حصل سعيد على شهادة الماجستير في الحقوق سنة 2019، لكنه لم يعثر إلى اليوم على عمل مستقر. تنقل بين مهن كثيرة لا تناسب وضعه الصحي ولا مستواه الدراسي. جرّب تجارة الملابس وعمل في الضيعات الفلاحية، وكان آخر ما بلغني عنه أنه وجد في المراهنة على مباريات كرة القدم وسيلة يربح منها أحياناً ويخسر أخرى.
وفي صباح اليوم التالي دخلت المقهى مجدداً، فكان أول ما أخبرني به النادل أن سعيداً غادر أيضاً. فهمت حينذاك أن صمته في اليوم السابق كان صمت من يحاول أن يحسم قرار الرحيل ولا يجد الشجاعة الكافية ليترك أمه خلفه.
لم يكن سعيد استثناءً في حياتي. أعرف أصدقاء كثيرين هاجروا، بعضهم بطرق نظامية وآخرون بطرق غير نظامية. وما زلت أذكر صديقاً قال لي حين أوصلته بسيارتي إلى المطار استعداداً لسفره إلى الولايات المتحدة: "أعتقد أن الشاب الذي لم يراوده حلم الهجرة من المغرب مرة واحدة على الأقل في حياته، هو شاب غير سوي نفسياً". ضحكنا معاً، ثم ودعته ولذت بمقهى يطل على شاطئ مدينة أغادير، أتمعن في الأسباب التي جعلتني أخسر صديقاً قريباً عبرنا معاً سنوات الجامعة، وأتساءل عن موضع الخلل الذي يجعل الرحيل يبدو، في نظر كثيرين، أقرب إلى الخلاص.
في صمت سعيد حضرتني الأسئلة التي طرحها الأدب المغربي في روايات مختلفة. إذ يتتبع الطاهر بن جلون في روايته "أن ترحل"، المنشورة بالفرنسية سنة 2006 والمترجمة إلى العربية سنة 2007، سيرة "عازل" الذي يستبد به حلم مغادرة المغرب، ويطرح على نفسه أسئلة كالتي يطرحها سعيد. ووجدت الأسئلة نفسها، من زوايا مختلفة، في رواية "قوس قزم" للعياشي ثابت، الصادرة سنة 2006، وفي "ليلة إفريقية" لمصطفى لغتيري، الصادرة سنة 2010. تبحث الروايات الثلاث عن الأسباب التي تجعل الرحيل خلاصاً، ثم تتبع المسافة بين المكان الذي تحلم به شخصياتها والمكان الذي تصل إليه.
تقدم قراءة هذه الروايات معاً صورة أعقد لسؤال الهجرة، يتجاوز ثنائية الهروب من جحيم الوطن إلى الفردوس الأوروبي. فهي - مع تحويلها إحصاءات الهجرة وتقاريرها في المغرب إلى قصص تُظهر الأبعاد النفسية والاجتماعية لها - تكشف زيف "الفردوس الأوروبي"، وتكشف أيضاً أن الفردوس ليس مكاناً ثابتاً. فبينما تبدو أوروبا فردوساً للمغربي الذي ضاق به بلده، يبدو المغرب نفسه نقطة وصول أو محطة عبور للإفريقي القادم من جنوب الصحراء. ومع تفكيكها الصورة التي تدفع إلى الرحيل، تقدم الروايات خطاباً يحول الهجرة أحياناً إلى خطأ فردي للمهاجر ينتهي بعقابه.
يصوغ بن جلون رغبة عازل في عبارة مقتضبة: "أن يرحل لكي ينجو بنفسه". يصبح الرحيل عنده أولى من البقاء، ثم يتحول مع تقدم السرد إلى أرقٍ يسلبه النوم. يحاول الهجرة عبر أحد الوسطاء، لكن إلغاء الرحلة في اللحظة الأخيرة يبدد ماله وينهي فرصته في الاستعانة بالوسيط نفسه. ويكتشف أنه عاجز عن مواجهته بسبب شبكة العلاقات التي تحميه وتمنحه نفوذاً في المدينة. ثم يغرق ابن عمه نور الدين مع ثلاثة وعشرين مهاجراً، بعدما حمّل رجالُ الوسيط المركبَ عدداً يفوق طاقته. لكن موت القريب لا ينهي حلم عازل، بل يدفعه إلى البحث عن طريق آخر.
أما "قوس قزم" فتجعل الرحلة نفسها مركز الرواية. يتزاحم ثلاثون شخصاً في قارب للهجرة السرية إلى إسبانيا، وتتفاوت خلفياتهم بين مغاربة وأفارقة، وذكور وإناث، لا يجمع بينهم شيء تقريباً سوى حلم الخلاص من واقع خانق. في دراسته "المضمر الثقافي في الرواية المائية"، يصنف المهدي قنديل، الباحث في كلية الآداب والعلوم الإنسانية بجامعة شعيب الدكالي بالجديدة الرواية ضمن الرواية البحرية أو "أدب البحر". وذلك لأن البحر لا يظهر فيها مجرد طريق إلى مكان آخر، بل يتحول إلى فضاء مركزي يختبر الشخصيات ويكثف مخاطر الهجرة وخيباتها.
تبدأ الرواية على متن قارب ضيق يقوده رجل قصير القامة يلقبه الركاب بالقزم، وهو اللقب الذي استعارته لعنوانها. يجد الركاب أنفسهم متلاصقين، بلا أمتعة سوى ما يحملونه من لباس وحمص وماء، فيما يزبد البحر ويرغي كأنما "أيقظت ضرغاماً لم تكتمل قيلولته". ويتبادل المهاجرون الحكايات عن أسباب ركوبهم القارب، فتتكرر البطالة وضيق العيش والرغبة في تحسين الوضع الاقتصادي، حتى تقول إحدى الشخصيات: "اللهم لقاء مع أمواج البحر أو لقاء مع أفواج البطالة".
وتنقل "ليلة إفريقية" مركز النظر من المغربي الراغب في مغادرة بلده إلى الإفريقي القادم من جنوب الصحراء. فتفتتح الرواية بمشهد يلتقي فيه الراوي داخل قطار شابة كاميرونية تدعى كريستينا تدرس الاقتصاد في مدينة سطات، بعدما حال ضيق ذات يدها دون الدراسة في الدار البيضاء أو الرباط. يلاحظ الراوي تزايد أعداد الأفارقة الذين يقصدون المغرب طلباً للدراسة أو أملاً في العبور إلى ما يسميه "الفردوس الأوروبي". ومن النقاش بينه وبين كريستينا، يصبح المغرب بلداً للهجرة لا بلداً يغادره المهاجرون وحدهم.
تتابع الروايات الثلاث، بهذا الترتيب، مساراً واحداً يتغير موقع الراوي داخله. تنظر "أن ترحل" إلى الرغبة في الخروج من المغرب وإلى ما ينتظر المهاجر بعد وصوله. وتحاصر "قوس قزم" شخصياتها في المسافة المائية بين ضفتين. وتنظر "ليلة إفريقية" إلى المغرب من موقع القادم إليه أو العابر من خلاله. ومن اجتماع هذه المواقع تظهر خريطة لا ينقسم فيها العالم ببساطة إلى وطن يُغادر وفردوس يُقصد، بل يتبدل فيها معنى المكان الواحد بتبدل موقع صاحبه.
ولا تقتصر الرغبة في الرحيل على الدوافع الاقتصادية. إذ يرغب 40 بالمئة ممن يعجزون عن تغطية نفقاتهم الشهرية في الهجرة، مقابل 29 بالمئة من ميسوري الحال. ولا يذكر سوى 45 بالمئة من الراغبين في الرحيل الدافع الاقتصادي سبباً أول، فيما يذكر 18 بالمئة الرغبة في فرص تعليمية أفضل.
تساعد الروايات على تحويل هذه الأرقام الجافة إلى قصص إنسانية. فالروايات المغربية المعاصرة تغوص في الدوافع النفسية والاجتماعية التي تقود إلى اتخاذ قرار الرحيل، وقلّما تقدّمه اختياراً عابراً لشخصياتها. فالرحيل غالباً ثمرة تراكم طويل من الإحباط، يبدأ من البطالة وضيق الأفق الاقتصادي. ويتغذّى من مقارنة مؤلمة يعقدها البطل بين واقعه المتعثّر وصورة من سبقوه إلى الضفة الأخرى، وعادوا محمَّلين بعلامات نجاح ظاهرية من سيارة وملابس وهاتف وحكايات مصقولة عن حياة مغايرة في أوروبا.
لا يقدم بن جلون قرار عازل اختياراً عابراً. يشعر الشاب أن بلده يتنكر لأبنائه، وأن التعليم الذي حصل عليه لا يمنحه وظيفة ولا مكانة، فيرى الرحيل الطريقة الوحيدة لاستعادة احترامه نفسَه. وتتقاطع هذه الصورة مع ما تكشفه دراسة عائشة التايب، أستاذة علم الاجتماع بجامعتَي تونس المنار والإمام عبد الرحمن بن فيصل سابقاً، "الهجرة غير النظامية من دول المغرب العربي نحو أوروبا: قراءة سوسيولوجية"، المنشورة سنة 2023. إذ ترى التايب أن البطالة وهشاشة سوق الشغل لا تعملان وحدهما، بل تتصلان بالإحساس بالتهميش وانسداد أفق الاستقرار داخل الوطن. ويشير المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي بالمغرب، في رأي بعنوان "شباب لا يشتغلون، ليسوا بالمدرسة ولا يتابعون أي تكوين"، أن واحداً من كل أربعة شباب مغربي بين الخامسة عشرة والرابعة والعشرين، لا يعمل ولا يتابع تعليماً أو تدريباً.
توسع "قوس قزم" دوافع الرحيل إلى ما يتجاوز البطالة. فتمنح إحدى الراكبات، وهي امرأة تدعى رشيدة ظلت صامتة منذ بداية الرحلة، صوتاً تشرح به سبب هروبها. لا تفر رشيدة من غياب العمل بقدر ما تفر من إذلال يومي داخل البيوت التي تعمل فيها ومن تحرش متكرر تتعرض له، وتعلن أنها لن تعود إلا محمولة في نعش. تجعل الرواية الهجرة بذلك ملاذاً من العنف الاجتماعي أيضاً، وتكشف أن عبارة "حياة أفضل" لا تحمل المعنى نفسه لدى جميع ركاب القارب. فقد تعني وظيفة عند أحدهم، ونجاة من الإهانة أو الاعتداء عند أخرى.
تلاحظ عائشة التايب أن الهجرة غير النظامية تحولت في كثير من البلدان العربية إلى "مشروع العمر" الذي تستثمر فيه الأسرة بأكملها. وقد تبيع من أجله ممتلكاتها أملاً في أن يتمكن أحد أبنائها من بناء حياة أفضل. وبعد أن كانت عنوان فشل يقبل عليه من لم يستكمل دراسته أو لفظته سوق العمل، "أصبحت اليوم حلماً يراود الناجح قبل الفاشل، والموظف قبل العاطل، والمتعلم قبل محدود التعليم". وهذا التحول حاضر في القارب الذي صنعه العياشي ثابت نموذجاً مصغراً لمجتمع لا ينتمي ركابه إلى فئة واحدة، وفي جماعة المقهى التي غادر أفرادها تباعاً نحو سبتة حتى لحق بهم سعيد، متجاوزاً المسؤولية التي ربطته بأمه.
يتكون حلم الرحيل من طوارد في الداخل أهمها البطالة، تقابلها صورة النجاح التي تصل من الضفة الأخرى. تنقل منصة هسبريس عن دراسة ميدانية أنجزها مرصد الشمال لحقوق الإنسان سنة 2026، بعنوان "دور وسائل التواصل الاجتماعي في التحفيز على الهجرة غير النظامية"، وشملت خمسمئة شاب وشابة من جهة طنجة - تطوان - الحسيمة، أن قصص النجاح المتداولة عبر المنصات تؤثر في 81.2 بالمئة من المشاركين. ويجد 78.4 بالمئة منهم بسهولة منشورات تشجع على الهجرة غير النظامية، فيما تابع 74.2 بالمئة صفحات تقدم معلومات التخطيط لها، و71.6 بالمئة مجموعات تؤدي الغرض نفسه.
لا ينتظر الحلم المسارات النظامية. وفق تقرير الباروميتر العربي، فإن 53 بالمئة من المغاربة الراغبين في الهجرة مستعدون للمغادرة من غير الأوراق الرسمية اللازمة. وتتبدل الطرق حين يشتد إغلاق أحدها. يسافر بعض المغاربة إلى تركيا، التي تعفيهم من التأشيرة، ثم يتسللون عبر صربيا والمجر فيما يعرف بمسلك البلقان. ويتجه آخرون من سواحل مدن مثل أغادير نحو جزر الكناري في رحلة أطول تتكرر فيها حالات الاختفاء الجماعي. ويبقى الطريق الغربي عبر مضيق جبل طارق ومدينتي سبتة ومليلية أقدم المسالك وأكثرها التصاقاً بالذاكرة الجماعية. وقد ارتفعت الحركة في هذا الطريق بنسبة 50 بالمئة في الأشهر الأربعة الأولى من سنة 2026، وفق ما نقلته الصحفية خديجة قدوري في تقرير "الهجرة غير النظامية.. الطيار: تشديد الرقابة على جزر الكناري حولها إلى جبل طارق"، المنشور في مايو 2026، في مقابل تراجع بقية المسارات.
تكشف هذه الطرق أن صورة الهجرة تجاوزت الشاب العاطل الذي ظل طويلاً بطل حكاياتها. تستشهد عائشة التايب بإحصاءات المنظمة الدولية للهجرة في ليبيا سنة 2017، التي وضعت المغاربة في المرتبة الثانية بين الناجين الذين أنقذوا في المياه الإقليمية الليبية، بواقع 1150 مهاجراً، بعد النيجيريين. وجاء المغاربة أيضاً ضمن أبرز الجنسيات التي وصلت إلى أوروبا بحراً أو براً بين يناير وأغسطس 2020، بنحو 1691 شخصاً. وتشير الدراسة، نقلاً عن جمعيات مغربية معنية بالقاصرين، إلى أن عدد القاصرين المغاربة الذين وصلوا إلى أوروبا قد يبلغ عشرين ألفاً موزعين بين إسبانيا وفرنسا. إنهم جزء من اتساع الظاهرة إلى النساء والقاصرين والعائلات، وهو الاتساع نفسه الذي يمنح قارب "قوس قزم" تنوعه، ويجعل صوت رشيدة داخله أكثر من استثناء فردي.
تلتقط "أن ترحل" هذه الصناعة قبل اتساع شبكات التواصل بصورتها الحالية. حين يعود عازل إلى طنجة، تقول أمه لجيرانها إنه وصل بالطائرة وترك سيارته في إسبانيا، مع أنه وصل بالباخرة ولا يحمل سوى حقيبتين من الهدايا. لا تنقل الأم حقيقة حياة ابنها، بل الصورة التي ينتظرها المحيطون من المهاجر العائد. إذ يجب أن يبدو ناجحاً حتى حين لا يملك من النجاح سوى علامات قليلة حملها معه. هكذا يتسع الفارق بين صورة العائد وحقيقة حياته، ثم تصبح الصورة نفسها سبباً يدفع آخرين إلى الرحيل.
تظهر حياة عازل الجديدة في أحد أقسى مشاهد الرواية. يتزوج ميكال، مع أنّه لا يحمل ميولاً مثليةً. ثم يقيم ميكال حفلاً يعرض فيه عازل لضيوفه "غزوته الأخيرة"، ويشجعهم على لمس بشرته، ثم يدفعه إلى الرقص على موسيقى مصرية. يشعر عازل أنه لا يعدو أجيراً في خدمة رب عمل تغلب نزوته كرامة من يعيش معه، ويكتشف أن ثمن الوصول إلى الضفة الأخرى قد لا يقل قسوة عن ثمن البقاء، بل ربما يفوقه.
ثم ينهار وضعه القانوني. تنتهي صلاحية إقامته ويعجز عن تجديدها لافتقاره إلى عقد عمل وعنوان سكن موثق، بعد أن قطع صلته بمن حوله، فينتقل إلى هامش المقيمين بصفة غير قانونية. يجتذب هذا الهامش المهربين وأصحاب الأعمال المشبوهة الباحثين عن أياد رخيصة يسهل استغلالها في بيع ساعات مزيفة وعلب ثقاب محشوة بأصابع الحشيش. وحين يجد عازل نفسه في مواجهة الشرطة الإسبانية يعرض أن يصبح مخبراً لها لينجو، ثم يعثر عليه في شقته مذبوحاً على يد رجلين من الجماعة المتطرفة التي كان يبلغ عنها.
تكمل "قوس قزم" الصورة من البحر. يتحول القارب الضيق إلى عالم مرعب تتكشف فيه أسوأ صور الخوف والجشع وفقدان الإنسانية بين الركاب أنفسهم، حتى يقتل بعضهم بعضاً وتصل الحصيلة في منتصف الرحلة إلى ثلاثة قتلى. ثم يكتشف الناجون أن القارب لم يصل بهم إلى إسبانيا، بل إلى نقطة في شمال المغرب تحاذي المكان الذي انطلقوا منه. تنغلق الرحلة على دائرة كاملة، يدفع بعض الركاب حياتهم والبعض الآخر حريتهم، ثم ينتهون قريباً من نقطة البداية من غير أن يحققوا شيئاً مما وُعدوا به.
تزداد أهمية هذا السؤال لأن مسؤولية الانهيار تتحرك في الروايتين نحو المهاجر نفسه. يتخذ عازل قرارات تدفعه إلى الهامش، ويفتك الخوف والجشع بركاب القارب، بينما تظهر الحدود وسياسات الإقامة وسوق العمل غير المتكافئة خلفية أقل حضوراً من مأساة الشخصيات. لا يعني ذلك أن الروايتين تبرران هذه السياسات، لكن الحبكة قد تحول بنية واسعة إلى سقوط فردي، وتجعل موت المهاجر خاتمة تفكك حلمه من غير أن تفكك بالقدر نفسه العالم الذي صنع الحلم وحدد ثمن الوصول إليه.
ومع ذلك تمنع بعض تفاصيل الروايتين اكتمال خطاب الردع. يغادر عازل لأن بلده أغلق أمامه أبواب العمل والكرامة، ولا يعود ركاب "قوس قزم" إلى حياة يمكن وصفها بالفردوس البديل. لا تضع الروايتان وطناً آمناً في مواجهة أوروبا زائفة، بل تضعان الشخصيات بين واقعين قاسيين. ومن هذه المنطقة المعلقة تستمدان قوتهما، الرحيل ليس خلاصاً، لكن البقاء لم يعد جواباً مقنعاً.
فهمت من ذلك أن الفردوس نسبي يتحرك بحسب موقع من ينظر إليه. يبدو المغرب نقطة انطلاق للمغربي الحالم بأوروبا، ونقطة وصول لطالبة كاميرونية اختارت الدراسة فيه، ونقطة عبور لشخصية مثل رانيا السنغالية التي تحاول الهجرة مع ركاب القارب في "قوس قزم". يقوم البلد بالأدوار الثلاثة معاً، يغادره المهاجرون ويعبره آخرون ويستقر فيه فريق ثالث. لذلك لا تنقسم خريطة الهجرة إلى جنة وجحيم ثابتين، بل إلى مواقع متفاوتة، يرى كل واحد منها في الموقع الأبعد إمكاناً لحياة حرم منها في مكانه.
تمنح "ليلة إفريقية" المهاجر وجهاً آخر لا يقتصر على مقاطعة الوطن أو محاولة بناء الذات بعيداً عنه. تشير كريستينا إلى تعلق المغاربة المهاجرين ببلدهم، وتقول إنهم يجلبون إليه "ثروة حقيقية من العملة الصعبة". في دراستها "تيمة الهجرة في الرواية المغاربية: دراسة في نماذج مختارة" المنشورة سنة 2018، ترى فريدة دريدي هذا الجانب تحولاً للمهاجر إلى "أداة فاعلة يمكنها أن تدير عجلة اقتصادها نحو التطور". ويجد ذلك ما يؤكده في تحويلات المغاربة المقيمين بالخارج، التي بلغت بين يناير ويونيو 2026 نحو 61.48 مليار درهم (6.3 مليار دولار أمريكي)، وهو رقم يقترب من مداخيل السياحة في المدة نفسها، وقد بلغت 64.89 مليار درهم.
غير أن الرواية لا تكتفي بصورة المغرب الذي حقق تقدماً يلفت نظر كريستينا. تعجب الشابة بما تراه من سكك حديدية وطرق سيارة وموانئ وجامعات، ثم تعترف بأن أذهان كثير من المغاربة "يعشش فيها كثير من الأحكام المسبقة" عن الأفارقة. تسمع نعوتاً عنصرية وترى نظرات دونية في الشوارع، فتظهر المفارقة بين غضب المغاربة من العنصرية التي يتعرضون لها في أوروبا، وممارستهم السلوك نفسه تجاه القادمين من جنوب الصحراء.
تتدخل أمل لتصف ذلك بأنه "مشكل عويص ومعقد". وبحكم انتمائها إلى طنجة، تعيش يومياً على إيقاع حضور الأفارقة في أزقة المدينة وهم يبحثون عن فرصة لعبور البحر ويتحملون ويلات الانتظار. لكن الرواية لا تكتفي بإدانة العنصرية في أحداثها، بل تجعل تمثيل الإفريقي نفسه موضوعاً داخل الكتابة. يقترح الراوي على أمل أن تصبح كريستينا بطلة رواية يكتبانها معاً، فتقترح أمل أن تكون ابنة صياد يجوب الأدغال ويصطاد الحيوانات ليبيع جلودها لعصابة أوروبية. يرفض الراوي الصورة بشدة، ويقترح أن تكون ابنة عامل بسيط يسكن ضاحية فقيرة في عاصمة إفريقية كبرى، ويرى أن ربط إفريقيا بالغرابة والعجائبية نظرة أوروبية متعالية تنزع عن الأفارقة إنسانيتهم.
يكشف المشهد وعياً بمشكلة الكتابة عن إفريقيا من موقع مغربي. وحتى من موقع متعاطف، يظل الإفريقي معرَّضاً لإغراء الصور الجاهزة، وتحتاج مقاومة هذا الإغراء إلى جهد واع لا يقل عن الجهد المبذول في مواجهة العنصرية التي ترصدها الرواية. لكن "ليلة إفريقية" تقع في مفارقة أعمق حين تعود أوروبا، التي حملتها كريستينا مسؤولية نهب القارة وصناعة النظرة الغرائبية إليها، لتصبح حلاً في نهاية الحكاية التي ينسجها الراوي وأمل.
يتفق الاثنان على كتابة قصة بطلتها كريستينا وطبيب مغربي يعمل في بلد إفريقي تمزقه الحرب، ثم يتطور مصيرهما إلى الزواج. وحين تنتقل كريستينا إلى المغرب، تواجه رفض أسرة الطبيب وسوء معاملتها ونظرة المجتمع إليها، فلا يجد الزوجان سوى الهجرة إلى أوروبا مخرجاً. توفر أوروبا، على عنصريتها وتاريخها الاستعماري، أنظمة ومؤسسات تمنح المضطهدين مساحة أوسع لحماية أنفسهم وبدء حياة جديدة. وهكذا لا تنجح الرواية في طرد أوروبا من موقع الفردوس، إنها تنتقدها وتدين نظرتها إلى إفريقيا، ثم تعيدها ملاذاً أخيراً حين يغلق المغرب أبوابه أمام المختلف.
تساعد هذه المفارقة على إعادة قراءة الروايات الثلاث. لا يتمثل وهم الفردوس في اعتقاد أن أوروبا خالية من الاستغلال والعنصرية وحده، بل في اضطرار الشخصيات إلى تخيل الخلاص في مكان آخر كلما ضاق بها مكانها. لذلك تتحرك جغرافية الفردوس من أوروبا إلى المغرب ثم تعود إلى أوروبا، من غير أن تستقر. وتكشف الروايات الوهم، لكنها لا تستطيع إلغاء الفوارق التي تمنحه قدراً من الحقيقة، فأوروبا ليست الجنة التي تخيلها عازل، لكنها تظل في بعض الحالات موضع حماية أو فرصة لا توفرها البلدان التي تغادرها الشخصيات.
قد يبدو رجوع أعداد كبيرة منهم دليلاً مباشراً على انكشاف وهم الفردوس، فقد دخلوا مدينة لم يجدوا فيها مأوى أو مورداً يكفيهم، ولا طريقاً مفتوحاً إلى البر الإسباني. لكن وصف ما حدث بأنه عودة بعد خيبة الأمل وحدها يحجب جانباً أساساً من الواقعة. وثقت هيومن رايتس ووتش "إعادات سريعة" أثارت مخاوف من الإعادة الجماعية والقسرية، وظل آلاف الأشخاص داخل سبتة بعد الأيام الأولى. لذلك ينبغي التمييز بين من عاد باختياره، ومن أعادته السلطات، ومن بقي عالقاً، ومن حرم من فرصة طلب الحماية، ومن مات قبل أن يصل.
تغير هذه التفرقة معنى "الفردوس" في الواقعة. لا يسقط الحلم لأن المهاجر اكتشف أن أوروبا لا تشبه خياله فحسب، بل لأن الحدود والمؤسسات تقرر من يحق له الدخول ومن يبقى في الهامش ومن يعاد إلى النقطة التي بدأ منها. يشبه مسار العابرين في ظاهره النهاية الدائرية في "قوس قزم"، حين وجد الركاب أنفسهم قرب موضع انطلاقهم، لكن العودة في الواقع ليست نتيجة ضلال القارب أو انهيار أخلاق ركابه وحدهما، إنها كذلك فعلٌ سياسيٌّ تصنعه الحدود وتنفذه سلطات الدولتين.
تكشف الروايات المسافة بين المكان المتخيل والواقع المعاش، لكن أحداث سبتة تدفعنا إلى إضافة سؤال لا يظهر فيها بالقوة نفسها. من يصنع هذه المسافة؟ تساهم البطالة والعنف الاجتماعي وصور النجاح على وسائل التواصل في إنتاج الرغبة في الرحيل، فيما تجعل أنظمة التأشيرات والإقامة والعمل والحدود هذا الرحيل بالغ الخطورة. وإذا اختزلنا المشكلة في وهم يحمله المهاجر في رأسه، أصبح الغرق والعودة عقاباً على سوء تقديره، واختفت السياسات التي تجعل الحركة حقاً لبعض الناس ومغامرة قد تكلف آخرين حياتهم.
لكن جمع الروايات الثلاث يكشف أيضاً حدود نقدها. تفكك "أن ترحل" و"قوس قزم" حلم الفردوس بنهايات قاسية قد تجعل مأساة الهجرة أقرب إلى عقاب للمهاجر، فيما تنتقد "ليلة إفريقية" أوروبا والعنصرية والصور النمطية عن إفريقيا، ثم تعود إلى أوروبا مخرجاً أخيراً. لا تلغي هذه التناقضات قيمة الروايات، بل تكشف قوة الصورة التي تحاول مقاومتها، فالفردوس لا يبقى قائماً لأن المهاجر ساذج أو مخدوع وحده، بل لأن التفاوت بين الأماكن يمنح خياله مادة واقعية. وعلى ذلك تتحول الهجرة إلى مرآة للتفاوتات الطبقية والعرقية وعلاقة الإنسان بصورته عن ذاته وعن الآخر.

