في تلك الفترة كانت إندونيسيا مستعمرةً هولندية، وكانت الإمبراطورية الهولندية تخوض حرباً ضروساً ضد سلطنة آتشيه شمال جزيرة سومطرة. وبسبب هذه الحرب بدأت تتملك كثيراً من الهولنديين العاملين في الدوائر الاستعمارية مخاوفٌ من مكة ومواسم الحج، إذ ينظرون لها أحد منابع التمرد في مستعمراتهم الإندونيسية.
تعرّف هورخرونيه على هذه المخاوف أثناء اشتغاله على رسالة الدكتوراه عن طقوس الحج وعمله بعدها مدرساً للإسلام في معهد تدريبي للخدمة المدنية الاستعمارية. وعندما نما إلى علمه أن القنصل الهولندي في جدة بحاجة لدراسات سياسية وتجارية عن جزيرة العرب، تحصل على منحة من وزارة المستعمرات ومسكناً في مقر القنصلية في جدة لدراسة تأثير الأخوّة والتضامن الإسلامي على الحجاج القادمين من إندونيسيا. وفي فبراير 1885 غادر جدة إلى مكة بعد أن أخذ إذن الوالي العثماني الذي كلّف مجموعة من العسكر بحمايته في الطريق المحفوفة بالمخاطر إلى مكة. ومكث في مكة خمسة أشهر درس فيها عند أهم شيوخها في ذلك الوقت وهو مفتي الشافعية أحمد زيني دحلان. كذلك خالط الهولنديُ عبدالغفار أفندي، كما كان يُعرف حينئذ، مجتمعَ الجاوية وراقبهم عن كثب، وظل كذلك حتى مغادرته مكة والجزيرة العربية في أغسطس 1886 بطلب من الوالي العثماني.
دراسة هورخرونيه مكةَ ملتقىً للحجاج والأفكار جعلته أحد أهم المستشرقين في أوروبا بعد نشره كتاب "صفحات من تاريخ مكة" المترجم للعربية سنة 1999. لكنها أيضاً مكنته من أن يقضي سبعة عشر عاماً مستشاراً للسلطات الاستعمارية في إندونيسيا مقدماً أنجع الطرق لكيفية حكم المسلمين وإنهاء الحرب مع سلطنة آتشيه. تبنى كثيرٌ من المفكرين المسلمين في العصر الحديث هذه النظرة إلى مكة والحج مركزاً سياسياً وملتقىً للأفكار والحركات الاجتماعية. وذلك بعدما كانت الكتابات السابقة التي تناولت مكة والحج، مثل كتابات ناصر خسرو وابن جبير، محصورةً بالوصف الجغرافي والمناسكي وتوثيق المشاق. وارتبطت غالبية رؤى المفكرين المسلمين الجديدة، من سوريا والهند لمصر وإيران، بمشروع النهضة ومقاومة الاستعمار. من هنا حاول كلٌ بطريقته استنطاق دلالات سياسية واجتماعية جديدة من الحج تتخطى وظيفته التعبدية ووصف مشاقه ومناسكه.
ولد ناصر خسرو القبادياني لأسرة فارسية سنة 1004 في قباديان التي تقع اليوم في أقصى جنوب طاجيكستان. عمل عدة سنوات في خدمة الدولة الغزنوية المهيمنة على تلك المناطق التي حكمتها سلالة تركية.
عند بلوغه الأربعين، وكان حينئذ في مدينة جوزجان (التي تقع ضمن أفغانستان اليوم)، مرّ خسرو بأزمة فكرية انغمس بسببها في شرب الخمر هرباً من ضغوطه، إلى أن شهد حلماً غيَّر مجرى حياته. رأى في منامه شخصاً يقول له: "إلى متى ستظل تشربُ من هذا الخمر الذي يدمر عقل الإنسان؟ إن بقاءك واعياً خير لك". فأجابه خسرو بأن الحكماء لم يجدوا وسيلة أخرى لتخفيف أحزان الدنيا. ردَّ عليه الشخص في الحلم إن فقدان الوعي ليس راحة حقيقية، فالإنسان الحكيم هو من يبحث عما يصقل العقل والحكمة. وعندما سأله خسرو عن وجهة هذا البحث، أشار الشخص إلى القِبلة ثم لزم الصمت.
على وقع هذا الحلم ترك خسرو وظيفته في الدولة الغزنوية وسدد ديونه، ثم انطلق سنة 1045 في رحلة استغرقت سبع سنوات. زار في رحلته بلاد فارس والشام والقدس ومصر والسودان والحجاز ونجد والأحساء.
بدأ رحلته بالذهاب إلى علماء المذاهب المختلفة بحثاً عن الحقيقة، لكنه لم يجد إجابات شافية. ولما يأس، توجه إلى القاهرة معقل الخلافة الفاطمية آنذاك. قابل هناك المُعلم المؤيد في الدين الشيرازي وشعر أنه عثر على الدواء الذي يداوي آلامه الفكرية. قال له الشيرازي: "لقد وُجدَت الجوهرة في منجمك"، وشرع يعلِّمه أن لكل شيء معنى ظاهراً وآخر باطناً يتعيّن على الإنسان البحث عنه بعقله. ونتيجة هذا اللقاء، اعتنق خسرو المذهب الإسماعيلي. وعدّ الحاكم في القاهرة هو القائد الروحي الذي أُشير تجاهه في الحلم، إذ أن القِبلة عند الإسماعيلية تعني الإمام الواجب الاتباع.
بعدها أدى ناصر خسرو الحج أربع مرات، وعقب رحلته الأخيرة ألف كتاب "سفرنامة" سنة 1046 باللغة الفارسية. ويُعد الكتاب سجلاً شاملاً لكل خطوة قطعها في رحلته، إذ لم يكتف بسرد وقائع عادية، إنما اهتم بالتفاصيل العلمية والهندسية. كان خسرو يقيس أسوار المدن بخطواته، ويصف نظم الري وهيئة الأسواق وأنواع الورق والأقمشة في كل بلد مر بها. وبلغت دقة ملاحظاته حدّ أن باحثين في القرن التاسع عشر، مثل المستشرق البريطاني غاي لي سترانج وتشارلز ويلسون وتشارلز وارين من الصندوق البريطاني لاستكشاف فلسطين، اعتمدوا على وصفه القدسَ لتحديد مواقع المعالم القديمة المندثرة.
ومع أنه اختار الإسماعيلية التي كانت في ذلك الوقت دعوة سياسية ودينية، إلا أنه لم يُظهر أي حسّ سياسي واجتماعي عندما تحدث عن زيارته مكةَ وأدائه الحج. فقد اعتنى عناية خاصة بالطبيعة المكانية لمكة وموقعها بين الجبال. وتوقف عند تفاصيل تضاريسها مثل جبل أبي قبيس ودلالاته الدينية المرتبطة بالنبي إبراهيم، وسجل عدداً من الملاحظات عن العمران والأسواق وارتباطها بخدمة الحجيج. فعلى سبيل المثال، عند وصفه الكعبةَ يذكر أن باب الكعبة مصنوع من خشب الساج وعليه نقوش فضية وذهبية، ووصف المعلاق أو الدرج الخشبي المُستخدَم لفتح الباب. وعند دخوله الكعبة، استنتج أنها تتسع لحوالي سبعمئة وعشرين شخصاً.
ولعل السبب في عدم رؤية بُعد سياسي في مكة أو في الحج هو أنه، بعدما أصبح جزءاً من الجهاز الدعوي الإسماعيلي، صارت القاهرة عنده مركزَ الإمامة وقاعدة السياسة. فعند حديثه عن الحج يركز على الجانب الباطني للمناسك وعلاقتها بالإمام المقيم في القاهرة. يتبين ذلك مثلاً في كتابه "وجه الدين"، الذي نُشر في غير طبعة، ويوضح فيه خسرو أن الكعبة تمثل رمزاً للإمام الحاضر وأن الداعي هو المحراب الذي يوجه الناس للإمام.
ومن هذا المنظور، كان خسرو يعد كل خطوة يخطوها في مكة وسيلة لتقريب روحه من الإمام الذي يسميه الإسماعيلية "بيت علم الله". ويفسر ذلك لماذا كان يصف معاناة الحجاج في الطريق أو جفاف مكة جزءاً من مشقة الرحلة الدينية، دون أن يحاول ربط مكة بمشروع سياسي ينافس مركزية الإمام في القاهرة.

نسب المصنَّف والترخيص بالمثل ٤٫٠.
نجد تجاهل الأبعاد السياسية لمكة والحج أيضاً عند ابن جبير الذي قدِم إلى مكة من الأندلس بعد قرن من زيارة ناصر خسرو. وقد وُلد ابن جبير في مدينة بلنسية الأندلسية سنة 1145، ونشأ في بيت علم وأدب أهله ليكون كاتباً بليغاً وإدارياً في خدمة والي غرناطة أبي سعيد ابن المؤسس الفعلي للدولة الموحدية عبد المؤمن بن علي الكومي.
ذات يوم استدعاه الوالي وأكرهه على شرب سبعة أقداح من الخمر. ومع أن والي غرناطة ندم على صنيعه هذا وملأ القدح سبع مرات دنانير ذهبية وصبها في حجره. إلا أن ابن جبير، على غرار ناصر خسرو، قرر ترك الخدمة في بلاط السلطة وخصص تلك الأموال للحج تكفيراً عن ذنبه. انطلق ابن جبير في الثالث من فبراير سنة 1183 في رحلة إلى مكة وقضى بقية حياته في التنقل بين الحواضر الإسلامية.
دَوّن ابن جبير وقائع هذه الرحلة في مؤلفه الذي عُنون "رحلة ابن جبير"، واسمه الأصلي "تذكرة بالأخبار عن اتفاقات الأسفار" وقد صدر في غير طبعة. وصف الكتاب الحواضرَ التي مر بها في حوض البحر المتوسط ومصر والعراق والشام وصفاً شاملاً. وكتبه بأسلوب المذكرات اليومية. فعلى سبيل المثال، عندما وصل للإسكندرية كتب: "شهر ذى الحجة من السنة المذكورة [. . .] يوم نزولنا بالإسكندرية فمن أول ما شاهدنا فيها يوم نزولنا أن طلع أمناء إلى المركب من قبل السلطان بها لتقيد جميع ما جلب فيه، فاستحضر جميع من كان فيه من المسلمين واحداً واحداً وكتبت أسماؤهم وصفاتهم [. . .] وسُئل کل واحدٍ عما لدیه من سلع أو ناض ليؤدى زكاة ذلك كله دون أن يبحث عما حال عليه الحول من ذلك أو ما لم يحل".
ومع أن ابن جبير عاش في فترة شهدت بعض التنافس بين الموحدين في المغرب والأيوبيين في المشرق، ومر ببلاد كان يحكمها صلاح الدين الأيوبي الذي كان يُبجله، إلا أن حديثه عن مكة ظل حبيس أسوار الحرم ومناسك الحج. فكتابه ركز على مكة والمدينة. ويرى عالم الآثار المصري زكي محمد حسن في كتابه "الرحالة المسلمون في العصور الوسطى" المنشور سنة 1945 أن وصف مكة والمسجد الحرام ومناسك الحج وزيارة المدينة شغل ثلث الكتاب وشكّل القسمَ المحوري منه.
ويشير حسن إلى أن ابن جبير أقام في مكة قرابة ستة أشهر، ما أتاح له تقديم توثيق تفصيلي بالتاريخ العمراني والاجتماعي لمكة والمدينة في ذلك العصر. فنجده يعتني بذكر المقاسات والأبعاد بأسلوب يكاد يقترب من عمل المهندس المعماري. ذكر مثلاً أن بئر زمزم تبتعد عن الركن الأسود أربعاً وعشرين خطوة، وأن عمقها يصل إلى إحدى عشرة قامة (نحو عشرين متراً). وذكر أن كسوة الكعبة مكونة من أربع وثلاثين قطعة.
ومع كل الاختلافات بين ملابسات رحلتي خسرو وابن جبير، إلا أن الاثنين اتفقا على عدم التطرق إلى الأبعاد الحركية أو السياسية الاجتماعية لمكة والحج. وفي أطروحتها للدكتوراه بعنوان "الرحلة آند كِركيولم ثيوري" (الرحلة ونظرية المسار التعليمي) المقدمة لجامعة تكساس إي آند إم سنة 2011، تقول الباحثة العراقية مِثال محمد إن "ناصر خسرو نظر إلى رحلته للحج توبةً من خطايا الماضي، بعد أن أيقظه حلمٌ تحوّلي عن عبث الخمر وضياع العمر، فكانت الكعبة بالنسبة له مخرجاً نحو حياة جديدة أساسها العقل والحكمة. أمّا ابن جبير فقد قصد الحج رحلة غفران بعد أن أكرهه والي غرناطة على شرب الخمر، فكان يرى فيه غفراناً لذنبٍ فُرض عليه قسراً". وبهذا، وفقاً للباحثة، "يتضح أنّ الحج قد شكّل مساراً روحانياً متعدد الأبعاد: توبة عند خسرو، وتكفير عند ابن جبير".
كذا ظل توصيف مكة بالأغلب بلا بعدٍ سياسيٍ حتى قدوم عبد الرحمن الكواكبي بعد خسرو وابن جبير بعدة قرون.
كان الكواكبي معجباً بالتجربة البرلمانية العثمانية، فتلاعب بتاريخ ميلاده الرسمي ليصبح 1849 بدلاً من 1854 لكي يستوفي شرط السن للترشح لأول برلمان عثماني سنة 1876. لكن علاقته مع الدولة العثمانية بدأت تضطرب حين اصطدم بالوالي جميل باشا الذي كان يستولي على الأراضي لصالح مزارع السلطان الخاصة. خاض الكواكبي رحلة فكرية وصحفية شاقة، فأنشأ جريدة "الشهباء" ثم "الاعتدال"، وكان يستهدف بهما فضح استبداد الولاة العثمانيين مثل جميل باشا الذي حول حياة الحلبيين إلى جحيم بالمصادرات والظلم باسم السلطان.
ومع تفاقم الصراع بوشايات من مستشار السلطان عبد الحميد أبو الهدى الصيادي، وصل الأمر لاعتقال الكواكبي بتهمة الخيانة. حينها عُثر لديه على أوراق – أصبحت فيما بعد جزءاً من كتاب "أم القرى" – تشير إلى سعيه لتحريض القبائل العربية لانتخاب خليفة عربي بدلاً من العثمانيين. قادت زوجته فاطمة مظاهرة نسائية في حلب مطالبةً بإطلاق سراحه، وانتهى به المطاف إلى الهروب السري لمصر سنة 1898. وهناك، أكمل سلسلة مقالات كوّنت كتابيه "طبائع الاستبداد" و"أم القرى".
تشكلت لدى الكواكبي قناعةٌ بأن السبيل الوحيد لنهضة المسلمين يكمن في تكوين جامعة إسلامية تنطلق من مكة المكرمة. وجسّد هذه الرؤية في كتاب "أم القرى"، الذي نشر أول مرة في القاهرة سنة 1902 بعد أن ظهر سلسلة مقالات في أعداد مجلة "المنار". صاغ الكواكبي الكتاب على هيئة محاضر لجلسات مؤتمر تخيلي يُعقد في مكة المكرمة أثناء موسم حج سنة 1316 هجرية (الموافقة سنة 1899).
ضم هذا المؤتمر التخيلي اثنين وعشرين من المفكرين والعلماء يمثلون الأقطار الإسلامية من الصين إلى المغرب، ويجتمعون لتشخيص "الفتور" الذي أصاب الأمة والبحث عن الدواء الناجع له. وعبر قالب حواري، جعل الكواكبي المشاركين يناقشون مشكلات الأمة وسبل الخلاص منها وكأن المؤتمرَ واقعٌ ملموسٌ، متخذاً لنفسه دور كاتب أسرار الجمعية باسم "السيد الفراتي". طرح من هذا الحوار فكرة تأسيس جمعية عامة تصلح الأوضاع وتحقق الوحدة. واقترح الكواكبي تأسيس خلافة عربية روحية في مكة تكون منزوعة السلاح وتكتفي بالأمور الدينية والثقافية وتترك الإدارة والجيش للدولة العثمانية.
تكمن أهمية طرح الكواكبي في توظيفه الحج غطاءً معنوياً لاجتماع سياسي سري. فنظراً للرقابة الصارمة التي كانت تفرضها العيون العثمانية على أي حراك إصلاحي وعدم توفر مساحة لحرية الرأي، صمم الكواكبي طريقة المؤتمر ليكون في الكتمان. واختار له مكاناً منزوياً في "دار رجل من داغستان" بأطراف مكة، وأسبغ على المشاركين أسماء مستعارة لإخفاء هوياتهم الحقيقية. وقد نصت المادة الخامسة من القانون الأساس المقترح للجمعية في كتاب "أم القرى" على انعقادها سنوياً في ذي القعدة بمكة ليتمكن الأعضاء، ضمن مجلس جوهره شورى إصلاحي، من الحضور تحت غطاء "أداء فريضة الحج".
يمكن اعتبار البعد التشاوري في دعوة الكواكبي لعقد مؤتمر في مكة تأسيساً مبكراً "لفضاء عام" يقارب المفهوم الذي طرحه الفيلسوف وعالم الاجتماع الألماني يورغن هابِرماس. هذا ما أشار إليه المؤرخ الإسرائيلي إيتزحاك وايزمان في كتابه "عبد الرحمن الكواكبي: إسلامِك ريفورم آند أرب ريفايفل" (الإصلاح الإسلامي والنهضة العربية) المنشور سنة 2015. والمقصود توظيفه للحج ميداناً يلتقي فيه أهل العلم والمعرفة لنقاش عقلاني ونقدي عن شؤون المجتمع والدولة، ولخلق بيئة حوارية تتجاوز قيود الواقع السياسي.
أياً يكن، تتسم رؤية الكواكبي الحجَ ومكة بمَيسمَين. الميسم الأول أن الكواكبي يوظف الأهمية المعنوية للحج دون المساس بالشعيرة نفسها، وفي المادة الحادية عشرة من القانون الأساس، جعل مكة المركز الرسمي للجمعية العامة للجامعة الإسلامية. غير أن المادة المؤقتة نصَّت على أن يكون مقرها في السنتين الأوليين مدينتي بورسعيد أو الكويت، على أن يُنقل بعد ذلك إلى مكة.
لم يُفصح الكواكبي عن الأسباب التي دفعته لاختيار هاتين المدينتين مركزاً مؤقتاً للجمعية، إلا أن بطرس غالي، المتخصص بالقانون والأمين العام للأمم المتحدة في مطلع التسعينيات، ذكر في دراسته "الكواكبي والجامعة الإسلامية" المنشورة سنة 1957، بعض الأسباب. يرجح غالي أن اختيار الكواكبي بورسعيد لأنها ميناء دولي يسهل الوصول إليه. أما الكويت، فيرى غالي أن الكواكبي اختارها لما كان يُتوقَّع لها من مكانة بارزة مع البدء في مشروع سكة حديد الحجاز الذي قرر السلطان عبد الحميد إنشاءه في البلاد العربية.
وخلافاً لتفسير بطرس غالي، قد يكون سبب اختيار الكواكبي الكويتَ أنها دخلت تحت الحماية البريطانية سنة 1899، وهي السنة ذاتها التي بلغ فيها المشروع السياسي للكواكبي درجة متقدمة من النضج.
أما الميسم الثاني فهو أن الكواكبي اتخذ نهجاً إصلاحياً معتدلاً في توظيفه شعيرةَ الحج، وذلك على عكس رؤى تريد توظيف الحج بطريقة ثورية تمس قدسيةَ المكان وشعيرة الحج نفسها.
وإن كان الكواكبي تحدّث عن مؤتمر إسلامي تخيلي في مكة، فإن جهود جمعية الخلافة الإسلامية الهندية دفعت الملك عبد العزيز آل سعود إلى إقامة مؤتمر إسلامي فعلي في مكة في حج سنة 1926.
اختير أحد تجار الهند ليكون رئيساً للجمعية، بينما تولى شوكت علي المهام التنظيمية، واتخذوا من "منزل السلطان" في منطقة دونغري في بومباي مقراً دائماً للجمعية. واعتمدت في تمويلها على التبرعات.
تعود جذور حركة الخلافة الهندية إلى أروقة جامعة "عليكرة" الإسلامية، المؤسسة سنة 1875، التي ساهمت في تشكيل وعي جيل جديد من الخريجين المسلمين الذين تمردوا على نهج الموالاة المطلقة لبريطانيا الذي أسسه السير سيد أحمد خان. ففي أعقاب أحداث تمرد سنة 1857 بالهند التي أنهت حكم شركة الهند الشرقية البريطانية وبداية الحكم المباشر للتاج البريطاني، سعى سيد أحمد خان إلى ترميم العلاقة بين مسلمي الهند والاستعمار البريطاني. فكان من بين جهوده تأسيس جامعة عليكرة، لأنه رأى أن الاستعمار البريطاني لا يمكن أن يزول سريعاً، وأن مصلحة المسلمين تكمن في التعاون مع بريطانيا واكتساب تعليم حديث لضمان تمثيلهم السياسي وحماية حقوقهم. ومع اتساع نفوذ القادة الشباب داخل الجامعة، باتوا قادرين على السيطرة على أنشطتها وتوجيهها، جاعلين من قضية الخلافة والرموز الدينية أدوات مركزية لتعبئة الجماهير، وربط الهوية الإسلامية بالنضال الوطني الهندي.
برز الأخوان محمد وشوكت علي قادةً لحركة الخلافة، وهما اللذان ورثا إرثاً عائلياً يجمع بين التعاون مع التاج البريطاني والنزاع معه. فمن جهة حصل جدهما الشيخ علي بخش على إقطاعية مكافأة له على مساعدة البريطانيين أثناء تمرد سنة 1857. ومن جهة أخرى فقدت عائلة أمهما أملاكها بسبب انخراطها في المقاومة ضد البريطانيين. دفعت الأم ابنيها نحو تعليم عصري، فالتحق محمد علي بجامعة أكسفورد لدراسة التاريخ الحديث طامحاً في دخول سلك الخدمة المدنية، ولكنه عاد إلى الهند ليجد شغفه في الصحافة والدفاع عن قضايا المسلمين. وبمرور الوقت، تحول الأخوان من ارتداء البدلات الغربية إلى ارتداء الجلباب الطويل وإطلاق اللحى مكرسين حياتهما لمواجهة تداعيات الحرب العالمية الأولى التي هددت الخلافة العثمانية.
ولكن عندما ألغى مصطفى كمال أتاتورك مؤسسة الخلافة في مارس سنة 1924، تحوّلت أنظار الجمعية من محاولة الحفاظ عليها إلى إعادة التفكير في مكة والحجاز منطقةً توحد مسلمي العالم. وتخيلوا "جمهورية مكة" قلبَ نظامٍ عالميٍ جديد يقطع صلته بالنظام الدولي القائم على سيادة الدولة القومية على إقليم جغرافي معين.
بنى محمد علي جوهر هذه النظرة على قراءات متعددة بينما كان في السجن لترجمات مذهب الأحمدية القرآنَ الكريم وكتابات الأديب البريطاني "إتش جي ويلز" عن مملكة الله والجمهورية العالمية، لاسيما في كتابه "غاد ذا إنفيزيبل كينغ" (الله الملك غير المرئي) المنشور سنة 1917. ولّدت هذه القراءات لديه رؤية بأن الوقت قد حان لإقامة نظام إلهي على الأرض يكون فيه كل إنسان أخاً وزميلاً في عبودية الخالق وحده.
رأى جوهر أن مكة هي البيت العالمي الذي يستقبل البشرية في حالة من الضيافة المطلقة. فيها يذوب الغريب في أخوة إسلامية تتجاوز الأعراق والمذاهب. وأن الحج السنوي هو تجسيد هذه الأخوة الذي تتمثل فيه الحرية الإسلامية. ورأى أن في هذا النظام تلغي مكة الجغرافيا السياسية للإمبراطوريات الأوروبية ونظام الدولة القومية ذي النزعة العنصرية. وأن جزيرة العرب ليست ملكية خاصة للعرب أو الأتراك، بل ميراث مشترك للإسلام وينبغي أن تخضع لوصاية العالم الإسلامي أجمع.
وفي تأصيله لهذه الجمهورية، طرح محمد علي جوهر فكرة أن السيادة في مكة لله وحده، وأن أي حاكم ليس سوى "الأول بين متساوين" مستلهماً نموذج الخلافة الراشدة. يقول روي بار ساديه، المتخصص بالتاريخ الإسلامي في جامعة مانشستر، في دراسته "وورلد ميكينغ إن ذا حجاز [. . .]" (صناعة العالم في الحجاز[. . .]) المنشورة سنة 2024، إن جوهر كان يطمح لتحويل مكة إلى مركز كوني يبعث برسالة إلى جنيف (مقر عصبة الأمم)، مفادها أن مكة هي عاصمة "رابطة بني آدم" التي توحد الإنسانية. على عكس عصبة الأمم التي تمزق الشعوب وفق نموذج الدولة القومية.
وانطلاقاً من هذا التصوّر لسيادة الله على العالم المربوطة مباشرة بالمواطنة التشاركية، استطاع جوهر تطوير مخيلة سياسية تناقض السياسات الاستعمارية من جهة، وترفض أن يحسم مستقبل الحجاز بسكان الإقليم أنفسهم بل ينبغي أن يُحسَم فقط بتوافق إسلامي دولي.
لم يكن محمد علي جوهر الوحيد من منظري حركة الخلافة الذين طوّروا هذا المخيال السياسي الجديد عن مكة والحج، بل شاركه في ذلك أبو الكلام آزاد.
وُلد محي الدين أحمد، المعروف بلقب "أبو الكلام آزاد" سنة 1888 في مكة المكرمة، لأسرة هاجرت من الهند بعد تمرد الهند سنة 1857. ونتيجة لارتباط أبو الكلام آزاد المبكر بمكة، فإنها ظلت مرجعاً روحياً وأخلاقياً حاضراً في تصوراته الفكرية والسياسية اللاحقة.
رأى آزاد أن مكة هي المدينة الوحيدة في العالم التي كان مقصدها "جمع القلوب المتفرقة والنفوس المنكسرة للبشرية"، القادرة على أن تكون موضع ارتكاز لنظام عالمي جديد قائم على أخلاق عليا. ذلك أن المستويات غير المسبوقة من التقدم في التواصل والتفاعل التي أتاحتها وسائل جديدة للحركة والاتصال أبقت العالم منقسماً على ذاته. وهذه المنظومة الأخلاقية التي قام عليها النظام العالمي الجديد ستكون بديلاً أخلاقياً وفكرياً يتحدى أطر الإمبراطوريات الأوروبية ونموذج الدولة القومية.
يرى المؤرخ الهندي مُشير الحسن أن أفكار آزاد عن مكة مركزاً أخلاقياً عالمياً تمثّل اتجاهاً نادراً في الفكر الإسلامي. فمنذ نشأته ودراسته التصوف والفقه الإسلامي والفلسفة السياسية الغربية، إلى انخراطه في السياسة المناهضة الاستعمار في البنغال ومصر وتركيا، جسّد آزاد نموذج المثقف والناشط الذي نظر إلى العالم مجالاً واحداً للفعل الأخلاقي والسياسي. وبجانب نشأته على العلوم الإسلامية التقليدية بدأ أيضاً يستكشف الأفكار الحداثية في الفكر الإسلامي، وقد تأثر بأعمال كل من سيد أحمد خان وجمال الدين الأفغاني ومحمد عبده، لأنه كان قد زار مصر وقت كان فيه صدى أفكار الأخيرين مؤثرة في جنوب غربي آسيا.
عندما بدأت الحرب بين سلطان نجد عبد العزيز آل سعود وملك الحجاز الحسين بن علي الهاشمي سنة 1924، رأى أعضاء الجمعية فرصةً لتنفيذ مشروع جمهورية مكة. فالجمعية عارضت إعلان الحسين نفسه خليفة المسلمين في 1924 بسبب تعاونه مع البريطانيين ضد العثمانيين، ودعمت السلطان عبد العزيز آل سعود في حربه ضد الحسين. ولما نجح عبد العزيز في دخول الحجاز، كانت جمعية الخلافة الهندية أبرز الجمعيات السياسية الداعمة ابن سعود من مجلة الجامعة التي أصدرها أبو الكلام آزاد نصف شهرية من كلكتا بدءاً من أبريل 1923. رأت الجمعية أن ابن سعود هو الشخص القادر على حماية الحرمين الشريفين، بشرط أن يخضع الحجاز لحكم دستوري يقره المسلمون كافة في مؤتمر إسلامي عالمي.
وفعلاً عقد عبد العزيز المؤتمر الإسلامي في مكة سنة 1926 ودعى إليه وفوداً متنوعة من المسلمين. أرسلت جمعية الخلافة وفداً ضمّ الشقيقين علي وعبد الماجد دريابادي ومعهما سليمان الندوي، رئيس وفد الخلافة الهندي. قدم الوفد رؤيته التي بلورها سابقاً بتحويل الحجاز إلى كيان جمهوري تُديره هيئة إسلامية دولية منتخبة معتبرين أن المِحَن التي توالت على الحجاز كانت بسبب الملكية الوراثية. ومع سير جلسات المؤتمر وجد وفد جمعية الخلافة أن مقترحهم لم يحظ بالقبول وأن عبد العزيز آل سعود أعلن نفسه ملكاً على الحجاز.
بعد المؤتمر انقسم أعضاء الخلافة إلى مجموعتين. واحدة تضم أبو الكلام آزاد استمرت في دعمها الملك عبد العزيز، وأخرى انقلبت عليه. وعلى مدار العامين اللاحقين شنّت المجموعة المعارضة من أعضاء الجمعية حملةً سياسية وإعلامية مكثفة ضد الملك عبد العزيز.
في هذا السياق، يرصد محمد نعيم قريشي في دراسته "ذا إنديان خِلافت موفمنت (1918 - 1924)" (حركة الخلافة الهندية 1918 - 1924) المنشورة سنة 1978، أنه مع سعي الجمعية إلى البحث عن عاهلٍ مسلم آخر لإخراج الحكم السعودي من الحجاز، فإن ورقة المساومة الكبرى التي لوّحت بها تمثّلت في التهديد بمنع المساعدات السنوية الهندية عن الأراضي المقدسة وإيقاف الحجاج الهنود عن زيارة مكة إلى أن يخرج الملك عبد العزيز من الحجاز. غير أنّ أياً من هذه الحملات لم يكلل بالنجاح.

بابن سعود ويشير إلى الأخوين شوكي ومحمد علي في المؤتمر.
تلاقت هذه التصورات إزاء الحج ومكة مع الموجة الجديدة التي مرّ بها المشهد الثقافي المصري التي عُرفت بمرحلة "الإسلاميات". فضمن هذه الموجة انتقل عدد من المثقفين والكتاب المصريين من كتابات تتركز حول التعريف بالفكر الأوروبي ورموزه وتاريخه إلى كتابات تناولت التاريخ المبكر للإسلام والنبي محمد والخلفاء الراشدين.
اختلف الدارسون في تفسير هذا التحوّل. فيجادل أستاذ تاريخ الشرق الأوسط في جامعة أريزونا تشارلز سميث في دراسته "ذا كرايسس أوف أورينتيشن [. . .]" (أزمة التوجّه [. . .]) الصادرة سنة 1973، أن هذا التحول كان تحولاً في المنهج لا في الجوهر فرضته ظروف سياسية. فبعد الهجوم الذي تعرض له طه حسين ومحمد حسين هيكل واتهامهم بالإلحاد، أدركت هذه النخبة أن مشروعها التنويري أصبح معزولاً عن الوجدان الشعبي ومعرضاً للبطش من تحالف القصر وحزب الوفد والأزهر. لذا لجأوا إلى إعادة صياغة قيم الحداثة من داخل الإطار الإسلامي.
أما المؤرخان إسرائيل غيرشوني من جامعة تل أبيب وجيمس جانكوفسكي من جامعة كولورادو، فقد أرجعا التحول في كتابيهما "ريديفينينغ ذا إيجبشين نيشن" (إعادة تعريف الأمة المصرية) المنشور سنة 1995، إلى ظهور فئة "الأفندية الجدد". وهي الفئة التي بات من المستحيل على المثقفين المصريين تجاهل ميولها وطباعها إذا أرادوا الحفاظ على صلتهم بمجتمعهم.
شارك العديد من الكتاب في هذه الموجة. ففيها كتب طه حسين "على هامش السيرة" سنة 1933، وكتب توفيق الحكيم "محمد: سيرة حوارية" سنة 1936. كذلك كتب عباس محمود العقاد سلسلة العبقريات وبدأها بكتاب "عبقرية محمد" سنة 1942. فضلاً عن كتب أحمد أمين عن فجر الإسلام وضحاه وظُهره. لكن الشخصية المحورية التي دفعت هذا التحوّل وطبعتْه بطابعه المميّز كان الأديب والسياسي محمد حسين هيكل. فقد عُدّ كتابه "حياة محمد" الصادر في 1935 وكذا كتابه اللاحق "في منزل الوحي" سنة 1937، النصوصَ المركزية لهذا التحوّل الفكري والتجسيد الأكمل له.
أما المجلة التي عبرّت عن هذا التحوّل فهي مجلة الرسالة التي أسسها الأديب المصري أحمد حسن الزيّات سنة 1933. يقول إسرائيل غيرشوني في دراسته "إِجبشيَن لِبِرَلِزِم إِن أَن أَيْج أوف كْرايسِس أُوف أُورِيَنْتيشَن" (الليبرالية المصرية في عهد أزمة التوجه) المنشورة سنة 1999، إن مجلة الرسالة "ابنة نموذجية لعقد الثلاثينيات في مصر، إذ كانت من أبرز المنابر التي عبّرت عن انتقال المثقفين نحو الموضوعات الإسلامية، وعكست بصدق ازدياد اهتمامهم بالقضايا والموضوعات ذات الطابع الإسلامي. وقد كان الزيات نفسه إسلامياً وعروبياً مثالياً في توجهه الثقافي والوطني".
ومع أن كتابات مفكري هذه الفترة عن الحج ومكة تلاقت في غاياتها الكبرى مع مشاريع الكواكبي وجمعية الخلافة في جعل الحج رافعة النهضة والوحدة، إلا أنها افترقت عنها في آلية التوظيف.
فقد استثمر الكواكبي الحج مشروعاً تنظيمياً دقيقاً ذا طابع عقلاني، فيما أعاد مفكرو هذه الفترة إنتاج الحج مشروعاً وجدانياً ذا حمولة روحية يستهدف ترميم الهوية الجريحة في مواجهة الاستعمار الخارجي. بذلك انتقل توظيف الحج من كونه جمهورية إسلامية عالمية أو مجلس شورى للنقاش العقلاني، ليغدو في بعض أدبيات موجة الإسلاميات المصرية ملاذاً روحياً ورمزية تعويضية تستدعي أمجاد الماضي وتذيب الفوارق الطبقية لتكون استجابة نفسية وروحية أكثر منها سياسية.
يمكن اعتبار كتاب محمد حسين هيكل "في منزل الوحي" أحد أمثلة هذه الاستجابة النفسية والروحية للحج. وكتب هيكل هذا الكتاب بعد عودته من أداء فريضة الحج سنة 1936، وفيه دعا هيكل إلى جامعة إسلامية. وتجاوز هيكل في كتابه مجرد السرد الوصفي للمناسك، ليدعو إلى اتخاذ مكة مقر "عصبة أمم إسلامية"، معتبراً أن دراسة حاضر البلاد المقدسة وماضيها هي المدخل لإصلاح الشرق.
يقول هيكل في الكتاب: "وأختم هذا التقديم [تقديم الكتاب] راجياً أن يثمر هذا العمل من تقدير قومي ما يدعو جامعات الشرق العربي، وما يدعو الكُتَّاب إلى مزيد من العناية بهذه البلاد الإسلامية المقدسة، ودراسة حاضرها وماضيها دراسة علمية دقيقة، وما يدعو المفكرين والساسة أولي العزم ليعملوا على إصلاح هذه البلاد، وليتخذوا من مكة أم القرى مقراً لعصبة أمم إسلامية". ثم يضيف: "ألا لو فعل هؤلاء وأولئك ليكونن عملهم أعظم فوزٍ لهذا الكتاب، وليكونن فتح الله يومئذٍ للمؤمنين مبينا".
أما المثال الثاني فالمقالات التي كتبها أحمد حسن الزيات في مجلته الرسالة. ففي أحدها، نظر الزيات إلى الحج "مؤتمر الإسلام العام" والمؤسسة الاجتماعية والسياسية التي تعوض غياب الخلافة.
ويتجاوز الحج عنده كونه شعيرة تعبدية ليصبح مجالاً حيوياً لتداول الشؤون السياسية وتجديد عرى الوحدة التي مزقها الاستعمار واستنهاض الهمم لمواجهة الظلم. واعتبر الزيات الحج الحصن الأخير للاجتماع الإسلامي الذي يُعيد التذكير بقيم الكرامة والتحرر. ومن ثَم يكون الحج هو المناسبة التي يجدّد فيها المسلمون حبّ وحدتهم ويتدارسون شؤونهم وشكواهم ويتواصلون بعد أن فرقهم الاستعمار الحديث.
ويتجلى البعد الإجتماعي للحج عند الزيات في كونه ركناً تتأسس به علاقة الفرد بالجماعة على نحو يجعله في مرتبة واحدة مع الزكاة ضمن ما أسماه الأركان الاجتماعية في الإسلام. والحج بهذا إطار جامع يرسّخ قيم التعارف والألفة بين المسلمين، ويجعل من التجرد من الامتيازات الاجتماعية والمادية مناسبة لإبراز قيمة محورية هي المساواة.
إلا أن الزيات رسم صورة شاعرية لهذه المساواة، معتبراً الحج "يخلع عن الإنسان أزياء الدنيا وألقابها" ليعود مجرداً إلى إنسانيته. أي أن المساواة عنده شعور وجداني أكثر منه نظام اجتماعي متحقق.
وإذا كان مفكرو مرحلة الإسلاميات في مصر نظروا للحج عاملَ تقدمٍ اجتماعي، فإن مفكري إيران في مرحلة صعود اليسار الإسلامي في السبعينيات نظروا له عاملاً ثورياً.
وانطلاقاً من هذا السياق الثوري الإسلامي، قدّم اثنان من مفكري هذا التيّار رؤى ثورية للحج ومكة. الأوّل علي شريعتي في كتابه "تحليل مناسك الحج" والثاني جلال آل أحمد في كتابه "قشة في الميقات".
ولد شريعتي في قرية تقع شمالي مقاطعة خراسان الإيرانية سنة 1933 في بيئة امتزج فيها التراث الشيعي بالتفكير النقدي. فوالدته كانت تنتمي لعائلة من كبار الملاك، وكان والده مفكراً إسلامياً ومعلماً ذا صيت. حصل شريعتي على شهادة في الأدب الفارسي سنة 1956، وهي الفترة التي تجلى فيها شغفه المبكر بالعدالة الاجتماعية من ترجمته كتابَ الأديب المصري عبد الحميد جودة السحار عن أبي ذر الغفاري. بعدها انتقل للدراسة في جامعة السوربون في باريس وهناك انخرط في الأنشطة الطلابية المناهضة الاستعمار، وتولى تحرير مجلات فارسية معارضة نظامَ الشاه.
بعد عدة سنوات من عودته إلى إيران، ألقى شريعتي من منبر "حسينية إرشاد" في طهران بين سنتي 1969 و1972 سلسلة محاضرات أحدثت حراكاً بين الشباب المسلم أعاد تفسير الإسلام باستخدام مفاهيم العلوم الاجتماعية الحديثة.
أما حياة جلال آل أحمد الفكرية فقد كانت حافلة بالتنقّل من أقصى اليمين الديني إلى أقصى اليسار الماركسي. وُلد آل أحمد سنة 1923 في طهران لعائلة متدينة ومحافظة. أرسله والده إلى النجف بالعراق لدراسة العلوم الدينية، لكنه عاد منها بعد أشهر قليلة محملاً بأسئلة وجودية وشكوك قادته إلى الانفصال التام عن سلطة الأب والمؤسسة الدينية التقليدية. بعدها انضم إلى حزب "توده" الشيوعي الإيراني في الأربعينيات، إذ وجد في الماركسية أداة لتحليل الواقع الاجتماعي في إيران. لكنه سرعان ما قاد انشقاقاً عن الحزب احتجاجاً على تغليب مصالح الاتحاد السوفيتي على المصالح الوطنية الإيرانية ليبدأ مرحلة البحث عن "طريق ثالث".
أصدر آل أحمد سنة 1962 كتابه الأشهر "غربه زدكي" (نزعة التغريب)، الذي شبّه فيه أزمة إيران بآفة القمح التي تنخر الحبة من الداخل وتترك قشرتها خاوية. قصد بهذا التشبيه أن التبعية للغرب ليست مجرد استهلاك للآلة أو الثقافة، بل هي "عدوى" تصيب الذات الوطنية فتعطل قدرتها على الإبداع والإنتاج.
كانت المدة الفاصلة بين كتب الاثنين عن الحج عشر سنوات. فجلال آل أحمد أدى الحجّ سنة 1964، قبل وفاته بخمس سنوات، وكتب عنه بعد عودته. أما شريعتي فقد ضمّن خلاصة رحلاته الثلاث للحج في كتابه "تحليل مناسك الحج" الذي نشره سنة 1972. ويُعد هذا الكتاب واحداً من ثلاثة أعمال ألّفها شريعتي عن الحج وهو أشهرها وأكملها طرحاً.
ومع وجود عدة اختلافات بين آل أحمد وشريعتي، إلا أن هناك ثلاث نقاط تشابه بين تناولهما الثوري للحج. أولها، أنهما وجدا في الحج شعيرةً تكسر الحواجز الثقافية والفكرية بين الناس. فشريعتي رآها تكسر الحواجز الزمنية وتعيد وصل الحاضر بجذور الإسلام الأولى. ورأى أن الحج يستمد وجوده الديني من الرسالة الاجتماعية للنبي إبراهيم، وأن "الحركة الإبراهيمية المناهضة للأوثان" لم تكن في جوهرها، وفقاً لإعادة تأويله شبه الماركسي، سوى ثورةً على المجتمع الطبقي. ووفقاً لهذا التصوّر، فإن الحج يربط المسلمين بهذا التقليد النبوي، ويُلقي على كاهلهم مسؤولية دينية اجتماعية تحرّرية لا يجوز إهمالها.
أما آل آحمد فرأى في الحج "أممية إسلامية" تتجاوز الحدود القومية، وأن الحج ذو قوة كامنة قادرة على مقاومة الاستعمار الثقافي الغربي.
ووجه جلال آل أحمد وعلي شريعتي انتقادات وتحفظات على الإدارة السعودية للحج. فكلاهما رأى أنه يجب تدويل مكة والمدينة. يقول أستاذ الدراسات الإيرانية في جامعة كولومبيا، حميد دباشي، في كتابه "ذا لاست مسلم إنتلكتشوال" (المثقف المسلم الأخير) المنشور سنة 2021، أن جلال آل أحمد في رحلته للحج هذه ينتقد السعوديين بشدة ويعتقد أن مكة والمدينة يجب تحريرهما من حكمهم وتحويلهما إلى مدينتين عالميتين لجميع المسلمين. وعلى نفس الخطى يقول شريعتي في كتاب الحج أن "أرض الحرم ليست ملكاً لأحد، إنها أرض حرة من أي رباط بالحكام والطغاة، ولهذا لا يمكن لأحد أن يسيطر عليها".
أما النقطة الثالثة التي ركز شريعتي وآل أحمد عليها فهي البعد الحركي لدور المثقف في تأملهم الحج. يرى جلال آل أحمد في كتابه أنه مثلما أن الفرد "يذوب في الجماعة أثناء الصفا والمروة" فإن على المثقف أن يقترب من هموم الناس وقضاياهم ومعايشهم. وأن الشخص أثناء الطواف "متصل بمنظومة معينة" وأنه ليس "منعتقاً متروكاً" لحاله. ومن هذا يمكن استخلاص رؤيته لما يجب أن يكون عليه دور المثقف.
يتفق علي شريعتي مع آل أحمد في البعد الحركي للمثقف، ويورد ذلك في تأمله الطوافَ. يقول شريعتي في كتابه: "إنك لكي تبلغ درجة الصلاح، يجب أن تهتم اهتماماً أصيلاً بمشاكل الناس لا كما يهتم الراهب المنعزل في صومعته، ولكن بالمشاركة الفعلية الحية في الميدان".
ولعل ذلك يعود إلى مأسسة أجهزة الدولة الحديثة الحجَ كاملاً. فبعد أن نظر للحج "غطاءً معنوياً" لاجتماعات سياسية سرية أو منبراً لثورة، أصبح عملية إدارية ضخمة تركز على الأمن والخدمات وتفويج الحشود. وحسب ما يذكر روبرت بيانكي، الأستاذ السابق للعلوم السياسية في جامعة شيكاغو" في كتابه "غِستس أوف غاد: بِلغْرِمِج آند بولِتِكس إن ذي إسلامِك وورلد" (ضيوف الرحمن: الحج والسياسة في العالم الإسلامي) المنشور سنة 2004، فإن الدول الحديثة حولت الحج لأداة للشرعية السياسية والسيطرة الحكومية، ونتج عن ذلك خنق الدوافع الفكرية التي كانت تسمح بظهور أطروحات مثل الجامعة الإسلامية التي تستلهم الحج ومكة. ومع سطوة سلطة الدولة في أمور التنظيم، يوضح بيانكي أن هناك صراعاً بين هذه المحاولات التنظيمية وبين إيمان الحجاج بأنهم "ضيوف الله" ولهم الحق في التحرك بحرية بعيداً عن القيود السياسية أو الأهداف الربحية.

