تلات ستات.. حكايات البغاء في مصر

حاول عديد من الأعمال سرد تاريخ الجنس التجاري في مصر. ويحاول كتاب"تلات ستات" تقديم مساهمة جديدة، بسرد واقعي لموقع المرأة داخل منظومة الفقر والاتجار بالبشر.

Share
تلات ستات.. حكايات البغاء في مصر
قدَّم كتاب تلات ستات محاولةً لتفكيك البنية السلطوية للعمل بالجنس | تصميم خاص بالفراتس

"محمد أحضَر لي زجاجة بيبسي وطبقاً به خيارٌ مخلَّل. ابتَسمْتُ. أُمُّه تراقبنا. شربتُ سيجارة حشيشٍ أخرى. لم أعد أشعر بشيء. نملٌ يسير من جسدي لعقلي، يقطع المسافة من أطرافي حتى يصل إلى منتصف الرأس ويعود مرّةً أخرى إلى أطرافي. قشعريرةٌ بداية ونهاية كلّ رحلة. أشباح الزبائن والبنات تحوّلَت إلى ضباب".
في هذا المقطع من الفصل الأول من كتاب "تلات ستّات: سيرة من ليالي القاهرة" الصادر في 2024 للصحفيَّيْن محمد العريان وعمر سعيد، تصف الطفلة "سمرا" أولى الدقائق بُعَيْد اغتصابها أوّل مرّةٍ في بيت القوّادة التي التقطَتها جائعةً من الشارع. تحكي سمرا أنه بعد بيع جسدها كرهاً أوّل مرّةٍ جاءها ابن القوّادة بالطعام والمخدرات لإلهائها عمّا فُعِل بها وحوّلها من طفلةٍ بلا مأوىً إلى عاملةٍ بالجنس مقابل أجرٍ. اغتصاب سمرا وقع بمساعَدة زوج القوّادة وأبنائها الذكور. هذا المقطع، بما يصفه من ضياعٍ واستسلامٍ، يظهر آليّات الإخضاع التي عُرضت في حكايات النساء الثلاث اللائي ينقل الكتاب عنهن حكايات إكراههن على التعيُّش من أكثر المهن احتقاراً وعرضةً للعنف في مجتمعاتنا العربية.
اهتمّت أعمالٌ فكريةٌ وقليلٌ من الأعمال الإبداعية بكتابة تاريخ البغاء في مصر، أو تصوير واقع العاملات بالجنس. كذلك تنوعت وسائط عرض هذا الواقع بين السينما والرواية والرصد البحثي والكتابة الصحفية. وتعدّدت مناحي التركيز بين تناول بنية التجارة نفسها، أو التركيز على النساء العاملات فيها. ويكشف سرد قصة البِغاء في كتبٍ مثل "البغايا في مصر" لأحمد هلال و"مجتمع القاهرة السرّي " لعبد الوهاب بكر، و"رجال ريّا وسكينة" لصلاح عيسى، عن هذا الجدل المعقد بين الواقع وسرده، وكيف يعتِّم السرد في كثيرٍ من الأحيان على موضوعه، وكيف يعيد أحياناً إنتاج القهر الذي يدينه.
هذه العلاقة المعقدة بين تاريخ البِغاء وتاريخ الكتابة عنه تكشف عن صعوبة فهم الكيفية المعقدة التي تعمل بها تلك التجارة، وكيف يتكثَّف داخلها قهر المرأة. كذلك يظهر من مراجعة ما كتب عن تلك التجارة كيف يتورط السرد في إعادة إنتاج هذا القهر ودعم السلطة التي تقف وراءه، عبر تركيز الكتابات على توجيه الإدانة للنساء وحدهن، وتشخيص الاشتغال بالجنس انحرافاً أخلاقياً تتساوى فيه الأطراف الفاعلة. بدلاً من النظر لها باعتبارها جريمة اتجارٍ بالبشر مركزها بائع السلعة، أي القوّاد ومشتريها، وهما غالباً من الذكور، وضحيّتها هي المرأة.
يحاول كتاب "تلات ستات" أن يخرج من تلك الورطة، ويصدّر منذ المقدمة نيّات كتابةٍ في محاولة رسم صورةٍ أكثر واقعيةً لعالم العاملات بالجنس، واعياً بما سقط فيه عديدٌ من الكتابات السابقة التي اهتمت بالقضية نفسها.


يرصد الباحث عبد الوهاب بكر في كتابه "مجتمع القاهرة السرّي" الصادر سنة 2000 قرارَ حاكم مصر محمد علي باشا سنة 1836 بإبعاد الراقصات والمغنّيات من القاهرة، وما للقرار من دورٍ في دفعهنّ للعمل بالبِغاء. إذ أتيح لهنّ امتهان البِغاء خفيةً دون التعرض للجلد أو السجن، الذي يعاقَبن به قانونياً في حالة ممارسة الرقص والغناء. هذا القرار وشواهد تاريخيةٌ أخرى يرصدها الكتاب، الذي يعدّ واحداً من مرجعَيْن أساسَيْن لكلّ من يبحث في تاريخ البِغاء في مصر، تجلّي الدور الذي أدّته ولا تزال تؤدّيه أشكال السلطة المختلفة في إمداد صناعة الجنس التجاري بضحاياها من النساء.
لا تنحصر السلطة داخل مجتمعٍ ما في مؤسسات الحكم الدستورية فقط، فوراء السلطة الظاهرة التي تملك أدوات سنّ القانون وإنفاذه تكمن سلطاتٌ رمزيةٌ أكثر خفاءً. في كتابه "سي كو بارليه فو دير. ليكونومي ديز إيشانج لينغويستيك" الصادر سنة 1982، والذي نشر عربياً بعنوان "الرمز والسلطة"، يعرِّف الفيلسوف الفرنسي بيير بورديو السلطةَ الرمزية بأنها الهيمنة عبر إدارة الرموز اللغوية والاعتراف، وليس عبر ممارسة العنف الفعلي. ويعدّ التسلّط على النساء من الحقول التي يسهل فيها قياس ممارسات الهيمنة كما يعرّفها بورديو. إذ تتضافر السلطتان، الرسمية التي تملك القانون وأدوات إنفاذه، والرمزية الممثلة في الدوائر المجتمعية – من أسرةٍ وجيران وزملاء عملٍ إلى حدّ الكتلة السكانية في الدولة – في إدارة حضور المرأة في المجتمع وتعريفها لِذاتها. لم يتعرّض بورديو في تحليله لصناعة الجنس التجاري، لذا لم يكن في تحليله تناولٌ لما يمكن أن نسميه "السلطة الواقعية"، التي يمثلها في هذه الحالة من يديرون صناعة البِغاء في التأثير وإعادة إنتاج الواقع نفسه.
تعمل تلك السلطات، التي إما تخضع لقيادةٍ مباشرةٍ من الرجال أو تعيد إنتاج نظرتهم للنساء، على إعادة تشكيل واقع المرأة بتحديد طريقة ظهورها في المجتمع، وإخضاعها لسلطة من يملكون التصرف في جسدها فيختارون تأجيره، إما بالاستعباد المباشر أو تحت دعوى توفير الحماية والدعم مقابل جزءٍ من الأجر. ثم يأتي دور العنف الرمزي المتمثِّل في وصم المرأة وإقصائها اجتماعياً والتسامح مع العنف تجاهها والذي قد يصل حدّ القتل إذا ما خرجت عن الأدوار الاجتماعية المرسومة لها، لتؤسِّس تلك السلطات جميعها واقعَ حركة المرأة وحضورها.
تمثل صناعة الجنس التجاري مساحةً يتكثَّف فيها تعاون السلطتين الواقعية والرمزية. السلطة الواقعية في عالم المرأة العاملة بالجنس تتمثَّل في طريقة إدارة هذا العمل. فالدخول في عالم العمل بالجنس كثيراً ما يبدأ بسبب الذكور وتنامي سلطتهم النافية تماماً لامتلاك المرأة لنفسها جسداً وروحاً. كذا فإن هذا العمل نفسه يدار على الأغلب من الذكور، أو يتولى الذكور أمر تسييره وتحقيق الاستفادة الأكبر منه. كذلك يظل الذكور داخل هذا المجال أقلّ من العاملات بالجنس عرضةً للعنف المادّي والرمزي.
يظهر هذا الواقع في حكايات النساء الثلاث اللائي تشكّل قصصهن كتابَ "تلات ستّات". إحداهن عفاف، التي تعرّفَت على الجنس في مشاهد يتكثَّف فيها العنف. إذ شاهدت أباها ينتهك أختها. ثم تحرّش بها أبوها ثم أخوها الخارج لتوّه من السجن. وحين غاب زوجها للتجنيد استغل ابن صاحب ورشةٍ ضيقَ حالها، ومارس الجنس معها كرهاً مقابل المال. هربت عفاف من عنف زوجها الذي أدمن المخدرات بعد عودته من الجيش، ومن عنف أخيها قاتل زوجته، فتوجّهت إلى ليبيا لتعمل في الخياطة. إلا أنها عاينت هناك عنفاً أوسع، إذ خطفت وكادت تقتل، ووضعت أمام مساومةٍ على حياة أبنائها أو العمل بالجنس. ويلفت الكاتبان القارئَ لحضور الذكور الثقيل وتضافر أشكال مختلفةٍ من السلطة في سجن النساء داخل مؤسسةٍ تجاريةٍ سلعتها أجسادهن وكرامتهن.
تنظر الخطابات الفكرية والواقعية والقانونية للمرأة العاملة بالجنس، نافيةً دور الذكور في التجارة نفسها، متوقفةً عند المرأة وكأنها المسؤولة الوحيدة عن هذا الانحراف المجتمعي. يتبدّى هذا في نصوص "قانون مكافحة الدعارة" المصري لسنة 1960، وهو قانونٌ لا يزال سارياً. تتضافر مواد القانون في تجريم المرأة، فيما تعدّ الرجل الذي يشتري جسدها شاهداً على إدانتها. وبهذا تلعب السلطة الفعلية الممثلة في القانون وأدوات إنفاذه دوراً في ترسيخ المناخ الذي يضاعف سلب العاملة بالجنس أيّ بقايا حقٍّ في جسدها. في حين يحرمها القانون من طلب الحماية ضد الإكراه على العمل بتلك التجارة أو الاستمرار بها، كما يظهر في حكاية سمرا، الطفلة التي أكرهت على العمل بالجنس قسراً ثم أكرهت على الاستمرار فيه، قبل أن تفقد بفعل سلطة الوصم أيّ فرصةٍ في أن تترك تلك التجارة إلى ما سواها.


تمثل الكتابة عن تاريخ العمل بالجنس وسيلةً إما لتكريس السلطة أو لتفكيكها. ويمكن التعرف على الدور الذي اختارته الكتابات المصرية في هذا المضمار باستقراء العدد المحدود من الكتابات البحثية، والكمّ الهائل من الكتابات الإبداعية والأعمال الفنية التي صوّرت نساءً عاملاتٍ بالجنس التجاري. إذ يعيد كثيرٌ من هذه الأعمال إنتاج الممارسات وتكريس النظرة تجاههن، عبر إدانتهن ونسيان البناء الذكوري لتلك التجارة. في حين يعرض كتاب "تلات ستّات" قراءةً مختلفةً تحاول تفكيك هذه السلطة وفهمها.
في سنة 2001، صدر كتابان حول العمل بالجنس في مصر. "البغايا في مصر من 1834-1949" لعماد أحمد هلال، و"مجتمع القاهرة السرّي 1900-1951" لعبد الوهاب بكر. يعدّ الكتابان مرجعين مهمّين عن تاريخ صناعة البِغاء في مصر، إذ اعتُمد فيهما على وثائق البوليس المصري (الشرطة) ومذكرات مديري جهاز الشرطة في نهايات القرن التاسع عشر والنصف الأول من القرن العشرين – وكانوا بريطانيين – لبناء سردٍ تاريخيٍ لصناعة البِغاء حينئذ. وعلى أهمية الكتابين واحتوائهما على وثائق تؤكِّد ما لا تزال تعانيه العاملات بالجنس من قهرٍ، إلّا أنهما لا يلتفتان للوقوف على الأبعاد الذكورية لهذه المؤسسة، بل يدين الكتابان النساءَ فقط.
أشار الكتابان إلى التاريخ الطويل من الفقر والعنف والتهميش الذي عانته العاملات بالجنس أو "البغايا" كما يصفهن مؤلّفا الكتابين. وأكّدا أن الفقر كان دافعاً قوياً لممارسة "هذه المهنة اللا أخلاقية". اطّلع الكاتب عماد هلال على وثائق مهمةٍ تخصّ الفترة التي قُنّن فيها العمل بالجنس ابتداءً من سنة 1882 إلى تجريمه في 1949، إذ أصبحت بيوت البغايا حينئذٍ معروفةً ومعروفٌ أماكنها. وأسهم التقنين والمراقبة الحكومية في خفض أعمال العنف ضد العاملات بالجنس، كما أدّت المراقبة الحثيثة لتجديد تراخيص العمل إلى خفض الأمراض المنقولة جنسياً، ليس بين العاملات فقط، وإنما في مصر عامةً.
لكن الباحث يرصد تلك الظواهر عرضاً ولا يتوقف عندها كثيراً، بل يكرس جهده البحثي للإشادة بإلغاء تقنين البِغاء من دون تناول مؤسسة تجارة الجنس وممارسات السلطة والعنف داخلها وعبرها تجاه المرأة. فلم يجد هلال أيّ حرجٍ في أن يشير إلى أن حكومة محمد علي باشا لم توفِّر أيّ تدابير معيشيةٍ لمن أسماهن "تائبات"، بل ركَّز على أن غياب هذه التدابير أدَّى لعودتهن لممارسة البِغاء. وحين ذكر ما تعرّضت له البغايا في مستشفى الحوض المرصود – وهي مستشفى أنشأتها الدولة سنة 1902 لتوقيع الكشف الدوري على العاملات بالجنس وعلاجهن من الأمراض المنقولة جنسياً – كي تجدّد لهن الرخصة الشهرية لمزاولة المهنة، لم يكترث لرصد ما كان يكال لهن في المستشفى من عنفٍ، وخوفهن الدائم من الذهاب إلى هناك، بل ينوّه به تصرّفاً يعزِّز جهود الدولة في مكافحة البِغاء فحسب.
في رواية "سعدية وعبد الحكم وآخرون" الصادرة سنة 2006 للمحامي والروائي الراحل حسين عبد العليم، نتابع فصلاً قصيراً من حياة سعدية التي تعمل في أحد بيوت اللهو في شارع كلوت بك (شارع في غرب القاهرة القديمة ووسطها حالياً) في مطلع القرن العشرين. يظهِر ذلك الفصل القصير كيف كانت ولا تزال صناعة الجنس التجاري تدار في مصر. إذ يستند عبد العليم كما يقول في مقدمة الرواية إلى كتاب "مجتمع القاهرة السرّي". سعدية وزميلاتها بعد توقيع الكشف عليهن في المستشفى، لا يترَكن للحركة الحرّة. بل يسلَّمن إلى "البادرونة" أي المشرفة التي تتولى نيابةً عن القوّاد إدارة شؤون العاملات في بيت اللهو. تخشى سعدية وزميلاتها التفكير في الهرب أو الامتناع عن العمل خشية الضرب أو التشويه أو القتل. ما كتبه حسين عبد العليم في روايته ليس كلّه خيالاً، ففي كتاب "تلات ستّات" وخلال حكاية سمرا، نرى ما حدث لزميلةٍ لها في البيت نفسه عندما "شعرت بالقرف" وأرادت أن تمتنع عن العمل يوماً، فعاقبتها ربّة البيت باستئجار من يغتصبونها بوحشية.
يؤكِّد كتاب "مجتمع القاهرة السرّي" على الأمر ذاته، فالفقر والتفكك هما الدافع لممارسة هذه "الحرفة" لا "المهنة". وتأكيد الكتاب أنها حرفةٌ وليست مهنةً ينبع من القول بأن البِغاءَ عرضُ المرأةِ نفسَها، بغضّ النظر عن ظروف حرية المرأة من عدمها حين العرض، فهو ضمن منظومةٍ تتاجر بالبشر يديرها في الأغلب ذكرٌ وزبونها كذلك ذكر.
يذهب الكاتب والصحفي الراحل صلاح عيسى إلى اتجاهٍ معاكسٍ في كتابه "رجال ريّا وسكينة" المنشور سنة 2002. لم يكتف عيسى بتقصّي التاريخ الإجرامي للقاتلتَيْن الأشهر ريّا وسكينة اللتين عملتا بالدعارة الرثّة قبل أن يحترفن القتل، بل نظر نظرةً أوسع من نظرتَي مؤلّفَي الكتابَين السابقَين. فقد ركّز عيسى على الفقر والخلل الاجتماعي والسياسي الذي كانت تشهده مصر وقت امتهان "ريّا وسكينة" مهنة البِغاء في أعقاب الحرب العالمية الأولى، فلم يراهُنّ "فاجرات" أو "مومسات" كما يطلق مؤلفا "مجتمع القاهرة السرّي" و"البغايا في مصر" الوصف على العاملات بالجنس.
بالإضافة إلى الكتب التي تناولت العمل بالجنس، ثمّة أفلامٌ ورواياتٌ عديدةٌ حضرت فيها العاملات بالجنس ضمن شخوص العمل، وكنّ في الغالب مداناتٍ حتماً حتى وإن شابَ البناءَ السرديَّ تعاطفٌ معهن. ففي فيلم "ريكلام" الذي عرِض في دور السينما في مصر سنة 2012، يَؤول مصير الفتيات إلى استجداء العطف والمغفرة، إلا أن الفيلم لا يتسامح معهن ويكون مصيرهن السجن عقاباً على بيع أجسادهن، دون حديثٍ عن المؤسسة ذاتها وواقع المرأة المعنَّف داخلها. وثَمَّ طريقٌ آخَر للكتابة عن العاملات بالجنس يتعاطف معهن دون الاشتباك الجادّ مع واقعهن. ونَحَى هذا المنحى كثيرٌ من الأفلام والروايات التي كتبت وأنتجت في أعقاب 1952، مثل فيلم "ضد الحكومة" الذي عرض سنة 1992، وكثيرٌ من أعمال نجيب محفوظ، مثل الثلاثية الصادرة سنتي 1956 و1957، و"اللص والكلاب" الصادرة سنة 1961. وعرض نجيب محفوظ في رواياته صورةً عاطفيةً عن المرأة العاملة بالجنس، لكنها صورةٌ كرَّست واقعها المؤلم بالتغافل عنه والالتفات لحضورها العاطفي في حياة أبطاله الرجال.
لكن في كتاب "تلات ستات" حاول محمد العريان وعمر سعيد الاقتراب من حقيقة هذا العالم دون إصدار حكمٍ أخلاقيّ الطابع، وكذلك دون إضفاء أيّ طابعٍ عاطفيٍ عليه ولا على العاملات فيه. وحاولا استكشاف كيفية تحوّل الاتجار بالبشر عبر الكتابات الصحفية والسينما إلى فسقٍ وفجورٍ، يُكتفى عند مقاربته بإدانته أخلاقياً من دون تفكيك بنيته السلطوية وعمليات إعادة إنتاجها. يعيد الكاتبان بناء هذه الممارسة باعتبارها مجالاً اجتماعياً يشمل عدّة أطرافٍ، يتحركون وفق علاقات سلطة. فهناك صاحب البيت، أو القوّاد، وهناك الزبون والمرأة العاملة بالجنس. تبدو المرأة هنا الأكثر تحملاً لأعباء الوظيفة ومخاطرها النفسية والصحية والقانونية، والأقل استفادةً منها في الوقت ذاته. ويعرّي الكتاب جريمةَ الدعارة باعتبارها اتجاراً بالبشر، مركزه القوّاد، ومصدر المال فيه الزبون، وتقف فيه العاملة في موقع المجنيِّ عليها أو الضحيّة.
ويؤكِّد الكاتب عمر سعيد في حوارٍ مع الفراتس، أن مصدر هذه القراءة ليس الأحلام ولا الاتفاقات البعيدة عن واقعنا ولا شروط المنظمات الحقوقية. بل مصدرها الاتفاقيات والتعهدات التي التزمت بها مصر، مثل اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الجريمة المنظمة الوطنية، ونظام منع الاتجار بالأشخاص ومكافحته وعقابه، وخاصةً المتعلق بالنساء والأطفال، "لكن على أرض الواقع تتصرف السلطات التنفيذية مع ذلك الإطار المهني بصورةٍ مختلفةٍ، وهو ما يؤثِّر بالطبع على المسار القضائي".
يوضِّح عمر سعيد أن قصر السلطات المصرية الموضوع على ممارسة الدعارة، تنزع عنه كلّ الظروف الاجتماعية والاقتصادية، فتتغاضى عن جرائم وانتهاكاتٍ ترقى للاستعباد، وتتحول العاملات في نظر القانون إلى المجرم الأصلي، فيما موقع الزبون هو الإدلاء بشهادةٍ تثبت دفعه المال للعاملة فتتورط العاملات. ليفلت القوّاد والزبون من المساءلة تماماً، ويصبح شاهداً على الجريمة.
هذا البناء الذكوري للعمل بالجنس، وكذا طريقة إعادة تكريس هذه السلطة ضمن الأعمال التي سردت تاريخه والممارسات القانونية تجاهه، ينتج توسعةً لممارسة التسلط على النساء عموماً، عبر العنف الرمزي المتمثِّل في الوصم. يصِم المجتمع النساءَ اللائي يتخطّين المعايير المقرّرة مجتمعياً لحركتهن، فيضمن بهذا عدم خروجهن عن هذه المعايير. كذلك فإن عملياتِ الإدانة للمرأة ببيع جسدها، وتحميلها مسؤولية انحراف المجتمع، توفِّر معجماً لفظياً قادراً على تفعيل هذا الوصم.


يمكن للكتابة عن النساء عموماً، أو عن نساءٍ بعينهن، أن تكون طريقاً لإحكام السلطة عليهن، أو طريقاً لتفكيك هذه السلطة. وهو ما يتجلّى في تاريخ الكتابة عن البِغاء في مصر.
قدَّم كتاب "تلات ستات" للصحفيَّيْن محمد العريان وعمر سعيد محاولةً لتفكيك البنية السلطوية للعمل بالجنس وإعادة النظر في تاريخه وواقع العاملات فيه، وزحزحةً للنظرة الاجتماعية والأخلاقية والقانونية التي تتجاهل بنية هذا العمل وكونه اتجاراً بالبشر، عبر تحويله لخطأٍ أخلاقيٍ تقع معظم مسؤوليته على المرأة وحدها. وحين يفعل الكتاب هذا، فإنه لا يفكّك بنية هذه المؤسسة فحسب، بل يفكّك بنية الكلام عنها، الذي يعيد إنتاج العنف تجاه النساء. ومن منظورٍ أوسع، يفكّك الكتاب أحدَ مصادر الوصم والعنف الرمزي تجاه المرأة عموماً، مما يفتح لها باب التفاوض حول طرق حضورها في الفضاءين العامّ والخاصّ.

اشترك في نشرتنا البريدية