الأدب النسائي المغربي في مواجهة سنوات الجمر والرصاص

حافظت المرأة المغربية بالكتابة على ذاكرة سنوات الجمر والرصاص، وبَنَت عبرها سجلاً يحفظ حقوق المرأة.

Share
الأدب النسائي المغربي في مواجهة سنوات الجمر والرصاص
أعدن صياغة صورة المرأة فاعلاً سياسياً | تصميم خاص بالفراتس

داخل أحد السجون المغربية، بدأت المناضلة الماركسية سعيدة المنبهي إضراباً مفتوحاً عن الطعام في ديسمبر 1977، احتجاجاً على ظروف الاعتقال والتعذيب، قبل أن تفارق الحياة داخل زنزانتها. وكانت أول امرأةٍ عربيةٍ تفارق الحياة بعد خوضها إضراباً غير محدودٍ عن الطعام لأسبابٍ سياسية. سُجِنت المنبهي سنة 1976 بسبب انضمامها لمنظمة "إلى الأمام" اليسارية، التي كان يَعُدّها النظام المغربي تهديداً له. وتركت وراءها نصوصاً ورسائلَ وقصائدَ كتبتها من قلب التجربة، كانت أبرز شاهدٍ وموثّقٍ لتفاصيل التعذيب والمعاناة داخل السجون والمعتقلات المغربية. وقد تحوّلت كتاباتها تلك، منذ نشرها سنة 1982، شهادةً حيّةً على شكل وطبيعة وتفاصيل العنف السياسي والاجتماعي الذي طبع مرحلةً من تاريخ المغرب المعاصر.

كانت ساعةُ نشر كتاباتها لحظةً كاشفةً دفعت أصواتاً نسائيةً أخرى إلى الخروج عن صمتها. وقد برز أدب السجون النسائي في المغرب — في هذه اللحظة الكاشفة — فعلَ مقاومةٍ لا يكتفي بالتوثيق، لكنه يُسائل بنية العنف ويُعيد تشكيل الوعي حولها. تحوَّلت المرأة داخل هذا الأدب من ضحيةٍ صامتةٍ إلى فاعلٍ سرديٍّ أعاد تشكيل الذاكرة الجماعية. فكسرت كتاباتها جدار المسكوت عنه، وأدرجت التجربة النسائية في صلب التاريخ الوطني.

صارت هذه الأعمال أدواتٍ نقديةً لمساءلة العنف السياسي والجنساني، خاصةً في سياق استحداث هيئة الإنصاف والمصالحة سنة 2004، التي شُكِّلت لتسوية ملف الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان في الفترة التي سُمّيت "سنوات الجمر والرصاص". وهي الفترة الممتدة ما بين استقلال المغرب سنة 1956 ونهاية عهد الملك الحسن الثاني سنة 1999، وقد شهدت انتهاكاتٍ بحقّ معارضي النظام المغربي، بعد محاولتي انقلاب ضد الملك. وهكذا نشأت الكتابة السجنية النسائية في المغرب من قلب تجربة الاعتقال. لكنها سرعان ما تجاوزت حدود الشهادة الفردية، لتصبح ذاكرةً سرديةً تكشف عن العنف المسلط على الجسد والكرامة الإنسانية. وقد أسهمت هذه الكتابة في كسر الصمت إزاء انتهاكات الماضي، وإدراج تجربة النساء في النقاش العمومي حول الحقوق والحريات.


غالباً ما توصف سنوات الجمر والرصاص مرحلةً سياسيةً اتَّسمت بقمعٍ سياسيٍّ حادٍّ وانتهاكاتٍ جسيمةٍ لحقوق الإنسان انتهت بإطلاق مسار المصالحة عبر هيئة الإنصاف والمصالحة لجبر ضرر الضحايا. لكن الفترة تتجلى في الذاكرة الشعبية المغربية زمناً مليئاً بالغياب والتغييب، للرجال والنساء معاً. فقد واجه كثيرٌ من المغربيين والمغربيات الاعتقالاتِ والاختفاءَ القسريَّ والاختطافاتِ والتعذيبَ داخل السجون. وأنتجت هذه الانتهاكات أدباً سجنياً يهتمّ بتسجيل اللحظة ويوثِّقها، سواءً بتدوين التجربة مباشرةً أو عبر التخييل.

تعود جذور الكتابة السجنية في المغرب إلى منتصف الستينيات. يذكر عبد الرحيم العلام، أستاذ القانون الدستوري والفكر السياسي بجامعة القاضي عياض، أنّ الكتابة السجنية بالمغرب "بدأت محتشمة". ففي مقاله "تنامي الكتابات السجنية بالمغرب.. مقاومة الخوف والظلم"، المنشور سنة 2022، يشير العلام إلى أن البداية كانت مع كتاب "سبعة أبواب" للصحفي وزعيم حزب الاستقلال عبد الكريم غلاب سنة 1965، والذي تحدّث فيه عن تجربته السجنية على خلفية نضاله ضدّ الاحتلال الفرنسي.

ومع أنّ الذاكرة الشعبية تعدّ الثمانينيات جزءاً من سنوات الجمر والرصاص، إلا أنّها شهدت انفراجاً سياسياً تدريجياً اتّسم باتساع هامش حرية الرأي والتعبير. يرى العلام أنَّ الكتابة السجنية بدأت تتوسع في هذه المرحلة عبر شعر عبد الله زريقة وعبد اللطيف اللعبي. فشهدت طفرةً في كتابات أدب السجون، إذ تكاثرت فيها النصوص عن العنف السياسي بعد الاستقلال. لم يكن هدف هذه الكتابات سدَّ فراغ توثيق المرحلة فقط، بل صياغة ما كان كثيرون يُعتقدون أن البوح به مستحيل. وهكذا صدرت أعمالٌ روائيةٌ وشهاداتٌ شَكَّلت منعطفاً في الكتابة السجنية، كان من أهم كتابات أدب السجون رواية "مجنون الأمل" لعبد اللطيف اللعبي، الكاتب والشاعر الذي أُفرِج عنه سنة 1980 بعد أن اعتُقل سنة 1972 بسبب نشاطه السياسي اليساري وتأسيسه مجلة "أنفاس" (سوفل) التي كانت تصدر باللغتين العربية والفرنسية واعتُبرت صوتاً ثقافياً وسياسياً معارضاً ومحرّضاً آنذاك. صدرت رواية "مجنون الأمل" سنة 1983، وهي سيرةٌ وشهادةٌ للعبي عن تجربته في السجن وواقع السجين، مزج فيها بين الشعر والأدب والفكر وبين تحليله الأحداث والتحولات السياسية بالمغرب الحديث.

تُضاف إلى تجربة اللعبي تجربة الصحفي عبد الفتاح فاكهاني الذي كتب روايته القصيرة "البئر" وهو رهن الاعتقال سنة 1975، ونشرها سنة 1984 حين كان لا يزال معتقلاً، قبل أن يُفرَج عنه سنة 1989. يحكي فاكهاني في الرواية عن معاناته مع قسوة السجن والسجَّان، ويعبِّر عن أفكاره وهو أحد مؤسِّسي حركة "إلى الأمام" اليسارية، التي كانت أبرز الحركات السرِّية اليسارية في المغرب. وفي سنة 2005، عاد فاكهاني وأصدر كتاب "الممر — شذرات من حقائق سنوات الرصاص"، وقد ترجمه من الفرنسية أحمد المرزوقي. يعرض الكتاب شهادةً أخرى عن تجربة الاعتقال السياسي والتعذيب في أبشع صورةٍ بسجن درب مولاي شريف والمحاكمة التي كان هدفها "تقديم المتّهمين ليس فقط كمناضلين سياسيين يناهضون النظام، وإنما كذلك ككفار ملاحدة زنادقة يرومون المساس بالإسلام ويسعون إلى بيع الصحراء إلى الجزائر ومنظمة البوليساريو".

كذلك فعل الكاتب عبد القادر الشاوي الذي كتب "كان وأخواتها"، الرواية التي تحكي معاناة اليساريين إبان السبعينيات. اعتُقل الشاوي سنة 1974 وحُكم عليه في 1977 بعشرين سنةً سجناً قضاها في سجن القنيطرة شمال الرباط، على خلفية انتمائه إلى تنظيمَي "23 مارس" و"إلى الإمام". نُشرت "كان وأخواتها" سنة 1986 حين كان لا يزال الشاوي في السجن (لم يُطلق سراحه إلا سنة 1989) وسارعت الرقابة إلى مصادرتها، فصارت بعض النسخ تُتداول سرّاً حتى أعاد نشر الرواية سنة 2010 بعد رفع المنع عنها.

وعلى غزارة الكتابات السجنية من هذه الحقبة، فإنَّ الأصوات النسائية بالذات بقيت فترةً طويلةً خارج السردية الرسمية وحتى المجتمعية. وبقيَ معها تقاطع العنف مع الجسد الأنثوي في الظلّ، ما حوَّل المعاناة أثراً سياسياً واجتماعياً مرتبطاً بالنوع الاجتماعي. فكان تأخر خروجها نتيجةَ ما يمكن تسميته "الصمت المركب". صمتٌ فَرَضَه قمعُ البيئةِ السياسيةِ الأصواتَ المعارضةَ، وغذَّته بنيةٌ اجتماعيةٌ محافظةٌ جعلت من جسد المرأة وذاكرتها موضوعَين للحجب والحجر، فاصطدمت رغبة النساء في الشهادة بحاجز "الحشومة". ذلك المفهوم الذي يختزل مزيجاً من الحياء والعار، كما توضّح الباحثة لورا مينين في مقالتها "دجِندِرد فايولِنْس، ذا بوليتكِل إيماجنيشِن [. . .]" (العنف القائم على النوع الاجتماعي، الخيال السياسي، والمذكرات خلال سنوات الرصاص في المغرب) المنشورة سنة 2014، على لسان الناشطة والسجينة السياسية فاطنة البويه. تقول فاطنة، التي اعتُقلت سنة 1974 بسبب قيادتها إضراباً لطلاب المدارس الثانوية، إن "إحساس الحشومة كان يمنعها من الحديث عن تجربتها، إذ يرتبط المصطلح بقيم الاحتشام واللياقة، خاصةً فيما يتعلّق بالجسد والجنسانية".

على ذلك، لم تبقَ التجربة حبيسة الصمت، وإنما بدأت تتخذ شكلاً سردياً يقاوم الإهمال والنسيان. وبهذا نُقلت تجربة الأدب السجني إلى منحىً أعمق. وفي هذا الأفق، شكّل كتاب "بويم، ليتغ، إيكغي دو بغيزون" (أشعار كتابات، ورسائل من السجن) المنشور بالفرنسية لسعيدة المنبهي لحظةً تأسيسيةً فارقةً لأنه كُتب من داخل التجربة وانتهى داخلها عندما ماتت في السجن.

أصبحت بعد ذلك التجربة السجنية النسائية مساراً أكثر عمقاً وتعبيراً، حتى وإن لم تُحكَ من داخلها. أسسّت تجربة ثريا السقاط، زوجة المعتقل السياسي محمد الوديع الآسفي، لكتابةٍ تَعبُر من داخل السجن إلى خارجه من موقع ثريا في النضال والترافع عن المعتقلين السياسيين، فكان كتاب "مناديل وقضبان" سنة 1988. يقول عبد الرحيم العلام عن الكتاب: "هو أيضاً تجربةٌ سرديةٌ إنسانيةٌ فريدةٌ عن حكايات السجن، كُتبت بشكلٍ مغايرٍ على اعتبار أنها تجربةٌ تجمع داخل السجن حيث يقبع الزوج السجين بخارجه حيث تنتظر الزوجة المكلومة وتناضل من أجل تحرير الوطن من ناحيةٍ، ومن أجل حرية زوجها من ناحيةٍ ثانية. من ثم، فهو كتابٌ عن أكثر من جيلٍ من المعتقلين والمناضلين والوطنيين، وعن أكثر من سجنٍ وأكثر من فعلٍ إنسانيٍّ ووطنيٍّ ونضاليٍّ وسياسيّ".

أسَّستْ هذه الأصوات لكتابةٍ سجنيةٍ نسائيةٍ غزيرةٍ مع بداية عهد الملك محمد السادس سنة 1999. فقد دخلت حينها التجربة النسائية مرحلةً أكثر وضوحاً واتساعاً، شهد فيها أدب السجون النسائي طفرةً لافتة. فبرزت أعمالٌ مثل "السجينة" الذي صدر سنة 1999 لمليكة أوفقير، وهي ابنة الجنرال محمد أوفقير، قائد محاولة انقلاب 1972 على الحسن الثاني، والذي تتحدث فيه عن اعتقالها وعائلتها نحو عشرين عاماً. برز أيضاً سنة 1999 كتاب "هاجس العودة" لحليمة زين العابدين الذي يروي سيرةً جماعيةً لأمهات المعتقلين السياسيين وبناتهم وزوجاتهم، إضافةً إلى كتاب "سيرة الرماد" سنة 2000 للناشطة والكاتبة خديجة مروازي. وصدر كتاب "أخاديد الأسوار" سنة 2007 للروائية الزهرة رميج التي تناولت فيه تجربة الاعتقال السياسي وأثره في الأفراد والمجتمع، خاصةً أقارب المعتقل، وقد مزجت فيه بين السيرة الذاتية والتخييل. هذه النصوص على اختلاف سياقاتها تلتقي عند عتبةٍ واحدة: تحويل الصمت أو الذاكرة إلى خطاب وفعل مقاومة.

وبهذا، حين بدأت النساء الكتابة، كان الأمر أكثر من مجرد سردٍ لتجربةٍ، إذ عُدّ فعلاً كسراً للصمت وفضحاً للنظام. فمنذ التسعينيات، استطاعت الحركة النسائية المغربية أن تقدّم خطاباً جديداً تميط به اللثام عن المسكوت عنه تجاه المرأة، ولكنه ظلَّ في حدود العنف العائلي، فيما بقي الحديث عن عنف السلطة ممنوعاً.

في حوارٍ مع الصحفي أحمد نجيم على موقع "إيلاف" سنة 2001، قالت فاطنة البويه إن "الشهادة كانت نوعاً من تعرية الذات، وتعرية الذات بالنسبة للأنثى في ظلّ تقاليدنا وثقافتنا ليست بالسهلة. فهذه التجربة والحديث عن الجلّاد جديدة حتى السلطة لا تصنف العنف المسلط على المرأة".

هذا التحوّل لا يمكن فصله عن سياقه السياسي والاجتماعي. في كتابها "موروكن وومنز أوتو بَيوغرَفيكل آند تيستمونيال أكتس إن كونتكست" (أعمال النساء المغربيات الذاتية والشهادية في سياقها) الصادر سنة 2019، تشير الباحثة في الجامعة الأمريكية بواشنطن نعيمة حشاد إلى أنّ الحركات الماركسية اللينينية "ساهمت في تسييس النساء، لكنها همَّشت قضاياهن الخاصة، مما جعل الكتابة لاحقاً تتحوّل مساحةً نقديةً تعيد مساءلة هذا الإقصاء". وفي قراءةٍ أوسع، رأى أستاذ اللغة الإنجليزية والدراسات الثقافية بجامعة الحسن الأول عبد القادر سابيل، والباحث في الدراسات الثقافية بجامعة شعيب الدكالي إسماعيل فرويني، في دراستهما "ذي أوتوبَيوغرَفيكل أند ذه هِستوريكل تورن إن ذه موروكن فيمايل 'ريزِسْتِنْس ليترِتشر'" (السيرة الذاتية والتحوّل التاريخي في "الأدب المقاوم" النسائي المغربي) المنشورة في 2022، أن المرحلة "مثّلتْ منعطفاً ذاتياً في الأدب المغربي. فقد برزت أشكالٌ من التعبير الذاتي داخل السجن وخارجه، في مجتمعٍ خرج لتوِّه من الاستعمار الفرنسي". ويضيف الباحثان أن "الهدف الأساسي من هذه الأشكال الكتابية هو المقاومة، وبناء وعي الذات النسائية من أجل تفكيك أو تجاوز صدماتها السياسية".

الفكرة ذاتها تتقاطع معهما فيها فاليري أورلاندو، الباحثة في كلية اللغات والأدب والثقافات كوليدج بارك، في مقال "[. . .] ذا بريزِن تيستيمونيالز إن بويتري آند بروز أوف سعيدة منبهي آند فاطنة البويه" ([. . .] الشهادات السجنية في الشعر والنثر لدى سعيدة منبهي وفاطنة البويه)، المنشور سنة 2010. وفقاً لفاليري، بدأت المغربيات بالتعبير عن آرائهن في قضايا متنوعةٍ منذ أواخر التسعينيات، لاسيما الانتهاكات الاجتماعية والسياسية، ما عكس انتقالاً من الصمت إلى الفعل ومن الهامش إلى مركز النقاش العمومي.

في المحصلة، أعادت هذه الكتابات إدماج النساء في سردية سنوات الجمر والرصاص بعيداً عن وصفهنَّ ضحايا هامشياتٍ، وأقرب إلى كونهن فاعلاتٍ في قلب التجربة. فقد كشفت التجربة أن العنف لم يكن محايداً، بل مشبعاً بتمثلاتٍ جنسانيةٍ استهدفت الجسد الأنثوي والكرامة معاً. هكذا، أصبحت الشهادة السجنية أداةً لإعادة بناء الوعي وتفكيك الصدمات، وطرح سؤال العدالة من زاويةٍ جديدة.

ضمن هذا التراكم، تحوّلت هذه الكتابات إلى ما يشبه أرشيفاً نسائياً بديلاً. ساهمت أعمالٌ مثل "السجينة" لمليكة أوفقير، و"حديث العتمة" لفاطنة البويه، و"سيرة الرماد" لخديجة مروازي، و"أشعار رسائل وكتابات السجن" لسعيدة المنبهي، في بناء ذاكرةٍ موازيةٍ لمقاومة النسيان الرسمي والتمييز السلبي للمجتمع. وقد أعادت أيضاً تعريف التجربة السجنية نفسها وفق مقاربةٍ أوسع وأعمق مضموناً.


ظهرت الشهادات في قلب الكتابة السجنية النسائية بالمغرب فعلاً يعيد تأسيس المعنى، لتعيد ترتيب العلاقة بين الجسد الأنثوي والسلطة. تحوّلت تجارب هؤلاء الكاتبات من سردياتٍ ذاتيةٍ إلى صوتٍ جماعيٍّ للسجينات السياسيات كشف عن بنية عنفٍ متداخلةٍ، في مرحلة سنوات الرصاص، يتقاطع فيها السياسي بالجنساني.

ضمن هذا المسار، برزت تجربة مليكة أوفقير التي كانت أكثر كثافةً والتباساً. في سيرتها "لابغيزونييغ" (السجينة)، الصادرة سنة 1999 بالفرنسية صحبة الصحفية ميشيل فيتوسي، تروي مليكة تجربة السجن التي مثّلت تحوّلاً جذرياً في مصيرها ومصير عائلتها. فالنص لا يكتفي بتوثيق معاناةٍ امتدَّت عشرين عاماً في السجون والمعتقلات لعائلة الجنرال محمد أوفقير، بل يكشف عن منطق عنفٍ سياسيٍّ يتجاوز الفاعل إلى تحميل العائلة وزر أفعال الأب. فقد زُجَّ بأمٍّ وستةٍ من أبنائها — أصغرهم لم يتجاوز ثلاثة أعوام — في سجون ومعتقلات الملك الحسن الثاني زهاء عقدين من الزمن. وبحسب عبد القادر سابيل وإسماعيل فريني، "لم تعانِ أسرة أوفقير من الصدمة داخل السجن فحسب، بل تجاوزت صدمتها جدرانه بعدما لم يرغب أحد في استقبالهم عند هروبهم من السجن، وكان العالم الخارجي بالنسبة للعائلة مظلماً مثل سجنٍ آخر".

عُدَّ صدور "السجينة" لحظةً فاصلةً في تاريخ السرد النسائي، لأنها أعادت تعريف العقاب السياسي. فلم تبقَ هذه التجربة حبيسة نَصٍّ واحدٍ، بل امتدّت داخل الذاكرة العائلية عبر مذكرات الأمّ فاطمة في رواية "حدائق الملك" المنشورة سنة 2006. تحكي الرواية زمن سجن فاطمة وأطفالها الستة، رؤوف ومليكة ومريم وماريا وسكينة وعبد اللطيف، إضافةً إلى العاملتَين المنزليّتَين عاشوراء وحليمة مدَّةً تقارب عشرين عاماً، وما تلاها من قصصٍ مأساويةٍ وآلامٍ جرَّاء فعلٍ لم يرتكبوه. وهكذا، تتالت شهادات العائلة. فقد صدر لسكينة "الحياة بين يدي" سنة 2008، وتسرد فيه بعين الطفلة قصة العائلة المأساوية نفسها. ثم جاء كتاب الابن الأكبر رؤوف "الضيوف"، سنة 2008 أيضاً، ليحكي تفاصيل حياته التي انقلبت على أعقابها. كان عمره خمسة عشر عاماً عند محاولة انقلاب والده، وكان يَعرف جزءاً كبيراً من كواليس السلطة ومؤامراتها، وهذا جانبٌ مهمٌّ ميَّز كتابه.

تحوَّلت هذه التجربة العائلية إلى سرديةٍ متعددة الأصوات أعادت بناء ذكرياتٍ وأحداثٍ من الزمن السجنيّ. ويُبرز كلٌّ من سابيل وفرويني هذا الامتداد العميق للعنف بإشارتهما إلى أن السجينة "لا تتعلَّق بمليكة فقط، ابنة الجنرال محمد أوفقير [. . .] بل تشمل أصوات الأقارب الصغار المضطهدين، في الواقع تتناول الرواية صدمة الأسرة كاملة. في جوهرها، هي صرخةٌ أعمق ضدَّ العنف المبنيّ على النوع الاجتماعي".

تتعدَّى السجينة السرد السجنيَّ إلى الحياة قبله، داخل القصر، وتُطلعنا على تقاليد المخزن والظروف التي سبقت الاعتقال الكبير. لذلك تصبح الرواية وثيقةً تضيء مناطق معتمةً في بنية السلطة. ميشيل فيتوسي تقدّم أوفقير على أنها "شهرزاد جديدة"، بالقول: "مليكة راويةٌ بارعةٌ، إنها شهرزاد، أسلوبها السرديّ شرقيٌّ بامتياز". وهذا التشبيه، بقدر ما يمنح النصَّ بُعداً رمزياً، إلا أنّه يعيد إدراجه داخل مخيالٍ ثقافيٍّ مألوفٍ للقارئ الغربي الذي يعدّ شهرزاد ضحية. فشهرزاد استعارةٌ لامرأةٍ تواجه سلطةً قاتلة. وتقديم مليكة أوفقير على أنها شهرزاد يُعيد صياغة سيرتها ويقدِّمها ضحيةً للعنف السياسي، بدل تصويرها جزءاً من منظومةٍ استفادت من هذا النظام، فيتحوَّر انتباه القارئ بعيداً عن تاريخ الأب المثير للجدل. غير أن هذا التأطير، كما تشير نعيمة حشاد، "يعيد أيضاً توجيه النظر بعيداً عن الخلفية المعقَّدة للعائلة، إذ كان محمد أوفقير جزءاً من بنية السلطة قبل أن تنقلب عليه". وهنا تتجسد المفارقة في اللعب على عناوين فصول الكتاب، بين الفصل الأوّل "شارع الأميرات" والفصل الثاني "عشرون عاماً في السجن". الأمر أكثر من انتقالٍ، فهو تصويرٌ للسقوط الحادّ من أعلى قمة الهرم إلى غياهب السجون والمعتقلات.

في موازاة هذا المسار، تنبثق شهادة فاطنة البويه في سيرة "حديث العتمة"، لتكون لحظةً تأسيسيةً ثانيةً داخل الكتابة السجنية النسائية. وهي لحظةٌ تعيد كتابة الألم فعلَ تفكيكٍ وإعادة تركيبٍ داخل بنيةٍ سياسيةٍ واجتماعيةٍ معقّدة. كتبت فاطنة الرواية بعد تجربة اعتقالٍ سياسيٍّ امتدَّت خمس سنواتٍ من 1977 إلى 1981، تنقَّلت فيها بين معتقل "درب مولاي الشريف" بالدار البيضاء وسجن "العاذر" بمنطقة مكناس. وفي قلب هذا المسار، تبلور وعيٌ حادٌّ بوظيفة الكتابة، كما ينقل سابيل وفرويني بقولهما: "تقول البويه: أدركتُ أنه ينبغي عليَّ نشر مذكراتي السجنية، وأن أتكلم، وأن هناك شجاعةً نسائيةً يجب تثمينها".

كشفت فاطنة، عبر سرد الأحداث ومسار اعتقالها، عن اختلاف السجن حين يُعاش من داخل الجسد الأنثوي. يتضاعف أثر القمع، ويتقاطع السياسيّ مع الرمزيِّ والاجتماعيِّ، ما يجعل الألم مركَّباً. فهذا العنف لا يُختزل في عنف الدولة وحده، لكنَّه يمتد إلى نظرة المجتمع وتمثلاته. فالكاتبة ترفض اختزال النص في مجرد سيرةٍ ذاتية. تقول في حوارها مع أحمد نجيم: "إنه ليس سيرةً ذاتيةً، بل شذراتٍ من تجربة الاعتقال السياسي في المغرب. في هذا الإطار، اعتُبِر شهادةً في حقّ أحد أشكال العنف المسكوت عنه، ويجب أن يدخل في بروز وظهور حقوق الإنسان وشعار 'كي لا يتكرر هذا'".

من هنا، اكتسب الكتاب أهميته باعتباره أول لبنةٍ صلبةٍ في أدب السجون بصيغة المؤنث. لا تكتفي فاطنة بتشخيص ظاهرة الاعتقال السياسي، بل تفتح أسئلةً مقلقةً حول علاقة المرأة بالسجن، وهي علاقةٌ لا تشبه بالضرورة تجربة الرجل. وهو ما تسمّيه الكاتبة حليمة زين العابدين، في مقال "المرأة والكتابة عن السجن والاعتقال بالمغرب" المنشور سنة 2012، "المعاناة مع انتزاع الهوية". فهي امرأةٌ "مارست التفكير وهو خاصيةٌ ذكوريةٌ في منطق الجلاد الذكر"، فالجلاد حينما يكون جزءاً من منظومةٍ سلطويةٍ ذكوريةٍ فإنه لا يعترف بحق المرأة في التفكير.

علاوةً على نشر فاطنة البويه سيرتها السجنية، نشرت أيضاً شهادة السجينة وداد البواب في نصّ "السجن الذي كان ملاذاً بعد العزلة في مخافر الشرطة". تحكي فيه وداد عن تجربة اعتقالٍ وتعذيبٍ دامت ثلاثة أعوامٍ رفقة زوجها، ضمن ما سُمِّي مجموعة مكناس أو مجموعة 1977، التي قادت احتجاجاتٍ طلابيةً في الجامعات. ونشرت فاطنة أيضاً شهادة السجينة لطيفة جبابدي في نصّ "مخفر الشرطة، التعذيب، السجن، الجلادون". اعتُقلت لطيفة، بسبب انتمائها للحركة الماركسية اللينينية المغربية، من وسط أسرتها سنة 1977 لتقضي عامين ونصفاً داخل السجن. هكذا، لم تقتصر الرواية على سرد تجربةٍ ذاتيةٍ، بل حوّلتها فاطنة إلى فضاءٍ تتعدد فيه الأصوات النسائية ومنحت فيه السجينات إمكانية كتابة تاريخهنّ وحكايتهنّ الشخصية.

وإذا كانت فاطنة قد كتبت من داخل ذاكرة الاعتقال المباشرة، فإن خديجة المروازي اختارت مساراً مغايراً حوَّلت فيه تجربة السجن إلى مادةٍ للتخييل الروائي دون أن يفقد واقعيته القاسية. ففي "سيرة الرماد" الصادرة سنة 2000، التي تدور أحداثها في سجن الغريبة — وهو اسمٌ تخييليٌّ للسجن المركزي بمدينة القنيطرة — عبر شخصيتَين مُتخيَّلتَين هما ليلى ومروى، تستعيد خديجة تفاصيل الحياة اليومية للسجناء السياسيين في السبعينيات والثمانينيات من القرن العشرين، حين كان القمع أداةً للحُكم والتحكّم والضبط.

هذا العمل السرديّ لم يكن خالياً من القلق منذ بدايته، إذ تعترف خديجة بأن دخولها إليه كان محفوفاً بأسئلةٍ أكثر مما هو مدعومٌ بأجوبة. ففي حوارٍ لها مع الصحفية صليحة حداد على موقع "أفريكا إن ديالوغ" في أبريل 2024، تكشف خديجة أنه أثناء شروعها في الكتابة لم يكن يحدوها سوى دافعٍ بسيطٍ، وهو وعيٌ بما راكمه السرد السجني عربياً، مقروناً بسؤالٍ مُلِحٍّ عن غياب هذا الجنس الأدبي داخل التجربة المغربية على حضور الاعتقال السياسي. وتقول: "هي تساؤلاتٌ صاحبتني خلال الثمانينيات. وحين بدأتُ في رفع التحدي لخوض هذه التجربة بداية التسعينيات، لم يكن المتخيَّل السجني يُسعف الكتاب بعدُ كأفقٍ للتخييل، بل كان ما يزال مُلكاً فقط لمن عاش تجربة الاعتقال السياسي".

بهذا، تشتغل "سيرة الرماد" على تفكيك احتكار التجربة السجنية، وعلى نقلها من ضيق التجربة الفردية إلى أفق التخييل المشترك. وهو ما ينسجم مع ما تذهب إليه أزانة بوغراس، الباحثة بمختبر الدراسات الإفريقية للعلوم الإنسانية والاجتماعية، في مقالها "سيرة الرماد: حكي سجين نسائي بضمير المذكر بين الإخفاء والتجلّي" الصادر سنة 2021، بقولِها إنَّ "هموم المرأة هي معاناة همومٍ مشتركةٍ (قانونية، اجتماعية، ثقافية، فكرية) لم تكن بارزةً قبلاً في الكتابة النسائية. فصارت تتبلور بشكلٍ ناضجٍ يتجلَّى فيما هو فنيٌّ واضح الرؤية بفعل التراكم الإنتاجي للإبداع النسائي".

بهذا يبدو أن هناك وعياً نسائيّاً بحفظ التجربة والتعلّم منها، وهو ما يتضح من تجربة سعيدة المنبهي التي سبقتْ كل هؤلاء النسوة بالكتابة من داخل السجن. فقد جاء كتابها "شعر رسائل وكتابات من السجن"، المنشور سنة 2000، استعادةً لتجربة سعيدة بعد أن جُمِّعَت كتاباتها السجنية من قصائد ورسائل ومقالاتٍ نُشرت أول مرةٍ في كتابٍ سنة 1982. فكانت هذه الكتابات، خاصةً أشعارها، أبرز تجليات الكتابة النسائية المناضلة. وبهذا ظلَّت تجربة سعيدة لحظةً تأسيسيةً مبكرةً في الكتابة السجنية النسائية. فالكتاب يتضمن أشعارها التي تؤرخ محنتها السجنية وتجربتها النضالية، ويتضمن رسائل وجّهتها لأفراد عائلتها وتحكي بعض تفاصيل التعذيب وسوء المعاملة والاختطاف حتى لحظة الاحتضار.

لا تكتفي  كتابات سعيدة المنبهي بوصف المعاناة فقط، بل تطرح سؤال العدالة والكرامة في أفقٍ إنسانيٍّ واسع. وفي قراءةٍ لهذا الأثر، تقول فاليري أورلاندو في مقالها سابق الذكر: "رغم أن مجموعتها الشعرية كُتبت قبل أكثر من ثلاثين عاماً، إلا أنها تبقى مثالاً على استمرار نضال النساء المغربيات لتصحيح الذاكرة التاريخي. فإن أصوات النساء السجينات سابقاً لم يُعترف بها بعد، ولم تؤرشَف بشكلٍ مناسب". وبهذا، كانت سعيدة حريصةً على توثيق ذاكرتها الفردية وأيضاً الذاكرة الجماعية للاعتقال السياسي بالمغرب. فصوّرت بكتاباتها تفاصيل عن الألم الذي خبرته في مراكز الاحتجاز إلى المحاكمات ويوميات السجن حتى لحظة وفاتها.

من هنا جعلت هذه الكتابات من السرد فعلاً نسائياً للمقاومة ضد ظلم النظام السياسي، وضد تمييز المجتمع الذكوري سلبياً، والذي جعل الذاكرة مجالاً للصراع. وفتحت الكتابة النسائية أفقاً لمساءلة ما كان يبدو مغلقاً أو مسلَّماً به، ففرضت على الفاعلين السياسيين إعادة النظر في نظرتهم لدور المرأة وموقعها داخل المنظومة.


ساهمت السيرة السجنية النسائية بالمغرب في ترسيخ ثقافة حقوق الإنسان وتحسين وضع المرأة داخل الفضاء العام. فقد أدَّت وظيفة "الأرشيف البديل"، وكشفت عن تفاصيل دقيقةٍ للتعذيب والإذلال والحرمان، وما كان يقع داخل مخافر الشرطة والمعتقلات، في لحظةٍ كان فيها الأرشيف الرسميّ إما صامتاً أو مبتوراً. وهذا ما يذهب إليه الكاتب والناقد الأدبي محمد رمصيص في مقاله "أدب السجون المغربي" المنشور سنة 2018، بالقول إنّ "الكتابة عن السجن تُعدّ سلطةً مضادةً للسجان. فإذا كان الجلّاد يحاول طمس معالم جريمته، فبالكتابة يحاول المعتقل التذكير بها والتنصيص على حجم تجاوزات السلطة".

وبذلك لم يعد يُنظر للانتهاكات على أنّها وقائع سياسيةٌ معزولةٌ ومجتزأةٌ من سياقها الأوسع، بل عُدّت تجارب إنسانيةً مركّبةً يتقاطع فيها الجسد بالسلطة، وهوية المرأة الفردية بالقمع. أعادت هذه الكتابات تعريف انتهاك الجسد الأنثوي وتمايزه عن الجسد الذكري، خاصةً حين أُعيد النظر إليه من زاويةٍ جنسانيةٍ تكشف ما ظلَّ مخفياً داخل التجربة النسائية. يؤكد الصديق كبوري، الباحث في كلية الحقوق محمد الأول بوجدة، في مقال "إسهام أدب السجون النسائي في حفظ ذاكرة سنوات الرصاص بالمغرب" المنشور سنة 2023، أن "هذه الكتابات قامت بردّ الاعتبار لضحايا سنوات الرصاص بجميع فئاتهم، وعلى اختلاف مناطق تواجدهم، بتركيزها على الفئات والمناطق المهمّشة والمقصيّة، وتعريفها على وجه الخصوص بمعاناة النساء من مختلف أنواع الحيف السياسي والاقتصادي والاجتماعي والثقافي، وإبراز عطاءاتهن ومساهمتهن في التاريخ المعاصر التي غيّبها التاريخ الرسمي".

وبالفعل ساهمت الشهادات النسائية في إعادة بناء صورة المرأة، وحوّلت النساء من موضوعاتٍ للعنف إلى فاعلاتٍ سياسياتٍ يمتلكن خطاباً ووعياً وموقعاً. وتوضّح نعيمة حشاد هذا التحوّل حين تشير إلى أنه "على الرغم من أن 'حديث العتمة' للبويه يأتي في شكل سيرةٍ ذاتيةٍ مجزأةٍ، وأن 'السجينة' لفاطمة أوفقير هو سردٌ استعاديٌّ خطيٌّ، فإن الساردتين أعادتا تقديم نفسيهما كنسويّتين تتحدثان بِاسم النساء الصامتات". وهو ما يكشف أن هذه الكتابات تُنتج صوتاً نسائياً مغربياً ظلّ مغيّباً تحت سلطة "الحشومة" والعار، يعيد مساءلة العنف السياسي في سياق الانتقال الديمقراطي الذي شهده المغرب منذ بدايات القرن الحادي والعشرين. فقد أسست هذه الكتابات لذاكرةٍ سياسيةٍ جديدةٍ جعلت من الاعتراف شرطاً للإصلاح. ويلخِّص كبوري: "فإنِّ لها أيضاً دورٌ مهمٌّ في إعادة الاعتبار للذاكرات المهمّشة أو المنسية، ومن ضمنها الذاكرة النسائية، قصد إحداث مصالحة المغاربة مع تاريخهم [. . .] وضرورة استعادة ذاكرة نساء سنوات الرصاص على وجه الخصوص".

وهكذا، فمن التأثيرات المباشرة للشهادات أن هذا التراكم لم يبقَ دون أثرٍ في المجال العام، بل ساهم في فتح نقاشٍ واسعٍ حول عنف الدولة وإعادة تمثيل الضحايا، كما تؤكد الباحثة لورا مينين بقولِها: "ساهمت حركات حقوق الإنسان وشهادات السجون في فتح نقاشٍ حول عنف الدولة في الماضي، وفي تحدّي الصورة النمطية التي كانت تُلصَق بالمعتقلين باعتبارهم مجرمين أو حثالة المجتمع".

مع مطلع الألفية، بلغ هذا المسار ذروته الرمزية والمؤسساتية مع إحداث هيئة الإنصاف والمصالحة سنة 2004 لمعالجة ماضي الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان في المغرب، خلال حقبة سنوات الرصاص. فكانت هذه اللحظة ثمرةً لهذا التراكم، رسّخت فيها هذه الشهادات قناعةً أن لا إصلاح دون اعترافٍ ولا عدالة انتقاليةً دون إدماج أصوات الضحايا، وخاصةً النساء اللواتي ظلّ ألمهن مهمّشاً. وتعكس شهادة خديجة مروازي كيف تتحوّل الكتابة إلى مدخلٍ للفعل، إذ تقول في حوارها مع صليحة حداد: "كانت زياراتي لبعض السجون محدودةً قبل كتابة 'سيرة الرماد' قياساً لما بعد كتابتها". فالكتابة كانت لها محفزاً لمزيدٍ من الانخراط والترافع الحقوقي والنضالي.

لم يبقَ التحوّل في طبيعة السرد حبيس الأدب، بل امتدَّ ليعيد تشكيل بنية الخطاب الحقوقي نفسه. فبدل اللغة القانونية الجافة، أصبحت الشهادة الحيّة مرجعاً للفهم والترافع والنضال. أدّت الكتابات السجنية النسائية دوراً بارزاً في البدء بإدماج البُعد الجنساني في تحليل الانتهاكات نتيجةً مباشرةً لهذا التراكم السردي.

امتدّ الأمر إلى قلب السياسات العمومية، وأصبح إدماج مقاربة النوع الاجتماعي جزءاً من النقاش الحقوقي، ومن آليات التفكير في الإصلاح. فأُطلق مشروع "النهوض بحقوق المرأة ودورها في مسار العدالة الانتقالية بالمغرب" في شهر أبريل 2007، وتوخى فيه المجلس الاستشاري لحقوق الإنسان — بشراكةٍ مع صندوق الأمم المتحدة الإنمائي — تجريب مقاربةٍ نموذجيةٍ لإدماج النوع الاجتماعي في إطار مسلسل المصالحة في المغرب. وكان ذلك انطلاقاً من ملاحظةِ أنّ النساء عانَيْنَ جماعياً معاناةً مباشرةً أو غير مباشرةٍ من عواقب العنف السياسي والانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان. 

كذلك من توصيات هيئة الإنصاف والمصالحة سنة 2004 إدماج مقاربة النوع في مختلف مستويات العملية التربوية، بما في ذلك تأليف الكتب المدرسية. وقد استُحدِثَ سلك الماجستير في تاريخ "الزمن الراهن" بكلية الآداب والعلوم الإنسانية بالرباط منذ أكتوبر 2010، وتلاه سلك الدكتوراه في تاريخ "الزمن الراهن" ابتداءً من ديسمبر 2012. وفضلاً عن ذلك، تُوِّجَت هذه الجهود بتأسيس "مركز تاريخ الزمن الراهن" قصد البحث والتدريب في صيانة الذاكرة وحقوق الانسان. وفي مايو 2021، أُعلِنَ عن تشكيل "وحدة حفظ الذاكرة والنهوض بالتاريخ المغربي بمختلف روافده". كلّ ذلك لم يكن ليتمّ لولا مشاركة النساء في مسارات المصالحة، وقد تُوِّجَ نضالهنّ بأن أصبحتْ آمنة بوعياش، الحقوقية التي عملت مع عائلات سجناء سنوات الجمر والرصاص، رئيسة المجلس الوطني لحقوق الإنسان سنة 2018.

برز التحوّل أيضاً في مسارات الفاعلات، بانتقالهنّ من موقع الشهادة إلى موقع الفعل. ففاطنة البويه، حوّلت الذاكرة إلى مشروعٍ مدنيّ. وقد أكدت في شهادةٍ مع الصحفي رشيد نيني ضمن برنامج "نوستالجيا" على القناة الثانية، أُعيد نشره على يوتيوب سنة 2011، أن "الكتابة كانت الغاية منها تغيير واقع معتقلات الحق العام كذلك، ولفضح الاعتقال والانتهاكات التي عانتها النساء". وأضافت فاطنة أنها عملت على الترافع لتمكين السجناء من التعليم داخل السجن، والاشتغال على قضايا النساء المتخلَّى عنهن.

من ثمَّ يمكن فهم انخراط فاطنة في العمل المدني. ففي سنة 1999، ساهمت في تأسيس "منتدى الحقيقة والإنصاف" الذي جمع ضحايا انتهاكات الماضي، وكان نواة تأسيس هيئة الإنصاف والمصالحة التي نصَّبها الملك محمد السادس سنة 2004. بعد ذلك، التحقت فاطنة بالمرصد المغربي للسجون، المنظمة غير الحكومية التي تأسست سنة 1999. ومن ثمّ أسَّست سنة 2005 جمعية "حلقة وصل: سجن مجتمع" التي ترأسها إلى يومنا هذا، وهي منظمةٌ غير حكوميةٍ تعمل على إعادة دمج السجناء السابقين في المجتمع، وتكافح ضدَّ العودة إلى الجريمة عبر إعادة تأهيل ودمج من يغادرون السجن. سعت فاطنة البويه إلى تحويل معتقل "درب مولاي الشريف"، الذي شهد حالات اختطاف السجناء السياسيين وتعذيبهم، إلى فضاءٍ للذاكرة. وتشير أورلاندو في هذا السياق: "في الدول التي تمرّ بمرحلة الانتقال نحو الديمقراطية مثل المغرب، أثبتت الشهادات السجنية فعاليتها في توثيق آثار الذاكرة من الماضي ونقلها إلى النقاشات الثقافية والسياسية المعاصرة. فهذه الشهادات أتاحت تعبيراً مستمراً وتفتح فضاءاتٍ جديدةً يمكن أن تزدهر فيها مفاهيم جديدةٌ للحقوق وحقوق الإنسان".


بهذا يمكن فهم تحدّي مناضلاتٍ، مثل سعيدة المنبهي وفاطنة البويه ومليكة أوفقير وخديجة مروازي، الفصل التقليدي بين الخاص والعام، وبين المرأة والسياسة، وكيف أعدن صياغة صورة المرأة فاعلاً سياسياً كاملاً.

فلم تعد المرأة موضوعاً للكتابة، بل أصبحت منتجةً لها. وأعادت توزيع السلطة داخل السرد والواقع معاً، وفتحت أفقاً لعدالةٍ أكثر شمولاً لا تكون فيها الذاكرة عبئاً على المستقبل، إنّما شرطاً من شروط إمكانه.

اشترك في نشرتنا البريدية