وسوى عرب اليسار تزامنت في مناطق أخرى من القاهرة التاريخية أعمال ترميم المساجد والأضرحة والمنشآت الأثرية الكبرى مع إزالة مبانٍ سكنيةٍ ومقابر تاريخيةٍ وإعادة تخطيط الأحياء المحيطة بها. في محيط حي السيدة عائشة مثلاً، شملت أعمال التطوير ترميم بعض المساجد والمآذن والقباب الأثرية، في حين أُزيلت عقاراتٌ ومدافن لإفساح المجال لمحاور مروريةٍ جديدة. وامتدت الإزالات إلى جبّانات حي الإمام الشافعي ومناطق أخرى، وسط خلافٍ حول ما يستحق الحماية وما يمكن الاستغناء عنه.
تميّز هذه السياسات بين المنشآت استناداً إلى تصورٍ مسبقٍ عن ماهية العمارة الإسلامية الجديرة بالاحتفاء والحفظ. فالقاهرة المملوكية والعثمانية لم تتكون من المساجد الكبرى والمدارس والقصور وبيوت الأعيان وحدها، بل ضمت أيضاً بيوت العامة والأسواق والحارات والدروب والمنشآت الصغيرة التي تشكلت وتغيرت عبر الزمن، استجابةً لحاجات السكان وإمكاناتهم ومواد البناء المتاحة لهم، ومن دون أن تخضع جميعها لتخطيطٍ مركزي. ومع ذلك، اقتصر تعريف العمارة الجديرة بالاحتفاء والحفظ والدراسة والمحاكاة على المساجد الكبرى والقصور وبيوت الأعيان، حتى غدت أشكالها وعناصرها الزخرفية نماذج يستلهمها المعماريون المعاصرون، في حين غُيّبت العمارة السكنية الشعبية عن هذه الصورة.
تعاضدت عوامل تاريخيةٌ ومعاصرةٌ على رسم صورةٍ محددةٍ للعمارة في القاهرة المملوكية، ترتكز على منشآت السلاطين وكبار الأمراء والأثرياء والتجار، دون أنماطٍ عمرانيةٍ أكثر انتشاراً وشعبية. فقد كانت المنشآت الضخمة أمتن وأقدر على مقاومة الزمن من المساكن الأخرى التي طالها التغيير والهدم وإعادة البناء. وأولت كتب التاريخ والتراجم والخطط اهتماماً خاصاً بالمنشآت التي ارتبطت بأسماء الحكام والواقفين (منشئي الأوقاف) والعلماء، وبما تميز منها بضخامته أو زخرفته. ثم انتقت رسوم الرحالة والمستشرقين وكتاباتهم من المدينة "الجواهر المدفونة"، فسلّطت الضوء عليها وقدّمتها شواهد على عظمة حضارةٍ سالفةٍ، تستحق الاكتشاف والتوثيق والإنقاذ. ونشأ تخصص العمارة الإسلامية الحديث متأثراً بهذا كلّه، فركز في دراسته ونشاطه العملي على هذه المنشآت، وأسهم في تكريسها نماذج ممثلةً للعمارة الإسلامية.
تظهر هذه النزعة في أعمال المعماري المصري عبد الواحد الوكيل، أحد أبرز دعاة إحياء العمارة الإسلامية التقليدية في القرن العشرين. تخرّج الوكيل في كلية الهندسة بجامعة عين شمس سنة 1965، وعمل بالتدريس قبل أن يترك الجامعة سنة 1970، متجهاً إلى تعلّم تقنيات البناء التقليدية على يد المعماري حسن فتحي. وكان فتحي قد انتقد الاعتماد على الخرسانة ونماذج البناء الغربية المستوردة، ودعا إلى استخدام المواد المحلية وتقنيات البناء التقليدية، ومنها الطوب اللبن والقباب والأقبية، باعتبارها "وسائل للبناء تتناسب مع البيئة والمناخ والإمكانات الاقتصادية للسكان". وتأثر الوكيل بهذا الاتجاه، فاستعان بالحرفيين وتقنيات البناء التقليدية، وأعاد توظيف عناصر من العمارة التاريخية في مساكن ومساجد ومبانٍ عامة.
وسار الوكيل على نهج فتحي في بناء تصورٍ للعمارة يراعي الخصوصية والارتباط بالمكان والبيئة. فلم يدعُ إلى استنساخ الأشكال القديمة أو إضافتها زخرفياً إلى مبانٍ حديثةٍ، بل ربط العمارة التقليدية بمواد البناء والحرفة والمناخ، ورأى أن أشكالها نشأت استجابةً لظروفٍ محليةٍ متباينة. وتجلّى هذا في مشروعاته التي صممها في مصر والمملكة العربية السعودية، خاصةً المساجد التي صممها في جدة والمدينة. إذ تولّى مسؤولية التصميم وإعادة بناء مسجد قباء في المدينة سنة 1986. واستعانت به مدينة جدة لتصميم ثلاثة مساجد في مواقع بارزةٍ على ساحل البحر الأحمر، هي مساجد الجزيرة والكورنيش والرويس، ضمن مشروعاتٍ هدفت إلى إبراز هويةٍ معماريةٍ مميزةٍ للمدينة.


ومع هذه العناية بمفهومٍ محددٍ للخصوصية المعمارية والإصرار عليه، أعطت أعمال الوكيل مكانةً بارزةً لمجموعةٍ منتقاةٍ من النماذج التاريخية، ولاسيما المساجد الكبرى والبيوت الفارهة، التي قدمّها نماذجَ معياريةً لإحياء العمارة الإسلامية المعاصرة.
حظيت أعمال الوكيل باعترافٍ واحتفاءٍ دوليين واسعين. ففاز بجائزة الآغا خان للعمارة سنة 1980 عن بيت حلاوة بالعجمي، الذي استلهم نموذج المساكن التقليدية ذات الأفنية الداخلية، فوظّف الفناء لتنظيم الفراغات السكنية وتوفير الخصوصية والتهوية الطبيعية. وفاز بالجائزة نفسها مرةً أخرى سنة 1989 عن مسجد الكورنيش بجدة، الذي استعاد فيه عناصر عمارة المساجد التاريخية، ولاسيما القباب والأروقة، مستخدماً مواد البناء وتقنياته التقليدية. ثم فاز بجائزة ريتشارد دريهاوس للعمارة سنة 2009، وهي الجائزة التي تمنحها جامعة نوتردام الأمريكية تكريماً للمعماريين المتميزين في إحياء التقاليد المعمارية القديمة والمحلية وتطويرها.
ويتجاوز هذا التصور للعمارة الإسلامية الوكيل، والنقاش المعماري، إلى مجال السياسات المعمارية. مثلاً، أطلقت وزارة الحج والأوقاف السعودية في ثمانينيات القرن العشرين مشروعاً لتطوير عمارةٍ معاصرةٍ للمساجد تستند إلى "الأشكال والتقنيات التقليدية". وفي كتابها "ترانسناشونال موسك" (المسجد عابر الحدود الوطنية) المنشور سنة 2015، تشير المؤرخة المعمارية كيشوار رضوي، استناداً إلى رسالةٍ قدمها الوكيل إلى لجنة جائزة الآغا خان سنة 1988، إلى أن الملك فهد وضع تصوَّر المشروع في أوائل الثمانينيات بهدف تطوير طرازٍ معاصرٍ للعمارة الإسلامية يجمع بين الأشكال والتقنيات التقليدية ووسائل البناء الحديثة، مستهدفاً من خلاله تعزيز ارتباط الدولة بالتقليد الإسلامي.

افتقرت أكثر مساكن المدن إلى العناصر التي تعدّها بعض الدراسات المعاصرة سماتٍ جوهريةً للبيت الإسلامي. مثلاً، فالوثائق التي حلّلتها نللي حنا، أستاذة الدراسات العربية والإسلامية في الجامعة الأمريكية بالقاهرة، في دراستها "بيوت القاهرة في القرنين السابع عشر والثامن عشر: دراسة اجتماعية معمارية" المترجمة إلى العربية سنة 1993 تكشف عن اختلاف حجم البيوت ومعمارها باختلاف مكانة سكانها الاجتماعية. فبينما اشتهرت البيوت الفارهة بالأفنية الداخلية الواسعة، تجاورت الغرف التي سكنها الفقراء داخل مبنىً واحدٍ، ووصل بينها سلّمٌ مشتركٌ استخدمه السكان للوصول إلى غرفهم، دون أن يكون الفناء الداخلي الواسع عنصراً أساساً في تنظيم المسكن. وأُطلق على هذا النمط من المباني السكنية اسم "الرَبْع"، وكان كثيرٌ من سكانه من المستأجرين. وخصص ريمون دراسةً لهذا النمط السكني، نشرها سنة 1980 بعنوان "ذا ربع: آ تايب أوف كولكتف هاوزنغ إن كايرو ديورنغ ذي أوتومان بيريود" (الربع: نوع من الإسكان الجمعي في القاهرة العثمانية)، أبرز فيها اختلافه عن المساكن الخاصة التي حظيت بنصيبٍ وافرٍ من اهتمام مؤرخي العمارة.

مع خلائها من الأفنية الداخلية، خلت كثيرٌ من مساكن عامة الناس من بعض المرافق الرئيسة، كأماكن قضاء الحاجة والمطابخ المستقلة، واشترك سكانها أحياناً في استخدام مرافق داخل المبنى السكني الواحد أو خارجه. وكانت الغرف متعددة الوظائف سمةً رئيسةً لهذه المساكن. إذ اعتيد تحويل غرفة النوم إلى مكانٍ لاستقبال الضيوف عند الحاجة، في حين استقبلت بعض الأسر زوارها خارج المنزل. وهو ما أشار إليه المستشرق البريطاني إدوارد وليام لين في كتابه "مانرز آند كستومز أوف مودرن إيجيبشانز" (عادات المصريين المحدثين وتقاليدهم)، المنشور سنة 1836، بقوله إن المصريين من الطبقات الفقيرة الذين لا تسمح ظروفهم باستقبال الضيوف داخل مساكنهم كانوا يجلسون مع أصدقائهم لاحتساء القهوة وتبادل الحديث أمام منازلهم أو على مصاطب الدكاكين.
كذلك لم تكن "المساحات العامة" متاحةً للعامة. فقد أقامت قطاعاتٌ واسعةٌ من سكان القاهرة في مساكن أصغر حجماً، وفي أحياءٍ مزدحمةٍ، اتسم بعضها بظروفٍ صحيةٍ وبيئيةٍ متردية. أما المساحات العامة، التي تسميها بعض المصادر التاريخية "الفَسَحة" كما في كتابات مؤرخ القرنين الثامن عشر والتاسع عشر عبد الرحمن الجبرتي في كتابه "عجائب الآثار في التراجم والأخبار"، فقد اقتصر وجودها على أحياءٍ خارج المناطق المزدحمة، وارتبط التمتع بها بالقدرة الاقتصادية والمكانة الاجتماعية. وتشير مصادر تاريخيةٌ، مثل كتاب "أخبار أهل القرن الثاني عشر" للمؤرخ إسماعيل الخشاب، إلى قيودٍ حالت دون دخول العامة بعض الأماكن أو الاقتراب منها. وكان هذا المنع من صور التفاوت التي سببت بعض التوترات الاجتماعية، خاصةً في أوقات الاضطرابات.
وإلى جانب الأنماط المعمارية المعروفة للمساجد المملوكية السلطانية، التي صارت أبرز نماذج العمارة الإسلامية، أنتجت البيئات المحلية مساجد أخرى، اختلفت لمراعاتها أبعاداً مختلفةً من وظائف المسجد. ففي سيوة مثلاً، بُنيت مساجد من "الكرشيف"، المصنوع من الطين والأملاح المحلية، مثل المسجد العتيق في مدينة شالي. وضمّت بعض مساجد الواحة مدارس لتعليم الأطفال القرآن، وصفها الرحالة البريطاني تشارلز دالريمبل بيلغريف في كتابه "سيوا: ذي أواسيس أوف جوبيتر آمون" (سيوة: واحة جوبيتر آمون) المنشور سنة 1923. فاتخذت أشكالاً معماريةً متنوعةً ارتبطت بمواد البناء المتاحة واحتياجات السكان.

اختفت أكثر هذه الأنماط المعمارية من ذاكرة "العمارة الإسلامية" أو كادت، وبقيت نماذج أخرى حظيت بالحفظ والدراسة والاحتفاء. ولم تكن الأنماط التي اختفت أو استُبعدت تبدو لأهلها أقلّ إسلاميةً، أو أقلّ مراعاةً للقيم التي نظمت حياتهم، ولا كانت أقل انتشاراً من المباني التي أصبحت لاحقاً نماذج للعمارة الإسلامية. ولكنها اختفت لأسبابٍ ماديةٍ وثقافيةٍ جعلت النماذج الأخرى أجدر بالاحتفاء والحفظ.
بدأ الاستبعاد باختلاف الظروف المادية التي حددت قدرة المباني على البقاء. فلم تكن المباني التي عرفتها المجتمعات الإسلامية متساويةً في مواد بنائها وأحجامها أو الموارد المخصصة لصيانتها. وقد تفاوتت فرص استمرار المباني السلطانية والدينية والسكنية بحسب مواد بنائها ومواردها وتغير استخداماتها. ويشير ريمون في دراسته عن "الربع" إلى أن معرفتنا بالمساكن الكبيرة أوفر من معرفتنا بمساكن عامة السكان، لأن الأولى تركت وثائق أكثر تفصيلاً، وبقيت نماذج منها يمكن دراستها، في حين تتوفر معلوماتٌ أقلّ عن المساكن العادية.
وارتبط هذا المسار بمسارٍ آخَر أسهم في تشكّل العمارة الإسلامية موضوعاً للمعرفة التاريخية. ففي دراسته "إسلاميك آركتكتشر آز آ فيلد أوف هيستوريكال إنكوايري" (العمارة الإسلامية مجالاً للبحث التاريخي) المنشورة سنة 2004، يحاجج ناصر رباط، أستاذُ العمارة الإسلامية ومدير برنامج الآغا خان للعمارة الإسلامية في معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا، بأن دراسة العمارة الإسلامية تشكلت تحت تأثير تقليدين متداخلين: الاستشراق من جانبٍ، وتاريخ الفن الغربي من جانبٍ آخر. ويوضح إسهامَ هذين التقليدين في تصنيف العمارة الإسلامية ضمن أطرٍ زمنيةٍ وفنيةٍ استمدت كثيراً من مفاهيمها ومناهجها من تاريخ الفن الأوروبي. فمنذ عشرينيات القرن التاسع عشر، شرع رسامون ومعماريون أوروبيون في توثيق مبانٍ في العالم الإسلامي أثارت اهتمامهم، وتنوعت أعمالهم بين اللوحات الفنية والرسوم الهندسية والقياسات والمخططات المعمارية. حظيت القاهرة بنصيبٍ كبيرٍ من هذه الأعمال، إلى جانب مناطق أخرى، منها الأندلس والأناضول والشام. ثم نُشرت الرسوم والمخططات في مؤلفاتٍ تُدُووِلَت في الأوساط الأوروبية، وأسهمت في تشكيل التصورات اللاحقة عن العمارة الإسلامية. وبحسب رباط، لم تُعنَ هذه الدراسات بما يكفي بإظهار التنوع الداخلي للعمارة الإسلامية وتحولاتها التاريخية، بل أسهمت في تقديمها تقليداً معمارياً مستقلاً وثابتاً نسبياً.

أسهمت هذه الأعمال في نقل المباني التاريخية من سياقاتها العمرانية والاجتماعية إلى فضاءٍ معرفيٍ جديدٍ أصبحت فيه موضوعاتٍ للتصنيف والمقارنة والدراسة. وتتناول باولينا باناس، الأستاذ المساعد لتاريخ الفن بجامعة ألاباما، أحد أوجه هذه العملية في دراستها "فروم بيكتشرِسك كايرو تو أبستراكت إسلاميك ديزاينز [. . .]" (من القاهرة الخلّابة إلى التصاميم الإسلامية المجرّدة: الفن العربي واقتصاد نشر الكتب في القرن التاسع عشر) المنشورة سنة 2018. فمن خلال دراستها كتابَ إميل بريس دافين "الفن العربي"، أحدَ أهم الكتب التي رسمت ودونت آثار القاهرة الإسلامية، والذي نُشر بين سنتي 1869 و1877، توضح أن اختيار المباني والعناصر المعمارية التي وُثِّقت وطريقة عرضها لم يخضعا للاعتبارات العلمية والفنية فقط، بل تأثرا بمصالح الناشرين التجارية وأذواق الجمهور الأوروبي المستهدَف. وقد أسهمت هذه الاعتبارات في تحويل مشروع توثيق عمارة القاهرة إلى تقديم زخارفها وعناصرها المعمارية نماذج بصريةً مستقلةً، يمكن اقتباسها وإعادة استخدامها في أعمالٍ فنيةٍ وتصميماتٍ جديدة.
إلى جانب الانتقاء الذي مارسه الرسامون والمعماريون والناشرون، أسهمت مؤسسات حفظ الآثار في تحديد المباني التي ستبقى حاضرةً في المشهد العمراني والذاكرة التاريخية. ففي سنة 1881، تأسست لجنة حفظ الآثار العربية في القاهرة على عهد الخديوي توفيق بهدف حصر الآثار الإسلامية وحمايتها وترميمها. ثم امتد عملها إلى الآثار القبطية سنة 1896. وقد تناول تاريخَ اللجنة وأعمالَها عددٌ من الباحثين، منهم دونالد مالكوم ريد في دراسته "كالتشورال إمبيريالزم آند ناشونالزم: ذا ستراغل تو ديفاين آند كونترول ذا هيريتج أوف آراب آرت إن إيجيبت" (الإمبريالية الثقافية والقومية: الصراع على تعريف تراث الفن العربي في مصر)، المنشورة سنة 1992، وإستفان أورموش في دراسته "ذا كوميتي دو كونسيرفاسيون دي مونيومان دو لآراب: تووردز أ بالانست أبريزل" (لجنة حفظ آثار الفن العربي: نحو تقييم متوازن)، المنشورة سنة 2019، ودينا إسحاق باخوم في دراستها "ماملوك ميناريتس إن مودرن إيجيبت: تراسينغ ريستوريشن ديسيجنز آند إنترفنشنز" (المآذن المملوكية في مصر الحديثة: تتبع قرارات الترميم والتدخلات)، المنشورة سنة 2017. وتُظهر هذه الدراسات الدور الجوهري الذي أدّته اللجنة في حماية كثيرٍ من المباني التاريخية المعرضة للاندثار، وما خلفته من سجلاتٍ ورسومٍ ووثائق أصبحت مراجع أساساً لدراسة عمارة القاهرة.
واقتضت أعمالُ الحصرِ والترميمِ التمييزَ بين المباني الجديرة بالحفظ وغيرها، فأخضعت التراث المعماري لعملية انتقاءٍ تأثرت بمفاهيم القيمة الفنية والتاريخية السائدة آنذاك. وحظيت المباني الأثرية الكبرى، ولاسيما المساجد والمدارس والأضرحة السلطانية، باهتمامٍ أكبر مما ناله كثيرٌ من المباني السكنية والشعبية. وهو ما تُناقشه باولا ساندرز، أستاذة التاريخ بجامعة رايس، في كتابها "كرييتنغ ميديفال كايرو" (صناعة القاهرة القروسطية)، المنشور سنة 2008. إذ تحاجج بأن صورة القاهرة التاريخية التي تبلورت في العصر الحديث لم تكن مجرد انعكاسٍ لما بقي من آثارها، بل كانت أيضاً نتاجاً لعملية انتقاءٍ وترميمٍ وإعادة تمثيلٍ أسهمت في تحديد المباني التي أصبحت ممثلةً لتراث المدينة، وتلك التي بقيت خارجه.
امتد أثر هذا الانتقاء إلى إعادة إنتاج تلك التصورات المعمارية في مبانٍ جديدةٍ، وهو ما أسهم في ترسيخ مكانتها النموذجية. ففي النصف الثاني من القرن التاسع عشر، تحولت العناصر المعمارية المستمدة من مباني القاهرة التاريخية إلى طرازٍ استُخدم في تمثيل مصر في المعارض الدولية. وأسهم المعماري التشيكي النمساوي فرانز شمورانز في تصميم الجناح المصري بمعرض فيينا الدولي سنة 1873، مستفيداً من دراسته عمارة القاهرة واقتباسه عناصر من مبانيها التاريخية. وبعده بعشرين عاماً، ظهرت نماذج من العمارة القاهرية ضمن "شارع القاهرة" في المعرض الكولومبي بشيكاغو سنة 1893، الذي شارك في تصميمه ماكس هرتس وهنري آيفز كوب. وأسهمت هذه التجارب في تقديم العمارة المصرية أمام الجمهور الدولي من خلال مجموعةٍ منتقاةٍ من المباني والعناصر المعمارية التي اكتسبت تدريجياً مكانةً ممثلةً للتراث الإسلامي في مصر.

عادت هذه العناصر إلى القاهرة في صورة طرازٍ معماريٍ جديدٍ تبنّته النخبة الحاكمة والمؤسسات الرسمية منذ أواخر القرن التاسع عشر وحتى منتصف القرن العشرين، تعبيراً عن صلة الدولة الحديثة بتراث مصر الإسلامي، وسعياً إلى إضفاء طابعٍ معماريٍ محليٍ على مؤسساتها. وفقاً لمحاضرةٍ لناصر رباط بعنوان "كومبيتنغ نيو ستايلز إن ذي إيرلي توينتيث سِنشري" (الطرز المستحدثة المتنافسة في مطلع القرن العشرين)، محفوظةٍ في موقع محاضرات تاريخ عمارة القاهرة بمعهد ماساتشوستس للتكنولوجيا، أسهم في انتشار هذا الطراز معماريون أجانب ومصريون، منهم الإيطالي ألفونسو مانيسكالو، الذي صمم مبنى دار الكتب ومتحف الفن الإسلامي المفتتَح سنة 1904، والمصري محمود فهمي، كبير معماريي وزارة الأوقاف، الذي ارتبط اسمه بمراحل إنشاء مبنى الوزارة في القاهرة بين سنتي 1898 و1929. ومن المعماريين الذين استخدموا عناصر مستمدةً من العمارة الإسلامية أيضاً أنطونيو لاشياك وإرنستو فيروتشي وماريو روسي، الذي صمم مسجد المرسي أبو العباس بالإسكندرية في النصف الأول من القرن العشرين. وقد أسهمت هذه الأعمال في تحويل العناصر المعمارية المنتقاة من المباني التاريخية إلى طرازٍ يمكن استخدامه في المباني الرسمية والدينية الحديثة.
هكذا تداخلت مسارات البقاء المادي والانتقاء المعرفي والحفظ المؤسسي وإعادة الإنتاج المعماري في تشكيل الصورة المهيمنة للعمارة الإسلامية. فقد كانت بعض المباني أقدر على البقاء، ثم حظيت بالاهتمام والتوثيق، وأصبحت موضوعاً للحفظ والترميم، قبل أن تُستعاد عناصرها في مباني الدولة الحديثة. وفي المقابل، اختفت أنماطٌ أخرى أو تغيرت وظائفها، ولم تحظَ بالقدر نفسه من التوثيق والحماية وإعادة الإنتاج.
ففي بعض مشروعاته استلهم الوكيل عناصر من العمارة السلطانية للقاهرة المملوكية والعثمانية، وأعاد توظيف القباب والمآذن والإيوانات والبوائك التي ارتبطت بمبانيها الكبرى. في بيت حلاوة مثلاً استلهم عناصر من بيوت القاهرة المملوكية والعثمانية الكبيرة، مع أنها لم تكن النمط السائد لسكن أهل المدينة، الذين عاش كثيرٌ منهم في مساكن أصغر وأقلّ تكلفةً، كما تبين نللي حنا في دراستها بيوتَ القاهرة. كذلك في بعض مشروعات المساجد خارج القاهرة، استلهم عناصر من العمارة المملوكية والطولونية، في حين عرفت مناطق الحجاز ونجد وغيرها من مناطق الجزيرة العربية تقاليد محليةً مختلفةً في بناء المساجد. وليست المشكلة في انتقال العناصر المعمارية بين المناطق، إذ إنه أمرٌ عرفته العمارة عبر التاريخ، وإنما في اختيار نماذج بعينها من الماضي، كلها تنتمي للعمارة السلطانية وعمارة النُخب، لتكون ممثلةً لتراثٍ أوسع وأكثر تنوعاً.
هنا تظهر حدود تجربة الوكيل وصلتها بمسارات الاستبعاد التي تتبّعناها. فقد نجح في تحدي هيمنة الأنماط المعمارية الحديثة، والدفاع عن تنوع العمارة الإسلامية جغرافياً، لكنه لم يتحدَّ بالقدر نفسه التعريف المهيمن على هذه العمارة، الذي تشكّل عبر مسارات البقاء المادي والتوثيق والحفظ وإعادة الإنتاج. فظلت عمارة الحكام والأعيان تحتل مكانةً مميزةً في النماذج التي يستلهمها، في حين تراجع حضور ما بناه عامة الناس لحياتهم اليومية. ولا يقلل ذلك من قيمة مشروعه أو مهارته المعمارية، ولا يعني أنه تجاهل التقاليد المحلية تماماً، وإنما يكشف كيف لمشروعٍ يسعى إلى إحياء التراث أن يعيد إنتاج بعض الحدود التاريخية التي تشكّل من خلالها تعريف هذا التراث.
ومن شأن توسيع النظر إلى العمارة الإسلامية ليشمل هذه المباني أن يفتح إمكاناتٍ مختلفةً للتعامل مع العمران القائم وتطويره. فدراسة مساكن الفقراء، بما فيها من حلولٍ للبناء والتوسع واستغلال المساحات والموارد، يمكن أن تساعد على تطوير أنماطٍ عمرانيةٍ تستجيب لحاجات سكانها وإمكاناتهم، بدلاً من فرض نماذج تستبعدهم ولا تراعي ظروفهم. والاعتراف بقيمتها التاريخية والاجتماعية لا يعني اعتبار كلّ مبنىً جديراً بالحفظ، ولا إنكار ما قد يعانيه من مشكلاتٍ إنشائيةٍ وخدميةٍ، لكنه يجعل تطوير هذا العمران وتحسين شروط الحياة فيه احتمالاً يستحق النظر، بدلاً من افتراض أن إزالته هي الحل الطبيعي.
قد لا يكفي تغيير تصورنا للتراث وحده لمنع الهدم، الذي تحكمه أيضاً مصالح اقتصاديةٌ وقراراتٌ سياسيةٌ، لكنه يُضعف إحدى مقدماتِه: أن عمران الفقراء يفتقر إلى القيمة، وأن إزالته لا تعني خسارة شيءٍ يستحق البقاء. وهكذا فإن إعادة الاعتبار للعمارة الإسلامية لا تقتضي فقط استلهام مباني الماضي الكبرى، بل الاعتراف أيضاً بما أنتجه الناس العاديون من أشكالٍ للبناء والحياة، وما يمكن أن نتعلمه منها لبناء مستقبلٍ عمرانيٍ أكثر استجابةً لحاجاتهم.

