أزوان بين الذاكرة المشتركة وملكية الأغنية: تحولات التأليف الموسيقي في موريتانيا

تحولت موسيقى أزوان الموريتانية من الانتقال الشفاهي بين أفراد الأسر الفنية "إيغاوان" إلى عالم التسجيل وحقوق المؤلف الفكرية.

Share
أزوان بين الذاكرة المشتركة وملكية الأغنية: تحولات التأليف الموسيقي في موريتانيا
في أزوان طبقاتٌ من الذاكرة والمساهمة | تصميم خاص بالفراتس

حين سجلت الفنانة الموريتانية نورة منت سيمالي أغنية "ريشة" ضمن ألبومها "أربينا" سنة 2016، كانت تعود إلى عملٍ سبق صوتها بأربعين عاماً. فالنص للشاعر الموريتاني أحمدو ولد عبد القادر، واللحن لوالدها الموسيقي سيمالي ولد همد فال، فيما كانت ديمي منت آبا، زوجة أبيها، قد غنّت الأغنية قبلها سنة 1976، فارتبطت في ذاكرة كثيرٍ من الموريتانيين بصوتٍ سابقٍ صوتَ نورة. وحين عادت الابنة إلى لحن أبيها لم تستعده بالصورة نفسها، إذ غنّته بصوتها وعزفت على الآردين، وهي آلةٌ وتريةٌ تقليديةٌ تعزفها النساء في موسيقى "أزوان" الموريتانية، ووقفت إلى جانبها فرقةٌ تضم عازفي الغيتار وغيتار "البيز" والطبول. واجتمعت بذلك في بضع دقائق من الموسيقى أسماءٌ وأزمنةٌ متعددة: شاعرٌ كتب النص، وأبٌ وضع اللحن، وفنانةٌ سابقةٌ حملت الأغنية بصوتها، وابنةٌ أعادت غناءها، وعازفون ومنتجٌ صنعوا نسختها المسجلة الجديدة.

و"أزوان" هنا تشير إلى النظام الموسيقي التقليدي لدى البيظان، المجتمع العربي الناطق بالحسانية في موريتانيا والمجال الصحراوي المحيط بها. وقد حمل هذا النظام تاريخياً "إيغاوان"، وهي أسرٌ فنيةٌ اختصت داخل هذا المجتمع بالغناء والعزف وحفظ الشعر والأخبار ومآثر الجماعات، وتوارثت معارفه بالممارسة والمشافهة. ومن ثم فأغنية ريشة تبين جانباً من تشكّل العمل الموسيقي في موريتانيا، إذ إن القطعة التي تصل إلى المستمع بِاسم فنانٍ معينٍ قد تحمل وراءها تاريخاً أطول من تسجيلها الأخير. وقد يكون النص معلومَ القائل، ويأتي اللحن موروثاً أو يتطور داخل مقامٍ معروفٍ، ثم يضيف المؤدي والعازفون إلى الأداء، وتحمل الأسرة الفنية المادة من جيلٍ إلى آخر. 

مع خروج أزوان تدريجياً من نطاق الأسرة والمجلس إلى الإذاعة والشريط، ثم إلى الاستوديو والألبوم والمنصة الرقمية، تغيرت طريقة حفظ الأعمال ونقلها ونسبها إلى أصحابها. فقد جعل التسجيل الصوت قابلاً للحفظ والنسخ وإعادة السماع بعيداً عن المناسبة الأولى، وأصبحت القطعة تحمل عنواناً ونسخةً محددةً، وزاد وضوح أسماء الشعراء والملحنين والمغنّين والعازفين والمنتجين. وقد رافق ذلك مسارٌ قانونيٌ أعاد تنظيم هذه العلاقات عبر حقوق المؤلف وحقوق الفنان المؤدي ومنتج التسجيل وهيئات البث، مع إقرار الحماية للمادة الثقافية التقليدية نفسها. وبين ذاكرةٍ موسيقيةٍ سبقت الفنان الفرد، وعملٍ حديثٍ يمكن أن يحمل اسماً واعتماداتٍ وحقوقاً محددةً، تغير معنى النسبة والتأليف والملكية داخل نظام "أزوان" الموسيقي.


يُقدَّم أزوان في الأدبيات المتخصصة نظاماً موسيقياً مقامياً، أي قائماً على أطرٍ لحنيةٍ لها قواعدها ومساراتها، وليس مجموعةً من القطع المنفصلة. ففي تقديم الملتقى العلمي الذي خُصص له في نواكشوط سنة 2022، وُصفت الموسيقى البيظانية بأنها موسيقى "عالمة"، إذ يتحرك الموسيقيّ داخل إطارٍ واضحٍ ومركبٍ يتيح له إنشاء قطعٍ جديدةٍ واختيار المقام والشكل الملائمين لموضوع الغناء. يجري الإبداع وفق هذا التصور داخل معرفةٍ موسيقيةٍ قائمةٍ ومتوارثةٍ يتعلمها الفنان ثم يتصرف في عناصرها من داخل قواعدها.

تقدم أزوان في الأدبيات المتخصصة نظاماً موسيقياً مقامياً | خدمة غيتي للصور

وقد ارتبط حمل هذه المعرفة تاريخيّاً بإيغاون داخل المجتمع البيظاني، واقترنت مكانتهم بالأثر الذي يمكن أن يتركه ما يؤدونه من مدحٍ وهجاء. ففي دراستها "دو لانجير أون باي مور [. . .]" (الإهانة في بلاد البيظان، أو من لا يمدح ينتقد) المنشورة سنة 2004، تبيّن الباحثة في المعهد الوطني الفرنسي للبحث العلمي، كاترين تين الشيخ، أن إفراد شخصٍ بالمديح لم يكن محايداً تجاه الآخرين. وتستشهد بمثلٍ حسانيٍّ يفيد بأن "شكر واحد، عيب الآخر".

كذلك تورد مثالاً لرجلٍ من إيغاون، ويُسمّى الفرد منهم "إيغيو"، في آدرار شمال موريتانيا، كان يدين بالولاء لمحاربٍ يدعى الحزام ولد معيوف. وكان هذا في خصومةٍ مسلحةٍ مع أحمد ولد محمد، أمير آدرار بين 1872 و1891، وهي إحدى الإمارات التاريخية التي قامت في البلاد. وحين شاع خطأً خبر وفاة الحزام، نظم الفنان أبياتاً ترفع من منزلته بين المحاربين، فبلغت الأمير وأثارت غضبه وانتهى الأمر بإبعاد صاحبها عن المخيم الأميري ومنعه من مرافقته.

وتنطلق كاترين من حالاتٍ من هذا النوع إلى موقع المدح والهجاء في منافسات الشرف، فقد كانت أسر إيغاون في قلب علاقات المكانة بين أصحاب النفوذ. وتشير إلى هدايا كانت تُقدم مكافأةً على المديح، وأخرى تُدفع اتقاءً للهجاء، وتربط جانباً من الخشية منهم بقدرتهم على التأثير في المكانة الاجتماعية لمن يمدحونه أو ينتقصون منه، بل حتى من يتجاهلونه. وبذا كانت الكلمة المغناة تتحرك داخل شبكةٍ من العلاقات الاجتماعية التي تمنحها أثراً يتجاوز زمن غنائها.

بدورها، تقدم المؤرخة الفرنسية جينفييف ديزيريه في مراجعةٍ نشرتها سنة 1979 لكتاب الضابط الفرنسي ميشيل غينيار، المهتم بالموسيقى الموريتانية، "موزيك، أونور إيه بليزير أو سهارا" (الموسيقى والشرف والمتعة في الصحراء)، صورةً أخرى لهذه الوظائف. إذ تشير إلى الصلة الوثيقة بين الموسيقى والشعر، وإلى ارتباط الغناء في أوساط المحاربين باستحضار شجاعة الأسلاف وكرمهم ومآثرهم، في مقابل استدعاء إخفاقات الخصوم. وتذكر ديزيريه أن بعض الأغاني المؤداة في مقام "فاغو"، وهو المقام المرتبط بالفخر والحماسة والقتال، كانت تصاحب بضرب طبل الحرب وتُستخدم لإثارة حماسة المقاتلين، قبل أن تدخل لاحقاً في موسيقى الاستقبالات الرسمية. 

ويظهر هذا التخصص كذلك في توزيع بعض الآلات. فالآردين ارتبطت تقليدياً بالنساء، فيما ارتبطت التيدينيت بالرجال، إلى جانب حضور الطبل والصوت البشري. وفي سياقٍ مقاربٍ، تقف المؤرخة ديزيريه في مراجعتها عند مفارقة موقع إيغاون في السلم الاجتماعي التقليدي، فقد اقترنت مكانتهم المتدنية بخشيةٍ من قدرتهم على المدح والنقد وما يمكن أن يترتب عليهما من أثرٍ في السمعة.

 ارتبطت آلة الآردين تقليدياً بالنساء في موريتانيا | خدمة غيتي للصور

لم يكن هذا التخصص منفصلاً عن طريقة انتقال المعرفة الموسيقية نفسها. ففي كتاب الملحن شارل دوفيل "أو سورس دي موزيك دو موند [. . .]" (من منابع موسيقى العالم: موسيقى التقليد الشفهي) الصادر سنة 2010، يذكر أن إيغاون كانوا يتناقلون شفهياً من جيلٍ إلى آخر تقنيات المهنة، ولاسيما العزف على الآلات، إلى جانب قواعد الموسيقى ودقائقها. ويصف أسرهم بأنها أشبه بفضاءاتٍ لحفظ هذه المعرفة ونقلها. فالتعلّم يتركز على النظام الموسيقي والممارسة على الآلات، فيما يُكتسب الغناء بدرجةٍ أكبر من الاستماع إلى أداء الآخرين. بذلك كان الفنان يبدأ من معرفةٍ تلقاها قبل أن يضيف إليها في ممارسته الخاصة.

وتقوم هذه المعرفة على بنيةٍ موسيقيةٍ منظمة. فيعرض بوا نظام أزوان في خمسة مقاماتٍ رئيسةٍ بحسب ترتيب أدائها، هي كرّ وفاغو ولكحال ولبياظ ولبتيت. ويشرح أن بناءها يقوم على سلالم خماسيةٍ، أي سلالم تتألف أساساً من خمس درجاتٍ، قد تضاف إليها درجاتٌ ثانويةٌ للزخرفة أو الانتقال. 

يقدم الكاتب الموريتاني المهتم بالثقافة الشعبية والتراث محمد ولد أحظانا، في مقاله "الموسيقى الحسانية (موسيقى التيدينيت): ملامح البنية والدلالة والوظيفة" المنشور سنة 2013، شرحاً لبعض معاني أسماء هذه المقامات. فيردّ "كرّ" إلى معنى إحكام النسج، و"فاغو" إلى لفظٍ صنهاجيٍ – نسبةً إلى قبائل صنهاجة، وهي مجموعاتٌ أمازيغيةٌ تاريخيةٌ عاشت في بلاد المغرب والصحراء – يحمل دلالة الهجوم المباغت. ويحيل ولد أحظانا "لكحال" و"لبياظ" في الحسانية إلى السواد والبياض. ويذهب تفسيرٌ آخر إلى أن الطريق البيضاء يغلب فيها "أسلوب العرب"، فيما اختلط في الطريق الكحلة "نغمات السودان وألحانهم". أما "لبتيت"، وهو المقام الخامس والأخير في ترتيب الأداء، فيرتبط بالحنين والسلام.

كذلك يكتمل تمايز المقامات في الغناء بما يصاحبها من دلالاتٍ تتصل بموضوع الأداء ومزاجه. إذ ترتبط بعضها بأغراضٍ وحالاتٍ شعوريةٍ معينةٍ، من غير أن تتحول هذه الصلات إلى قواعد ثابتة. فيربط بيير بوا "كرّ" بالفرح والبهجة وبعض التعبيرات الدينية، و"فاغو" – مثلما أوردت أيضاً ديزيريه – بالفخر والحماسة، فيما تحضر في مقاماتٍ أخرى موضوعات الشوق والحب والحزن والحنين. بدوره، يقدم الكاتب الموريتاني محمد فال ولد سيدنا في مقاله "الموسيقى الحسانية: الأصول والمقامات" المنشور سنة 2011، تفصيلاً لهذه الصلات. فيقول بحضور الحماسة والتحميس في بعض صور "فاغو"، والشوق والوجدان في صورٍ أخرى، مع تنبيهه إلى أن العلاقة بين المقام والغرض الشعري لا تبلغ درجة القاعدة الثابتة.

مع ذلك، تظهر الفروق بين المقامات أيضاً في تفاصيل موسيقيةٍ لا تتصل بالغرض الشعري مباشرة. ففي مادة "موزيك دو موريتاني [. . .]" (موسيقى موريتانيا: موسيقى أزوان)، التي أعدها الموسيقي الفرنسي المتخصص في دراسة الموسيقى الموريتانية ميشيل غينيار سنة 2017، يربط التمايز بين المقامات الفرعية بموضع النغمة الأساس داخل السلم، وضبط بعض أوتار التيدينيت، وإضافة درجاتٍ إلى السلم الأساس، والدرجات التي يقع عليها التركيز أثناء الأداء. ويشير ولد سيدنا في مقاله سابق الذكر إلى أن المقامات تسير عموماً وفق ترتيبٍ معلومٍ، فإذا بدأ الفنان استثناءً من مقامٍ متأخرٍ، واصل ما بعده في التسلسل. 

أما الرصيد الموسيقي الذي يتحرك داخله المؤدي، فيتضح أكثر في وصف بيير بوا تشكل الأداء. فقد يبدأ بمقدمةٍ آليةٍ حرة الإيقاع على الآردين والتيدينيت، ثم ينتقل إلى القطع الإيقاعية والقصائد المغنّاة. ويذكر أن ألحان القطع تُبنى من صيغٍ لحنيةٍ أوليةٍ تعرف باسم "الردّات"، ويشكل مجموعها رصيداً لحنياً وإيقاعياً أساسياً في أزوان. يدخل المؤدي بذلك إلى مخزونٍ من الصيغ اللحنية والإيقاعية التي يعرفها أهل الفن، ثم يعيد تشكيلها أثناء الأداء.

وهكذا يكون نظام أزوان أسبق من القطعة التي يؤديها فنانٌ بعينه. فقد دخل المؤدي إلى معرفةٍ موسيقيةٍ قائمةٍ قبله، تضم مقاماتٍ وطرقاً وردّاتٍ وتقنيات أداءٍ ومواد شعريةٍ تتناقلها الأسر، ثم اختار منها وأضاف إليها أثناء المراس.


تتعلق قيمة المادة الفنية بما تحمله من شعرٍ ولحنٍ وأداءٍ، مثلما تتعلق بطريقة حفظها ونسبها وتداولها بين أهل الفن. ويتضح ذلك في التِّهيدين، الشعر الملحمي الحساني الذي يحتفي بمآثر الأمراء والسلاطين ويحفظ جانباً من الذاكرة الجماعية للمجتمع البيظاني. وهو الذي احتفظت به أسر إيغاون عبر أجيالٍ متعاقبةٍ، وبقيت موادّه مرتبطةً بأصحابها وطرائق أدائها.

وتحوي وثيقة الترشيح، التي قدمتها موريتانيا إلى اليونسكو سنة 2011 لإدراج التِّهيدين في قائمة التراث الثقافي غير المادي، صورةً بينّةً لهذا الارتباط. إذ تذكر الوثيقة أن معارفه كانت تنتقل من الأب إلى الابن داخل أسر إيغاون، فيبدأ الناشئ بتعلم العزف على الآلات، ثم يتدرج في اكتساب التقليد الشعري، فيما تمتلك كل أسرةٍ رصيداً خاصاً يميزها عن غيرها.

تظهر قوة هذا الارتباط في ما يسجله سيباستيان بولاي، الباحث في علم الإناسة في جامعة باريس، في دراسته "ريتانسيون أو ترانسميسيون [. . .]" (الاحتفاظ بالمهارات أم نقلها في المجال الصحراوي الغربي؟)، المنشورة سنة 2022. فعندما دخل التِّهيدين في مسار تصنيفه وحفظه تراثاً، استلزم الأمر التفاوض مع الأسر الحاملة لأرصدته. إذ كانت مطالبتها بنقل ما لديها تعني تجاوز محظورٍ صارم. ولم يكن الحصول على موافقتها يسيراً، حتى مع دعم مؤسسةٍ عموميةٍ وطنية.

توضح مريم بنت عبد الله، خريجة قسم اللغات الوطنية واللسانيات بجامعة نواكشوط والمهتمة بالتراث الموسيقي، في مقابلةٍ مع الفراتس، أن مفهوم الرصيد داخل الممارسة الفنية أوسع من مجموعة القصائد التي تحفظها الأسرة، إذ قد يضم ما تتناقله من ألحانٍ وطرائق في الأداء إلى جانب المادة الشعرية. وتضيف أن أصل كثيرٍ من هذه المواد يظل معلوماً لدى أهل الفن، بما في ذلك من ارتبطت به أو نقلها أو أضاف إليها. وتتيح هذه المعرفة التمييز بين ما يدخل في رصيد أزوان الأوسع وما يعرف أهل الفن صلته بفنانٍ أو أسرةٍ بعينها.

تأخذ هذه الصلة بين المادة الفنية وأصحابها صورةً مسموعةً في التسجيل أيضاً. ففي قطعة "مانيه" المحفوظة في أرشيف "دار ثقافات العالم" في فرنسا، تؤدي عائشة منت شغالي مع أفرادٍ من أسرتها، في تشكيلٍ عائليٍ يصفه الأرشيف بأنه متبعٌ، ويضم اثنين من إخوتها وإحدى قريباتها بالمصاهرة. والقطعة مديحٌ لجدّتهم مانيه، التي يقدمها الأرشيف فنانةً استثنائيةً من إيغاون، فتقول كلماتها وفق الترجمة المنشورة معها: "لم يغنِّ أي إيغيوٍ مثلك يا مانيه". ويعبّر المغنّي في موضعٍ آخر عن سعادته بإهداء الغناء إلى جدته. لا تحضر الأسرة هنا إطاراً لنقل الموسيقى فحسب، فالجدة التي تنتمي إلى التقليد الفني نفسه تصبح موضوعاً للغناء، فيما يحمل أحفادها مديحها بأصواتهم وآلاتهم. 

تقول الفنانة المعلومة بنت الميداح إنها نشأت في أسرةٍ فنيةٍ، وإن والدها المختار ولد الميداح كان مصدراً أساسياً لتكوينها الموسيقي | خدمة غيتي للصور

علاوةً على هذا، لم يمنع توارثُ المعرفة الفنانَ من الإضافة إلى ما تلقّاه. ففي مقابلةٍ نشرها موقع "وورلد ميوزيك سنترال" سنة 2010، تقول الفنانة المعلومة بنت الميداح إنها نشأت في أسرةٍ فنيةٍ، وإن والدها المختار ولد الميداح كان مصدراً أساساً لتكوينها الموسيقي، فقد استمعت إلى موسيقاه وصوته واستلهمت منهما في التلحين. 

تظهر هذه الإضافة الفردية أيضاً في الطريقة التي تُنسب بها عناصر العمل الواحد إلى أصحابها. ففي فهرس تسجيل عائشة منت شغالي "أزوان، فن إيغاون"، يؤدي محمد ولد شغالي في المسار السادس مديحاً نبوياً في قصيدةٍ من التِّهيدين ليوبا المختار ولد شغالي. وتقول بنت عبد الله إن مثل هذا التعدد معروفٌ داخل الوسط الفني، فتكون الكلمات لشخصٍ معلومٍ، ويرتبط اللحن أو بعض طرائق أدائه بفنانٍ آخر، ثم تقترن القطعة مع كثرة تداولها بصوت من اشتهر بأدائها.

وتضرب بنت عبد الله في حديثها مع الفراتس مثالاً بأبياتٍ للشيخ سيدي محمد بن الشيخ سيديّ الكبير، الشاعر والعالم موريتاني من القرن التاسع عشر، بقوله: "حكت رجع الوشام على الذراع، منازل بالكناون فالذراع". يستعيد البيت صورة الوقوف على الديار، فالكناون موضعٌ من مرابع الشاعر، وقد شبّه آثار المنازل الباقية فيه بأثر "الوشام" على الذراع، أي نقوش الحناء التي تتزين بها النساء على الأيدي والمعاصم. 

يستشهد الكاتب أحمد الصديق، في مقاله "مختارات من القديم: الوافر المفترى عليه بسبب 'اكحال كر'"، المنشور على موقع "بلنيار" سنة 2012، بالبيتين ضمن أمثلة شعر الوافر الذي يُغنّى في "لبياظ"، أحد مقامات أزوان. ويبين المثال بذلك كيف تظل نسبة النص إلى قائله معلومةً، في حين يكتسب داخل أزوان حياةً موسيقيةً أخرى مرتبطةً بمن يغنيه وبالمقام وطريقة الأداء.

أما اختيار المادة وطريقة تقديمها، فكانا يرتبطان بالمناسبة والمجلس. وتذكر وثائق يونسكو أن التِّهيدين كان يُؤدَّى في الأعراس ومراسم المصالحة والدعوات، وأن هذه العروض كانت مناسبةً لاجتماعاتٍ قبليةٍ إقليميةٍ أو أسرية. وفي الصدد نفسه، توضح بنت عبد الله أن طبيعة المناسبة والحاضرين والشخص المقصود بالمدح تؤثر في اختيار الفنان من رصيده وفي طريقة تقديم ما يختاره للمجلس.

وتتبين مكانة إيغاون في هذه المجالس كذلك من وصف الرحالة الفرنسية أوديت دو بويغودو في دراستها "آر إيه كوتوم دي مور" (فنون وعادات البيظان) المنشورة سنة 1968، وهي التي أمضت أعواماً في دراسة عادات المجتمع البيظاني وفنونه. فقد شهدت إيغاون وهم يؤدون نهاراً أدوار الوسطاء والرسل ونقلة الأخبار في موسم "الكيطنة" في منطقة تكانت وسط موريتانيا. والكيطنة هو موسمٌ سنويٌّ لجني التمور تتجه فيه الأسر والزوار إلى الواحات. ثم تصفهم ينتقلون ليلاً إلى الأداء أمام خيام الزعامات، وسط جمعٍ من الحاضرين يرقصون ويغنون ويصفقون بإيقاع.


كان العرف ومعرفة أهل الفن جانباً من تداول المادة ونسبتها، داخل شبكةٍ من الأسر والمجالس والعلاقات المباشرة بين حاملي أزوان ومستمعيه. لكن مع خروج الأداء من هذه الدائرة، بدأت المعرفة تجد وسائل أخرى للتثبيت مع الإذاعة والشريط والتسجيل.

وقبل أن تبدأ إذاعة موريتانيا في نواكشوط بثّها، كان التسجيل الصوتي قد دخل فعلاً إلى تداول الموسيقى البيظانية. ففي سنة 1953 صدر في سان لويس السنغالية تسجيل "موزيك مور" (الموسيقى البيظانية)، بأداء علي ولد عيد ومنينة منت نانا، في أسطوانتين عن المعهد الفرنسي لأفريقيا السوداء، مركز السنغال وموريتانيا. وبعد ستة أعوامٍ، في 27 يونيو 1959، افتُتحت محطة إذاعة موريتانيا في نواكشوط، لتحل محل المحطة التي كانت تبثّ من سان لويس خلال الإدارة الفرنسية.

بدأت المحطة بجهاز إرسالٍ مثبتٍ على سيارةٍ، ولم يكن بثّها يتجاوز نطاق نواكشوط. ثم اتسعت قدرتها على البث في العقود اللاحقة، وقد تكوّن داخلها رصيدٌ من التسجيلات والوثائق. ففي احتفالها سنة 2008 عُرضت نماذج من بث السنوات بين 1959 و1962، إلى جانب مواد من مكتبة الإذاعة وأرشيفها. ولم يقتصر حضور الإذاعة على بث الموسيقى، بل أيضاً تعداد موسيقيّي البلاد. فقد أجرت الإذاعة مسحاً في ستينيات القرن العشرين ووجدت أن نحو اثني عشر موريتانياً فقط كانوا يعرفون جميع مقامات موسيقى البيظان الرئيسة والفرعية.

أصبحت الإذاعة كذلك طريقاً إلى شهرةٍ تتجاوز المحيط العائلي والمجلس. فقد نشأت ديمي منت آبا في أسرةٍ من إيغاون وتعلمت الموسيقى في محيطها الأسري، ثم فازت سنة 1976 بالجائزة الأولى في مسابقةٍ للغناء نظمتها الإذاعة الموريتانية. وفي العام التالي مثّلت موريتانيا في مسابقة أم كلثوم في تونس وفازت بالجائزة الأولى. جمعت تجربتها بذلك بين التكوين داخل الأسرة ووسيطٍ وطني أتاح للصوت أن يصل إلى جمهورٍ أوسع، قبل انتقاله إلى مساحاتٍ دولية.

جرى هذا الاتساع في مجتمعٍ كانت فضاءات الاجتماع والأداء فيه تتغير. ففي مراجعته لمجموعة "والله لزين!" الموسيقية، المنشورة سنة 2012 في مجلة "إثنوميوزيكولوجي ريفيو" (مراجعة علم موسيقى الشعوب)، يربط إريك شميت، الباحث الأمريكي في علم الموسيقى العرقية، التحديث السريع الذي أعقب الاستقلال بتغيراتٍ كبيرةٍ في الحياة اليومية للموريتانيين. ويذكر أن إيغاون ظلوا في صدارة الاحتراف الموسيقي، مع بدء دخول موسيقيين من خارج أسرهم إلى المهنة. وأن الموسيقيين كانوا يؤدون في الأعراس ومناسبات المواليد وأعياد الميلاد والحفلات الخاصة والتجمعات السياسية.

يضيف شميت أن المنتج الإذاعي الأمريكي ماثيو لافوا، الذي أنتج "والله لزين!"، جمع تسجيلاتٍ من باعة الأشرطة في موريتانيا، وأن جانباً من المادة التي اعتمد عليها كان قد سجله أصحاب المناسبات الموسيقية تسجيلاً غير رسميٍ، باستخدام أجهزة تسجيلٍ بسيطة. وبذلك بقي من بعض المناسبات الحية تسجيلاتٌ يمكن تداولها وإعادة الاستماع إليها بعد انتهاء المجالس.

ويتشابه هذا الطرح مع ما تقوله بنت عبد الله، في مقابلتها معنا، إذ ربطت انتشار الأشرطة في السبعينيات وبدايات الثمانينيات باتساع دائرة الوصول إلى أزوان. تقول إن سماع إيغاون كان أوثق في السابق بالمجالس والمناسبات والدوائر القادرة على استضافتهم، فيما أتاح الشريط إعادة الاستماع إلى الأداء وتداوله بين أشخاصٍ لم يحضروا المجلس الذي سُجل فيه. وتضع هذا التحول، إلى جانب نمو المدن وتغير أنماط الاجتماع، تفسيراً لاتساع حضور أزوان خلال تلك المرحلة.

يضرب الموسيقي الألماني مايك هيرتينغ مثالاً على هذا الانتقال في تجربته الشخصية، ويوثقه في دراسته "سيستم تيوريك دو لا موزيك مور [. . .]" (النظام النظري للموسيقى البيظانية [. . .])، المنشورة سنة 2017. فيذكر أنه سمع الموسيقى الموريتانية للمرة الأولى في ثمانينيات القرن العشرين من شريطٍ لعائشة منت شغالي. وقد دأب على استماعه مع أنه لم يكن يفهم آنذاك الكلمات أو النظام الموسيقي الذي يسمعه. ويذكر كذلك أن لمرابط ولد الميداح، ابن المختار ولد الميداح، كان يحتفظ بأشرطةٍ صوتيةٍ لوالده، وأنها أفادت المشاركين في بحثه حين اختلفت آراؤهم واحتاجوا إلى الرجوع إلى أداءٍ سابق. تحول التسجيل هنا من وسيلةٍ للسماع إلى مرجعٍ يمكن استعادته ومقارنة الذاكرة به بعد مرور الزمن.

كذلك يذكر هيرتينغ، نقلاً عن المعلومة بنت الميداح، أن وقتاً أطول بكثيرٍ كان يُخصص في السابق لضبط الآلات. وإلى جانب تناقص عدد إيغاون العارفين بالدقائق النغمية، فإن الحدود الزمنية التي يفرضها التسجيل الإذاعي أو التسجيل على الشريط أدت إلى تقليص الوقت المخصص لضبط الآلات، حتى صار أكثر استعجالاً. 

ليس هذا فحسب، إذ تظهر آثار هذا الانتقال في شكل المادة الموسيقية حين تسجل وتصدر في ألبوم. ففي ألبوم ديمي منت آبا وخليفة ولد إيده "مورِش ميوزيك فروم موريتانيا" (موسيقى بيظانية من موريتانيا) الصادر سنة 1990، يتألف الإصدار من إحدى عشرة قطعةً، لكل واحدةٍ منها عنوانٌ ومدةٌ محددةٌ، ومن بينها "الاستقلال" و"موريتانيا، وطني الحبيب". وفي الأخيرة تتكرر اللازمة: "نختير عن كل أوطان، أوطان موريتان"، (أفضل من بين كل الأوطان وطني موريتانيا) قبل أن تستحضر الكلمات مسقط الرأس والحنين إليه وبعض صور حياة البادية. وهنا تُقدَّم الأغنية في التسجيل عملاً مستقلاً، له عنوانه ومدته ومكانه المحدد داخل الألبوم، ويمكن الاستماع إليه منفرداً بعيداً عن المجلس الذي كان الأداء يجري فيه. 

ويتضح جانبٌ آخر من تثبيت النسبة في ألبوم ديمي منت آبا "ميوزيك أند سونغز أوف موريتانيا" (موسيقى وأغاني موريتانيا)، الصادر سنة 1992. إذ لا تقدم بيانات الألبوم القطع كلها تحت نسبةٍ واحدة. ففي قطعة "إسربات" تظهر ديمي مؤديةً وكاتبةً للكلمات، في حين يُنسب التلحين إلى "التقليدي". بمعنى أنه لحنٌ تقليديٌ لا تنسبه بيانات الألبوم إلى مؤلفٍ محدد. وفي أغنية "يوم شجرة" تظهر ديمي مؤديةً، يغيب التقليدي وينسب التلحين إلى أحمد ولد آبا، أحد موسيقيّي أسرة أهل آبا. كذا تُنسب كلمات هذه الأغنية إلى والدها سيداتي ولد آبا، الموسيقي الذي لحّن النشيد الوطني السابق للبلاد. وفي قطعٍ أخرى تثبت البيانات اسم ديمي ملحنةً ومؤديةً وكاتبةً للكلمات.


على ما أحدثه من نقلةٍ، لم يُلغِ التسجيل الرصيد المتوارث ولا المعرفة التي يحملها أهل الفن، لكنه أضاف مرجعاً يمكن العودة إليه. ومع تثبيت التسجيلات عناوين القطع وأسماء المشاركين فيها، صار اسم الفنان يرتبط بصورةٍ أوضح بعملٍ ما. وتحضر تجربة المطربة المعلومة منت الميداح مثالاً مبكراً على ذلك.

ففي مقابلةٍ أجرتها معها "بي بي سي أفريكا" سنة 2007، تقول المعلومة إنها تعلمت الموسيقى البيظانية من والدها، وإن مسيرتها الفنية بدأت وهي في السادسة عشرة سنة 1976 مع أغنية "حبيبي حبيتو"، التي تناولت مشكلةً زوجيةً واجتماعية. ثم في مقابلتها مع  الصحفية دعاء الشامي، نشرها موقع "الجزيرة نت" سنة 2021، تضع المعلومة الأغنية ضمن توجهٍ بدأته في شبابها نحو موضوعات المرأة والمشكلات الزوجية، وعن حرصها على أن تكون الأغنية "حكاية".

وتقدم أغنية "حبيبي حبيتو" مثالاً مبكراً على هذا التوجه، إذ تبدأ كلماتها من لحظة اللقاء: "جيتو لأول مرة [. . .] مريضة منحرة، وضحكلي بالمرة [. . .] كيف اللي سريتو"، قبل أن تصل اللازمة إلى "طبيبي حبيتو [. . .] حبيبي حبيتو". وضمن هذا النسق، ينتقل النص من المرض واللقاء إلى صورة الطبيب والحبيب، في بناءٍ قصصيٍ يرتبط بالموضوعات الاجتماعية والعاطفية التي جعلتها المعلومة جزءاً من تجربتها الغنائية.

تذكر الفنانة أن الأغنية لاقت رواجاً في مهرجان قرطاج بسبب موضوعها ولحنها. ثم ظهرت بعد أعوامٍ ضمن ألبومها "ديزرت أوف إيدن" (صحراء عدن)، الصادر سنة 1998. ويضعها موقع "أفريسون"، في المادة التي أعدها الصحفي والباحث السنغالي في تاريخ الموسيقى الإفريقية ناغو سيك عن الألبوم، ضمن إصدارٍ يستلهم موسيقى أزوان إلى جانب البلوز.

تزداد طبقات النسبة هذه وضوحاً في ألبوم "نور"، الصادر سنة 2007. إذ تظهر المعلومة في الغناء والعزف على الآردين، وتنسب إليها البيانات التي نشرها ناغو سيك في "أفريسون" الكلمات والتلحين والتوزيع في معظم القطع، فيما يشارك موسيقيون آخرون في العزف. وتخرج قطعتا "كنتاويات" و"شتب" عن هذا النمط، إذ تصفهما البيانات بأنهما تقليديتان ولا تنسب كلماتهما وتلحينهما وتوزيعهما إلى المعلومة. وهكذا يجمع الألبوم تحت اسم المعلومة أعمالاً تحمل اسمها في التأليف وأخرى تحمل صفة "التقليدي"، إلى جانب أداءٍ موسيقيٍ شارك فيه أكثر من شخص.

وقبل أن تخرج ألبومات المعلومة، كانت موريتانيا قد دخلت في الإطار الدولي لحماية المصنفات الأدبية والفنية. إذ أودعت في 16 أكتوبر 1972 وثيقة انضمامها إلى اتفاقية برن لحماية المصنفات الأدبية والفنية، وأصبح انضمامها نافذاً في السادس من فبراير 1973. ثم انضمت في 17 يونيو 1976 إلى وثيقة باريس لسنة 1971 من الاتفاقية، ودخلت حيز النفاذ بالنسبة إليها في 21 سبتمبر من السنة نفسها. 

وبعد ذلك بنحو أربعة عقودٍ، صدر القانون رقم 2012-038 المتعلق بالملكية الأدبية والفنية، الصادر في 17 يوليو 2012، ليميز بين مواقع مختلفةٍ حول المصنف وأدائه وتسجيله. فتعرّف المادة 12 المؤلف بأنه الشخص الطبيعي الذي أنشأ العمل، فيما تقيم المادة 13، ما لم يثبت العكس، قرينةً على صاحب الحق لمصلحة الشخص الذي أتيح العمل باسمه بصورةٍ مشروعة. وتنص المادة 19 على تمتع المؤلف بحقوقٍ معنويةٍ وماليةٍ، وتمنحه المادة 20 حق الكشف عن عمله باسمه أو باسمٍ مستعار، بينما تمنحه المادة 21 حق المطالبة بإثبات اسمه وصفته على الحوامل المناسبة للعمل. ويضع هذا التعريف اسم صاحب المصنف في موقعٍ مختلفٍ عن أسماء الموسيقيين الذين يشاركون في أدائه وتسجيله، وهو فرقٌ بدأت بيانات الألبومات في إظهاره. 

مع ذلك، لا يضع القانون المادة التقليدية خارج نظام الحماية. فالمادة 8 تدخل ضمن "التراث الثقافي التقليدي" أعمال الموسيقى التقليدية والأعمال الموسيقية والأغاني الشعبية والتعبيرات، التي أنتجها المجتمع الوطني وطوّرها وتوارثها وأصبحت من خصائص ثقافته التقليدية.

يفصل القانون كذلك بين صاحب المصنف ومن يؤديه ومن يتولى تثبيت الأداء في تسجيل. فالمادة 106 تقرّ "الحقوق المجاورة" للفنان المؤدي أو المنفذ، ومنتج التسجيل الصوتي أو المرئي، وهيئات البث. وتعرّف المادة 107 الفنان المؤدي بما يشمل المغني والموسيقي وغيرهما ممن يؤدون الأعمال الفكرية أو أعمال التراث الثقافي التقليدي، بينما تمنحه المادتان 108 و109 حقوقاً تتعلق بتثبيت أدائه واستنساخه وإذاعته وتوزيعه وإتاحته للجمهور. وتضيف المادة 112 حقه في المطالبة بإثبات اسمه وصفته على أدائه، في حين تعرّف المادة 113 منتج التسجيل الصوتي بأنه الشخص الطبيعي أو الاعتباري الذي يتولى تثبيت الأصوات للمرة الأولى، سواءً جاءت من أداء عملٍ فكريٍ أو من عملٍ من التراث الثقافي التقليدي.

يظهر هذا الفصل بين المواقع عملياً في أحكام "النسخ الخاص" أيضاً. فعندما تحدد المادة 129 كيفية توزيع العائد المقرر لهذا النوع من النسخ، تخصص 30 بالمئة للمؤلف والملحن، و20 بالمئة للفنان المؤدي أو المنفذ، و20 بالمئة لمنتج التسجيل الصوتي أو المرئي، وتوجه 30 بالمئة إلى دعم الإبداع والمحافظة على التراث الثقافي التقليدي. وتتعلق هذه النسب تحديداً بالعائد الناتج عن "النسخ الخاص"، ولا تمثل قاعدةً عامةً لتوزيع عوائد المصنفات الموسيقية.

كان جيش ولد شغالي قد نقل بعض عبارات التيدينيت وتقنياتها إلى الغيتار الكهربائي، وحمل كلٌّ منهما معرفةً متصلةً بأسر إيغاون | خدمة غيتي للصور

لا ينتهي تعدد المساهمين عند حدود المؤلف والملحن والمؤدي ومنتج التسجيل، إذ استمر العمل الموسيقي نفسه في التشكل من مساهماتٍ متعددةٍ، ويتخذ هذا التعدد شكلاً جديداً مع الفرقة الموسيقية الحديثة. فالسيرة الفنية لنورة منت سيمالي تذكر أنها شكلت سنة 2004 فرقةً مع زوجها جيش ولد شغالي، تمزج بين معرفتهما بأزوان وتشكيلٍ موسيقيٍ حديثٍ، بعد أعوامٍ من العمل ثنائياً في الوسط الموسيقي المحلي. وكان جيش قد نقل بعض عبارات التيدينيت وتقنياتها إلى الغيتار الكهربائي، فيما حمل كلٌّ منهما معرفةً متصلةً بأسر إيغاون. ولم تتوقف التجربة عند التشكيل الأول، فقد سجلت الفرقة مشروعَيْ "أزوان" و"أزوان 2" في نواكشوط سنة 2012 و2013، قبل أن يصدر "تِزِنِّي" سنة 2014. 

ومن مشروع تِزِنِّي انتقلت المعرفة الموسيقية إلى تشكيلٍ جديدٍ، دون أن تنفصل عن الرصيد الذي نشأت داخله. إذ توزعت الأدوار بين نورة، التي تحمل الصوت والآردين، وجيش ولد شغالي في العزف على الغيتار، وعثمان توري على غيتار البيز، وماثيو تيناري على الطبول والإنتاج، إلى جانب أدوارٍ أخرى في التسجيل والمزج والإتقان. وتقدم المادة المصاحبة للألبوم هذه التشكيلة باعتبارها تجمع عناصر من أزوان، ولاسيما الآردين والغيتار، مع البيز والطبول، وتعيد تناول بعض القطع التقليدية البيظانية. ويصف ماثيو تيناري هذا التشكيل بأنه يقوم على عناصر أزوان الأساس داخل الفرقة: الآردين مع التيدينيت أو الغيتار، فيما تضيف غيثارة البيز والطبول قاعدةً إيقاعيةً أخرى.

تبقى القطع التي يعيد الألبوم تناولها متصلةً بالرصيد البيظاني، فيما تتشكل نسختها المسجلة من أداء الفرقة وترتيبها وإنتاجها. ويصبح تعدد هذه المستويات أوضح في ألبوم "أربينا" الصادر سنة 2016. إذ بالإضافة إلى مزج الأدوار بين الغناء والعزف والإنتاج والتسجيل والمزج، تُدمج أصواتٌ مساندةٌ في بعض القطع. وسُجل الألبوم ومُزج في استوديو "جي" في بروكلين بالولايات المتحدة الأمريكية.

كذا يمتد تعدد المصادر إلى الكلمات نفسها. فالمادة المصاحبة لأربينا تصف الشعر في تقليد إيغاون بأنه مادةٌ متحركةٌ بين صاحبها والجمهور، يستطيع المغني فيه أن ينتقي أبياتاً من مصادر مختلفةٍ لموسيقاه، وأن يجمع في الأغنية بين كلامه وشعرٍ كتبه له أو عنه شخصٌ آخر، وأبياتٍ ينقل بها كلام شخصٍ إلى آخر. ولا تظهر هذه المساهمات دائماً في صورة اسمٍ واحدٍ يقابل النص، إذ قد تتجمع في الأغنية كلماتٌ متعددة المصادر قبل أن يجمعها أداءٌ واحد. ويضيف التسجيل الحديث مستوىً آخر إلى هذا التعدد، إذ تتيح المنصة إظهار أسماء بعض المشاركين وأدوارهم في النسخة المسجلة.

بهذا ظل الإنتاج المشترك حاضراً في العمل الموسيقي، كما كان حاضراً في بيئته الأولى، لكن بعض علاقاته أصبح يظهر في صورة أسماءٍ وأدوارٍ مكتوبةٍ ترافق التسجيل.  ما تغير ليس أن أزوان انتقل من إنتاجٍ جماعيٍ إلى إنتاجٍ فرديٍ، وإنما أن الإنتاج المشترك نفسه أصبح أكثر قابليةً للتوثيق وإظهار أدواره وأسمائه.


تتجمع في أزوان طبقاتٌ من الذاكرة والمساهمة، تبدأ من الرصيد الذي تحفظه الأسر الفنية، وتمتد إلى الشاعر الذي يكتب، والموسيقي الذي يلحن، والمؤدي الذي يعيد صياغة ما تلقّاه، ثم إلى العازفين والفرقة والاستوديو. ولهذا تحمل الأغنية في صوتها الحاضر آثار أصواتٍ سبقتها، حتى حين تصل إلى الجمهور باسم فنانٍ واحد. ومع انتقال أزوان بين المجالس والإذاعة والشريط والألبوم والمنصة، تغيرت الطريقة التي يظهر بها هذا التراكم. وما كان محفوظاً في ذاكرة أهل الفن صار يجد مكاناً له في التسجيل، وفي أسماء المشاركين وأدوارهم، وفي النسخ التي تبقى بعد انقضاء لحظة الأداء.

 ومع ذلك، تظل الأغنية أبعد من النسخة التي تستقر في تسجيل أو يحملها اسم فنان. إنها أشبه بنهرٍ تتعاقب في مجراه روافد كثيرة: يأتيها لحنٌ من زمنٍ سابقٍ، وبيتٌ من شاعرٍ مضى، وصوتٌ يعيد حملهما، ثم تضيف إليهما يدٌ جديدةٌ شيئاً من زمنها قبل أن تدفعهما إلى الأمام. وحين يصل الصوت إلى أذنٍ لم تسمعه في مجلسه الأول، يكون قد حمل معه كل تلك الطبقات، وفتح الطريق لطبقةٍ أخرى لم تُكتب بعد.

اشترك في نشرتنا البريدية