الوظيفة العامة في ليبيا: بين سياسات الدولة الريعية وفساد النموذج

ينخر الفساد الوظيفة العامة في ليبيا بسبب السياسات التي ابتدعتها الدولة الليبية منذ استقلالها في تصويرها أداةً للولاء السياسي والاجتماعي.

Share
الوظيفة العامة في ليبيا: بين سياسات الدولة الريعية وفساد النموذج
ليبيا أنتجت ثقافةً ريعيةً كاملةً | تصميم خاص بالفراتس

انتشرت في وسائل التواصل الاجتماعي الليبية بعد سنة 2011 روايةٌ شعبيةٌ عن فرسٍ تتقاضى مرتباً من الدولة الليبية. لا أحد يعلم من أين جاءت الرواية بالضبط، ولا أحد يستطيع تأكيدها أو نفيها. لكنها ترسخ مع قدرة المجتمع الليبي على تخيل وجود فسادٍ في الدولة يُمَكِّن أحدَهم تسجيلَ اسم فرسِه في سجلاتها على أنها إنسان، ويتقاضى مرتباً باسمها دون أن يبدو الأمر مستحيلاً.

هذه الرواية وُلدت في سياقٍ متراكمٍ من فضائح قضايا استغلال الوظيفة العامة، التي سبقتها وهيّأت المخيلة الجمعية لتصديقها. فانتشرت قصصٌ عن موتى يستلمون رواتبهم شهراً بعد شهرٍ، وأطفالٍ لم يبلغوا العاشرة ولهم عقود توظيفٍ رسميةٌ، وموظفين يتقاضون رواتب من وزارتين أو ثلاثٍ معاً. وهي ظاهرةٌ تشير إليها تقارير الجهات الرسمية، مثل هيئة الرقابة الإدارية. وتظهر كذلك في مؤشر مدركات الفساد الصادر عن منظمة الشفافية الدولية، إذ جاءت البلاد في القائمة ضمن الدول الأكثر فساداً، واحتلت المرتبة 177 من أصل 182 دولة في سنة 2025.

حين تتراكم هذه الحوادث ويتحول الفساد إلى مشهدٍ مألوفٍ، قد لا يستحيل على المخيلة الجمعية أن تُضيف إليها فرساً. وعلى ذلك يُظهر تتبعُ مسار الوظيفة العامة التاريخي، منذ استقلال ليبيا سنة 1951، خللاً في تنظيم العلاقة بين الدولة والمجتمع. فبدلاً من كون الموظف في القطاع العام يؤدّي خدمةً للمجتمع يؤجر عليها، جعلت المملكةُ الليبيةُ عمله في كثيرٍ من الحالات مربوطاً بدورٍ سياسيٍ يتشكّل في صورةِ ولاءٍ لمفهوم الدولةِ الحديثة التي لم يتعود عليها من قبل. ومع بدءِ الثورة النفطية في الستينيات، أصبحت الوظيفة العامة أقرب إلى أداةٍ لتوزيع الثروة، سواءً أدّى الموظف عمله أم لم يؤدّه. تفاقم الوضع أكثر منذ السبعينيات وصعودِ دولة الجماهيرية، التي ابتدعها معمر القذافي، فصارت الوظيفة العامة أشبه بالحق العام للمواطنين، حتى وإن لم يكونوا قادرين على تأديته. وبعد سقوط نظام القذافي سنة 2011، أصبحت هذه الوظيفة جزءاً من الأزمة السياسية والاجتماعية والأمنية التي تمرّ بها ليبيا.


شرعت السلطات الليبية سنة 2014 في إطلاق مشروع الرقم الوطني، ثم ربطه بكافة المنظومات الوطنية والإدارية الأخرى، بما في ذلك منظومة المرتبات. إذ أصدر المؤتمر الوطني العام، السلطة التشريعية الانتقالية وقتئذ، القانون رقم 8 لسنة 2014 بشأن الرقم الوطني. فأرسى الإطارَ القانوني لهذه المنظومة وفرض على الجهات الحكومية توحيد بياناتها وفق هذا المعرِّف الموحد. 

هذا المشروع لم يُطبَّق بالسرعة التي كانت تستوجبها الحاجة. ولكي تضغط على الجهات التنفيذية، أصدرت هيئة الرقابة الإدارية في فبراير 2015 منشوراً يلزم جميع الجهات الحكومية بتطبيق الرقم الوطني في سجلاتها الرسمية. ومع ذلك استمر التباطؤ في التنفيذ. وقد صرّح وزير العمل والتأهيل بحكومة الوفاق الوطني آنذاك، المهدي الأمين، في مقابلةٍ على موقع "ليبيا الإخبارية" بتاريخ 4 مارس 2019، إنّ الدولة الليبية قضت على 80 بالمئة من الازدواجية الوظيفية، لكن الجهات المختصة ظلت تعلن عن اكتشاف خروقاتٍ في منظومة المرتبات حتى سنة 2020.

وحين بدأ الربط بين المنظومتين وتسارع إدخال البيانات، ظهر حجم الفساد. ففي 10 أكتوبر 2016، نقل موقع قناة "ليبيا الاقتصادية" عن ناصر جمعة، رئيس لجنة الرقم الوطني بديوان المحاسبة، اكتشافهم وجود نحو مليون موظف يعملون في أكثر من وظيفة. لكن الرقم جاء متضارباً مع ما نقله موقع "بوابة الوسط" في 23 أكتوبر 2017، في تقريره "الرقابة الإدارية [. . .]" عن هيئة الرقابة الإدارية التي قالت إنّ الازدواج وصل فقط إلى مئة ألف رقمٍ وطنيٍ منذ تفعيل المنظومة سنة 2015. 

بعض تلك الأرقام تعود لأشخاصٍ يعملون في أكثر من وظيفةٍ حكوميةٍ في الوقت نفسه، تبدأ من وظيفتين وقد تصل إلى ثماني وظائف. وقد أوقفت هيئة الرقابة حوالي 1732 رقماً وطنياً أصحابُها من صغار السنّ الذين لم تبلغ أعمارهم سنّ التوظيف القانونية. ووثّقت وكالة الأنباء الليبية في خبرٍ نُشر في 5 سبتمبر 2020، حالات استخدام ما يقارب سبعة آلاف رقمٍ وطنيٍ لمتوفَّيْن من أجل استمرار صرف مخصصاتٍ ماليةٍ من الخزينة العامة. كذلك وثّق تقرير بوابة الوسط حالاتٍ لمواطنين تجاوزوا سنّ التقاعد منذ أعوامٍ لكنهم ما زالوا في كشوف المرتبات ولم تُحوّل أسماؤهم إلى صندوق الضمان الاجتماعي، المؤسسة الوطنية التي توفر الحماية الاجتماعية والاقتصادية للمتقاعدين أو العاجزين عن العمل.

كان من المتوقع بعد ربط الرقم الوطني بمنظومة المرتبات أن تتقلص فاتورة الأجور وعدد المسجلين نتيجة إلغاء ازدواجيات عشرات الآلاف من الرواتب. لكن هذا الأثر لم يظهر إلا جزئياً ومؤقتاً. ففي فصلٍ خاصٍ تحدثت فيه هيئة الرقابة الإدارية في تقريرها الرقابي لسنة 2023 عن أزمة الوظيفة العامة في ليبيا، كشفت البيانات عن ارتفاع عدد الموظفين الممولين من الخزانة العامة إلى أكثر من مليونَيْ موظفٍ، بعد أن كان أقلّ من مليونٍ ونصفٍ سنة 2012. أي إن الدولة الليبية أضافت في عقدٍ واحدٍ أكثر من نصف مليون موظفٍ إلى جهازها الإداري، على الحروب والانقسام المؤسسي والانكماش الاقتصادي.

وما جاء في قطاع التعليم مثالٌ بيّنٌ على عمق هذا الخلل في الوظيفة العامة. إذ يوضح تقرير هيئة الرقابة الإدارية أنّ التعليم يضم ما يقارب نصف مليون موظفٍ، 80 بالمئة منهم من النساء و20 بالمئة من الرجال. ويسجل التقرير تكدساً وظيفياً وسوء توزيعٍ جغرافيٍ بين المناطق، وهو ما يمكن قراءته أكثر تفصيلاً من الدليل الإحصائي لوزارة التربية والتعليم للعام الدراسي 2023 و2024. فقد بلغ عدد العاملين في القطاع قرابة خمسمئةٍ وثمانين ألف موظفٍ، منهم مئتان وعشرون ألف معلمٍ تقريباً، وحوالي مئةٍ وتسعين ألف موظفٍ ومعلمٍ مصنفين ضمن بند الاحتياط العام. 

وعند مقارنة هذه الأرقام بالتوزيع الجغرافي للمؤسسات التعليمية تظهر مفارقاتٌ يصعب تفسيرها بالحاجة التعليمية وحدها. ففي المنطقة الشرقية، التي تضم قرابة ألفٍ ومئتي مدرسةٍ، هناك أكثر من خمسين ألف معلمٍ مقابل ما يقارب ستةً وستين ألف موظفٍ ضمن الاحتياط العام. أي إن عدد الاحتياط يفوق عدد المعلمين بنسبةٍ تقارب 31 بالمئة. وفي منطقة السهل الغربي، التي تضم ما يقرب من خمسمئةٍ وتسعين مدرسة، هناك أكثر من اثنين وثلاثين ألف معلمٍ، مقابل ما يقارب سبعةً وثلاثين ألف موظفٍ في الاحتياط العام. أي إن الاحتياط يتجاوز عدد المعلمين بنسبةٍ تزيد على 12 بالمئة.

في المقابل، تضم منطقة طرابلس الكبرى ثمانمئةٍ وستين مدرسةً تقريباً، ويعمل بها أكثر من اثنين وخمسين ألف معلمٍ مقابل ثلاثةٍ وثلاثين ألف موظفٍ احتياطيٍ تقريباً. وتضم المنطقة الجنوبية أربعمئةٍ وثمانيةً وثلاثين  مدرسةً فقط، يعمل بها ما يقارب ستة عشر ألف معلمٍ، وأكثر من أحد عشر ألف موظفٍ احتياطي.

وعدم التناسب بين عدد المدارس أو حجم الكثافة الطلابية يُظهر اختلالاتٍ هيكليةً في إدارة القوى العاملة التعليمية. ويوضح كذلك وجودَ فائضٍ بشريٍ في بعض المناطق أو المؤسسات التعليمية، قابَلَه نقصٌ أو احتياجٌ غير مغطىً في مناطق ومؤسساتٍ أخرى. وتؤكد الأرقام ما خلص إليه تقرير هيئة الرقابة الإدارية من وجود تعييناتٍ خارج الاحتياج الفعلي في مدارس تعاني من فائضٍ في الكادر البشري، ممن يتقاضون مرتباتٍ بلا عمل. وتُعاني مدارس أخرى عجزاً حاداً، أو تعاني بعض المواد مثل الرياضيات والتربية البدنية والإحصاء والفيزياء والكيمياء. وفوق هذه الملاحظات يذكر تقرير هيئة الرقابة وجود حالات نقلٍ وانتدابٍ للموظفين والمعلمين مخالفةٍ اللوائحَ، وتكليفاتٍ استمرت أعواماً بلا ضوابط أو قيودٍ زمنية. 

يسجل تقرير هيئة الرقابة كذلك أنماطاً متكررةً من الفساد الإداري في التعليم. فتكثر التعيينات خارج الملاكات الوظيفية المعتمدة، والترقيات دون استيفاء أيّ ضوابط موضوعية. كذلك ذكر التقرير إعادة تعيين متقاعدين في وظائف جديدةٍ بمسمياتٍ مختلفةٍ، وغياب التوصيف الوظيفي الواضح الذي يُحدد ما يُفترض أن يفعله الموظف، حتى يمكن محاسبته على تقصيره.

تبدو المشكلة في بادئ الأمر مقترنةً بتردّي الأوضاع الاقتصادية وهبوطِ قيمة الدينار الليبي أمام الدولار. فمع أنّ حكومة الوحدة الوطنية أصدرت قراراً في 19 نوفمبر 2023 برفعِ المرتّبات، إلا أنّ موظفين كثراً يعانون من ضعفِ رواتبهم وعدم وفائها تكاليف العيش في البلاد. ففي تقريرٍ نشرته صحيفة "العربي الجديد"  بعنوان "الفساد في ليبيا [. . .]" في 4 ديسمبر 2023، تحدث بعض الموظفين عن جمعهم بين وظيفتين بسبب ضعف الرواتب وعجزها أن تفيَ متطلبات الحياة الأساس. بالتوازي، تحدث مسؤولون عن استمرار المشكلة بسبب غياب الربط الكامل بين الجهات العامة. إذ ظلت العديد من المؤسسات دون ربطٍ بمنظومة الرقم الوطني. 

لا تُختزل الصورة في البعد المعيشي وحده. فمع أنّ ميزانية المرتبات ارتفعت من 16.7 مليار دينار سنة 2012 (36 بالمئة من إجمالي النفقات) إلى 59.9 مليار دينار سنة 2023 (29.7 بالمئة من إجمالي النفقات)، إلا أن هذه المقارنة لا تُقدّم دلالةً مستقرةً بين الفترتين بسبب اختلاف أساس القياس. فبدون حساب معدّل التضخم، تكشف المقارنة بسعرِ الصرف بالدولار بين الفترتيْن أنّ المواطن الليبي تقاضى سنة 2023 مرتباً أضعف مما كان يتقاضاه سنة 2012. إذ انخفضت قيمة المرتبات الإجمالية من حوالي ثلاثة عشر مليار دولار بسعر صرف سنة 2012 إلى اثني عشر مليار ونصف المليار دولار فقط بسعر صرف سنة 2023. هذا مع الأخذ في الاعتبار أن عدد الموظفين قد زاد بحوالي نصف مليون موظفٍ في الفترة ذاتها. 

هذا التفسير الاجتماعي بتشعباته قد لا يبدو كافياً لتفسير المشكلة. لأن وجود موظفٍ يبحث عن دخلٍ إضافيٍ لا يفسر مئة ألف حالة ازدواجٍ، ولا يفسر آلاف المتوفين وصغار السن والأسماء الوهمية التي يتقاضى أشخاصٌ آخرون مرتباتٍ نيابةً عنهم. لهذا ينقل هذا الاستنتاج مستوى التحليل من تفسير سلوك الأفراد الاجتماعي إلى تفكيك البنية التي تنتج هذا السلوك وتعيد إنتاجه في الدولة الليبية منذ الاستقلال.

وضمن هذا الإطار، يصبح القطاع العام في إدارته العامة وشركاته العامة وشبه العامة المشغّل الرئيس للعاملين اقتصادياً في ليبيا. وفي الوقت نفسه فالقطاع العام من أهم قنوات إعادة توزيع الريع وتحويله إلى موردٍ معرّضٍ للاستغلال غير المشروع.


وُلدت ليبيا سنة 1951 مملكةً ضعيفةً وفقيرةً ومجزأةً إقليمياً. إذ خرجت من الاستعمار الإيطالي والحرب العالمية الثانية ببنيةٍ تحتيةٍ محدودةٍ، وإدارةٍ عامةٍ ناشئةٍ، واقتصادٍ تقليديٍ يعتمد على الزراعة والرعي والتجارة الصغيرة. لم تكن الدولة حينئذٍ جهازاً ضخماً قادراً على تشغيل السكان أو إدارة اقتصادٍ واسع. كانت مؤسسةً سياسيةً جديدةً تحاول أن تبني حضورها في الأقاليم الثلاثة، طرابلس وبرقة وفزان. لذلك جاء النظام الاتحادي تعبيراً عن ضعف القدرة المركزية وصعوبة دمج الأقاليم بسرعةٍ في جهازٍ إداريٍ واحدٍ، لا اختياراً دستورياً محايداً.

في تلك المرحلة كانت الوظيفة العامة مهمةً سياسياً، إذ ربطت المواطن بالدولة الجديدة ومنحت هذه الدولة وجهاً ملموساً في المدن والبلدات. لكن الوظيفة لم تكن المجال الطبيعي لعمل أغلبية السكان، وهذا ما يمكن فهمه من إحصائيات سوق العمل آنذاك.

يذكر تقريرٌ من إصدار مكتبة الكونغرس بعنوان "ليبيا: آ كنتري ستدي" (ليبيا: دراسة قُطرِية) الصادر سنة 1989، أن الاقتصاد الليبي عند الاستقلال كان زراعياً. إذ شغلت الزراعة أكثر من 70 بالمئة من قوة العمل وأسهمت بنحو 30 بالمئة من الناتج المحلي الإجمالي، مع غياب الصناعة الحديثة وانتشار الأمية وضعف المهارات الفنية والإدارية. وتكشف هذه المعطيات أن المسار الذي عرفته ليبيا لم يكن انتقالاً من اقتصادٍ إنتاجيٍ متنوعٍ إلى قطاعٍ عامٍ متضخمٍ، بل انتقالاً من اقتصادٍ تقليديٍ ضعيفٍ إلى دولةٍ ريعيةٍ بموارد ماليةٍ كبيرة. لكن هذه الدولة لم تتكوّن لديها مؤسساتٌ قادرةٌ على تحويل هذا الفائض إلى قاعدةٍ إنتاجيةٍ وفرص عملٍ متنوعة. 

وفيما يبدو أن الجهات الدولية كانت واعية بهذه المسألة مبكراً، حتى إلغاء النظام الاتحادي سنة 1963 وتحوّل ليبيا إلى مملكةٍ موحّدةٍ لها عاصمةٌ مركزية. ويمكن ملاحظة ذلك من تقريرٍ مبكرٍ صادرٍ عن البنك الدولي سنة 1960 تحت عنوان "ذي إيكونومك ديفيلوبمنت أوف ليبيا" (التنمية الاقتصادية في ليبيا). فقد أشار إلى أن النفط، المكتشف حديثاً، قد يخلق إيراداتٍ كبيرةً للدولة، لكنه لن يوفر عملاً إلا لجزءٍ صغيرٍ من الليبيين. بل قدّر التقرير أن التشغيل المباشر وغير المباشر المرتبط بالنفط، حتى مع قيام الحكومة بإنشاء مصفاةٍ وبعض الصناعات النفطية اللاحقة، لن يتجاوز نحو 5 بالمئة من إجمالي قوة العمل.

تتيح هذه الملاحظة تفسير أحد الملامح البنيوية للمسار الاقتصادي الليبي، فالنفط خلق دخلاً عاماً ضخماً، لكنه لم يخلق سوقَ عملٍ واسعاً. وحين يكون القطاع الخاص ضعيفاً والزراعة محدودة الإنتاج والصناعة غير متطورةٍ، تصبح الدولة هي الجسر الطبيعي بين الريع النفطي والأسر الليبية. فبحسب التقرير نفسه ظلّ الاقتصاد الليبي مزدوجاً في سنوات المملكة الأولى، بين قطاعٍ حديثٍ صغيرٍ مرتبطٍ بالمساعدات الأجنبية والدخل الناتج عن إيجار القواعد العسكرية الأجنبية (بريطانية وأمريكية)، وبين دخلٍ محدودٍ مرتبطٍ ببداية إنتاج النفط وتصديره، وقطاعٍ تقليديٍ واسعٍ يعتمد على الأرض والرعي والعمل العائلي. وضمن هذا السياق، كانت واردات ليبيا مرتفعةً قياساً إلى حجم الاقتصاد، وأقلّ من خمس النقد الأجنبي اللازم للواردات يأتي من الصادرات السلعية، في حين جاء الباقي من إنفاق الحكومات الأجنبية وشركات النفط والمساعدات.

خلق هذا النمط اقتصاداً استهلاكياً يعتمد على دخلٍ خارجيٍ قبل أن يصبح النفط مصدره الرئيس. ولاحقاً حلّت عائدات النفط محل المساعدات والقواعد العسكرية في تمويل الاستهلاك. فأصبح الإنفاق العام، بما فيه المرتبات، الوسيلة التي تنتقل بها الموارد الخارجية إلى المجتمع.

وضمن الحديث عن التحول في بنية الاقتصاد والريع ودور الدولة، خلص تقرير البنك الدولي إلى أنّ الإدارة العامة التي تقدم الخدمات وتنظم سوق العمل والاقتصاد وعلاقة المجتمع بالدولة، كانت ضعيفة. فعلى وجود قانونٍ جيّدٍ للخدمة المدنية يضمن مبادئ سليمةً مثل التوظيف عبر الامتحان التنافسي واستقلال الموظف عن السياسة، لاحظ التقرير الاعتماد على الأقدمية أكثر من الكفاءة، وصعوبة جذب المتخصصين بسبب ضعف الرواتب، ونقل كبار المسؤولين بين المناصب دون اعتبارٍ كافٍ للخبرة والاختصاص. وشدد التقرير على حاجة ليبيا إلى موظفين أجانب في مواقع حكوميةٍ رئيسةٍ، محذراً من أن إحلال الليبيين مكان الأجانب في الوظائف بسرعةٍ مفرطةٍ قد يضرّ بمصالح البلاد.

وتظهر في تقرير البنك الدولي أمثلةٌ عديدةٌ تفيد بأن استخدام المؤسسات العامة وسيلةَ تشغيلٍ اجتماعيٍ كان ظاهرةً موجودةً منذ بدايات المملكة الليبية. ففي ملحقٍ تحدّث عن احتكار صناعة الملح، ذكر التقرير أن مؤسسةً حكوميةً تعمل في إنتاج الملح وتصديره شغّلت عمالاً زائدين عن الحاجة. فقدّر أن ثلث القوة العاملة فيها كان زائداً، وأنها استمرت في تشغيل نحو مئتي عاملٍ حتى سنة 1957 التي لم تنتج فيها الملح. وفي مثالٍ آخر، أشار إلى مطابع حكوميةٍ أنشأتها الحكومات الإقليمية للعمل لحساب الدولة، لكنها بدأت تقبل أعمالاً من زبائن خاصين وتنافس المطابع الخاصة دون نظام محاسبةٍ تجاريٍ واضح.

يبقى أنه مع تزايد عائدات النفط صار لدى الدولة مالٌ يفوق قدرة الاقتصاد المحلي على الاستيعاب الإنتاجي، في حين ظلت مؤسسات التخطيط والرقابة والتدريب محدودة. وقد ذكر ذلك ديرك فانديفال، أستاذ العلوم السياسية في كلية دارتموث، في كتابه "ليبيا سنس إندبندنس: أويل أند ستيت بيلدنغ" (ليبيا منذ الاستقلال: النفط وبناء الدولة)، الصادر سنة 1998. إذ يقول إنّ إلغاء النظام الاتحادي ارتبط بمسارٍ أوسع من المركزية السياسية والمالية، فأدى هذا إلى جمع الموارد النفطية والقرار المالي في يد مركزٍ واحدٍ، وسمح بإطلاق خطط تنميةٍ وجهازٍ إداريٍ جديد. ويذكر تقرير مكتبة الكونغرس "ليبيا: دراسة قطرية" أن أول فائضٍ في الميزانية الليبية تحقق سنة 1966 مع زيادة عائدات النفط. وأن التحول إلى الدولة الموحدة رافقه دمجٌ أكبر بين الإدارات المالية الإقليمية والمركزية، وتخصيص نسبةٍ كبيرةٍ من عائدات النفط المستقبلية للتنمية. 

بدأت الدولة تتحول من كيانٍ إداريٍ ضعيفٍ إلى قناةٍ مركزيةٍ للإنفاق والتوزيع. وفي أواخر العهد الملكي بدأت ملامح الدولة التوزيعية تتشكل بوضوح. والمقصود بالدولة التوزيعية، كما يشير ديرك فانديفال، الدولة التي تستخدم الدخل الريعي لإعادة توزيع الثروة بالمرتبات والدعم والعقود والمشاريع والخدمات. وبحسبه، فهذه صورةٌ مقابلةٌ للدول التي تعتمد على الضرائب، والتي تحتاج إلى معرفة المجتمع وتنظيمه ومحاسبته لأنها تستخرج منه الموارد. أما في الدولة النفطية، فتأتي الموارد من الخارج وتصبح المشكلة توزيع الموارد لا تحصيلها. 

أضعف هذا الاختلافُ الحافزَ لبناء قواعد بياناتٍ دقيقةٍ ونظم رقابةٍ ماليةٍ وإدارةٍ ضريبيةٍ وسوق عملٍ مستقلة. وذلك لأن الاستقرار السياسي ضمن هذا النسق يمكن شراؤه بالإنفاق لا بنموٍ إنتاجيٍ متوازن. وهو ما بدا أنه ترسخ وتوسع بسرعةٍ مع حكم معمر القذافي.


بعد انقلاب الفاتح من سبتمبر 1969 (أو ثورة الفاتح كما سُميت)، تبنى النظام الجديد خطاباً يقوم على العدالة الاجتماعية واستعادة الثروة، وتحرير الاقتصاد من الهيمنة الأجنبية، وتوزيع عوائد النفط على الشعب. وقد بدأت إجراءات التأميم مبكراً وإحلال الليبيين مكان الأجانب، فشملت الأصول الإيطالية والبنوك والتأمين والتجارة وبعض الملكيات الأجنبية. 

ظاهرياً، كانت هذه السياسات تعبّر عن سيادةٍ وطنيةٍ وعدالةٍ اجتماعية. أما عملياً، مثلما يقول فانديفال في كتابه، فإنّ هذه العمليات غير المنظمة وغياب البدائل الجاهزة، نقلت مساحاتٍ واسعةً من النشاط الاقتصادي إلى الدولة أو إلى قنواتٍ مرتبطةٍ بها. وبهذا لم تعد الدولة فقط مالكةً للعائد النفطي، بل أصبحت مالكةً أو مشرفةً على كل شيءٍ بما فيها البنوك والتأمين والتجارة الخارجية والسلع الضرورية.

لم تعنِ السيطرة على الاقتصاد بناءَ اقتصادٍ وطنيٍ منتج. فحتى بعد تأميمات النفط والمشاركة في الامتيازات، ظلت ليبيا تعتمد على الخبرة الأجنبية في الاستغلال والتسويق والإدارة النفطية. ويشير تقرير مكتبة الكونغرس إلى أن الصناعة، بما فيها النفط، أسهمت سنة 1984 بنحو 60 بالمئة من الناتج المحلي الإجمالي وبما يقارب كل الصادرات. لكن قطاع النفط وفّر عملاً مباشراً لحوالي عشرة آلاف ليبي. هذه المفارقة مركزيةٌ، فالقطاع الذي موّل الدولة والاقتصاد لم يشغل إلا عدداً محدوداً من المواطنين. لذلك كان على النظام أن يترجم الثروة النفطية إلى وظائف ودعمٍ ومساكن وقروضٍ وتعليمٍ وصحةٍ عبر جهاز الدولة والشركات العامة. 

زادت هذه المعضلة وضوحاً في السبعينيات بسبب النمو السكاني وزيادة معدلات الهجرة من الريف إلى المدن. ولم يكن في المدن قطاعٌ خاصٌ واسعٌ قادرٌ على استيعاب العمالة غير الماهرة أو الخريجين الجدد، ولم يكن قطاع الزراعة قادراً على هذا الدور.

وفي هذا السياق يذكر المؤرخ البريطاني والمعلق السياسي السابق في قسم اللغة العربية بهيئة الإذاعة البريطانية "بي بي سي" جون رايت في كتابه الصادر سنة 1981 "ليبيا: آ مودرن هيستوري" (ليبيا: تاريخ حديث)، إنّ التشغيل في الزراعة زاد من 129 ألفاً سنة 1973 إلى أقل بقليلٍ من 158 ألفاً سنة 1980، مع الإنفاق الكبير على التجارب الزراعية والمشروعات الصحراوية. فمشروعات استصلاح الأراضي كانت قادرةً على استيعاب عشرات الآلاف فقط وليس كامل الزيادة السكانية الريفية. لذلك لم تستطع الزراعة أن تكون بديلاً عن الوظيفة العامة، خاصةً في مجتمعٍ ارتفعت فيه توقعات الدخل بسبب النفط.

هذا القصور امتد حتى إلى الصناعة التي عجزت أن تكون بديلاً فعلياً للوظيفة العامة. إذ توسعت الدولة في الخطط والإنفاق أكثر مما توسعت في جعلها قاعدة تشغيلٍ وطنية. وهنا يذكر رايت أن تشغيل السكان في قطاع الصناعة التحويلية تضاعف بين 1973 و1980 من ستةٍ وعشرينَ ألفاً إلى نحو ستةٍ وخمسين ألفاً، لكنه ظل في حدود 6 بالمئة فقط من القوى العاملة. والمصانع الكبرى، مثل مصهر الألمنيوم في زوارة ومصنع الحديد والصلب في مصراتة، اعتمدت على تقنياتٍ مستوردةٍ ومقاولين أجانب ونظام تسليم المصانع دون مشاركةٍ ليبيةٍ تُذكر في مراحل التنفيذ والتشغيل الأولى.

يضيف رايت أنّ هذه المشاريع وفرت عقوداً ضخمةً ومعداتٍ وخبراتٍ ومقاولاتٍ، لكنها لم تبنِ بالقدر الكافي شبكة مهاراتٍ محليةً وسلاسل إنتاجٍ وموردين وقطاعاً صناعياً قادراً على تشغيل الداخلين الجدد إلى سوق العمل. 

وتكشف إحصائيات العمالة الأجنبية وجهاً آخر للمفارقة. فقد احتاجت ليبيا إلى عمالٍ ومهندسين وفنيين وإداريين أجانب بسبب نقص المهارات وضعف التعليم الفني، وسرعة التوسع في المشروعات العامة، وعزوف كثيرٍ من الليبيين عن بعض الأعمال اليدوية أو منخفضة المكانة الاجتماعية قياساً بالوظيفة الحكومية. وبهذا يفصل تقرير مكتبة الكونغرس، أن عدد العمال الأجانب ارتفع من نحو سبعة عشر ألفاً سنة 1964 إلى أربعةٍ وستين ألفاً سنة 1971، ثم إلى قرابة مئتين وعشرين ألفاً سنة 1975، حين شكلوا قرابة 33 بالمئة من قوة العمل. وبلغ الرقم الرسمي سنة 1980 نحو مئتين وثمانين ألفاً، في حين يذكر التقرير أنّ بعض الباحثين قدّره بأكثر من نصف مليونٍ بسبب ضعف التسجيل والدخول غير القانوني. وهذا ما دفع جون رايت للقول إنّ الأجور في ليبيا جذبت العمال العرب، لأنهم كانوا يستطيعون كسب ثلاثة أضعافٍ إلى ستةٍ مما يكسبونه في بلدانهم. 

هذا يعني أن ليبيا واجهت خللاً مزدوجاً. إذ استوعبت الدولة الليبيين في وظائف مستقرةٍ ومضمونةٍ، في حين اعتمدت قطاعاتٌ واسعةٌ من الاقتصاد على عمالةٍ أجنبيةٍ أكثر استعداداً لبعض الأعمال أو لديها مهاراتٌ فنية. لذلك فالوظيفة العامة هي الخيار الأكثر أماناً وعقلانيةً، بما توفره من راتبٍ مضمونٍ وحمايةٍ اجتماعيةٍ، في مقابل قطاعٍ خاصٍ ضعيفٍ وتجارةٍ مقيدةٍ وملكيةٍ غير مستقرةٍ، وتمويلٍ خاضعٍ للقرار العام. وهو الاتجاه الذي برز في محاولة القذّافي تطبيق نظرياته السياسية والاقتصادية والاجتماعية، التي جاء بها في "الكتاب الأخضر"، المنشور أوّل مرةٍ سنة 1975.

أراد القذّافي بالكتاب الأخضر تغيير العلاقة بين الدولة والاقتصاد، وإعادة تعريف الملكية والعمل والسوق. فحين رفع القذافي في كتابه شعار "شركاء لا أجراء"، هاجم العملَ المأجورَ لأنّه رآه علاقة استغلالٍ، فشجع العمالَ على السيطرة على المؤسسات وتحويلها إلى صيغٍ جماعيةٍ أو تشاركية. أما شعارُ "البيت لساكنه"، فقد مسّ حقوق الملكية العقارية. إذ حوّل المستأجرين إلى مالكين، وأضعف سوق الإيجار والاستثمار العقاري، لاسيما بعد صدور القانون رقم 4 لسنة 1978 الذي ألغى حق تأجير العقارات السكنية.

ولهذا يشير تقرير مكتبة الكونغرس، إلى أن الهجوم على القطاع الخاص تسارع بعد صدور الجزء الاقتصادي من الكتاب الأخضر سنة 1978. فقد مُنع دفع الإيجارات، وتحول المستأجرون إلى مالكين، ثم دُعي العمال إلى السيطرة على المؤسسات تحت شعار "شركاء لا أجراء"، وتشكلت في أشهرٍ لجانٌ عُمّاليةٌ في عددٍ كبيرٍ من المؤسسات.

بعد ذلك جاءت محاولة القضاء على التجارة الخاصة بالجملة والتجزئة. فتوسعت مسؤوليات المنظمة الوطنية للسلع التموينية، وأصبحت الدولة، لاسيما في الثمانينيات، مسؤولةً عن استيراد السلع والتحكم في معاملات النقد الأجنبي. وأُنشِئَت أسواقٌ مركزيةٌ تديرها اللجان الشعبية (ما يقابل، حسب السياق، الوزارات أو البلديات)، ووصل عددها إلى نحو مئتيْن وثلاثين سوقاً حكومياً، لكنها لم تستطع تعويض آلاف التجار الخواص. النتيجة كانت أنّ الدولة أضعفت السوق، لكنها لم تنجح في أداء وظائفه بكفاءة. 

وقد ظل هذا المسار محلّ مراجعةٍ لاحقةٍ من داخل الخطاب السياسي نفسه، وإنْ في مرحلةٍ متأخرة. فقد انتقد القذافي نفسه نتائج ما دعا إليه في خطاب زوارة، والذي أعلن فيه عن الثورة الثقافية والثورة الإدارية والثورة الشعبية في أبريل 1973. ففي لقاءٍ له مع قناة "نسمة" التونسية في 25 يناير 2011، أي قبل أيامٍ من قيام ثورة فبراير التي أطاحت به، قال: "ثورة العمال عام 1978 في ليبيا، التي أمرتُ بها، والتي قام فيها العمال بالزحف على كل شيءٍ، حصلت فيها تجاوزاتٌ كثيرةٌ وخطيرة. فقد استولوا على كل شيء. [. . .] وأخذوا حتى الأشياء الصغيرة الخاصة [. . .] والآن نحن نعوّض الناس الذين تضرروا من ثورة العمال. لقد كان جانبٌ كبيرٌ منها، ربما ثلاثون في المئة منها، خراباً حقيقياً".

لكن فات على ذهن القذّافي أنّ إعلان قيام "سلطة الشعب" سنة 1977 كان محطةً حاسمةً في تضخم الجهاز العام. فالجماهيرية تعني، في الخطاب الرسمي، أن الشعب يحكم نفسه مباشرةً عبر المؤتمرات الشعبية الأساس واللجان الشعبية ومؤتمر الشعب العام. والمؤتمرات الشعبية تجمعاتٌ محليةٌ يفترض أن يشارك فيها المواطنون لمناقشة السياسات. أما اللجان الشعبية فأجهزةٌ تنفيذيةٌ تحلّ محلّ الوزارات والإدارات التقليدية، واللجان الشعبية العامة حلّت محلّ الحكومة، والأمانات حلّت محلّ الوزارات.

لكن هذا التحول لم يُلغِ الإجراءات الإدارية، بل أعاد تسميتها وسعتها وخلق فوقها طبقاتٍ جديدةً من الاجتماعات والمكاتب واللجان والأمانات. ولهذا يقول جون رايت في كتابه إن إعلان سلطة الشعب كان إعادة هندسةٍ كاملةً لطريقة إدارة الدولة. وذكر رايت أن توسيع المؤتمرات واللجان كان أداةً سياسيةً للتعبئة والسيطرة، لا مجرد إصلاحٍ إداري. فالمواطن لم يُدفع نحو سوق عملٍ مستقلٍ أو مجتمعٍ مدنيٍ حرٍّ، بل أُدخل في قنواتٍ رسميةٍ مرتبطةٍ بالدولة. وهذه القنوات احتاجت إلى موظفين وأمناء ومنسقين ومكاتب ولجان متابعة. 

كانت المؤتمرات الشعبية قادرةً على طرح مطالب محليةٍ وجذب منحٍ لمشروعات تنميةٍ، لكنها لم تكن قادرةً على إدارة ملفات النفط والدفاع والسياسة الخارجية. بهذا تحولت المشاركة السياسية في كثيرٍ من الحالات إلى مشاركةٍ في طلب الموارد، والاقتراب من اللجان والمؤتمرات والأمانات طريقاً لتأمين هذه الموارد. ووفقاً لرايت، المواطن يشارك ليطالب بطريقٍ أو مدرسةٍ أو إسكانٍ أو وظيفةٍ أو دعمٍ، لا ليحاسب سياسةً نفطيةً أو موازنةً عامةً على أساس معلوماتٍ دقيقة. 

فظهرت اللجان الثورية طبقةً سياسيةً فوق الإدارة. وقد سلكت بذلك مسلك مؤسساتٍ موازيةٍ وظيفتها حماية الثورة، وتوجيه المؤتمرات ومراقبة اللجان الشعبية ورفع الوعي السياسي، ومنع الانحراف عن خط القذافي. وظهرت اللجان الثورية منذ أواخر 1977 في المكاتب والمدارس والشركات والقوات المسلحة، وقُدر عدد أعضائها بين ثلاثة آلافٍ وأربعة آلافٍ سنة 1985، ما أضاف طبقةً تنظيميةً جديدةً زادت تعقيد النظام السياسي في البلاد. ويشير رايت إلى أن معيار الولاء الثوري غلب على الكفاءة، وتقدمت حماية الخط السياسي على مساءلة الأداء والمال العام. 

من هذا المنطلق، فالفساد لا يحتاج إلى مالٍ فحسب، إنّما أيضاً إلى غموضٍ في المسؤولية وضعفٍ في المحاسبة وتداخلٍ بين السياسة والإدارة. والجماهيرية خلقت هذا التداخل، فصار القرار يصدر من مؤتمرٍ أو لجنةٍ شعبيةٍ أو أمانةٍ أو توجيهٍ ثوريٍ أو مركزٍ أمنيٍ أو خطابٍ سياسيٍ للقذافي. وعندما تتعدد القنوات، يصعب تحديد من يتحمل المسؤولية، كما يشير تقرير مكتبة الكونغرس. 

ويترتب على هذا الالتباس في المسؤولية أن الرقابة نفسها تصبح سياسيةً لا مؤسسيةً، ويصبح التعامل مع الفساد انتقائياً طالما لم يتحول إلى فعلٍ معارض. ويظهر ذلك في مسارٍ متناقضٍ داخل التجربة نفسها. فقد أطلق النظام سنة 1980 حملةً ضد الفساد واعتقل فيها أكثر من ألفي شخصٍ، لكن أحداثاً لاحقةً بينت أن الحملة كانت ذات أبعادٍ سياسية. إذ أبدى القذافي تسامحاً مع فساد مسؤولين في وقتٍ سابقٍ "طالما كان هدفهم سد حاجتهم"، وهو "ما جاءت من أجله الثورة" حسب تعبيره في كلمةٍ ألقاها سنة 2006 بمناسبة مرور سبعةٍ وثلاثين عاماً على انقلابه. 

ووفق هذا النمط سهل على الأجهزة الإدارية والشركات العامة واللجان أن تتحول إلى قنوات توزيع ولاءٍ، لا إلى مؤسسات أداءٍ، وهو ما أظهر أزمةً ترسخت في الثمانينيات.


تراجعت الإيرادات النفطية في الثمانينيات بسبب انخفاض أسعار النفط عالمياً، ثم بسبب القيود والحصار والعقوبات الأمريكية على قطاع النفط الليبي، إضافةً إلى تذبذب الإنتاج نفسه نتيجة إدارةٍ غير مستقرةٍ وتغيراتٍ في عقود التسويق. ولهذا تزايدت تكلفة الدعم والمشروعات، وتقلّصت كفاءة القطاع العام، وواجهت الدولة ضغوطاً خارجيةً متصاعدة. ومع ذلك حاول النظام حماية الاستهلاك والدخل الجاري أكثر من حماية الاستثمار طويل الأمد. 

فعندما هبطت الإيرادات وقتئذٍ، تجنبت الدولة في البداية خفض الاستهلاك، وخفضت بعض الإنفاق التنموي وسحبت من الاحتياطيات التي انخفضت بنسبة 75 بالمائة بين 1980 و1984. ومع تراكم هذه الاختلالات، بدأت تتبلور محاولاتٌ لإعادة ضبط النموذج الاقتصادي دون تفكيكه. وقد جاءت محاولات انفتاحٍ في أواخر الثمانينيات والتسعينيات استجابةً لضغطٍ اقتصاديٍ وسياسيٍ، لا تحولاً كاملاً نحو السوق.

يوضح ديرك فانديفال في كتابه "آ هيستوري أوف مودرن ليبيا" (تاريخ ليبيا الحديثة) الصادر سنة 2012، أن الرعاية الاقتصادية والهدوء السياسي في الجماهيرية كانا وجهين للعملة نفسها. فالإصلاح الاقتصادي الحقيقي كان سيؤثر في قوة النظام لأنه سيمس الوظائف والدعم والتراخيص والاستيراد والشركات العامة. لذلك أرخى النظام بعض القيود، وسمح بعودة بعض التجارة والأنشطة الخاصة، وطرح أفكاراً عن إغلاق مؤسساتٍ خاسرةٍ وتقليص موظفي الدولة ورفع بعض الرسوم، لكنه لم يطبق ذلك بعمق. فالتقليص الحقيقي كان سيصيب القاعدة الاجتماعية التي اعتادت الحصول على الدخل من الدولة.

تعقّدت المشكلة بعد العقوبات الدولية على ليبيا وسنوات الحصار، بسبب اتهام ليبيا في إسقاط طائرة الركّاب الأمريكية بان أميركان 103 في ديسمبر 1988، فيما عُرِف وقتئذٍ بقضية لوكربي. وقد ضيّقت العقوبات قدرة الاقتصاد الليبي على الوصول إلى التقنية والاستثمار والتمويل، ورفعت تكلفة الاستيراد وزادت الاعتماد على شبكات الالتفاف والوساطة والتهريب والعلاقات الخاصة.

ومع ضعف الأسواق العامة وفشلها في توفير السلع، ظهرت الطوابير والسوق السوداء والوساطة. وهنا تحول الفساد من رشوةٍ صغيرةٍ إلى نمط إدارةٍ، إذ يذكر رايت أنّ الدولة سيطرت على من يحصل على ترخيصٍ أو اعتمادٍ بالعملة الأجنبية ومن يستطيع الاستيراد، وحتى من يصل إلى العملة الأجنبية ومن يستفيد من شركةٍ عامةٍ أو عقدٍ عامٍّ أو قرضٍ بلا فوائد. البنوك نفسها، كما يذكر المصدر ذاته، لم تتحول إلى وسيطٍ ماليٍ نشطٍ يمول قطاعاً خاصاً منتجاً، إنّما غدت مستودعاتٍ للفوائض وقنوات الاستثمار الحكومي والقروض الموجهة. 

ومع انتقال الاختلال من مستوى إدارة الموارد إلى نمط توزيعها داخل الاقتصاد، يُتوقع أن يمتد أثره إلى بنية سوق العمل على المدى الطويل. وهو ما تكشف عنه بياناتٌ إحصائيةٌ أوردها الباحث في الاقتصاد الليبي إبراهيم عبدالسلام، في بحث دكتوراه مقدمٍ سنة 1987 لجامعة دورام تحت عنوان "ذا ليبر فورس إن ليبيا: بروبليمز آند بروسبيكتس" (القوى العاملة في ليبيا: المشاكل والتوقعات). وقد عرض عبدالسلام حجم المسار الذي كان متوقعاً أن ينتهي إليه هذا النموذج، أي استمرار الاعتماد على القطاع العام وسيلةَ توزيع. نقل عن الإحصائيات التقديرية للأمانة العامة للتخطيط (وزارة التخطيط آنذاك) أن عدد السكان الليبيين بلغ مليونين وثلاثمئة ألفٍ تقريباً سنة 1975، وكان متوقعاً أن يصل إلى قرابة ستة ملايين بحلول سنة 2000. وكان حجم قوة العمل الوطنية أقل بقليلٍ من نصف مليون سنة 1975، وكان متوقعاً أن يصل إلى مليونٍ وخمسمئة ألف شخصٍ تقريباً سنة 2000. ويتبين من هذه التقديرات حجم الفجوة المتنامية بين نمو قوة العمل المحدود نسبياً وبين قدرة الاقتصاد القائم على الدولة على توليد فرص تشغيلٍ كافية.

وفي جدولٍ آخر، يستند إبراهيم إلى تقديرات أمانة الإسكان والمرافق (وزارة الإسكان والمرافق). فيعرض صورةً عن تقديرات إحصائيات سوق العمل من العاملين الليبيين وغير الليبيين بين 1980 و 2000. ففي سنة 1980 قُدّر إجمالي التشغيل بنحو سبعمئة ألف شخصٍ، منهم أربعمئةٍ وتسعون ألف ليبيٍ ومئتان وعشرون ألف أجنبي. إذ مثّل الأجانبُ 31.3 في المئة من إجمالي التشغيل في حين كان متوقعاً سنة 2000 أن يصل إجمالي التشغيل إلى قرابة المليون وسبعمئة ألف شخصٍ، منهم مليون ونصف المليون ليبيٍ ومئتان وثلاثون ألف أجنبيٍ، لتنخفض نسبة العاملين الأجانب المتوقعة إلى 13.3 في المئة. 

كانت هذه التقديرات تعكس رهاناً رسمياً على إحلال الليبيين في سوق العمل، وخفض الاعتماد النسبي على العمالة الأجنبية. لكنها لا تثبت بذاتها أن الاقتصاد أصبح أكثر إنتاجيةً، بل تكشف بالأحرى أن المخططين كانوا يتوقعون توسع استيعاب الليبيين داخل الدولة والقطاع العام والمشروعات المرتبطة بها، مع بقاء الحاجة إلى الأجانب في المهارات والأعمال التي لم يكن سوق العمل المحلي قادراً على توفيرها.

يوضح توزيع التشغيل حسب القطاعات بين 1980 و2000 اتجاه التحول. فقد ارتفع التشغيل في قطاعات الزراعة والرعي والأنشطة الاستخراجية الأولية، من أربعة عشر ألف موظفٍ، إلى قرابة مئتين وثلاثين ألفاً فقط. أما قطاعات الصناعة والبناء، فارتفع من مئتين وخمسين ألفاً تقريباً، إلى ما يقارب سبعمئة ألف. وارتفع التشغيل في الإدارة والخدمات والتجارة والنقل وأنشطة الإنفاق العام، من ثلاثمئةٍ وسبعة عشر ألفاً إلى سبعمئةٍ وتسعين ألفاً تقريباً. معنى ذلك أن التوسع الأكبر لم يكن في زراعةٍ حديثةٍ أو صناعةٍ وطنيةٍ مستقلةٍ، بل في مجالاتٍ يغذيها الإنفاق الحكومي.

في التسعينيات، دخل هذا النمط مرحلةً أبطأ لكنه أصلب. إذ لم يشهد الاقتصاد تحولاً هيكلياً مع سنوات الحصار، بل استمر الاعتماد على الدولة مشغلاً وموزّعاً رئيساً للفرص والمزايا. وقد تزامن ذلك مع تراجع الاستثمار العام، وتآكل البنية الإنتاجية، واتساع الاعتماد على أنشطة الإنفاق الحكومي أو إعادة توزيعه عبر الإدارة العامة. ومع نهاية التسعينيات وبداية الألفية، بدأ الانفتاح التدريجي على الاقتصاد العالمي يفتح نافذةً جديدةً أمام الدولة، دون أن يمسّ البنية العميقة لنمط التوزيع القائم.

بعد سنة 2003 انتهت العزلة الدولية جزئياً وعادت شركات النفط، وارتفعت الإيرادات، وظهرت طفرة بناءٍ في العاصمة طرابلس، وبدأ خطابٌ جديدٌ عن الخصخصة والشفافية وحكم القانون. يقول فانديفال إنّه في تلك المرحلة أُعلنت تشريعاتٌ تسمح بخصخصة عددٍ كبيرٍ من المؤسسات الاقتصادية، واختير خبير الاقتصاد شكري غانم أميناً للجنة الشعبية العامة، وظهر سيف الإسلام ابن معمر القذافي، واجهةَ خطابٍ إصلاحيٍ جديد. لكن فانديفال يوضح أن المشكلة الجوهرية بقيت كما هي، فقد غابت الضمانات القانونية وشُخصِنَت عملية اتخاذ القرار في معمر القذافي، واستمرت شبكات الرعاية، وضعفت العلاقة بين الإصلاح الاقتصادي وإصلاح السلطة السياسية. فالإصلاح لم يخرج من مؤسساتٍ مستقلةٍ ذات قواعد واضحةٍ، بل ظل يدور حول العائلة والمقربين والاستشاريين الدوليين وشبكات الوسطاء. 

ومما فاقم الوضعَ أنّ البطالة بين الشباب كانت تضغط على النظام. يذكر فانديفال أن معدل البطالة سنة 2003 قُدّر بنحو 30 بالمئة، وأن ليبيا احتاجت إلى استثمارٍ وخبرةٍ خارجيةٍ لتحديث قطاع النفط والغاز والبنية النفطية المتقادمة. لكن عودة النفط لم تعنِ بناء سوق عملٍ واسعٍ، فقد بقي النفط قطاعاً كثيف رأس المال، يعتمد على الشركات والخبرات الأجنبية، ويعزز خزينة الدولة أكثر مما يشغّل المواطنين. لذلك عادت الدولة إلى موقعها التقليدي وسيطاً بين الريع النفطي والمجتمع. وفي غياب قطاعٍ خاصٍ قويٍ وقانونٍ مستقرٍ ومؤسسات تمويلٍ فعالةٍ، بقي الطلب الاجتماعي موجهاً نحو الدولة، سواءً بوظيفةٍ أو عقدٍ أو قرضٍ أو منحةٍ أو ترخيصٍ أو إسكان.

عند التمعن في بيانات الهيئة العامة للمعلومات، وتحديداً الكتاب الإحصائي السنوي لسنة 2007، يتبين أنه بحلول سنة 2006 بلغ عدد السكان الليبيين نحو خمسة ملايين وثلاثمئة ألف نسمة. وكانت قاعدة السكان المتعلمين والباحثين عن العمل قد اتسعت كثيراً، لكن البنية الاقتصادية لم تكن قد تغيرت بما يكفي. وبالنظر إلى بيانات البطالة والتشغيل الصادرة سنة 2012 عن الجهة ذاتها يظهر أنّ عدد العاملين اقتصادياً بلغ مليوناً ونصف مليون شخص، 76.7 بالمئة منهم يعملون بالحكومة، فيما بلغ عدد الباحثين عن عملٍ ثلاثمئة وستون ألفاً. وعند إضافة العاملين في المنشآت المملوكة للمجتمع والشركات العامة وشبه العامة، ترتفع درجة الاعتماد على القطاع العام إلى مستوىً أكبر. 

هذه الأرقام تعكس تحوّل الدولة التي بدأت ضعيفةً وفقيرةً ومحدودة الإدارة إلى أكبر ربّ عملٍ في البلاد بفارقٍ كبير. لذلك قد لا يُرى بند المرتبات في ميزانية الدولة بندَ إنفاقٍ عادي. إذ كانت المرتبات الآلية الشهرية تُحوّل عائدات النفط إلى دخلٍ للأسر. ومع الوقت صار الراتب العام جزءاً من عقدٍ اجتماعيٍ ريعيٍ غير مكتوبٍ، تمنح به الدولةُ الدخلَ والحمايةَ، فيتجه المواطن إليها لا إلى السوق.

هذا البند ونتيجةً لضعف الرقابة كان جاهزاً للتحول إلى مجالٍ واسعٍ للفساد. فيستشري فيه الازدواج الوظيفي، وتنتشر المرتبات الوهمية، وتتكاثر إفراجات المرتبات غير المنضبطة والتسويات الإدارية، ويستمر فيه صرف الأموال لغير المستحقين، مع ضغطٍ اجتماعيٍ وسياسيٍ لإدراج فئاتٍ جديدة. 

وقد شكّلت هذه المعادلة، نمطاً من الاستقرار المشوّه في ظل سلطةٍ تحتكر التوزيع. إلى أن جاءت ثورة فبراير 2011 وأسقطت نظام القذافي، لتفتح مرحلةً انتقاليةً اتسمت بتفكك أدوات الضبط المؤسسي وتعذر السيطرة المركزية على منظومة التوزيع.


يصف أستاذ العلوم السياسية والعلاقات الدولية بجامعة طرابلس محمد يوسف الصواني ما جرى بعد ثورة فبراير 2011 في ورقةٍ بعنوان "بابلك أدمنيستريشن إن ليبيا [. . .]" (الإدارة العامة في ليبيا: الاستمرارية والتغيير) صادرةٍ سنة 2017، بقولِه إنّ الدولة لم تعد تدير الأمور وحدها. فقد ظهر حسب تعبيره لاعبون جددٌ من مجموعاتٍ مسلحةٍ ومجالس محليةٍ وشبكات المناطق والقيادات القبلية التي عادت إلى الواجهة بقوة.

وكنت قد رصدت في بحثي لنيل درجة الماجستير، المنشور سنة 2022 على موقع "أكاديميا" تحت عنوان "بابلك أدمنيستريشن ريفورم إن بوست كونفليكت كانتريز [. . .]" (إصلاح الإدارة العامة في دول ما بعد النزاع: حالة الخدمة المدنية في ليبيا) أن هؤلاء دخلوا على خط التوظيف والترقية والندب معاً، وبصلاحياتٍ غير رسميةٍ لكن نافذة. وبهذا أصبحوا مؤسساتٍ غير رسميةٍ، كما تصفها أدبيات الإدارة العامة، مؤثرةً في الإدارة العامة كما كانت اللجان الثورية من قبل. إذ لم تعد الوزارات قادرةً على رفض طلب تعيينٍ يأتيها من جهةٍ مسلحةٍ أو من مجلسٍ محليٍ أو من قبيلةٍ تملك نفوذاً في المنطقة، حتى لو كانت الملاكات الوظيفية ممتلئةً والميزانية مثقلة. وهكذا انتقلت البلاد، بتعبير الصواني، من دولةٍ سلطويةٍ مركزيةٍ إلى دولةٍ ضعيفةٍ متعددة مراكز النفوذ، وفي كلا الحالتين بقيت الإدارة العامة رهينة السياسة لا القانون، والقرار الإداري تابعاً للقرار السياسي والأمني لا سابقاً له ولا مستقلاً عنه.

بهذا باتت الوظيفة العامة تؤدّي أربعة أدوارٍ متشابكةٍ لا علاقة لأيٍّ منها بتقديم الخدمة العامة. يورد كلٌّ من حمزة أطيش، أستاذ السياسة والإدارة العامة في جامعة الحضارات إسطنبول، ووزير الاتصالات الليبي الأسبق أنور الفيتوري، في كتابهما "إصلاح القطاع العام في ليبيا"، الصادر سنة 2021، هذه الأدوار الأربعة.

يقول المؤلفان إنّ أوّل أدوار الوظيفة كان لضبط البطالة حين يفشل القطاع الخاص في توفير فرص العمل، لتستوعب الدولة الشباب في وظائف لا تحتاجها، حرصاً على الاستقرار الاجتماعي. والدور الثاني للترضيات السياسية حين تحتاج الحكومة لشراء دعم مناطق بعينها أو إرضاء تحالفاتٍ قبليةٍ محددةٍ في لحظاتٍ حرجة. أما الدور الثالث، فلاحتواء التوترات القبلية بتوزيع المناصب توزيعاً يُراعي الحصص والتوازنات ويمنع التصعيد الاجتماعي. والرابع لإدارة التوازن الأمني بعد 2011، حين أصبحت بعض التوظيفات الحكومية جزءاً لا يتجزأ من الاتفاقيات غير المعلنة بين المجموعات المسلحة والسلطة المدنية التي لا تملك دائماً ترف الرفض. 

بتفصيلٍ أكبر، يقدّم كبير الباحثين في المعهد الألماني للشؤون الدولية والأمنية وولفرام لاخر مفتاحاً لفهم ما حدث للوظيفة العامة بعد 2011، وذلك في فصل "بابلك سيكتور ويذ آوت أ ستايت" (قطاع عام بلا دولة) من كتاب "فايلونس آند سوشيال ترانسفورميشن إن ليبيا" (العنف والتحول الاجتماعي في ليبيا) الصادر سنة 2023. ويرى لاخر أن الفارق الجوهري بين زمن القذافي وما بعده، أن نظام القذافي كان يملك مركزاً نهائياً يضبط توزيع الريع ويحدد سقوفه. أما بعد 2011، فقد بقيت القناة والثقافة والتوقعات الاجتماعية نفسها، لكن اختفى الحَكَم الذي كان يتحكم في نهايات اللعبة. فلم تعد الدولة توزع الريع من أعلى وفق منطقٍ سياسيٍ مركزيٍ، حسبما يقول، بل أصبحت ساحةً مفتوحةً تتنافس فيها الوزارات والمجالس المحلية والمسؤولون المحليون، والجماعات المسلحة وشبكات القرابة والوسطاء والمقاولون، من أجل نيل نصيبٍ من المرتبات والميزانيات والعقود.

هذا التحول يضيء مفارقةً يفتتح بها لاخر تحليله، ومفادها أن الدولة الليبية بعد 2011 ضعفت في قدرتها على الحكم وتقديم الخدمات كالصحة والكهرباء والنظافة والمياه، لكنها توسعت في دفع المرتبات. وقد لا تُفسر هذه المفارقة بردّها لتفضيلات ثقافة الليبيين للوظائف الحكومية أو لأن القطاع الخاص ضعيفٌ، أو لأن الرواتب منخفضة، بل لأن الوظيفة العامة أصبحت بعد 2011 أداةً لامركزيةً لبناء النفوذ.

بهذا المعنى صارت الوظيفة العامة علاقةً بين جماعةٍ ونصيبها من الدولة. ولذلك تضخمت كشوف المرتبات حتى حين كانت المدارس تعاني من سوء توزيع المعلمين، والمستشفيات تعاني من نقص المستلزمات، والمؤسسات العامة تعاني من موظفين لا يحضرون أو لا يملكون عملاً واضحاً. يقول لاخر إنه في الأعوام الأولى بعد سقوط النظام حدث اقتحام القطاع العام من ثلاثة أبوابٍ رئيسة. 

الباب الأول كان باب التعيينات السياسية داخل الوزارات. فبعد 2011 تعاقبت حكوماتٌ قصيرة العمر، وجاء وزراء ونواب وزراءٍ يحمل كلّ واحدٍ منهم شبكةً سياسيةً واجتماعيةً ومناطقية. ولم تكن الوزارات حينئذٍ مؤسساتٍ مستقرةً تعمل بمنطقٍ إداريٍ واحد، بل تحولت إلى تجميعاتٍ من شبكاتٍ متنافسة. الوزير يمثل طرفاً ونائبه يمثل طرفاً آخر، ومدير الإدارة باقٍ من المرحلة السابقة أو مرتبطٌ بشبكةٍ ثالثةٍ، والموظفون الجدد يدخلون عبر خطوط ولاءٍ مختلفة. لذلك أصبح التوظيف داخل الوزارة أداةً لبناء موقعٍ سياسيٍ سريعٍ قبل تغير الحكومة أو سقوط الوزير.

أما الباب الثاني فجاء من الجماعات المسلحة التي تولت "تأمين" مؤسسات الدولة، ثم حولت التأمين إلى نفوذٍ إداري. مثال ذلك جماعةٌ مسلحةٌ سيطرت سنة 2011 على مقر الشركة الوطنية للاستثمار في طرابلس، وهي مؤسسةٌ تملك أصولاً كبيرة. وقد ضغطت الجماعة على الإدارة لتوظيف خمسة عشر شخصاً، وبعد ذلك بدأ هؤلاء يقررون من يبقى ومن يغادر. ويذكر الكاتب أيضاً جماعةً أخرى كانت تتقاسم مع الأولى النفوذ، وسيطرت سنة 2012 على برج طرابلس، وسط العاصمة، ومكاتب المؤسسة الليبية للاستثمار، ونجحت في إدراج عددٍ من أفرادها على كشوف مرتبات المؤسسة. ويوضح أن الجماعات التي حاصرت وزارتي العدل والخارجية سنة 2013 ورفعت شعار العزل السياسي، بغرض الضغط على المؤتمر الوطني لإصدار قانونٍ يمنع الشخصيات التي عملت مع القذافي من تقلد أيّ منصبٍ، واصلت الضغط حتى حققت أهدافاً أخرى مثل إبعاد أشخاصٍ من داخل الوزارات وإدخال محسوبين عليها. 

الباب الثالث شمل الاحتجاجات والإغلاقات المحلية بقيادة بعض القبائل، خاصةً في قطاع النفط. فمثلاً في الزويتينة في منطقة الهلال النفطي الليبي حيث تقع منشآتٌ نفطيةٌ حيويةٌ، انتهى احتجاج سنة 2013 بوعدٍ حكوميٍ بتوظيف أربعمئةٍ وأربعين شخصاً في مؤسساتٍ عامةٍ داخل الميناء. وقد شجع ذلك جماعاتٍ أخرى على تكرار الأسلوب نفسه مع رفع سقف المطالب ودخول السلاح على خط الضغط.

لكن التوسع في الوظيفة العامة لم يبقَ مرتبطاً فقط بالفوضى المسلحة الأولى، بل صار مع الوقت جزءاً من طريقة عمل الإدارة المدنية نفسها. هنا يوضح لاخر أن كثيراً من آليات التوظيف بعد 2011 تشبه ما كان قائماً في عهد القذافي، لكنها تعمل الآن بلا ضابطٍ مركزي. يطلب المسؤول المحلي، مثل مراقب التعليم أو مدير الخدمات الصحية في منطقةٍ ما، الإذن من الوزارة في طرابلس لتعيين عددٍ محددٍ من الموظفين. يوافق الوزير أو نائب الوزير، لكنه يرسل معه أسماءً يريد إدراجها. ومن ثم يضع المسؤول المحلي هذه الأسماء في القائمة، ثم يضيف إليها أسماءً أخرى من أقاربه ومعارفه ومن والاه، أو أسماء أشخاصٍ دفعوا مَبالغ للحصول على الوظيفة، أو أسماءً جاءت عبر ضغطٍ اجتماعيٍ ومحلي.

وهو النمط الذي رصده أيضاً وولفرام. إذ يبين في فصله "قطاع عام بلا دولة" أنّ إضافة موافقة وزارة العمل إلى إجراءات التعيين ابتداءً من سنة 2019، أضافت طبقةً جديدةً من المساومة. وذلك لأن مسؤولي وزارة العمل أنفسهم صاروا قادرين على إدخال محسوبين عليهم مقابل تمرير القوائم. 

بهذه الطريقة أصبحت الوظيفة العامة نتيجة تفاوضٍ بين مستوياتٍ متداخلةٍ من المنتفعين. لذلك تظهر الأرقام الواردة في تقرير هيئة الرقابة، بخصوص تضخم عدد المعيّنين في الوظيفة العامة، وكأنها توسعٌ في الخدمة، في حين تكشف التفاصيل أنها توسعٌ في القدرة على إدخال أسماءٍ إلى الخزانة العامة. مثال ذلك حادثة وزير التعليم السابق في حكومة الوفاق الوطني عثمان عبدالجليل سنة 2019. فقد حاول حذف مئةٍ وثلاثةٍ وخمسين ألف اسمٍ من كشوف وزارة التعليم، لأنهم لا يعملون ولا يدخلون ضمن احتياطي المعلمين وليس لهم أماكن عملٍ فعليةٌ، وكان بعضهم وهمياً أو متوفى. لكن ديوان المحاسبة علّق قراراته، فاستقال الوزير.

وتنسجم هذه الحادثة مع ما يطرحه الاقتصادي المصري حازم ببلاوي في مقالته "ذا رينتيير ستيت إن ذي آراب وورلد" (الدولة الريعية في العالم العربي) المنشورة سنة 1987. وهو أن الدول المعتمدة على الإيرادات الريعية تميل إلى استخدام التوظيف العام والتحويلات المالية أدواتٍ لإعادة توزيع الموارد واحتواء المطالب الاجتماعية. وهو ما أشار له أيضاً ديرك فانديفال بأن الوظيفة العامة في ليبيا تجاوزت منذ عقودٍ دورها الإداري المباشر لتصبح إحدى القنوات الرئيسة التي تنتقل عبرها العائدات النفطية إلى المجتمع. وبهذا لا يعود حذف الأسماء من كشوف المرتبات أو تقليص التوظيف مسألةً إداريةً فحسب، بل مساساً بشبكاتٍ واسعةٍ من المصالح والاعتمادات الاجتماعية المتراكمة. وهو ما صار أكثر تراكماً بعد 2011. 

وتكشف أمثلة لاخر في قطاعي الصحة والتعليم العالي أن الدولة الليبية بعد 2011 خلقت عمداً مؤسساتٍ جديدةً تستوعب مزيداً من الموظفين والعقود. ففي سنة 2012 كان في ليبيا ثلاثةٌ وعشرون مستشفىً عاماً، وبحلول سنة 2017 ارتفع العدد إلى سبعين مستشفىً، مع عشرات المرافق الأخرى التي كانت في طريقها إلى الترقية إلى وضع مستشفى. وتضاعف عدد الجامعات العامة من ثلاث عشرة جامعةً سنة 2014 إلى ستٍّ وعشرين جامعةً سنة 2021. يتوسع لاخر في توضيح الأثر الاجتماعي لهذا التحول وكيف تغيرت قيمة الوظيفة العامة. فقبل 2011 كانت رواتب معظم موظفي الدولة متآكلةً، وكان كثيرون يكملون دخلهم من أعمالٍ جانبيةٍ في القطاع الخاص أو في السوق غير الرسمية. أما بعد الثورة فتحسنت بعض الرواتب في البداية نتيجة القرارات التي اتخذها القذافي في أيامه الأخيرة، لكن التضخم وتدهور سعر الصرف لاحقاً خفّضا القدرة الشرائية بشدة. 

يضيف الكاتب أن راتب المعلم الذي بلغ نحو ثمانمئة دينار سنة 2019 كان يعادل تقريباً مئة وثمانين دولاراً فقط وقتئذ. وللمقارنة، ففي سنة 2010 كان الدولار يساوي نحو 1.27 ديناراً، أي أن راتباً مقداره ثمانمئة دينار كان يعادل أكثر من ستمئةٍ وثلاثين دولاراً. ومع ذلك لم تفقد الوظيفة العامة جاذبيتها، والسبب أن المرتب الحكومي حتى عندما يكون ضعيفاً فإنه يوفر أماناً وظيفياً ورقماً مالياً وضماناً اجتماعياً وعلاواتٍ عائليةً وموقعاً داخل الدولة يمكن استخدامه لاحقاً في الانتداب أو السفر أو اللجان أو الحصول على قروضٍ أو تسهيلات. 

وعلى هذا التدهور، يبقى العنصر الأخطر دخول العنف اللامركزي في تفاصيل الإدارة اليومية. فقد دخلت الجماعات المسلحة في قلب الدولة بالتوظيف والحراسة والتأمين والاعتمادات والعقود وتسوية النزاعات. وأحياناً تفرض الجماعة المسلحة تعيين أفرادها مباشرةً، وأخرى تزرع حلفاء داخل المؤسسة، ومن الممكن أن تتحول إلى حَكَمٍ بين موظفين متخاصمين أو مديرين متنافسين أو مقاولين يريدون تحصيل مستحقاتهم. ويذكر لاخر في نصه حالة موظفةٍ في عيادةٍ بطرابلس استعانت بعضوين من جماعةٍ مسلحةٍ لضرب زميلتها أمام العيادة حتى توقفت عن الحضور إلى العمل. ويذكر أيضاً محاولاتٍ متكررةً من رؤساء مؤسساتٍ وشركاتٍ عامةٍ متنافسين، للاستيلاء على مكاتبهم بمساعدة جماعاتٍ مسلحة.

وفي مستوىً أعلى، أصبحت بعض المواقع المالية الحساسة مرتبطةً بنفوذ مجموعاتٍ مسلحةٍ قويةٍ، مثل إدارة الميزانية في وزارة المالية خلال أعوام حكومة الوفاق بين 2016 و2021 وحكومة الوحدة الوطنية منذ 2021 وحتى لحظة كتابة المقالة. إذ ارتبط بعض مديريها بقادة مجموعاتٍ مسلحةٍ في طرابلس. وفي الشرق اتخذ المسار شكلاً آخر مع اندفاع خليفة حفتر وعائلته نحو السيطرة المركزية على الشركات والمصارف والمؤسسات، حتى صار كثيرٌ من المديرين التنفيذيين والمسؤولين إما جزءاً من شبكات حفتر أو مرشحين من قبلها. 

في الحالتين لم تعد الإدارة العامة تعمل وفق القوانين واللوائح، بل وفق ميزان القوة. من يملك السلاح يستطيع حماية مديرٍ أو إسقاط مسؤولٍ أو تمرير عقدٍ، أو إجبار مؤسسةٍ على الدفع أو فرض أسماءٍ في كشوف المرتبات. ولذلك أصبح فساد الوظيفة العامة بعد 2011 أكثر تعقيداً من فسادٍ إداريٍ عاديٍ، إنّما فساداً تحرسه شبكاتٌ اجتماعيةٌ، وتغذيه حاجةٌ اقتصاديةٌ، وتدعمه قوةٌ مسلحةٌ، وتبرّره ثقافةٌ واسعةٌ ترى الدولة غنيمةً ينبغي الحصول على نصيبٍ منها.


على ما تكشفه الرواية الشعبية عن "الفرس التي تتقاضى مرتباً"، وما كشفه الواقع الفعلي عن الفساد في ميزانية المرتبات، لعله يصعب التعامل مع أزمة الوظيفة العامة في ليبيا مشكلةً تقنيةً في قاعدة بياناتٍ أو ازدواجاً وظيفياً أو ضعف ربطٍ بين المنظومات. الرقم الوطني كشف عن مئات الآلاف من الحالات، ومؤخراً فإن خدمة "راتبك لحظي" التي أطلقها مصرف ليبيا المركزي في سبتمبر 2025 لربط منظومة وزارة المالية مباشرةً بالحساب المصرفي للموظف دون وسيطٍ، تكشف اليوم عن شبكةٍ من الفساد في الحلقة الوسيطة بين وزارة المالية والجهات العامة. وعلى ما يبدو فكل مبادرةٍ تقنيةٍ لحل الأزمة تكشف عن طبقةٍ من المشكلة ولا تقتلع جذورها.

فما دام التوظيف يؤدي وظيفةً سياسيةً للترضية، ووظيفةً اجتماعيةً لتوزيع الريع، ووظيفةً أمنيةً لشراء الهدوء، ووظيفةً لبناء الولاءات، فستعود المشكلة من بابٍ آخر. فليبيا لم تنتج قطاعاً عاماً متضخماً فقط، بل أنتجت ثقافةً ريعيةً كاملةً ثم أطلقتها في بيئةٍ بلا مركزٍ ضابط. وفي هذه البيئة تحولت الوظيفة العامة من أداة حكمٍ سلطويٍ مركزيٍ في زمن القذافي إلى أداة تقاسمٍ لا مركزيةٍ للدولة بعد سقوطه. لذلك لا يبدأ الإصلاح الحقيقي من تنظيف كشف المرتبات وحده، ولكن من إعادة تعريف العلاقة بين الدولة والمواطن. هل الدولة ربّ عملٍ أخيرٌ وموزعٌ دائمٌ للريع، أم مؤسسةٌ عامةٌ محدودةٌ بضوابط، تقدم الخدمة وتحمي المال العام وتمنع تحويل الوظيفة إلى غنيمة.

اشترك في نشرتنا البريدية