قراء بلا حدود" حملت اسم "على خطى بن غذاهم". كانت اللقاءات تهدف إلى تسليط الضوء على شخصية الثائر في مختلف الأعمال الأدبية التونسية، وقد وجهتُ ذلك اليوم سؤالاً لبن عمّو مفاده: "ما الذي بقي من ذكرى بن غذاهم؟". كانت إجابته صارمةً وحادّة: "ليس الكثير، باستثناء منح القبائل والتونسيين الأمل في الوحدة، وإمكانيتهم تحقيق ذلك". 


اليوم وعند استحضار الكتابات السابقة يمكن الوقوف عند نقطةٍ وسطٍ يتفق حولها الجميع، وهي أن ثورة بن غذاهم لم تنجح في تحقيق مطالبها المباشرة. بل على العكس، تبع فشلَها سنواتٌ من التنكيل والمجاعات والأوبئة، حتى روى ابن أبي الضيّاف في كتابِه نقلاً عمّن أسماهم عقلاء العرب حصيلةً عن السكان مفادها أنه "مات الثلثان، وبقي الثلث". وربما لهذا السبب، فقدت الثورة عند البعض ألقها ولم تعد في نظرهم سوى انتفاضةٍ فاشلةٍ، لم تغيّر جذرياً في التاريخ. هذا في حين اختفى الرأي الذي يحمّل أصحابها ذنب ما حدث، تماماً مثلما اختفى رعاته من البايات والمماليك.

ومع ذلك وفي "جوى بن غذاهم"، المنطقة الريفية بأقصى غرب البلاد، لا يزال الأهل يحفظون عن الثورة ذكرى أخرى مختلفة. في هذا الريف القصيّ وفي ليالي النجمة (ليالي الأعراس)، وإثر رفع مشعل النيران إيذاناً بانطلاق السمر، تمدح النساء النبيّ استجلاباً لبركته. ثم يشرعن في الغناء، ويغنّين عن الحب والحرب وبطولات أجدادهن وعن علي، الفارس والقائد والوليّ المبارك في نجعه. 

عليٌّ هنا هو نفسه القائد والشخصية التاريخية العامة التي تتناولها مشارط المؤرخين والساسة، ولكنه أيضاً الجدّ والأب. هو جدّ القبيلة المبارك الذي تنده بذكره عند الأزمات، ووالدها الذي ترفع بذكره رأسها بين العروش. وقد وثّق جمال الجلاصي في التسعينيات بيتاً ردّدته ألسن الغابرين، يستحضر بن غذاهم قائداً مغيثاً عند الأزمات والظلمات، ليكون ملهماً للثوّار من بعده، ويقول فيه: "وقت الغُصْرَة [الضيق] / يا بن غذاهم كون لينا نُصْرة".

اشترك في نشرتنا البريدية