من هذا المشهد ينطلق فيلم "ذا لاست هاوس" (البيت الأخير)، الصادر في أغسطس 2026 للمخرج لويس ليتييه. تتابع أحداث الفيلم أسرة ديلغادو التي تجد نفسها محاصرة داخل منزلها بعدما غمرت المياه العالم. ومع امتداد الحصار تتحول تفاصيل الحياة اليومية إلى أسئلة البقاء: كيف تحصل الأسرة على الطعام؟ وإلى متى تكفيها مواردها؟ وماذا يحدث لأفرادها عندما يختفي المجتمع الذي كان ينظم حياتهم ويصلهم بالعالم؟ يتحول المنزل تدريجياً من مساحة للحماية إلى عالم مغلق، بينما يصبح ما وراء جدرانه مجهولاً يثير الخوف والعداء.
يتعامل الفيلم الذي كتبه الأمريكي مايكل ماثيوز مع أفكار متراكبة طالما شغلته في أعمال الخيال العلمي والرعب التي قدمها كاتباً، وعلى رأسها الإحساس بالحصار والعزلة والتعامل مع عالم يمضي إلى فنائه بخطوات واثقة. الأفكار التي تتجسد في فيلمه هذا وأفلام أخرى كتبها مثل "لوف آند مونسترز" (الحب والوحوش) الصادر سنة 2006، و"غود لاك، هاف فن، دونت داي" (حظ سعيد، استمتع ولا تمت) الصادر سنة 2005، هي ظل لواقع يراقبه كتَّاب الرعب والخيال العلمي ويبتكرون سبلاً لتجسيده في خيال غالباً ما يحقق نجاحات تجارية، بغض النظر عن الجودة الفنية. وتُعد فكرتا إفساد البشر عالمَهم وجلب الفناء لأنفسهم بأيديهم، وتحول البيئة الحاضنة للأفراد إلى مصدر خطر وتهديد، من أبرز الأفكار التي تجد طريقها من الواقع لأفلام الرعب والإثارة والخيال العلمي، وهما عينهما الفكرتان الأساس في "البيت الأخير".
تلتقي التجربة المتخيلة للفيلم الذي حقق نجاحاً جماهيرياً عند عرضه على منصة "نتفليكس" مع تجارب واقعية، لعل أبرزها ما يشعر به المهاجرون واللاجئون الآن في مجتمعات مختلفة، فروا إليها بحثاً عن الأمان، فإذا بها تصبح مصدراً للحصار والتهديد. مثال ذلك، تجارب اللاجئين وطالبي اللجوء السودانيين في مصر. إذ طالما شكلت مصر تاريخياً ملجأً آمناً لهم كلما تجددت الحروب والنزاعات الأهلية والعرقية في وطنهم السودان. ولكن مع نهاية سنة 2024 تصاعدت حملات أمنية توازيها حملات، يُعتقد أنها مدفوعة، على شبكات التواصل الاجتماعي تبنت خطاباً عنيفاً ضد اللاجئين والنازحين العرب، لاسيما السودانيين منهم. فخارج عالم "البيت الأخير"، تترسخ في عالمنا أشكال من العزلة القسرية، يعيشها أشخاص يقيمون وسط المجتمع بينما يضيق نطاق حركتهم داخله. أشخاص قد يدفعهم الخوف من الملاحقة أو الاحتجاز أو الترحيل إلى تجنب أماكن عامة ومؤسسات وخدمات، وتقليص دوائر التواصل والحركة مع تقلص المساحات التي يشعرون فيها بالأمان.
تدور أحداث الفيلم في ضاحية تبدو هادئة في مدينة سياتل، حيث يعيش جيسون وآن ديلغادو مع طفليهما غراهام وروث حياة عادية، إلى أن تهب عاصفة تصاحبها أمطار مستمرة تحتمي منها العائلة داخل منزلها. ثم تكتشف العائلة عند هدوء الأمطار أن أبواب منزلهم ونوافذه أُغلقت على نحو يستحيل معه فتحها أو تحطيمها. تمر الأيام ثم السنوات، ولا يأتي أحد لإنقاذهم. من وراء الجدران، تراقب الأسرة اختفاء الجيران وظهور كائنات غريبة، بينما تغمر المياه العالم المحيط بالمنزل. يتعلمون زراعة النباتات داخله وجمع المياه وابتكار وسائل للبقاء. في البداية، يحميهم المنزل مما يحدث في الخارج فيتكيفون مع العيش داخله ويجعلونه مساحة آمنة. لكن هذه الحماية تتبدل مع مرور الوقت، فيكبر الطفلان دون أن يعرفا حياة خارج جدرانه، وتتوقف الأسرة عن انتظار النجدة، وتبدأ المياه في تهديد ما زرعته وما جمعته للبقاء. وتمتد العزلة إلى علاقة أفراد الأسرة بعضهم ببعض، بعدما عجز المنزل الذي حفظ حياتهم عن تأمينها، وتتسع المسافة بينهم مع بقائهم معاً داخله.
طوال سنوات الحصار التي امتدت بين طفولة الابن والابنة وحتى وصولهما أعتاب الشباب، ظل المنزل يؤدي وظيفتين متناقضتين: يحمي الأسرة من عالم لا تعرف ما ينتظرها فيه، ويحدد في الوقت نفسه الحدود التي لا تستطيع تجاوزها. هذه المفارقة تبدأ من المعنى الذي يحمله البيت نفسه في التجربة الإنسانية. فالمكان الذي نعود إليه طلباً للأمان يستمد جزءاً من قيمته من شعورنا بأننا احتمينا داخله بإرادتنا. وفي الذاكرة الإنسانية والوجدان البشري، يتجاوز البيت حدود البناء الجامد ليكون مكاناً نأوي إليه. ويرى غاستون باشلار في كتابه "لا بوويتيك داه لا سبيس" (جماليات المكان) الصادر سنة 1957، أن البيت أكثر من مساحة مادية للسكن، بل إنه المساحة التي تحتضن الذكريات والخيال وأحلام اليقظة، وتمنح الإنسان شعوراً بالحماية. فالبيت في تصوره يحمي الحالم ويتيح له أن يحلم في سلام.
ولكن ماذا يحدث حين تنقلب وظيفة المكان رأساً على عقب؟ في قصة عائلة ديلغادو يتشوه هذا الجوهر حينما تسقط عن البيت ميزة الاختيار. فإننا نألف منازلنا ونشعر بداخلها بالأمان لأننا نعرف أننا نمتلك مفاتيح أبوابها، ونستطيع مغادرتها متى شئنا والانخراط في العالم الخارجي. وعندما استعصت أبواب بيت عائلة ديلغادو على الفتح ولم تتحطم النوافذ التي التأمت شقوقها، سقطت وظيفة المأوى وتحول البيت المألوف إلى مصيدة تخنق قاطنيها.
هذا التغير في العلاقة بين الإنسان ومسكنه يقودنا لإعادة تقييم الحدود التي تفصل بين الداخل الآمن والخارج المُهدِّد. وفي كتابها "بيوريتي آند دينجر" (الطهارة والخطر) الصادر سنة 1966، تطرح عالمة الإناسة البريطانية ماري دوغلاس أن "جميع الهوامش خطرة"، وأن أي بنية للأفكار تكون قابلة للاختراق والتهديد عند هوامشها وحدودها. إلا أن هذه الهوامش الضعيفة وتلك القوى المهاجمة التي تهدد بتدمير النظام الجيد، إنما تمثل القوى الكامنة في الكون، كونها تطلق طاقات الإنسان للدفاع عن وجوده وحماية ما تؤطره تلك الهوامش الهشة. وفي حالة الأسرة المحاصرة في بيتها، تتحول جدران المنزل ونوافذه إلى هذه الهوامش الفاصلة بين نظام العائلة الداخلي الذي يمثل العقلانية ومحاولات البقاء، وبين الفوضى الكونية المخيفة في الخارج التي تمثلها الأمطار الغزيرة والكائنات الغريبة التي تغمر العالم في الخارج.
ومع استمرار العزلة وانقطاع السبل بالأسرة، يُعاد تعريف مفاهيم الخطر والأمان. في الماضي كان الخارج يمثل المجتمع والامتداد الطبيعي والتفاعل الإنساني المألوف والآمن في ذاته، أما الآن مع الأمطار التي لا تتوقف، أصبح يمثل الفوضى التي تحمل طاقة تدميرية هائلة. وكما تذكر دوغلاس، فإن تلك الفوضى المدمرة تحمل في طياتها مفاتيح إطلاق إمكانات وقوى لا محدودة مدفوعة بغريزة البقاء والحماية. فهذه القوة الخارجية المجهولة تضغط بشراسة على هوامش البيت، ما يجعل الأسرة تعيش في حالة استنفار محاولةً تحصين هذه الحدود الهشة. وحين يضطر الأب جيسون إلى استغلال فتحة المدخنة منفذاً وحيداً للاصطياد، فإنه يتلاعب بحذر بهذه الهوامش الخطرة، محاولاً اختراق الحدود لجلب أسباب البقاء دون السماح للفوضى الخارجية باجتياح الداخل الآمن. هذا الابتكار في استغلال هوامش المكان، يقابله تداعٍ وهشاشة على المستوى النفسي. فالإنسان حين يُجرد من قدرته على الحركة والتواصل مع محيطه الأوسع، يفقد تلك المرونة التي تتيح له التجدد وتفريغ شحنات القلق، حسبما تصف دوغلاس في كتابها.
امتد أثر سنوات الحصار إلى العلاقات بين أفراد الأسرة. وهنا يتقاطع الفيلم مع الرؤية التي صاغها الفرنسي جان بول سارتر في مسرحية "أوي كلو" (خلف الأبواب المغلقة) المترجمة أيضاً إلى "الجحيم هو الآخرون" التي عرضت للمرة الأولى سنة 1944. في المسرحية، يضعنا سارتر أمام ثلاثة أشخاص أُكرِهوا على البقاء في غرفة مغلقة بلا مخرج، وبمرور الوقت يكتشفون أن العذاب الحقيقي ينبع من الحضور الدائم والمفروض للآخرين. يتجسد هذا المعنى داخل البيت مع اختفاء الخصوصية وتحول أفراد الأسرة بعد خمس سنوات من الحصار، إلى مرايا ينظر فيها أفراد العائلة انعكاس عجزهم المتراكم. فطول البقاء داخل البيت، جعل نظرات أفراد الأسرة وأحكامهم أكثر حضوراً في حياة بعضهم البعض. فيخفي الأب عن طفليه أنه قتل كلب الأسرة، بعدما نفد دواؤه واشتد مرضه، ثم استخدم أجزاء من جسده طُعماً لاصطياد الحيوانات التي يعتمدون عليها في الطعام. يتخذ القرار ليُبقي أسرته على قيد الحياة، وفي الوقت نفسه يعرف أن معرفة طفليه بما حدث قد تغير نظرتهما إليه.
ومع هذا الحصار المتواصل تتحول التزامات الأب والأم الدفاعية إلى عملية آلية، يمارسانها بلا مشاعر سوى الخوف والترقب، بينما يُحرم الأطفال من طفولتهم في بيئة لا تعرف من العالم سوى الجدران المغلقة. تسبب العزلة مع الوقت انقطاعاً فعلياً عن العالم، بل وفي مرحلة ما، فقداً للرغبة في مواصلة الحياة. وهو ما يبدو أثراً متراكماً للانقطاع عن المجتمع، فالأسرة تواجه الخوف وتحدي الاستمرار منفردة، دون جيران وزملاء عمل أو أصدقاء أو غيرها من المؤسسات المجتمعية التقليدية التي تعِين الأفراد على مواجهة تحديات الواقع. تلك الشبكات تمنح الحياة إيقاعها، وتتيح تصريف التوتر وتوفر الموارد المادية والعاطفية اللازمة لعبور المحن.
ما يجعل أزمة عائلة ديلغادو تعبر الشاشة إلى الواقع، حيث تبدأ العزلة مع اقتلاع الإنسان من بيئته وشبكاته الاجتماعية، حتى وإن عاش في مدينة مفتوحة. وتتجسد بلا جدران على أرض الواقع في تجارب النازحين وطالبي اللجوء ممن باتوا هدفاً سهلاً للحصار والمطاردة، ومن ثم العزلة والخوف في كثير من المجتمعات، ومن بينها المجتمع المصري الذي طالما مثل لمحيطه العربي والإفريقي ملاذاً آمناً.
نتيجة الحملات الشعبوية والأمنية التي استرعت انتباه المؤسسات الأممية، بات بعض اللاجئين السودانيين في مصر يعيشون عزلةً قسرية يبقون فيها بين جدران بيوتهم كما عائلة ديلغادو. وتقف وراء عزلتهم أيضاً صعوبة الاندماج في مجتمعات محلية تُستعدى ضدهم بحملات إعلامية ما يعوق وصولهم لشبكات الحماية والدعم التقليدية. وبينما يتحركون وسط ملايين السكان، يظل بعضهم محاصراً بتجارب الرفض والتمييز وهشاشة الأوضاع المعيشية.
تشهد تقارير المؤسسات المعنية بأوضاع اللاجئين وطالبي اللجوء باتساع الفجوة الواقعية بين الحماية القانونية والأممية المعلنة لحماية النازحين إلى مصر على اختلاف أوضاعهم القانونية، وبين ما يشهدونه في الحياة اليومية. فرسمياً، يُفترض أن يصل اللاجئون إلى التعليم والرعاية الصحية والتنقل. لكن على أرض الواقع أُغلقت مدارس تخدم أطفالاً سودانيين، مع تصريحات حكومية مصرية تلمح إلى النظر في تقنين أوضاعها. وازدادت تعقيدات استكمال أوراق الإقامة مما يزيد من الضغوط المعيشية ويصعب النفاذ إلى العمل اللائق والسكن المناسب والرعاية الصحية. وفي مقابلات لمنظمة "ريفيوجيز إنترناشونال" المعنية بالدفاع عن حقوق اللاجئين في فبراير 2025، قالت نساء سودانيات بالقاهرة إنهن لا يسمحن لأطفالهن بالخروج خوفاً من التنمر، فيما تحدثت أخريات عن التحرش في الأماكن العامة. لهذه الأسر، أصبح الخروج من المنزل أصعب مما توقعوه حين فروا إلى مصر طلباً للأمان. فالذهاب إلى المدرسة أو المستشفى، وحتى السماح للأطفال باللعب في الخارج، يصاحبه خوف مما قد يتعرضون له في الطريق.
هذه المشكلات تضيف إلى الأثر النفسي الناجم عن ترك البيت والوطن جراء الحرب. فبحسب ورقة حقائق "ريفيوجيز آند مايغرانتس مينتال هيلث" (الأوضاع الصحية العقلية للاجئين والمهاجرين) الصادرة في 2025 عن منظمة الصحة العالمية، تتأثر الصحة النفسية للاجئين بما يواجهونه بعد الوصول إلى البلد المضيف من غياب استقرار وضعهم القانوني، وإمكان حصولهم على الخدمات، وعلاقتهم بالمجتمع المحيط. فالخوف من الخروج أو تعذر الذهاب إلى المدرسة، يمس المساحات والعلاقات التي يمكن أن تساعد الأسرة على استعادة إيقاع حياتها، كما تبين دراسة "أيزوليشن آند لونلينيس أمونغ إميجرانتس" (العزلة والوحدة بين المهاجرين) الصادرة في 2019.
وتتزايد هذه العزلة مع ضغط الخطاب الإعلامي الذي يحُمِّل اللاجئين وطالبي اللجوء مسؤولية أزمات اقتصادية لم يتسببوا فيها. إذ حمَّلت وسائل إعلام مصرية النازحين من الحرب الأهلية السودانية مسؤولية ارتفاع الإيجارات وغلاء المعيشة والضغط على الخدمات. منها ما نشره في 7 أغسطس 2023 موقع "مصراوي" تحت عنوان "السودانيون يرفعون أسعار إيجارات الشقق 200% بأهم مناطق القاهرة والجيزة". وذكر التقرير على ألسنة سماسرة ومكاتب تسويق عقاري، أن إقبال النازحين على استئجار الشقق رفع الأسعار بنسبة تراوحت بين 150 و200 بالمئة، دون أن يحمِّل أصحاب العقارات المسؤولية وهم أصحاب القرار في تحديد أسعار الإيجارات. وفي 9 مايو 2024 نشر موقع قناة "القاهرة الإخبارية" - التابعة لشركة المتحدة للخدمات الإعلامية، المملوكة للدولة - تقريراً عن الآثار الاقتصادية لاستضافة اللاجئين. إذ أورد تقديراً للتكلفة المباشرة التي تتحملها مصر بأكثر من عشرة مليارات دولار سنوياً، وربطها بزيادة عجز الموازنة في ظل تراجع الإيرادات. وبدلاً من وضع هذه الأرقام في سياق أوسع يشرح جذور الأزمة الاقتصادية، تسهم مثل هذه الصياغات في تقديم اللاجئ عبئاً وسبباً مباشراً لتدهور الأوضاع.
تجد هذه الرواية الإعلامية جمهوراً يعيش بالفعل تحت ضغط ارتفاع الأسعار وصعوبة العثور على سكن. فتقدم له تفسيراً قريباً وسهلاً للأزمة، وهي أن الوافدين ينافسونه على ما يحتاج إليه، حتى لو كان ارتفاع الإيجارات سبق وصول اللاجئين للبلد. كل ذلك يخلق بيئة تحيل الشارع والأماكن العامة إلى مصدر دائم للقلق، فيخشى اللاجئ وطالب اللجوء التعامل مع السلطات، ويخشى الاحتكاكات اليومية في الأسواق والمواصلات، لأنها قد تتحول إلى ساحة صدام لا يستطيع تحمل عواقبه.
تحت ضغط المضايقات والشعور بعدم القبول، قد يبدأ اللاجئ في تقليص حركته داخل المدينة، يبتعد عن الأماكن العامة ويحصر خروجه في الضروريات، مثل الذهاب إلى العمل أو شراء احتياجاته. يبدو هذا الانسحاب اختياراً شخصياً، لكنه في الواقع استجابة قسرية للخوف. وهنا يظهر معنى عبارة سارتر "الجحيم هو الآخرون"، فنظرة الآخرين قد تدفع الإنسان إلى رؤية نفسه من أحكامهم، وتقييد تصرفاته حتى من دون وجود حاجز مادي.
ويغير هذا الانسحابُ علاقةَ اللاجئ بمسكنه. الغرفة الضيقة أو الشقة المكتظة التي تتقاسمها عدة أسر لا تؤدي هذه الوظيفة. فهي لا تساعد اللاجئ على استعادة توازنه بعد يوم شاق، وإنما تصبح مكاناً يختبئ فيه من المضايقات في الخارج. وداخل هذا المسكن تتشابه الأيام وتصبح الحياة معلقة على انتظار انتهاء الحرب أو صدور وثيقة إقامة أو قبول طلب اللجوء أو العثور على عمل واستقرار دائم. ومع امتداد هذا الانتظار، تضعف علاقات اللاجئ الاجتماعية ويزداد شعوره بالغربة، خصوصاً بعدما فقد شبكات الأسرة والأصدقاء التي كانت توفر له الدعم وتمنح حياته في بلده قدراً من الاستقرار والمعنى.
ولا تتوقف عزلة اللاجئين عند حدود التجارب الفردية، إذ تؤكد دراسات أنها ظاهرة واسعة يمكن قياسها. وجدت دراسة "الوحدة والعزلة الاجتماعية بين اللاجئين"، أن الشعور بالوحدة والعزلة الاجتماعية أكثر انتشاراً بين اللاجئين مقارنة بأفراد المجتمعات المستضيفة. وتمنح هذه النتيجة سنداً بحثياً لما تكشفه تجربة اللاجئين في المدن المستضيفة.
في نهاية "البيت الأخير"، فُتِح الباب عندما تخلى الأب عن محاولة قتل الكائن المجهول وسمح له بالعيش. تكشف هذه اللحظة أن الخوف كان جزءاً من الحصار نفسه، وأن الخروج لم يصبح ممكناً إلا بعد تغيُّر نظرة الأسرة إلى ما يوجد خلف الجدران. أما عزلة اللاجئين، فلا تنتهي بقرار فردي أو نهاية سينمائية، لأنها تتشكل داخل المجتمع وبعلاقاته وخطابه ومؤسساته. فلا يكفي أن تكون أبواب المدينة مفتوحة من الناحية المادية، فقيمة المدينة تُقاس بقدرة سكانها على الحركة والمشاركة وبناء العلاقات دون خوف. وقد يكون الحاجز الأصعب هو ذلك الذي لا يمنع الإنسان من العبور، لكنه يجعله يشعر بأنه غير مرحب به كلما حاول.

