هذه الحادثة ليست الأولى التي تبرز الصدام بين تصورين شائعين عن ابن تيمية، أنه أحد كبار رموز الإسلام من جهة، وأنه مصدر التطرف والإرهاب والانغلاق من جهة أخرى. فهو من الشخصيات الإسلامية القليلة التي مازالت تُلقب في العصر الحديث بلقب شيخ الإسلام، ولآرائه العقدية وترجيحاته الفقهية وزنٌ ضمن دوائر دينية متنوعة في العالم. وهو أيضاً أكثر الشخصيات التي حملت مسؤولية شرور ومساوئ هذا العصر. فقد وصفه المستشرق الهنغاري إيغناس جولدتسيهر في بحثه "موقف أهل السنة القدماء بإزاء علوم الأوائل" المترجم للعربية سنة 1940، بأنه كان "عدواً لدوداً للفلسفة". وبعد ما يقارب القرن، تحديداً في 2006، ألّف سعود السرحان، الأمين العام السابق لمركز الملك فيصل للدراسات الإسلامية، كتاباً بعنوان "الحكمة المصلوبة [. . .]"، ذكر فيه أن فكر ابن تيمية هو سبب عدم وجود أقسام فلسفة في الجامعات السعودية. أما الناقد والكاتب البحريني علي أحمد الديري، فقد اختار نصوص ابن تيمية وأبي حامد الغزالي وابن تومرت أساساً لكتابه "نصوص متوحشة [. . .]"، معتبراً أن الحركات الجهادية والتكفيرية والعنفية نتاج هذه النصوص.
يعود الاختلاف بين المعاصرين في تلقي فكر ابن تيمية وتراثه إلى طبيعة الفترة التي عاش فيها من جهة، وإلى مسارات بعث تراثه وتلقيه في العصر الحديث. فقد عاش ابن تيمية في الفترة المملوكية اللاحقة انهيار الخلافة العباسية والواقعة تحت تهديد المغول المباشر. ومع أنه تمتع بحضورٍ مهمٍ ومؤثرٍ في حياته، إلا أن فكره اختفى في العصور السابقة للعصر الحديث. فبعد وفاته اضطُهد أتباعه، وفي القرون التالية أصبح ذكره محصوراً في دوائر حنبلية ضيقة. ولم تُبعث أفكاره إلا في القرون الثلاثة الأخيرة نتيجة للدعوة النجدية التي أسسها محمد بن عبدالوهاب وحركة الإصلاح الإسلامي النهضوية. بهذا أثرت مسارات البعث هذه في النظرة المعاصرة لابن تيمية، ما جعله مصدراً اعتمد عليه منظرو التكفير والجهادية المعاصرة.
أمضى ابن تيمية حياته داخل عالم الدولة المملوكية التي كانت في صراع مستمر مع المغول. فقبيل معركة عين جالوت، توفي "خاقان المغول" (الإمبراطور الأعظم) ما أحدث حروباً أهلية داخل الإمبراطورية انتهت بتفككها إلى أربع إمبراطوريات. إحداها الدولة الإلخانية التي حكمت بلاد فارس والعراق وأجزاءً من الشام والأناضول، وأسس هذه الدولة هولاكو سنة 1260 وتعاقب أولاده وأحفاده على حكمها. وبعد خمس وثلاثين سنة تولى الإلخانية حفيد هولاكو، محمود غازان، الذي كان من أوائل من اعتنق الإسلام من قادة المغول.
استمرت هذه الدولة قائمة حتى سنة 1335، شنت في فترة حكمها أربع حملات من أجل التوسع غرباً والاستيلاء على الشام من المماليك. وقد ساند ابن تيمية المماليك ضد ثلاث من هذه الحملات. ولم ينجح من هذه المحاولات إلا المحاولة الثالثة سنة 1300، بقيادة الإلخان محمود غازان، إذ استطاع المغول السيطرة على دمشق فترةً قصيرة.
فكرياً كان العالم المملوكي الذي عاش فيه ابن تيمية ذا طبيعة ثلاثية. فوفقاً لما ذكرته أمينة البنداري، أستاذة الدراسات الإسلامية والعربية في الجامعة الأمريكية بالقاهرة، في كتابها "عوام وسلاطين [. . .]" المنشور سنة 2019، فقد غلبت عليه النزعة الأشعرية فيما يخص النواحي العقائدية والأصولية والكلامية. وترسَّخت فيه القيم الصوفية على صعيد السلوك والشعائر الطقوسية الشعبية. أما فقهياً، فقد اعتمدت فيه المذاهب السنية الأربعة: الحنفي والمالكي والشافعي والحنبلي.
وسط هذا كله، مرّت حياة ابن تيمية الفكرية بثلاثة أطوار، أولها طوره المذهبي الحنبلي، وقد بدأ سنة 1280 عندما أجيز بالإفتاء في سن السابعة عشرة. وفي هذه الفترة تدرج ابن تيمية داخل المؤسسات الحنبلية في دمشق، فتسلّم مسؤوليات مدرسة دار الحديث السكرية بعد وفاة والده وهو في الثالثة والعشرين. بعدها بسنة صار يدرِّس تفسير القرآن في المسجد الأموي. وعندما توفي أحد شيوخه الحنابلة، زين الدين ابن المنجا، تقلّد ابن تيمية مكانه في دار الحديث الحنبلية، وهي إحدى أهم المؤسسات التعليمية الحنبلية في دمشق. في هذه الفترة لم يخرج في مؤلفاته عن المذهب الحنبلي، كما في كتبه "بيان الدليل على بطلان التحليل" و"شرح العمدة في الفقه".
أما طوره الثاني فكان خلافاته العقدية مع الأشاعرة والمتصوفة، خصوصاً أصحاب "نظرية وحدة الوجود"، التي تعتبر أن الله هو الوجود المطلق وأن ما في الكون تجليات لهذا الوجود. ويبدأ هذا الطور وهو في سن الخامسة والثلاثين في سنة 1298 عندما بعث رسالتين واحدة إلى حماة في الشام عرفت فيما بعد بالفتوى الحموية، والثانية إلى واسط في العراق عرفت فيما بعد بالعقيدة الواسطية. أثارت هذه الرسائل، وتحديداً الأولى، غضب علماء الأشاعرة لما اعتبروه تجسيماً استلزم التحقيق معه وامتحانه.
بعد سنتين وقعت دمشق تحت حكم المغولي المسلم محمود غازان، فحثّ ابن تيمية الناس على التمسك بالإسلام والشجاعة في مواجهة الغزاة. وأفتى أن المغول لا يُعتبرون مسلمين بسبب مخالفتهم الشريعةَ وارتكابهم الفظائع حتى لو أعلنوا الإسلام شكلياً.
ينتهي هذا الطور سنة 1306 بذهابه لمصر استجابة لأمر استدعاء استصدره خصومه. استطاع كلٌ من الفقيه المالكي ابن عطاء الله السكندري، والشيخ الصوفي نصر المنبجي، والقاضي الشافعي ابن صصرى اقناع السلطات بضرورة استدعائه للقاهرة من أجل فحص عقائده. وعندما وصل دُعي إلى مناظرة بشأن أفكاره في عقيدة صفات الله، ومنها مسائل مثل معنى نزول الله إلى السماء الدنيا وأنه مستوٍ على العرش وهل هو في الأعلى، التي رفض تأويلها عن معناها الظاهر مثل الأشاعرة. لم يقبل القضاة موقف ابن تيمية، وعدوه مجسِّماً فسجن حتى سنة 1310. وفي هذه الفترة ألّف عدداً من الكتب، أحدها "بيان تلبيس الجهمية" ونقد فيه المتكلم الأشعري الفخر الرازي، وكتاب "الرد على المناطقة".
أما طوره الثالث، الأنضج، فيبدأ من عودته إلى الشام سنة 1310 حتى وفاته سنة 1328. ففيه ألّف كتابه "درء تعارض العقل والنقل" الذي قدّم فيه نظريته في مسألة تأويل النقل عندما يتعارض مع العقل. وفيها كتب "منهاج السنة النبوية" رداً على كتاب "منهاج الكرامة في معرفة الإمامة" للعالم الشيعي المطهر الحلّي. وسجن في هذه الفترة مرتين، مرة بسبب فتواه في الطلاق التي اعتبر فيها أن الطلاق بالثلاث دفعة واحدة، لفظاً أو إشارة، لا يقع إلا طلقة واحدة. وقد أثارت هذه الفتوى ضده حفيظة فقهاء الشام الذين كانوا متفقين على أن الطلاق بلفظ الثلاث يُعد ثلاث طلقات تامة. أما سجنه الثاني الذي مات فيه فقد كان بسبب تحريمه زيارة القبور معتمداً على حديث "لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد [. . .]".
وكما مرت حياة ابن تيمية بثلاثة أطوار، فإن منطق الأطوار يبدو أنه حدد أيضاً طبيعة تلقي إرثه بعد مماته، وقد مر بأربع مراحل.
وتُعدّ محنة الفقيه والمؤرخ الدمشقي، صدر الدين ابن أبي العِزّ الحنفي، مثالًا كاشفاً عن الامتدادات الاجتماعية والمؤسسية للصدام الذي أحدثته أفكار ابن تيمية بعد وفاته. فمع انتمائه للمذهب الحنفي، تبنّى ابن أبي العز عدداً من الاختيارات العقدية والمنهجية القريبة من المدرسة التيمية، ولاسيما في مسائل الصفات الإلهية ونقد التأويل الكلامي والدعوة إلى فهم النصوص دون توسّع في المجازات الكلامية. وتجلّى ذلك في شرحه الشهير لنصٍّ عقدي ألفه العالم الحنفي أبو جعفر الطحاوي، الذي عده معاصروه خروجاً عن الصياغة الحنفية الماتريدية السائدة.
استُدعيَ ابن أبي العز إلى سلطة القضاء في دمشق واتُهِمَ اتهامات صريحة بمخالفة عقيدة أهل السنّة بمعناها الذي استقرّ عليه التوافق الأشعري الماتريدي. ورُفعت ضده شكاوى بتهمة الميل إلى مذهب ابن تيمية والتي كانت تعني آنذاك القول بالتجسيم أو الابتداع. فعُزل من بعض مناصبه ومُنع من التدريس فترة وشُهّر به وأقصي اجتماعياً.
ولم يقتصر الأمر على الاضطهاد والإقصاء بل وصل إلى التكفير كذلك. ينقل المؤرخ شمس الدين السخاوي في كتابه "الضوء اللامع لأهل القرن التاسع" أن علاء الدين البخاري، الفقيه الحنفي الصوفي المتوفى سنة 1438، كفّر من يصف ابن تيمية "بشيخ الإسلام".
كان هذا الموقف وما أثاره من ضجة هو السياق الذي كتب فيه ابن حجر الهيتمي، أحد أشهر فقهاء الشافعية في القرن العاشر الهجري، كلامه الشهير عن ابن تيمية. ففي كتابه "الفتاوى الحديثية"، أجاب ابن حجر عن سؤال ورد إليه حول ابن تيمية ملخّصاً فيه طبيعة تلقي ابن تيمية في هذه المرحلة. قال إن ابن تيمية "عبد خذله الله وأضله وأعماه وأصمه وأذله وبذلك صرّح الأئمة الذين بينوا فساد أحواله وكذب أقواله". ثم قال أن "الحاصل: أن لا يقام لكلامه وزن بل يرمى في كل وعر وحزن ويعتقد فيه أنه مبتدع جاهل ضال وغال". بعدها راح يعدد المسائل التي خالف فيها ابنُ تيمية علماءَ عصره، سواء الفقهية منها مثل فتوى الطلاق، والعقدية مثل أن الأفعال الاختيارية من كلام ونزول تجوز على الله.
وفي النصوص الرئيسة التي تدرس وتراجع تلك الفترة من متون وشروح، هناك غياب شبه تام لابن تيمية مرجعيةً يؤخذ بها. وهذا يشمل "شرح المقاصد" للتفتازاني، و"المواقف" للإيجي وشروحه، و"جوهرة التوحيد" للإمام الصاوي وشروحها الأزهرية. وإن حضر، فإنه لا يحضر عالماً مجدداً أو معتبراً، بل يأتي غالباً في سياق التحذير من مذهب "الحشوية" أو "المجسمة"، حسبما يصف المعتزلةُ والأشاعرةُ أهلَ السنة والحديث مما يميلون لتفسير صفات الله حسياً – مثل اليد والوجه والاستواء – أو الحنابلة المتشددين.
وتظهر حالة التهميش هذه في أنه لم يتحوّل إلى مرجعية فقهية. فالمدارس الشافعية والمالكية والحنفية واصلت إنتاجها الفقهي والعقدي بمعزل عنه، بينما ظلّ تأثيره محصوراً في بيئة حنبلية محدودة. ويبدو كذلك أنه، وحتى القرن التاسع عشر، لم تدخل كتب ابن تيمية ضمن المناهج المعتمدة في جامعات الأزهر في مصر أو الزيتونة في تونس أو القرويين في المغرب.
على ذلك، في القرن الثامن عشر بدأت مرحلة جديدة أعيد فيها بعث إرث ابن تيمية، ممهدةً الطريق ليصبح مؤثراً في عدّة مسارات.
كانت المدينة المنورة زمن الكوراني مركزاً رئيساً للعلوم الإسلامية، استقطبت الطلاب من كل حدب وصوب. ومنها انطلق العديد من المصلحين المسلمين في مسيرتهم العلمية، كذلك شهدت تبلور الأفكار التي ألهمت حركات التجديد الديني والاجتماعي التي هزت العالم الإسلامي في القرن الثامن عشر. وإضافةً للكوراني، ضمت هذه المجموعة ابنه أبو طاهر، والمؤرخ والشاعر اليمني محمد بن إسماعيل الصنعاني، والفقيه والصوفي الهندي ولي الله دهلوي.
في هذا السياق، وضمن محاولة إبراهيم الكوراني الجمع بين علوم الحديث وأصول الفقه والكلام والتصوف، أعاد الاعتبار لابن تيمية. حدث ذلك بتأويل مواقفه العقدية بأنها مواقف تفويضية. فعلماء الكلام كانوا يميزون بين نوعين من المواقف العقدية. الأول، ويسمونه موقف السلف، قائم على تفويض معنى الآيات التي يوحي ظاهرها بالتشبيه والتجسيم دون محاولة تأويلها. أما الموقف الثاني، ويسمونه موقف الخلف، فقائم على تأويل هذه الآيات وصرفها عن ظاهرها لمعنى آخر. ومع أن موقف ابن تيمية كان مختلفاً عن هذين الموقفين، إلا أن الكوراني أوّل موقفه بأنه مندرج ضمن الموقف التفويضي.
نجد إعادة الاعتبار هذه لابن تيمية في رسالة الكوراني المسماة "إفاضة العلام في تحقيق مسألة الكلام". فيقول عن منهج ابن تيمية في فهم الصفات الإلهية: "أما إثبات الجهة والجسمية المنسوب إليهما [يقصد ابن تيمية وتلميذه ابن قيم الجوزية] فقد تبين حاله، وأنهما لم يثبتا الجسمية أصلاً، بل صرحا بنفيها في غير ما موضع من تصانيفهما، ولم يثبتا الجهة على وجه يستلزم محذوراً".
والمفارقة أن رغبة الكوراني في دعم الموقف التفويضي وإعادة الاعتبار لابن تيمية جاءت ضمن دفاعه عن أحد خصوم ابن تيمية، وهو الشاعر والفيلسوف الصوفي محيي الدين ابن عربي. فقد رأى أن التفويض أكثر انسجاماً مع مذهب محي الدين ابن عربي في وحدة الوجود. وبحسب ابن عربي وأتباعه، يُحَلّ التوتر بين التنزيه والتشبيه عبر مفهوم التجلي، فالله في ذاته يختلف اختلافاً جذرياً عن كل ما خُلق، ولكنه يتجلى في عالم المخلوقات. وبهذا تفهم جميع الإشارات إلى صفات الله البشرية والمكانية على أنها تجليات لله، وليست صفات حسية لذاته. وبالتالي، لم يعتمد الكوراني التأويلات العقلانية لتفسير صفات الله، وهذا خلق حلقة وصل بينه وبين ابن تيمية من جهة، وأفكار ابن عربي من جهة أخرى.
أما المسار الثاني لانبعاث أفكار ابن تيمية، المتولد من المسار الأول، فكان عبر الدعوة النجدية لمؤسسها محمد بن عبد الوهاب. فقد تعرّف ابن عبد الوهاب على تراث ابن تيمية العقدي، خصوصاً قضايا التوحيد والتوسل والشفاعة، أثناء رحلته العلمية إلى الحجاز والبصرة. فقد وجد في مكتبات الحنابلة هناك عدداً من رسائل ابن تيمية وتلميذه ابن القيم، خاصة تلك التي تنتقد الممارسات الشعبية عن القبور والكرامات.
تحالف محمد بن عبد الوهاب مع أمير بلدة الدرعية في نجد محمد بن سعود سنة 1744 وأسسا كياناً قائماً على حماية دعوة التوحيد ونشرها، فدخلا في صراع مع الدولة العثمانية. وبسبب هذه الدعوة أصبحت القضايا الرئيسة في فكر ابن تيمية موضع نقاش بين علماء الدعوة النجدية ونظرائهم في مختلف أرجاء العالم الإسلامي. ويوضح كتاب "الرد على الوهابية في القرن التاسع عشر" المنشور سنة 2008 لمؤلفيه حمادي الرويسي وأسماء نويرة، كيف وصل هذا الجدل مثلاً إلى بلدان المغرب. ففي الفترة بين سنتي 1803 و1811 وصلت عدد من رسائل الدعوة الوهابية إلى تونس والمغرب. وركزت الرسائل على إثبات الشرعية السياسية للدعوة الوهابية والنهي عن زيارة القبور ورفض الممارسات التي اعتبرتها الدعوة شركية، فضلاً عن بعض المسائل العقدية، مثل حياة الأنبياء في قبورهم ومشروعية زيارة قبر الرسول.
تباينت ردود علماء تونس والمغرب على تلك الرسائل ما بين الهجوم في بعض الأحيان، والاقتناع والمواءمة في أحيان أخرى. أحد هذه الردود كتبه العالم التونسي أبو حفص عمر بن قاسم المحجوب. استحضر المحجوب آيات قرآنية للتأكيد على وحدة المنهج الإسلامي وضبط النقاش الشرعي. غير أنه خاطب صاحب الرسالة الوهابية معترضاً على أوجه فيها ومنها قول ابن عبد الوهاب بتكفير زيارة أهل القبائل والمجتمعات القبورَ وتوسل الأولياء الصالحين. وتابع المحجوب بأنها أعمال متجذرة تعبّر عن تعلق الناس بالإسلام والنبي، ثم اختتم باتهام صاحب الرسالة الوهابية بإساءة الفهم والخلط.
إضافةً لمسار الشبكة الحديثية في الحجاز والدعوة الوهابية، كان المسار الثالث الذي بُعث عبره إرث ابن تيمية هو حركة الإصلاح الإسلامي الحديثة. تشكّلت هذه الحركة في أواخر القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين استجابةً نقديةً لأزمات الانحطاط والهيمنة الاستعمارية والتحدي المعرفي الذي فرضته الحداثة الغربية دون أن تكون بالضرورة حركة متجانسة أو ذات تسمية واضحة في وعي أصحابها. وذلك حسبما يقول أستاذ التاريخ بجامعة نورثوسترن هنري لوزيير في كتابه "صناعة السلفية: الإصلاح الإسلامي في القرن العشرين" المترجم للعربية سنة 2018. فشخصيات مثل جمال الدين الأفغاني ومحمد عبده ورشيد رضا انخرطت في مشروع إصلاحي يهدف إلى إعادة تفعيل الاجتهاد ونقد التقليد المذهبي الجامد وربط الإسلام بالعقل والعلم والتقدم. الإصلاح هنا لم يكن عودة حرفية إلى الماضي، بل استدعاءً انتقائياً للجيل الأول نموذجاً أخلاقياً ومنهجياً يتيح تجاوز الجمود لا تكريسه.
ويمكن تتبّع حضور ابن تيمية وتأثيره داخل هذه الحركة من شخصياتها وأوّلهم العالم العراقي خير الدين نعمان بن محمود الآلوسي، الذي نشأ في بيئة علمية رفيعة تلقّى فيها علوم التفسير والفقه الحنفي والكلام الأشعري. ومثّلت أسرة آل الآلوسي البغدادية ذروة التكوين السني الأشعري الحنفي في العراق العثماني، فأبوه هو المفسّر الشهير شهاب الدين محمود الآلوسي صاحب كتاب "روح المعاني"، أحد أشهر كتب تفسير القرآن في التراث الإسلامي.
كتب خير الدين الآلوسي كتاباً عنوانه "جلاء العينين في محاكمة الأحمدين" يرد فيه على فتوى أحمد بن حجر الهيتمي عن ابن تيمية. يشير خالد الرويهب في دراسته المنقولة في كتاب "ابن تيمية وعصره" إلى سياق تأليف كتاب الآلوسي. فذكر أن منطقة جنوب العراق كانت من أوائل المناطق التي تأثرت بحركة محمد بن عبد الوهاب. وفي تلك الفترة كان الآلوسي قد اطّلع على بعض مؤلفات ابن تيمية، وتأثر في نظرته لابن تيمية بأفكار كل من إبراهيم الكوراني والفقيه الهندي شاه ولي الله الدهلوي.
غير أن التأثير الأعمق في فكر خير الدين الآلوسي يبدو أنه جاء من مصدرين آخرين. أولهما، كتابات والده محمود الآلوسي، الذي جمع بين السلفية العقدية ومعارضة تعظيم القبور وسائر ما اعتبره "بدع" التدين الشعبي. وكان محمود الآلوسي قد أعاد الاعتبار لابن تيمية قبل ابنه، إذ دخل في مناظرة في إسطنبول حوله مع شيخ الإسلام العثماني عارف حكمت الذي اتهم ابن تيمية بالتجسيم والخروج غير المقبول عن المذاهب الأربعة، وهو ما أنكره الآلوسي.
أما المصدر الثاني الذي أثر على الآلوسي فكان العالم اليمني محمد الشوكاني وتلميذه الهندي محمد صديق حسن خان القنوجي. كان الشوكاني يؤكد ضرورة الاجتهاد المباشر في ضوء القرآن والحديث بدل الالتزام باستدلالات المذاهب الموروثة معتبراً أن هذا المنهج كفيل بتطهير الفقه والعقيدة من البدع اللاحقة مثل تعظيم القبور والفلسفة وأكثر مظاهر التصوف.
ردّ الآلوسي في كتابه على كثير من التهم التي أطلقها ابن حجر الهيتمي عن ابن تيمية. فعند ذكر تهمة التجسيم، رد الآلوسي بسؤال منهجي، "هل قال ابن تيمية بإثبات الجسم أو الحد أو التركيب، أم قال بإثبات الصفات الواردة مع نفي الكيف والتمثيل؟". أكد بعدها أن الهيتمي لم ينقل نصاً صريحاً عن ابن تيمية يصرّح فيه بالجسمية. وإن الهيتمي إنما اعتمد على اللازم الذهني لبعض الأقوال، لا على المنطوق. وخلص الآلوسي أن القول بإثبات الصفات الخبرية مع نفي التشبيه هو مذهب السلف، وأن الحكم على القائل بالتجسيم لمجرد هذا الإثبات هو توسّع في التكفير والتبديع لم يلتزمه المتقدمون.
كذلك نقض الآلوسيُ دعوى الهيتميِ مخالفةَ ابنِ تيميةَ الإجماعَ. فقد ادعى الهيتمي أن ابن تيمية انفرد بأقوال خالف بها الإجماع ولا يجوز تقليده أو الاعتماد عليه. وجه الآلوسي نقداً لمفهوم الإجماع عند الهيتمي وذكر أن كثيراً مما يدّعيه الهيتمي إجماعاً هو قول جمهور المتأخرين ولا يصح تسميته إجماعاً، مع وجود خلاف معتبر عند أئمة الحديث والفقه. وخلص من كل ذلك بأن مجرد مخالفة جمهور المتأخرين لا توجب التضليل ولا التبديع، فضلاً عن إخراج الرجل من أهل السنة.
الشخصية المركزية الأخرى في حركة الإصلاح الديني التي ساهمت في بعث ابن تيمية هي جمال الدين القاسمي. ولد القاسمي في دمشق سنة 1866، وعاش في بيئة دينية صوفية أشعرية حتى الثلاثين من عمره. في تلك الفترة تعرف على أفكار ابن تيمية من كل من العالم السلفي السوري عبد الرزاق البيطار وطاهر الجزائري، أحد أبرز أعلام النهضة الفكرية في بلاد الشام ومصر في القرن التاسع عشر ومطلع القرن العشرين.
بحسب الأديب السوري نزار أباظة في كتابه "جمال الدين القاسمي أحد علماء الإصلاح الحديث في الشام" المنشور سنة 1997، فإن التحول الحقيقي في أفكار القاسمي وقع سنة 1903 عقب زيارته مصرَ. وقد قابل فيها كل من محمد عبده ورشيد رضا واطلع على عدد كبير من الكتب التي لم تكن متوافرة في سوريا في ذلك الوقت. وفي تلك الفترة تغيرت الكثير من أفكار القاسمي لتوافق أفكار ابن تيمية.
عقب رجوعه إلى سوريا، اعتنق القاسمي مبدأ العودة إلى القرآن والسنة والتأكيد على إعمال الاجتهاد ضد الجمود والتقليد الأعمى للمذاهب. وتُرجم تأثره بالمنهج التيمي في العديد من الكتب. منها كتاب "إصلاح المساجد من البدع والعوائد"، وركّز القاسمي فيه على تحليل الأعمال غير المأثورة في المساجد وأثرها على العقيدة والسلوك الديني، وهو موقف يتماهى مع روح النقد التيمي للبدع القائمة على ما هو ليس من نص الشرع.
وصرح القاسمي بمتابعته بعضَ القواعد التي قال بها ابن تيمية في التفرقة في الأحكام الشرعية، فقال: "وقد قال ابن تيمية رحمه الله إذا أشكل على الناظر أو السالك حكم شيء هل هو الإباحة أو التحريم فلينظر إلى مفسدته وثمرته وغايته فإن كان مشتملاً على مفسدة راجحة ظاهرة فإنه يستحيل على الشارع الأمر به أو إباحته بل يقطع أن الشارع يحرمه لاسيما إذا كان طريقه مفضياً إلى ما يبغضه الله ورسوله". وذكر الأديب والمؤرخ السوري، ظافر القاسمي، في كتابه "جمال الدين القاسمي وعصره" المنشور سنة 1965، أن جمال الدين القاسمي قال: "إني – ولله الحمد – نشأت على حب مؤلفات شيخ الإسلام، والحرص عليها، والدعوة إليها، وأعتقد أن كل من لم يطالع فيها.. لم يشم رائحة العلم الصحيح، ولا ذاق لذة فهم العقل".
بعد الآلوسي والقاسمي، تصل عملية بعث إرث ابن تيمية قمتها مع محمد رشيد رضا. وقد وُلد رضا سنة 1865 في قرية القلمون قرب طرابلس في لبنان لعائلة عُرفت بالعلم الشرعي، وانتقل لاحقاً إلى مصر حيث قضى معظم عمره العلمي والعملي حتى وفاته سنة 1935.
سعَى رضا في حياته لمواجهة ما يعده تراجعاً حضارياً وفكرياً في العالم الإسلامي. تكوَّن فكره في البداية في سياق الإصلاح الديني والعلمي، متأثراً بكل من محمد عبده وجمال الدين الأفغاني، وسعى إلى قراءة القرآن والسنة بما يعالج ضعف المسلمين حضارياً مقارنة بالغرب. في هذا السياق، أسَّس مجلة المنار التي بلغت جمهوراً واسعاً من آسيا إلى المغرب، وكانت منصة فكرية وسياسية للنقاش عن كيفية إحياء الإسلام في العصر الحديث.
وقد ساهمت لحظة إلغاء الخلافة العثمانية سنة 1924 في تحوَّل فكر رشيد رضا نحو نوع من السَّلفية المعاصرة. يذكر هنري لوزيير في كتابه أنه في تلك الفترة، أعلن الشريف حسين نفسه خليفةً جديداً للمسلمين (بعد إعلان إلغاء الخلافة بعدة أيام). ورأى رضا في عمل الشريف الحسين نوعاً من الغطرسة، وافتئاتاً على حق الأمة في اختيار الخليفة الجديد. لذا وقف مع غريم الشريف الحسين، سلطان نجد عبد العزيز آل سعود. وبوقوفه مع الحاكم السعودي بدأ تقاربه مع الحركة الوهابية التي استلهمت أفكارها الرئيسة من كتابات ابن تيمية.
وهنا يقول رشيد رضا في معرض تفسيره سورةَ البقرة: "ولا نعرف في كتب علماء السنة أنفع في الجمع بين النقل والعقل من كتب شيخي الإسلام ابن تيمية وابن القيم [. . .] وإنني أقول عن نفسي: إنني لم يطمئن قلبي بمذهب السلف تفصيلاً إلا بممارسة هذه الكتب".
كذلك كان لرضا جهودٌ واسعةٌ في سبيل إحياء إرث ابن تيمية. إذ شجَّع على إعادة نشر مؤلفاته وتحريرها من مشاريع نشر تراثه أو التعليق عليه. ومن أشهر هذه الأعمال الطبعة التي حقَّقها ونشرها من "مجموعة الرسائل والمسائل" لابن تيمية، وهي مجموعة من الرسائل والفتاوى في موضوعات العقيدة والحديث والفقه والمناظرات.
ظلَّ هذا النهج في إحياء تراث ابن تيمية وتلقيه مستمراً حتى وصل قمته ابتداءً من منتصف القرن العشرين، فحُققت مؤلفاته واعتُمدت مقرراتٍ في الجامعات وانتشرت مقولاته على نطاق واسع.
العمل الذي أنجزه في مجموع الفتاوى كان مشروعاً علمياً ضخماً استغرق ما يقرب من أربعين سنة من حياته. فقد كان تراث ابن تيمية مبثوثاً ومبعثراً في مئات المخطوطات والكتب المطبوعة المتفرقة والنقول غير المنضبطة في مؤلفات المتأخرين بلا ترتيب جامع أو تصنيف منهجي. وقد اعتمد ابن قاسم على الاستقراء الواسع لما نُسب إلى ابن تيمية من فتاوى، سواء في كتب تلاميذه أو في مجموعات الرسائل القديمة، ثم فرزها وتحقق من نسبتها وجمعها وفق ترتيب فقهي موضوعي يبدأ بأصول الدين والعقيدة ثم العبادات. ثم المعاملات فالمسائل السياسية والاجتماعية، وصولاً إلى الردود والمناظرات.
ومثّل صدور مجموع الفتاوى في طبعته الكاملة في سبعة وثلاثين مجلداً لحظة تأسيسية في تثبيت صورة ابن تيمية مرجعيةً علميةً معتبرة. فنشْرُ المجموع جاء بدعم مباشر من الدولة السعودية، في عهد الملك سعود ثم الملك فيصل، ما منح المشروع غطاءً رسمياً ومؤسسياً غير مسبوق في تاريخ نشر تراث ابن تيمية. والأهم من ذلك أن طريقة الجمع نفسها أظهرت ابن تيمية مفكراً نسقياً متكاملاً وذلك بعد أن فُصلت الفتاوى عن سياقاتها التاريخية الجزئية ورتبت موضوعياً، ما سهّل الرجوع إليه وتدريسه وفحص آرائه في المسائل المتعددة.
وعلى تشعبها وتوسعها، أدت هذه المسارات لتلقي ابن تيمية وإحياء إرثه في العصر الحديث لتنوّع بيّن في تأويل مقولاته وتوظيفها في مواضيع متعددة، لاسيما موقفه من الجهاد.
اعتمد فرج على قراءته بعضَ فتاوى ابن تيمية في بناء أطروحة على أساسين: أن الحكومات العربية المعاصرة ارتدت عن الإسلام، وأن الواجب في ردتها هو القتال. أحد هذه الفتاوى تلك المتعلقة بقتال التتار الذين يهددون بلاد الشام بالغزو حتى بعد إعلانهم الدخول في الإسلام.
وكان ابن تيمية استند في حكمه على أصلين "أحدهما: المعرفة بحالهم، والثاني: معرفة حكم الله فيهم". وفصل بعدها في شرح فتواه الداعية لقتال التتار بالقول: "كل طائفة خرجت عن شريعة من شرائع الإسلام الظاهرة المتواترة فإنه يجب قتالها باتفاق أئمة المسلمين". وقد بين في هذه الفتوى الظلم الذي مارسه التتار ضد المسلمين في بلاد الشام، من سلب وخراب للديار مع أنهم "أعطوا الناس الأمان وقرأوه على المنبر بدمشق".
شبه فرج حال الحكومات العربية لحال التتار في زمن ابن تيمية. وأكد أن هذه الفتوى تكشف عن موقف واقعي ومرن في التعامل مع المستجدات. ورأى أن ابن تيمية لم يلتزم بالتصنيف التقليدي للعدو الإسلامي وغير الإسلامي، بل قيَّم الفعل بحسب أثره على وحدة المجتمع المسلم وحماية الشريعة. وبالتالي اعتبر أن فهمَ ابنِ تيمية الجهادَ مرتبطٌ بالمصلحة العامة للمسلمين، وليس مجرد تحريك القوات لمواجهة أي عدوان.
ومقابل استناد فرج على ابن تيمية لتبرير الخروج المسلح على الحكومات، نجد الداعية يوسف القرضاوي يستند عليه أيضاً لإثبات أن الجهاد في الإسلام دفاعي بالمقام الأول. ألّف القرضاوي كتاب "فقه الجهاد" سنة 2009 في سياق الحرب العالمية ضد الإرهاب التي أعقبت أحداث الحادي عشر من سبتمبر سنة 2001 وانتشار الحركات الجهادية والتداخل فيما بينها وحركات مقاومة الاحتلال في العراق وأفغانستان وفلسطين. جاء الكتاب لتقديم رؤية فقهية معاصرة للجهاد تستند إلى القرآن والسنة وآراء فقهاء منهم ابن تيمية.
ركز القرضاوي في أطروحته على التمييز بين الجهاد الدفاعي والجهاد الهجومي. واستهدف توجيه الطلاب والدعاة والناشطين لفهم الشريعة في السياسة المعاصرة، ودعم الفعل المقاوم المشروع دون الانزلاق إلى التطرف أو الإرهاب. وقبل إثبات أطروحته، قال القرضاوي عن فتوى ابن تيمية ضد التتار بأنها "فتوى ملهمة، صدرت في ظرف تاريخي محدد، حين اجتاح التتار بلاد المسلمين ولم يلتزموا بشريعة الإسلام، فكان من الواجب دفعهم. ولا يجوز أن تُحمل هذه الفتوى خارج سياقها لتكون ذريعة إلى قتال المسلمين اليوم".
بعد ذلك انتقل القرضاوي لإثبات أن ابن تيمية فرّق بين جهاد الدفع وجهاد الطلب، وأن الأوّل هو المقام الأساس لواجب الجهاد، بما يتوافق مع مقاومة المحتل والمستعمر الأجنبي. وقد وضح ابن تيمية رأيه في تلك المسألة في رسالته المعروفة باسم "رسالة في القتال". إذ ساق بعضَ الآياتِ القرآنية التي حملت الأمر بقتال الكفار والمشركين، وأوضح أن بدء تلك الفئات بقتال المسلمين هو "علة الأمر بالقتال". ورجع للنهي القرآني "ولا تعتدوا"، واتخذ منه دليلاً على أن قتالَ من لم يقاتل المسلمين عدوانٌ.
أشاد القرضاوي برسالة ابن تيمية، وقال فيها: "ولشيخ الإسلام ابن تيمية رسالة في (قتال الكفار)، أيد فيها هذا الرأي بما عهد عنه من براعة وتميز وموسوعية، في قوة التأصيل، ووفرة التدليل، وقد أنكرها بعض علماء السعودية، وأبوا أن يدخلوها في مجموع فتاواه التي بلغت خمسة وثلاثين مجلداً، بغير حجة، إلا أنها لا توافق اتجاههم الذي تبنوه، وهو وجوب قتال العالم كله: من سالمنا ومن حاربنا سواء".
ثم أفرد القرضاوي بعدها العديد من الصفحات لاستعراض رأي ابن تيمية وأدلته، منها تبيينه مركزيةَ الأمر القرآني "لا إكراه في الدين". واستعرض رده على من قال بنسخ تلك الآية، بأن "جمهور السلف والخلف على أنها ليست مخصوصة ولا منسوخة، بل يقولون: إنا لا نكره أحدا على الإسلام، وإنما نقاتل من حاربنا، ورد ابن تيمية على من زعم أنها نزلت قبل الأمر بالقتال بأن هذا غلط، فإن سورة البقرة مدنية كلها، وفيها غير آية تأمر بالجهاد".
تأثر توظيف كلٍّ من محمد عبد السلام فرج ويوسف القرضاوي الجهادَ عند ابن تيمية فيما يبدو بالسياقات السياسية والتاريخية التي عاشاها. إلا أن القراءةَ المتأنية كتاباتِ ابن تيمية عن الجهاد ستظهر صورة مختلفة عن مقاربتي فرج والقرضاوي. إذ يتبيّن أن اختزال فكر ابن تيمية بين تسويغ قتال الحكومات كما عند محمد عبد السلام فرج أو حصر الجهاد في كونه دفاعاً خارجياً صرفاً كما عند يوسف القرضاوي، قد لا يعبّر بدقة عن تصوره الحقيقي. فابن تيمية لا يقدّم نظرية معيارية مغلقة للجهاد، بل يشتغل بمنطق فقه الواقع المشروط. وهو بهذا يربط القتال بسياق العدوان المتحقق ووجود الشوكة ومآلات الفعل مع تمييز واضح بين الحكم على الفعل والحكم على الفاعل. ويتجلى ذلك في سياق الفتاوى المتعلقة بالتتار، إذ لا يجعل تعطيل الشرائع موجباً آلياً للقتال بل يشترط الامتناع المسلح ودرء المفاسد الراجحة.
كذلك اختزل القرضاوي أطروحة ابن تيمية في مسألة جهاد الدفع، واجتهد في قراءتها لصالح فكرته الرامية لقصر مفهوم الجهاد على مقاومة المستعمر. وردت العديد من نصوص ابن تيمية التي تذهب إلى وجوب قتال المسيحيين واليهود والزرادشتيين حتى يتحولوا إلى الإسلام، أو يدفعوا الجزية للمسلمين. يقول ابن تيمية مثلاً: "فأما أهل الكتاب والمجوس فيقاتلون حتى يسلموا أو يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون".
وعليه، حسبما أشار إلى ذلك أستاذ الدراسات الإسلامية في جامعة برمنغهام البريطانية، جون هوفر، في كتابه "ابن تيمية: حياته وفكره" المترجم للعربية سنة 2020، فإن الجهاد عند ابن تيمية ممارسة استثنائية منضبطة بميزان القدرة والمآل. وهو ما غُيِّب في القرائتين الموجهتين المتعارضتين لفرج والقرضاوي.
بعد الجهاد، تعد مسألة التكفير في فكر ابن تيمية من أكثر القضايا جدلاً في الفكر الإسلامي المعاصر. ويتجاوز هذا نصوصه إلى تعدد القراءات المتباينة تلك النصوص واختلاف المناهج التي تُفهم منها.
طرح أبو محمد المقدسي أفكاره عن التكفير في كتابه "ملة إبراهيم" الذي نشره إلكترونياً سنة 2010. وسعى منه إلى بناء أساس عقدي صارم يبرّر القطيعة الشاملة مع الأنظمة والمجتمعات التي لا تحكم بما يراه "شرع الله". ولتحقيق ذلك استدعى مفهوم ملة إبراهيم ليجعله معيار الولاء والبراء. والفكرة الجوهرية التي انطلق منها المقدسي هي "البراءة من الطواغيت" انطلاقاً من فهمه قولَ ابن تيمية عن التتار الذين "أظهروا الإسلام ولم يلتزموا بشرائعه".
يقول المقدسي: "إن الحكم بغير ما أنزل الله هو من أعظم نواقض الإسلام، وقد بيّن شيخ الإسلام ابن تيمية أن من التزم شريعة غير شريعة الله فقد كفر كفراً أكبر مخرجاً من الملة".
بهذا الفهم، لا يتعامل المقدسي مع فتاوى ابن تيمية اجتهاداتٍ سياقيةً في ظرف تاريخي محدد، بل قواعد كلية صالحة للتعميم. ويرى أن ابن تيمية لم يفرّق – في جوهر موقفه – بين التتار وغيرهم من الحكام الذين يستبدلون الشريعة بالقانون الوضعي، إنما اعتبر ذلك "ردة عن الإسلام من جهة الحكم"، حتى لو أُعلن الإسلام لفظاً. ويصرّح المقدسي في كتابه "الكواشف الجلية في تكفير الدولة السعودية" المنشور إلكترونياً سنة 1999، بأن "قتال هؤلاء إنما هو قتال مرتدين، لا قتال بغاة، كما قرره شيخ الإسلام في شأن التتار".
في المقابل، يقف الفقيه عبد الله بن بيّه موقفاً نقدياً حاداً من هذا النمط في قراءة ابن تيمية وذلك في كتابه "الإرهاب: التشخيص والحلول" المنشور سنة 2007. يقدّم الكتاب معالجة فقهية تحليلية لظاهرة الإرهاب تتجاوز المقاربة الأمنية إلى تفكيك الجذور المفاهيمية والشرعية للعنف. ويركّز على أخطاء تنزيل النصوص وغياب فقه المآلات وتسييس الفتوى مقدّماً بدائل تقوم على المقاصد والسلم وتجفيف منابع التطرف عبر إصلاح الخطاب الديني والمؤسسي.
وعند نقاش موقف ابن تيمية من التكفير، يرى بن بيّه أن التيار الجهادي اقتطع نصوصاً من سياقها التاريخي والمنهجي وحوّلها إلى شعارات تكفيرية. ومع أنه لم ينكر أن ابن تيمية قال بتكفير من استحل الحكم بغير ما أنزل الله، إلا أنه شدد على أن ابن تيمية نفسه وضع شروطاً دقيقة للتكفير تتصل بالعلم والقصد وانتفاء الشبهة وتحقيق المناط.
وكذلك فإن ابن تيمية، وفقاً لبن بيه، كان من أكثر العلماء تحرزاً من تكفير أفراد بعينهم وذلك مع صرامته العقدية. واستشهد بكلمته الشهيرة: "إني من أعظم الناس نهياً عن أن يُنسب معيّن إلى تكفير وتفسيق ومعصية، إلا إذا عُلم أنه قد قامت عليه الحجة الرسالية". وقد اعتبر بن بيّه هذا النص مفتاحاً لفهم منهج ابن تيمية كله. فالتكفير عنده ليس حكماً سياسياً عاماً، إنما حكم شرعي قضائي شديد الضبط لا يجوز تحويله إلى أداة صراع أو تغيير بالقوة.
لهذا يرفض بن بيّه القياس بين التتار والدولة الحديثة، معتبراً أن هذا القياس قياس مع الفارق. ويعلل موقفه بأن التتار كانوا يعلنون تحكيم "الياسق" (قانون وضعه جنكيز خان يتعلق جزء كبير منه بأحكام الجزاء والعقاب) شريعةً بديلةً، بينما واقع الدول المعاصرة أكثر تعقيداً وتداخلاً. وعلى هذا الأساس، فإن ابن تيمية عند بن بيه لا يمكن أن يكون سنداً لمشروع تكفيري معاصر، بل على العكس: يمكن توظيفه – إذا قُرئ قراءة متكاملة – في سدّ أبواب التكفير لا فتحها. فابن تيمية عالم اجتهاد لا منظّر عنف، وفقيه أزمة لا صاحب نظرية انقلاب دائم.
ومثلما شكلت السياقات التاريخية والسياسية منظور فرج والقرضاوي ناحية الجهاد في فكر ابن تيمية، كذلك ساهمت بصياغة رؤى أبي محمد المقدسي وعبد الله بن بيّه ناحية التكفير في هذا الفكر. أحدهما يرى النص وسيلة للثورة على السلطة، والآخر يراه وسيلة لضبط الفتوى وحفظ النظام العام.
فقد نشأ المقدسي في بيئة عربية مضطربة في الثمانينيات والتسعينيات، إذ شكلت أفغانستان نموذج الجهاد والتحولات السياسية الداخلية في الأردن وسوريا ومصر أرضيةً للصدام مع الأنظمة الوطنية. بهذا قرأ المقدسي نصوص ابن تيمية عن الفتن والولاء والبراء في سياق أزمة السلطة، مستخرجاً منها أساساً شرعياً لتكفير الأنظمة وتبرير الجهاد المسلح الداخلي.
أما ابن بيّه، فقد نشأ وتكوّن فقهياً في بيئة مستقرة نسبياً في موريتانيا، مع انخراطه في المؤسسات الدولية والهيئات الفقهية العالمية. وظل هدفه ضبط الفتوى وحماية المجتمعات من الفوضى والعنف. لذلك قرأ نصوص ابن تيمية عن التكفير ضمن منطق القضاء الشرعي وضوابطه التاريخية، مؤكداً أن الحكم على الشخص أو الجماعة لا يمكن أن يُترك للأفراد، وأن أي تساهل في التكفير يؤدي إلى استباحة الدماء وإفساد المجتمعات.
إلا أن القراءة المباشرة لكتابات ابن تيمية في مسألة التكفير، يبدو أنها تظهر فهماً أعمق وأدق من أيّ توظيف موجّه لاحق، سواء عند أبي محمد المقدسي أو عبد الله بن بيّه. فابن تيمية لا يقدّم قاعدة مفتوحة لتكفير الحكام أو المجتمعات المسلمة بمجرد انتهاك بعض الواجبات، بل يربط الحكم على الأفراد أو الجماعات بمجموعة شروط صارمة تشمل الشهادة الظاهرة بالعدوان وتحقق الضرر واستحالة الإصلاح بالوسائل الأخرى. ويوضح أن الهدف من التكفير استثنائي ومحكوم بالضرورة الشرعية والمصلحة العامة.

