اليمن.. طريق هجرة الأفارقة إلى السعودية بين الفدية ورصاص الحدود

"حوّلوا المال أو موتوا هنا" في هذه العبارة تتلخص مصائر المهاجرين الأفارقة الساعين إلى فرصة للعمل والعيش في دول الخليج.

Share
اليمن.. طريق هجرة الأفارقة إلى السعودية بين الفدية ورصاص الحدود
مسارٌ خطير يبدأ بالوعود الكاذبة | تصميم خاص بالفراتس

غادرت عالية حسن قريتها في إثيوبيا في يوليو 2023 دون أن تعرف أي شيء عن الطريق الذي ينتظرها. لم يكن معها هاتف تستعين به، ولا معرفة أولية بمخاطر الرحلة. لا تعرف أكثر مما سمعته في أحاديث أقرانها عن السفر إلى السعودية، طريقاً قد يفتح باب العمل والرزق الذي ينتشلها وأسرتها من فقرهم. كان سوء الوضع المعيشي في قريتها يدفعها إلى المغادرة، على أمل أن تصل إلى السعودية وتعمل هناك لتساعد عائلتها وتحسن وضعها المادي. 

لكن الطريق الذي تخيلته عالية قصيراً وسريعاً، انتهى بها في قبضة "الدلالين"، وهم مهربون يتحكمون بمسار المهاجرين ويحترفون ابتزاز عائلاتهم. لم تكد عالية تعبر البحر الضيق وتحط على شواطئ اليمن، حتى احتُجزت سبعة أشهر طالت حتى مارس 2024، قضتها في "أحواش" المهربين، بعدما نقلوها ورفاقها المحتجزين شرقاً إلى شبوة الواقعة وسط اليمن. 

استمر احتجاز عالية (اسم مستعار بناء على طلبها) حتى تمكنت أسرتها من تدبر أربعة آلاف ريال سعودي (نحو 1066 دولار أمريكي)، بعد بيع ما يملكونه من ماشية كانت مصدر رزقهم. وطوال شهور احتجازها عاشت الفتاة الإثيوبية النحيلة تحت الشمس، وتعرضت للضرب وصنوف أخرى من التعذيب البدني، وشاهدت آخرين يُعذّبون بإحداث حروق في أجسادهم. 

كانت اللحظة الأقسى لعالية، كما تروي للفراتس، حين شاهدت مقتل شاب من بلدتها كان يساعدها ويزودها بالطعام والماء. تقول إن المهربين أغرقوه في "بركة ماء"، ومنذ تلك الحادثة تدهورت حالتها النفسية بشدة حتى ظنت أنها "جُنّت". وبعد خروجها، تاهت مع مجموعة من المهاجرين قبل أن تصل إلى عدن، حيث تقيم اليوم في منطقة البساتين بلا وثائق وبلا قدرة على العمل، منتظرة مساعدة المنظمات الدولية. 

لا تنفصل قصة عالية عن مأساة جماعية يعيشها كثيرٌ من المهاجرين الأفارقة. ففي رحلاتهم الممتدة من قراهم الواقعة ضمن دول القرن الإفريقي (إثيوبيا - إريتريا- جيبوتي - الصومال) يخرجون هرباً من الفقر ومعسكرات العمل الجبري أو النزاعات العرقية، تتطلع أعينهم إلى فرص العمل في السعودية الواقعة على الشاطئ الآخر. 

لكن بين قراهم والسعودية طريق طويل من استنزاف مواردهم وموارد أسرهم على شُحها، واحتجاز وتعذيب وانتهاكات جنسية، ومخاطر تهدد حياتهم مقابل فرصة التهريب. طريق يمتد بين البحر والتضاريس الوعرة لأراضي اليمن التي يحكمها "الدلالون" وجنود نظاميون رصدت تقارير محلية ودولية انخراطهم في شبكات التهريب وما تفعله من انتهاكات. ثم يليها تهديدات العنف والموت عند الحدود السعودية. هم سلع وزبائن في تجارة عابرة الحدودَ، تُدار فيها حياة البشر وتُستغل أحلامهم وأجسادهم. 


منذ اندلاع الحرب في اليمن سنة 2015، قُسمت الخارطة اليمنية إلى مناطق نفوذ بين عدة قوى أبرزها الحكومة اليمنية وجماعة أنصار الله الحوثي. ومن اندلاع الحرب حتى نهاية 2024، دخل البلاد أكثر من خمسمئة ألف مهاجر وفقاً لتقارير منظمة الهجرة الدولية، معظمهم من دول القرن الإفريقي. 

تشير منظمة الهجرة الدولية في تقرير منشور سنة 2021 إلى أن أعداد المهاجرين الذين يعبرون من القرن الإفريقي إلى اليمن ارتفع في أعقاب حرب 2015. وكثيرين منهم يتجهون مروراً باليمن نحو السعودية، مع أخطار الحرب والاتجار بالبشر. وكانت سنة 2019 محطة قياسية، إذ وصل فيها نحو 138 ألف مهاجر، وهو رقم يُظهر ذروة التدفق قبل أن تفرض جائحة كورونا قيوداً مؤقتة على الحركة العالمية. 

بعد فترة من التباطؤ بسبب الجائحة عادت معدلات الهجرة من دول القرن الإفريقي إلى اليمن للارتفاع. وفي بيان إعلامي في فبراير 2026، أعلنت المنظمة الدولية للهجرة عن تخصيص واحدٍ وتسعين مليون دولار أمريكي للدعم العاجل لمهاجري شرق إفريقيا. ففي الربع الأول من سنة 2026، وصل إلى اليمن أكثر من سبعةٍ وخمسين ألف مهاجر. كان معظمهم قادمين من إثيوبيا بنسبة 95 بالمئة. 

ويعد طريق انتقال المهاجرين من القرن الإفريقي إلى اليمن، ويسمى اختصاراً "الطريق الشرقي"، من أخطر طرق الهجرة في العالم. ففي سنة 2025، سجلت المنظمة الدولية للهجرة 922 حالة وفاة أو اختفاء على هذا الطريق، وهو أعلى رقم سنوي مسجل منذ بدء توثيق موجات الهجرة في المنطقة. ويغلب أن تحدث هذه الوفيات بسبب غرق القوارب، أو العطش الشديد أثناء الانتظار في المناطق النائية، أو إطلاق النار عند محاولة عبور الحدود من اليمن إلى السعودية. 

يواجه المهاجرون خيارين رئيسين للعبور، إما عبر مضيق باب المندب نحو السواحل الغربية لليمن في محافظة تعز، أو عبر رحلة بحرية أطول نحو سواحل جنوب الوسط وصولاً لمنطقتي شبوة وأبين. 


الرحلة بين دول القرن الإفريقي واليمن تبدو على الخريطة رحلة قصيرة وآمنة مقارنة بطرق الهجرة غير النظامية الأخرى القريبة، كطرق الهجرة من وسط إفريقيا إلى شمالها عبر الصحراء الكبرى، أو من الشمال الإفريقي لأوروبا في قوارب. لكن هذا الطريق القصير بات أحد أخطر خطوط الهجرة في العالم. ولا يعود ذلك إلى خطورة البحر أو وعورة التضاريس وحدهما، وإنما إلى اضطراب الأوضاع الأمنية في اليمن، وسيطرة العصابات التي تبتز أسر المهاجرين واللاجئين أيضاً. وتقف الحدود السعودية الصارمة بوابة أخيرة بين هؤلاء المهاجرين غير النظاميين وحلمهم. 

تحدثت الفراتس إلى الصحفي الاستقصائي عيسى الراجحي الذي تتبع سنواتٍ خيوطَ التهريب وشبكاته على الأرض. يقول عيسى إن الطريق الممتد من محافظة حجة (الواقعة شمال غربي صنعاء) إلى منفذ حرض بالمحافظة نفسها ومنه إلى منفذ الطوال السعودي، ظل أحد أهم طرق حركة المهاجرين وإن أُغلق لفترة في أعقاب حرب 2015. على هذا الطريق وثَّق الراجحي مشهداً متكرراً لقوافل بشرية طويلة من رجال ونساء وأطفال دون الثامنة عشرة، متجهين نحو الحدود السعودية. بعضهم حفاة وبعضهم يجر ما تبقى معه من قوارير ماء أو بقايا طعام، يقودهم مهربون يعرفون هذه الطرق جيداً كما يعرفون بيوتهم. 

جاءت حرب اليمن سنة 2015 بعد سيطرة الحوثيين على صنعاء متحَدِّين سلطة حكومة الرئيس اليمني عبدربه منصور هادي، وتدخل تحالف تقوده السعودية لدعم حكومة هادي، فتغيّر مسار حجّة التقليدي للهجرة. إذ أُغلق منفذ الطوال الذي كان بمثابة البوابة الرئيسة للمهاجرين، وأصبحت مدينة حرض نفسها ساحة مواجهة عسكرية مغلقة في وجه العابرين. 

لكن وإن أغلق هذا الطريق، فقد انفتحت غيره طرق أخرى أخطر، مع استمرار تدفق المهاجرين. بين تلك المسارات عالية الخطورة، مسار محافظة صعدة. إذ يواجه المهاجرون تضاريس جبلية وعرة وحواجز أمنية متعددة، أو صحراء الجوف الممتدة، حيث يمكن أن يضل المهاجرون أياماً بلا ماء أو غذاء. 

ما يرويه الراجحي تؤكده شبكات التهريب نفسها. تحدثت الفراتس مع مهرب يمني يُدعى سالم (اسم مستعار بناء على طلبه) كشف جانباً آخر من هذه الرحلة. قال سالم إن خطوط التهريب قبل اندلاع الحرب في اليمن كانت واضحة ومحددة، وكان المهاجرون يحتاجون إلى أيامٍ قليلة للوصول إلى الحدود السعودية. "لكن الأوضاع اليوم مختلفة تماماً"، إذ يقضي المهاجرون أسابيعَ أو أشهراً في التنقل بين السواحل والمعسكرات والأحواش ونقاط التفتيش قبل الوصول للحدود. ويستدرك، أن كل مرحلة تحمل احتمالاً كبيراً للموت. 

قد يتعرض المهاجرون في هذه الرحلات للغرق أو الاعتقال قبل الوصول، كما حدث في أغسطس 2025 حين غرق قارب قبالة سواحل أبين جنوب اليمن، وراح ضحية غرقه 56 قتيلاً و132 مفقوداً. يقول سالم "إن نجا المهاجرون" من الموت أو الاعتقال، فإنهم يتجهون شمالاً نحو الحدود السعودية عبر نقاط غير رسمية في محافظات مأرب والبيضاء والجوف، وصولاً إلى صعدة المحطة الأخيرة قبل الحدود. لكن بينهم وبين الحدود القريبة، يقف خطر آخر. 


أجمع المهاجرون الذين التقتهم الفراتس في اليمن، على أنهم قضوا مدداً متفاوتة قيد الاحتجاز في معسكرات خاصة، ريثما ينتهي محتجزوهم من ابتزاز أهاليهم للحصول على المزيد من الأموال. تلك المعسكرات التي حكت عنها عالية ووصفت ما شاهدته من تعذيب فيها، باتت واقعاً لفت أنظار المنظمات الدولية وإن ظلت السلطات اليمنية على اختلافها تنكره. حتى غيرت قوات الحكومة اليمنية موقفها واعترفت بوجود المعسكرات في مطلع سنة 2026. 

رصدت منظمة "هيومان رايتس ووتش" مبكراً احتجاز مهاجرين في معسكرات تعذيب في اليمن. ففي تقرير أصدرته المنظمة في مايو 2014، طالبت بمحاسبة "المتّجرين والمسؤولين عن دورهم في الانتهاكات" ضد المهاجرين الأفارقة المحتجزين في معسكرات خاصة في اليمن. وأظهر التقرير أن احتجاز المهاجرين وتعذيبهم بغرض ابتزاز ذويهم لدفع الأموال، جريمة يتورط فيها أفراد ينتمون لقوات الأمن في محافظة حرض الحدودية التي كانت خاضعة وقتها لسيطرة الحكومة اليمنية، لكنها باتت الآن تابعة لقوات الحوثي التي اتبعت قواتها الممارسات نفسها. 

يدعم تقرير هيومان رايتس ووتش شهادة الشاب الإثيوبي حذيفة فاضل البالغ عمره عشرين عاماً. وصل حذيفة اليمن سنة 2023، متخذاً الطريق الجنوبي الشرقي، بدايةً من عدن إلى شبوة والجوف وصولاً إلى صعدة. في هذا الطريق فقد صديقه الذي خرج معه من قريته حاملاً الأمل نفسه، ولا يزال يتألم لأنه لم يستطع دفنه: "ليس لدينا قدرة على دفن أحد، نلف الحجارة حول الجثة ونمضي". 

يقول حذيفة ومهاجرون آخرون تحدثت معهم الفراتس رفضوا ذكر أسمائهم، إن السيطرة عليهم داخل مخابئ التهريب لا تقتصر على المهربين، بل يشارك فيها جنود يمنيون يرتدون الزي الرسمي ويتلقون رشاوى لحماية المهربين. وفي بعض الحالات، يسلمون المهاجرين المقبوضَ عليهم إلى عصابات التهريب مقابل المال لتباشر العصابات الأعمال نفسها من احتجاز الأُسر وتعذيبها وابتزازها. تتوافق هذه الشهادات مع تقرير صادر عن المركز الأمريكي للعدالة سنة 2025 بعنوان "اسكيب تووارد ديث" (الهروب نحو الموت). ذكر التقرير أنّ بعض المسؤولين الأمنيين التابعين للحكومة اليمنية، أو لجماعة الحوثي، يتواطؤون مع شبكات التهريب، ويتلقون رشاوى مقابل السماح لها بمواصلة أنشطتهم دون مساءلة. 

وأشار تقرير آخر لمركز الهجرة المختلطة (مدعوم من الاتحاد الأوروبي والخارجية الفرنسية) صادر في سبتمبر 2017 إلى أن ما زعمته تقارير حقوقية منها تقرير هيومان رايتس ووتش عن فساد أفراد في قوات الأمن اليمنية وتواطئهم، ساهم في ازدهار شبكات تهريب المهاجرين بدلاً من الحد من تأثيرها. وبيّن أن المهربين كانوا يغيّرون طرقهم وأساليبهم ومواعيد تحركهم تبعاً لوجود قوات الأمن الحكومية والقتال الدائر. 

لكن على تورط أفراد في الشرطة في عمليات التهريب، تعمل وزارة الدفاع اليمنية على الحد من "هجرة الأفارقة" والحد من قتلهم كذلك، كما ورد في وثيقتان حصلت عليهما الفراتس. تُظهر الوثيقتان أن الوزارة تلاحق أفراد عصابات متورطة في استهداف مهاجرين إفريقيين. وتوجه أوامرها لقيادات الأمن في محافظة مأرب بالعمل على وقف هجرة الأفارقة إلى المحافظة. ولم تشر التقارير - التي اطلعت عليها لفراتس أثناء إعداد هذا التحقيق- صراحة إلى تورط عناصر من وزارة الدفاع اليمنية في تهريب المهاجرين غير النظاميين أو تعذيبهم. 

في المقابل، نفى مدير إدارة حقوق الإنسان في وزارة الداخلية اليمنية العميد عارف عارم، أن تكون لدى وزارته معلومات مؤكدة عن تورط عناصر أمنية في تسليم مهاجرين إفريقيين لعصابات تهريب مقابل المال في السنوات الأخيرة. وأشار عارم في حديثه مع الفراتس إلى حادثة واحدة وُثِّقَت سنة 2019، تضمنت احتجاز مهاجرين إثيوبيين بلا سند قانوني وترحيلهم دون موافقة رسمية. وردت الواقعة في تقرير لمنظمة هيومان رايتس ووتش. ويؤكد عارم أن وزارة الداخلية وجّهت حينها بإغلاق مركز الاحتجاز المعني وفتح تحقيق مع المسؤولين عنه، ورفض الكشف عن النتيجة التي انتهى إليها التحقيق. 

ورداً على سؤال الفراتس قال عارم إن "الوزارة لا تملك إحصائيات موثقة عن تفكيك عصابات تهريب أو احتجاز مهاجرين داخل مناطق سيطرة الحكومة الشرعية"، وأن ما جرى اقتصر على ضبط أفراد متورطين في عمليات تهريب عامة، بينها تسهيل انتقال مهاجرين إلى بعض المحافظات. وفيما يخص التنسيق مع السعودية، قال عارم إنه لا توجد معلومات عن تنسيق أمني رسمي خاص بملف الهجرة غير المنظمة، مرجعاً استمرار تدفق المهاجرين إلى ضعف الدولة اليمنية وعدم قدرتها على ضبط الشريط الساحلي الطويل في ظل الحرب والانقسام. 


في رحلة الهجرة تتحمل النساء عبئاً مضاعفاً من المعاناة. لا يواجهن مخاطر الطريق من جوع وعطش وعنف فحسب، بل يصبحن هدفاً للاستغلال الجنسي. 

غادرت آمنة (اسم مستعار) إثيوبيا وهي بعد في الخامسة عشرة من عمرها. لم تكن تعرف شيئاً تقريباً عن مخاطر الرحلة، ولا عن شبكات التهريب التي تنتظر المهاجرين على الطريق. تقول إنها لو كانت تعرف ما ينتظرها لما غادرت بلادها. 

دفعت في البداية ألف ريال سعودي (نحو 266 دولار أمريكي) مقابل ما تسميه "حق البلاد والبحر". أي مقابل تأمين الطريق من قريتها إلى عبور البحر وصولاً إلى اليمن، على أمل الوصول للسعودية. لكن الرحلة التي بدت لها طريقاً إلى العمل والعيش، تحولت سريعاً إلى سلسلة من الاحتجاز والابتزاز والعنف. 

داخل اليمن، وقعت آمنة في يد المهربين واحتُجزت نحو شهرين في "الحوش" في مدينة أبين جنوب اليمن بعد فترة قصيرة من وصولها. تقول إنها تعرضت للضرب والتعذيب قبل أن تُجبر عائلتها على دفع أربعة آلاف ريال سعودي إضافية (نحو 1066 دولار أمريكي) لإطلاق سراحها. 

تقول آمنة إنها شاهدت داخل مركز الاحتجاز فتياتٍ يتعرضن للاغتصاب على أيدي من وصفتهم بـ"العساكر". ولم يتسنَّ للفراتس التحقق من روايتها. إلا أن شهادتها تتفق مع روايات سابقة عن العنف الجنسي عند الحدود السعودية اليمنية. ففي تقريرها "ذَي فايرد أون أَس لايك رين" (أطلقوا علينا النار مثل المطر)، المنشور سنة 2023، وثّقت منظمة هيومان رايتس ووتش شهادة فتى قال إن حرس الحدود السعوديين أرغموه ومهاجرين آخرين على اغتصاب فتاتين في الخامسة عشرة. ونقلت صحيفة الغارديان، في تقريرها "سعودي بوردر فورسز أكيوزد أوف كيلينغ هاندردز أوف إثيوبيان مايغرنتس" (اتهام قوات الحدود السعودية بقتل مئات المهاجرين الإثيوبيين)، المنشور سنة 2025، عن مهاجر إثيوبي قوله إن الحراس اغتصبوا ثلاث نساء داخل مبنى بعد احتجاز مجموعته في نقطة حدودية وفي التقرير نفسه نقلت الغارديان عن هيومان رايتس ووتش حالة موثقة لإطلاق قوات حرس الحدود السعودية النار على مهاجر إثيوبي غير نظامي رفض الخضوع لأوامرهم باغتصاب فتاتين محتجزتين. وتواصلت الفراتس مع قيادة قوات حرس الحدود بالمملكة العربية السعودية عبر البريد الإلكتروني الرسمي المعلن على موقعها، إلا أننا لم نتلق رداً حتى موعد نشر التحقيق. 

بعد خروجها من مكان احتجازها بأيام، واصلت آمنة الطريق. اختبأت مع فتاتين حتى قبض عليهن عساكر سعوديون، بحسب روايتها، ونُقلن إلى مركز احتجاز داخل السعودية. بعد تزايد أعداد المحتجزين، تقول آمنة إن السلطات السعودية نقلتهم في سيارات ورمتهم في منطقة صحراوية مكشوفة، حيث حاول دلالون ابتزازهم وإقناعهم بالعودة إلى السعودية، لكن الفتيات رفضن قائلاتٍ إنهن لا يردن "دخول النار مرة أخرى". وفي طريق عودتهن، قبضت عليهن جماعة الحوثي ونقلتهن إلى صنعاء ثم إلى رداع، قبل أن يساعدهن أشخاص من قومية الأورومو بالطعام والماء ويوصلوهن إلى عدن. 

تقول الناشطة الحقوقية والمحامية اليمنية تهاني الصراري للفراتس إن ما تتعرض له النساء المهاجرات هو منظومة من الانتهاكات الممنهجة. وتضيف إن هذه الأفعال، من اختطاف وتعذيب واغتصاب واتجار بالبشر، مصنفة جرائم بموجب القانون الدولي. وتشير تهاني إلى أن الاعتداءات المسلحة ضد المهاجرين عند الحدود قد ترقى إلى جرائم ضد الإنسانية، إذا مورست على نطاق واسع أو بمنهجية. 

تتقاطع التقارير الحقوقية الدولية على أن اليمن لم يعد مجرد ممر، بل تحول إلى منظومة استغلال متكاملة. فمنذ سنة 2020، وثّق المرصد الأورومتوسطي لحقوق الإنسان ومنظمة سام للحقوق والحريات كيف حوّلت عصابات التهريب منطقة رأس العارة الساحلية بمحافظة لحج جنوب اليمن إلى مركز للاحتجاز والتعذيب، وسط تورط بعض عناصر السلطات اليمنية سواء في تلقي أموال نظير احتجاز المهاجرين أو المشاركة في ممارسة التعذيب. 

وبحسب تقرير هيومان رايتس ووتش الصادر في 2014 الذي سبقت الإشارة إليه، تصل أموال الفدية من إثيوبيا وغيرها من دول القرن الإفريقي المصدّرة للهجرة غير النظامية نحو اليمن عبر شبكات تحويل غير رسمية، وهنا تُقسَّم بين العصابات. وتضم العصابات إثيوبيين ويمنيين بحسب شهادات المهاجرين غير النظاميين الذين تحدثوا للفراتس. يؤدي المسلحون اليمنيون، بمن فيهم عناصر من جماعة الحوثي وأطراف أخرى من المهربين، دور الأداة العنيفة. وقد تحولت بعض السجون الرسمية، مثل السجن المركزي في صعدة، إلى محطة ضمن الشبكة. فيدفع فيه المهربون للعساكر مقابل تسلّم المهاجرين لإعادتهم إلى دائرة الابتزاز، كما يذكر تقرير صادر في أكتوبر 2025 عن منظمة العفو الدولية. 


الخروج من معسكرات احتجاز المهاجرين غير النظاميين في اليمن ليس نهاية الرعب. فإلى جانب تعرض النساء للانتهاكات الجنسية على طول الطريق الواصل إلى السعودية، تمثل الكيلومترات الأخيرة قبل الحدود اليمنية السعودية -وتحديداً في مناطق مثل الرقو بصعدة- ساحة صيد للطرائد البشرية. 

يروي ناجون تحدثوا للفراتس أنهم أُجبروا على الركض ليلاً باتجاه الحدود، ليجدوا أنفسهم وسط طلقات رصاص كثيفة من حرس الحدود السعودي. قالت فتاة في الرابعة عشرة إنها رأت ثلاثين جثة متناثرة حولها، بينما تحدث آخرون عن قصف صاروخي استهدف مجموعات كبيرة وأباد المئات دفعة واحدة. 

هذه الشهادات التي حصلنا عليها تتقاطع مع تقرير لهيومان رايتس ووتش صدر في أغسطس 2023، وصف ما يجري بأنه "قتل جماعي" قد يرقى إلى جريمة ضد الإنسانية. التقرير وثّق استخدام الأسلحة المتفجرة وإطلاق النار من مسافات قريبة على المهاجرين، من بينهم نساء وأطفال. 

أما من ينجو من الموت على الحدود، فمنهم من يعمل في وظائف هامشية بأجور زهيدة، مثل رعي الأغنام أو الزراعة أو البناء، ويعيشون في خوف دائم من الاعتقال والترحيل حسب قوانين العمل السعودية. بين هؤلاء "آدم" الإثيوبي الذي ترك بلده سنة 2024 ومر بالاحتجاز والتعذيب والمساومة ودفع أسرته للأموال نظير إطلاق سراحه، ليصل أخيراً إلى السعودية ويعمل فيها راعياً للغنم وسط ظروف حياة يصفها بالبشاعة. 

باعت أسرة آدم ما تملكه لجمع ما يعادل ألفي دولار أمريكي، وهو ثمن "الباقة الكاملة" التي وعد بها السمسار، تشمل الوصول الآمن إلى الأراضي السعودية. انطلقت رحلته مع عشرات مثله في شاحنة مكتظة متجهة إلى سواحل جيبوتي. هناك انتظروا أياماً في مخبأ صغير حتى تهدأ دوريات خفر السواحل، وفي منتصف الليل حُشر مع نحو مئة وخمسين شخصاً آخرين في قارب صيد متهالك لا يتسع لأكثر من أربعين شخصاً. رحلتهم التي كان يُفترض أن تستغرق ساعات قليلة "تحولت سريعاً إلى كابوس ممتد". فقد ألقى المهربون شاباً مريضاً في البحر لتخفيف الحمولة، وبعد أن نفد الوقود من القارب، وصل المهاجرون إلى سواحل أبين في اليمن سباحةً، إذ أجبرهم المهربون على القفز إلى الماء والسباحة نحو الشاطئ. هناك استقبلهم المسلحون واحتجزوه مع رفاقه في "حوش"، وضُرب حتى يتصل بعائلته ويطالبهم بدفع فدية ثلاثة آلاف دولار للمهربين. بعدها سُلِّم آدم إلى مهربين آخرين نقلوه إلى الحدود السعودية.

يذكر آدم للفراتس أنّ الرحلة عبر الصحراء استغرقت أسابيع، ومات فيها ثلاثة من رفاقه عطشاً. وعند وصوله إلى مدينة صعدة شمالي اليمن، احتجزه مسلحون آخرون يتبعون لجماعة الحوثي وأجبروه على دفع خمسمئة ريال سعودي (133 دولار) رسوم عبور للسماح له بالوصول إلى منطقة الحدود. وعند الوصول إلى الحدود اليمنية السعودية، جمع المهربون نحو مئتي مهاجر وأمروهم بالركض في منتصف الليل. هناك وجد آدم نفسه وسط إطلاق نار كثيف من حرس الحدود السعودي، سقط بسببه العشرات من حوله بين قتلى وجرحى. 

نجا آدم بأعجوبة بحسب وصفه بعدما اختبأ خلف صخرة حتى صباح اليوم التالي. دخل السعودية أخيراً منهكاً، ثم تواصل مع أحد أبناء قريته الذي دله على مزرعة في منطقة جازان الواقعة جنوب غربي السعودية. 

يعمل آدم حتى اليوم في رعي الأغنام وخدمة المزرعة نحو أربع عشرة ساعة يومياً مقابل ثمانمئة ريال سعودي شهرياً (نحو 210 دولار أمريكي) ويعيش في غرفة ضيقة مع عشرة عمال آخرين، ويتجنب الخروج من المزرعة خوفاً من الاعتقال.

يذهب نصف راتب آدم لسداد الديون التي تراكمت على عائلته لإنقاذه. وبحسب آخر تواصل مع آدم فهو الآن في مدينة مأرب اليمنية يسعى لتصحيح أوراقه القانونية للعودة لاحقاً إلى السعودية. 

تواصلت الفراتس مع توفيق الحميدي رئيس منظمة سام للحقوق والحريات وهي منظمة يمنية غير ربحية، وذكر أنّ وجود سلطات موزعة تسيطر على اليمن يخلق تحدياً كبيراً في تحديد المسؤولية في ملف المهاجرين الأفارقة. "ومع ذلك تظل الحكومة الشرعية وجماعة الحوثي وسلطات الدول التي يأتي منها المهاجرون، مسؤولين وملتزمين التزاماً قانونياً مشتركاً بموجب القانون الدولي بحماية المهاجرين. يبدأ هذا الالتزام من دول المنشأ ويمتد إلى دول العبور، ولا ينتهي عند المجتمع الدولي. فوفقاً لاتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الجريمة المنظمة العابرة للحدود وبروتوكول مكافحة تهريب المهاجرين لسنة 2000، تلتزم الدول بمنع تهريب المهاجرين، وكذلك تجريم الشبكات الإجرامية، وتعزيز التعاون الأمني والقضائي عبر الحدود، وحماية ضحايا التهريب، وليس الاكتفاء بملاحقتهم أو ترحيلهم". 

ويشير الحميدي أن دول المنشأ (إثيوبيا والصومال وإريتريا) تتحمل مسؤولية مباشرة في مكافحة شبكات التهريب داخل أراضيها، وتعزيز الرقابة على المنافذ الحدودية وتبادل المعلومات عن المهاجرين و مخاطر الرحلة. إضافة إلى ايجاد حلول للأزمات الاقتصادية والأمنية التي تدفع آلاف الشباب إلى الهجرة غير النظامية. 

وفي المقابل يقول الحميدي إن السلطات اليمنية تتحمل، رغم الانقسام السياسي، مسؤوليات لا يمكن التنصل منها، فهي سلطات أمر واقع أو سلطات حكومية تمارس وظائف عامة على الأرض. فيقع على عاتقها حماية جميع الأشخاص الموجودين داخل مناطق سيطرتها دون تمييز، ومكافحة جرائم الاتجار بالبشر والاختطاف والابتزاز. وكذلك فتح تحقيق في بلاغات الانتهاكات أو وقائعها التي يتعرض لها المهاجرون غير النظاميين، مما يشكل انسجاماً مع التزامات اليمن بموجب العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية واتفاقية مناهضة التعذيب وغيرها من الاتفاقيات ذات الصلة. 

أما المجتمع الدولي -والحديث للحميدي- "فعليه مسؤولية تتجاوز التمويل الإنساني، إلى الدعم في بناء قدرات مؤسسات إنفاذ القانون، وتعزيز التعاون الاستخباراتي والقضائي ضد شبكات التهريب العابرة الحدودَ وتوسيع برامج الهجرة الآمنة، وممارسة الضغط لضمان احترام القانون الدولي الإنساني والقانون الدولي لحقوق الإنسان". ويجد الحقوقي أن استمرار التعامل مع الأزمة مجردَ قضية هجرة، وليست قضية حماية وجرائم منظمة عابرة الحدودَ، يكرس الإفلات من العقاب ويجعل آلاف المهاجرين عرضة للاستغلال والاتجار والانتهاكات الجسيمة. 

وللوقوف على دور هذه الحكومات، تواصل معد التحقيق وأرسل استفسارات رسمية عبر البريد الإلكتروني إلى السفارات المعنية لكل من إثيوبيا وإريتريا والصومال، للحديث عن استراتيجياتها لمكافحة الهجرة غير المنظمة وحماية مواطنيها، لكنه لم يتلقَّ أي رد حتى لحظة نشر هذا التحقيق. 


الطريق من القرن الإفريقي إلى اليمن ثم السعودية أصبح مساراً بالغ الخطورة يبدأ بالوعود الكاذبة، ويمر بالضرب والتجويع والابتزاز، وقد ينتهي بالموت على الحدود.

فالمهاجر الإفريقي الناجي من الموت أو الاعتقال على الجانب الآخر من الحدود، يعود حي الجسد، لكن روحه محطمة، كما قال أحد الشاهدين: "أنا عايش جسدياً لكن داخلي ميت".

اشترك في نشرتنا البريدية