تركيا والعالم العربي.. بين العثمانية الجديدة والمصير المشترك

منذ اندلاع الثورة العربية الكبرى بداية القرن العشرين، سادت خلافات واتحادات العلاقات التركية العربية، لتوضح مدى تشابك مصير شعوب ودول المنطقة.

Share
تركيا والعالم العربي.. بين العثمانية الجديدة والمصير المشترك
العرب وتركيا.. جدل السلطة والذاكرة في زمن إعادة تشكيل الإقليم | تصميم خاص بالفراتس

كانت المدينة المنوّرة فجر 10 يناير 1919 تتهيأ لوداع آخر وجودٍ عثماني على أرض العرب، لتطوَى بذلك صفحة امتدَّت أربعةَ قرونٍ من الحكم العثماني. كان الجنود العثمانيون المنهكون يلملمون ما تبقّى من متاعهم في أزقة المدينة العتيقة، بعد حصارٍ خانقٍ استمر أكثر من عامين أنهك البشر والحجر. يتقدّم الجنودَ القائد عمر فخر الدين ترك قان، المعروف بلقبي "فخري باشا" و"نمر الصحراء"، إذ تمسّك منذ صيف 1916 بأسوار المدينة في وجه قوات الثورة العربية الكبرى بقيادة الشريف حسين بن علي، التي دعمتها بريطانيا بالمال والسلاح. بعد ثلاثة أيام، دخلت القوات الحجازية والإنجليزية إلى المدينة واقتيد فخري باشا أسيراً إلى جزيرة مالطا.
من هنا بدأ فصلٌ جديدٌ من تاريخ المنطقة حمل معه جدلاً عن إرث العثمانيين ومعنى رحيلهم. وبهذا لم يكن سقوط المدينة المنوَّرة حدثاً عسكرياً فحسب، بل مرآةً للصورة المعقّدة للعلاقة بين العرب والعثمانيين. فالقوميون العرب رأوا فيه انتصاراً يطهّر الحجاز مما اعتبروه احتلالاً تركياً، بينما رآه الإسلاميون صفحة بطولة في سجل الخلافة وهي تدافع في أيامها الأخيرة عن مدينة الرسول.
هذا التباين في الذاكرة الجمعية أسهم في بقاء الانقسام العربي حول الإرث العثماني حيّاً عقوداً طويلة بعد سقوط الدولة العثمانية. ويبدو أنه كلما خطت تركيا خطوة في الفضاء العربي، انبعثت من الذاكرة أصداء الماضي لتثقل الحاضر. فمثلاً عادت صورة فخري باشا لتشعل جدلاً دبلوماسياً بين تركيا والإمارات سنة 2017 حين اتّهم وزير خارجية الإمارات عبد الله بن زايد، في تغريدة على موقع إكس (تويتر سابقاً)، القائد العثماني بسرقة مخطوطات أهل المدينة وأموالهم. فردّ الرئيس التركي رجب طيب أردوغان مدافعاً عنه بطلاً حمى المقدَّسات من الغزاة. لاحقاً وفي يناير 2018، غيّر الأتراك اسم الشارع الذي تقع فيه السفارة الإماراتية إلى "شارع فخري باشا".
في بداية الألفية انفتحتْ تركيا على جوارها العربي متبنية سياسة "صفر مشاكل"، فاستقبلها كثيرون كما لو أنّ الأخ الأكبر قد عاد إلى بيته الطبيعي، حاملاً وعود الشراكة والتكامل. لكن رياح الربيع العربي وما تلاها بدّدت دفء المشهد، وأعادت إلى الواجهة تهم "العثمانية الجديدة" ورواسب الشك في النوايا، لتتشكل صورة منقسمة تتأرجح بين الاحتفاء والحذر أو العداوة. واليوم يرى أنصار تركيا أنّها شريكٌ يشدّه بالعرب نسيجٌ من الدين والتاريخ واللغة. أما خصومها فيرونها وريثة مشروع توسعي قديم أعيد ترميمه في ثوب معاصر، تدل عليه قواعد تركيا في قطر والصومال. وكذلك انتشار قواتها في شمال سوريا وتدخّلها العسكري في الحرب الأهلية الليبية سنة 2019 ودعمها حركاتِ الإسلام السياسي، في ما يعتبرونه محاولة لإحياء نفوذ عثماني على حساب السيادة العربية.


شكّل سقوط الحكم العثماني مطلع القرن العشرين انعطافةً كبرى دفعت النخب الفكرية والسياسية العربية إلى إعادة صياغة تاريخ المنطقة وتحديد موقع العرب في مسارها الحديث. فقد انتقلتْ البلاد العربية منذ بداية العقد الثاني من القرن العشرين، من الشام ومصر والعراق وشبه الجزيرة العربية، من سيطرة العثمانيين إلى الانتدابيْن البريطاني والفرنسي. وقد سبق ذلك سنة 1912 تخلِّي تركيا عن ليبيا بعد معاهدة أوشي لوزان لصالحِ الإيطاليين. فبرزت رواية قومية تُحمّل العثمانيين مسؤولية التخلف والانحطاط الذي عاشته المجتمعات العربية.
يوضح المؤرخ الفلسطيني بشير نافع في دراسته "ذا آربس أند موديرن تركي" (العرب وتركيا الحديثة) المنشورة سنة 2009، أن أدبيات الحركة القومية العربية المبكرة جعلت كلمتي "العثماني" و "التركي" مرادفتيْن للدلالة على المحتل الأجنبي في خطابها. فأصبح الشريف حسين بن علي وقادة الثورة العربية الكبرى منذ 1916 أبطالاً قوميين انتفضوا في وجه سياسة التتريك والاضطهاد التي انتهجتها حكومة جمعية الاتحاد والترقي، التي أصبحت سلطة حاكمة في الدولة العثمانية مطلع القرن العشرين. إذ تبنّت الجمعية سياسات قومية تركية صارمة أثناء الحرب العالمية الأولى، أسهمت في ترسيخ رواية الثورة العربية "حربَ استقلال عربية" ضد ما عُدّ استعماراً تركياً.
لكن دراسة نافع نفسها تشير إلى أنّ هذه الصورة للعهد العثماني لم تكن محلَّ إجماع عربي مطلق. فخلافاً للأوساط القومية العربية التي هيمنت على معظم الخطاب في القرن العشرين، عبّرت قوى إسلامية عربية منها جماعة الإخوان المسلمين وحزب التحرير الإسلامي، الذي تأسس سنة 1953، عن ارتباط وثيق بذكرى الخلافة العثمانية. ويرى نافع أن كثيراً من هذا الارتباط كان انعكاساً لحنينٍ ديني ورمزيةً روحيةً للخلافة أكثر من كونه قراءةً تاريخيةً معمقةً أو فهماً دقيقاً لتجربة الحكم العثماني.
وبعيداً عن الارتباط الديني، نظر كثيرٌ من القوميين إلى نهاية الحقبة العثمانية على أنها شرطٌ لدخولِ العرب عصر النهضة السياسية وتأسيس الدول القومية المستقلة. وروّج قادة الحركات الاستقلالية، وعلى رأسهم الشريف حسين بن علي، لصورة الحكم العثماني "طغياناً أجنبياً" معادياً العربَ والإسلامَ، ممهّدين بذلك لتبرير الانفصال عن الدولة العثمانية.
ارتكزت هذه الرواية على وقائع حُفرت في الذاكرة الجمعية ظهرت فيها الدولة العثمانية كياناً مستبداً تجاه العرب. من هذه الوقائع مجاعة جبل لبنان بين سنتي 1915 و1918 التي أودت بحياة عشراتِ الآلاف. ومع أنّ المجاعة ارتبطت بعوامل متشابكة من حصار قوات الحلفاء السواحلَ الشرقية للمتوسط واجتياح أسراب الجراد المحاصيلَ الزراعية، إلا أنّ السياسات العثمانية أسهمت في تفاقمها. فقد فرضت حكومة الاتحاد والترقي إجراءات مشددة على حركة الغذاء بين الولايات العثمانية، وصادرت الحبوب والماشية لدعم المجهود الحربي، وتجاهلت تحذيرات محلية ودولية بشأن الأزمة.
وزيادةً على المجاعة، ترسخت كذلك ذكرى حملاتِ الإعدامات التي نفّذها الوالي العثماني جمال باشا الملقب بالسفاح في دمشق وبيروت بحق قادة الحركة القومية العربية بين 1915 و 1916. أبرزها إعدام واحد وعشرين وطنياً يوم السادس من مايو 1916 بعد اتهامهم بالتخابر مع البريطانيين والفرنسيين. خُلّد ذلك في الذاكرة السورية واللبنانية بعيد الشهداء (6 أيار)، احتفاءً بمن اعتُروا ضحايا الاستبداد العثماني.
يقول بير وين الباحث في التاريخ بجامعة ميريلاند الأمريكية في مقالته بعنوان "آرب هيستوريغرافي" (التأريخ العربي) المنشورة سنة 2025، إنَّه "كان من المهم بالنسبة للقوميين العرب أن يُقدِّموا انهيار الإمبراطورية نتيجةً للتنافر الجوهري بين التطلعات القومية المتنافسة للعرب والأتراك، على تقديمه نتيجة عرضيَّة لحربٍ وقعت بالمصادفة". ومع صعود التيارات القومية الكبرى مثل حزب البعث بفرعيه السوري والعراقي وصعود الناصرية في مصر، تعمَّقت هذه النظرة لترَسِّخَ فكرة "الاستعمار العثماني" في الوعي التاريخي العربي.


نشأ حزب البعث في أربعينيات القرن العشرين في سوريا على يد مفكرين قوميين، أبرزهم السوري ميشيل عفلق ورئيس الوزراء السوري السابق صلاح الدين البيطار. حرص الحزب منذ انطلاقته على تقديم نفسه امتداداً طبيعياً للحركة القومية العربية التي اعتبر أنها خاضت نضالاً ممتداً ضد الحكم العثماني ثم الاستعمار الغربي.
ويشير يحيى العريضي العميد السابق لكلية الإعلام بجامعة دمشق في مقال بعنوان "ذكرى البعث في مملكة الخوف" المنشور سنة 2021 على موقع القناة الثانية السورية، إلى أن أدبيات حزب البعث الأولى وخطابات مؤسِّسِيه كانت تنطلق من تصور تاريخي مفاده أن العرب خرجوا لتوهم من احتلال عثماني مديد وفرنسي قصير. هذا التعبير يعكس إدراك البعثيين الفارقَ الزمني بين حكم عثماني امتد قروناً طويلة، واستعمار غربي لاحق كان أقصر نسبياً، لكنه في نظرهم استمرار لنفس مسار الهيمنة الأجنبية.
وكذا تحتفي أدبيات البعث برموز المقاومة العربية في أواخر العهد العثماني، معتبرةً إياهم الطليعة الأولى للوعي القومي. فتُبرِز على سبيل المثال الثوار العرب الذين قاتلوا إلى جانب الشريف حسين في الحجاز، أو ثوار بلاد الشام الذين تحدَّوا حملة جمال باشا أثناء الحرب العالمية الأولى. وقدّم الخطاب البعثي هذه الحركات على أنها إرهاصات مبكرة للوعي القومي العربي، وهي المهمة التي رأى الحزب أنه ورثها وحمل مشعلها في العصر الحديث.
مع استيلاء البعثيين على السلطة في سوريا والعراق في الستينيات، تسلّل خطابهم التاريخي إلى قلب المناهج التعليمية وخطاب الدولة ليصبح جزءاً من أدوات تشكيل الوعي العام. جعل الحزب من تلك القراءة للتاريخ العثماني حجر الأساس في بنيته العقائدية، خصوصاً في مؤسساته التربوية والإعلامية.
في سوريا، حسب ما يوضّح الكاتب السوري رستم محمود في مقالته "التأريخ العثماني والعلاقات الوطنية السورية" المنشور سنة 2015 على موقع الجمهورية، لم تترك نصوص كتب التاريخ عبر مختلف المراحل الدراسية طوال عقود حكم البعث للطالبِ مساحةً لتخيّل الحقبة العثمانية خارج إطار الرواية القومية الرسمية. ويتناول كتاب "النظام التربوي والتعليمي في العراق: ثنائية التبعيث والعسكرة" الصادر عن الدائرة الإعلامية في هيئة المساءلة والعدالة العراقية سنة 2013 كيف أن حزب البعث بعد توليه السلطة في العراق أعاد صياغة المناهج التعليمية بحيث تناسب توجهاته القومية، بما بدا هويةً مقابلة للهويات السابقة من العثمانيين للإنجليز.
اتخذت العلاقة مع الإرث العثماني مساراً مختلفاً نسبياً في مصر. إذ انفصلت البلاد فعلياً عن مركز الحكم العثماني مع صعود محمد علي باشا في مطلع القرن التاسع عشر، قبل أن تقع تحت الاحتلال البريطاني سنة 1882. ومع ذلك تبنى جمال عبد الناصر منذ الخمسينيات رؤية نقدية للمرحلة العثمانية، لأنها جزءٌ من سلسلة السيطرة الأجنبية التي واجهها العرب.
شكّلت حقبة عبد الناصر السياسية أبرز تجسيد للمد القومي العربي في النصف الثاني من القرن العشرين. ومع أنه لم يجعل من الهجوم المباشر على العثمانيين محوراً في خطاباته الجماهيرية، لانشغاله بالصراع مع بريطانيا وفرنسا ثم إسرائيل، إلا أنّه أدرج الحقبة العثمانية ضمنياً في إطار واحد مع الاستعمار الأوروبي وعدها مراحلَ متعاقبة من الهيمنة على العالم العربي.
ويتجلى هذا الموقف في الميثاق الوطني الصادر سنة 1962، إذ طُرحت فكرة الوحدة العربية تصحيحاً لمسارٍ تاريخي من التبعية للعثمانين والأوروبيين. وقد وصَفَ الميثاق العهد العثماني صراحة بأنه غزو أجنبي شبيه بالاستعمار الأوروبي الذي تلاه، واعتبر أن الخلافة العثمانية لم تكن سوى أداة للهيمنة السياسية استُخدم فيها الدين لربط العرب بسلطة مركزية تركية..


في الوقت الذي كانت فيه الذاكرة العربية تتبلور حول قراءة قومية ناقدة للعهد العثماني، كانت الجمهورية التركية الناشئة ترسم روايتها الخاصة عن ماضي السلطنة وعلاقتها بالعالم العربي.
نظر مصطفى كمال أتاتورك ومن سار في معيته إلى العهد العثماني المتأخر حقبةَ تراجع وانحطاط أخفقت فيها الدولة في مواكبة ركب الحداثة، ما استدعى بحسب الخطاب الرسمي ثورة تحديثية قادها أتاتورك. انطلق المشروع الكمالي من رؤية قومية علمانية ترى أن الخلاص من الإرث العثماني المتعدّد القوميات شرطٌ لولادة أمة تركية حديثة، ولذا أعيد تعريف الجذور الوطنية بالعودة إلى حضارات ما قبل الإسلام في الأناضول. استلهمتْ من أجل ذلك رموزَ حضارات قديمة لتعزيز روح القومية التركية الحديثة، مثل الحيثيين، الشعب الأناضولي الذي أسس إمبراطورية عاصمتها خاتوشا في شمال وسط الأناضول سنة 1600 قبل الميلاد.
يعدُ كتاب عفت إينان، المؤرخة التركية "تورك تاريهن أنا هاتلاري" (الخطوط العريضة للتاريخ التركي) المنشور سنة 1930، بمثابة النص التأسيسي لأطروحة التاريخ التركي. فهو منظومة فكرية تعليمية صيغت أواخر العشرينيات وبدايات الثلاثينيات لإبراز دور الأتراك في الحضارة ما قبل العثمانية والإسلام. تقول عفّت إن المشروع الجمهوري أعاد وصل الهوية التركية بجذور ما قبل العثمانية عبر إحياء حضارات الأناضول القديمة وإسناد دور ريادي للأتراك في تاريخ الحضارة.
وقد كُلِّفت لجنة "دراسة التاريخ التركي" سنة 1930 بتوجيه مباشر من مصطفى كمال بوضع هذا المتن. وتذكر إينان أن جدول أعمال اللجنة الذي أبلغه مصطفى كمال لها شخصياً كان التحقيق في التاريخ التركي القديم وما قبل العثماني، وإبراز إسهام الأتراك التأسيسي في الحضارة الإنسانية.
وبهذا انقسم الماضي في الرواية التاريخية الكماليّة عن العهد العثماني إلى صورتين متناقضتين. الأولى ذهبية في ظل السلاطين الأقوياء، حين كان الامتداد الإسلامي متكاملاً مع الإرث الأناضولي وآسيا الوسطى. والثانية عهد انحطاط في القرون المتأخرة، عندما طغى الضعف والفساد على الدولة. وقد عبّر أتاتورك في خطبه الأولى عن هذه الرؤية، معتبراً أن الانحدار العثماني بدأ "منذ اللحظة التي انقطعت فيها روابطه بالأمم الأوروبية"، وهو على حد قوله خطأ تاريخي لن يسمح للجمهورية التركية بتكراره.
ضمن هذا الإطار القومي، أعاد الخطاب الرسمي للجمهورية التركية المبكرة تأويل وقائع الحرب العالمية الأولى ومسار تفكك الدولة العثمانية، مُحمّلاً الثورة العربية الكبرى دلالات عدائية. في بحث بعنوان "أراب إيميج إن توركي" (صورة العرب في تركيا) للباحث التركي طالِب كوتشوك جان سنة 2010، صُوِّر الحراك العربي في الخطاب القومي التركي خيانةً للقضية العثمانية. وتبلور مصطلح "الطعنة في الظهر" لوصف تحالف بعض الزعماء العرب مع قوى الحلفاء، وهو توصيف ترسّخ في الذاكرة الشعبية التركية عقوداً.
استثمر أتاتورك هذه الفجوة النفسية والسياسية في خطاباته، مؤكداً أن بناء الدولة القومية الحديثة يقتضي قطيعة تامة مع العرب المسلمين. وأكد أن المشروع الوطني التركي يستلزم ترك الجوار العربي نهائياً والتركيز على توجيه البوصلة السياسية والثقافية نحو الغرب.


وجدت كل من تركيا والعالم العربي نفسيهما أمام تحديات متباينة في إعادة ترتيب أوضاعهما السياسية والإقليمية بعد الحرب العالمية الثانية. يشير أحمد جاسم الشمري، مدير تحرير مجلة مركز بابل للدراسات الإنسانية، في دراسته بعنوان "الأهمية الاستراتيجية لتركيا" المنشورة سنة 2024، إلى أن ملامح التصادم بين تركيا والعرب، بدأت بعد أن اصطفّت تركيا مع الغرب ضد الاتحاد السوفيتي، فيما تبنّت الدول العربية سياسة عدم الانحياز في الخمسينيات. وحسب الشمري، فإن تركيا ربطت نجاح تحالفها مع الغرب بقدرتها على مواجهة المد القومي العربي، فانضمتْ إلى مشاريع مناوئة للعرب مثل اعترافها بإسرائيل سنة 1949، وباتت عضواً في حلف بغداد (الذي ضم بريطانيا والعراق وباكستان وإيران) سنة 1955، وانخرطت في مبادرات أمريكية لمواجهة ما سمّيت "الأنشطة التخريبية في الشرق الأوسط". هذا عدا عن مواقفها المعادية للوحدة بين سوريا ومصر وللثورة الجزائرية ضد الاستعمار الفرنسي سنة 1958.
يقول الشمري إنّ هذه السياسة لم تدم طويلاً. إذ بدأت التحولات العربية بعد ثورة العراق سنة 1958 والتي أنهت الحكم الملكي بانقلاب عسكري قُتل فيه الملك فيصل، ثم خروج العراق من حلف بغداد وتراجع النفوذ الاستعماري، في إعادة تشكيل موازين القوى. ودفعت أزمات تركيا المتراكمة مع اليونان منذ عقود إلى إعادة تقييم حساباتها الإقليمية، فيما ساهم انحسار المدِّ القومي العربي في تهدئة مخاوف تركيا. وقد عبّر رئيس الوزراء التركي سليمان ديميريل سنة 1965 عن رغبة تركيا في "إقامة صداقة حقيقية مع الأقطار العربية".
ومثلت حرب يونيو 1967 بين العرب وإسرائيل نقطة فاصلة. فبعد أن كانت تركيا من أوائل الدول المعترفة بإسرائيل، تغير موقفها بدعمها العرب في مواجهة العدوان الإسرائيلي وعدت القضية الفلسطينية قضية شعب يجب أن تتضافر الجهود لاستعادة حقوقه.
تواصل هذا النهج في حرب أكتوبر 1973 بين مصر وإسرائيل، ما أسهم في ترسيخ ما وصفه الشمري بالفترة الذهبية للعلاقات العربية التركية في السبعينيات حين ارتفع مستوى التعاون الاقتصادي والسياسي بين الطرفين.
ولم يكن الظرف السياسي وحده الذي جعل تركيا تعيد مساءلة علاقتها مع العرب. فبدءاً من الثمانينيات، شهدت الدراسات التاريخية تحولاً نحو نهج أكثر انفتاحاً ومهنية في تناول الحقبة العثمانية المشتركة. اتجه المؤرخون إلى دمج تاريخ الولايات العربية ضمن التاريخ العام للدولة العثمانية، بعيداً عن التهميش الذي ساد في الكتابات القومية السابقة.
يشير المؤرخ السوري محمد جمال باروت في كتابه "العلاقات العربية التركية" المنشور سنة 2023، إلى أن النزعة العالمية لفتح الأرشيفات الوطنية، بما في ذلك الأرشيف العثماني الضخم الذي أُتيح تدريجياً منذ الثمانينيات، أتاح الوصول إلى وثائق لم يطّلع عليها المؤرخون السابقون. فالحقائق التي كشفتها هذه الوثائق فتحت المجال أمام تحليلات جديدة وأنماط تفكير مختلفة، ما مكّن من إعادة صياغة الروايات التاريخية وسد ثغراتها المعرفية والتحليلية. توسعت المصادر المعتمدة في دراسة التاريخ العثماني. إذ لم تعد تقتصر على السجلات الرسمية، بل شملت مراسلات الدبلوماسيين وكتابات الروائيين ومذكرات الرحالة وأعمال المستشرقين، إلى جانب مجلدات نادرة أصبحت متاحة بفضل جهود الرقمنة.
لم يكن جهد الرقمنة وحده الفاعل في إعادةِ دراسة التاريخ العثماني، فقد أسهم جيل جديد من المؤرخين الأتراك في إحداث نقلة نوعية في المجال. ويشير عبد الرحيم بنحادة، أستاذ التاريخ في معهد الدوحة للدراسات العليا، في كتابه "إستوغرافيّات تركية" المنشور سنة 2022، إلى أن المرحلة التي أعقبت عهد أتاتورك شهدت تحولاً كبيراً في الكتابة التاريخية. فبعد رحيل أتاتورك سنة 1938 عادت الدراسات العثمانية إلى البحثِ التاريخي. ويرجع بذلك الفضل إلى الدور البارز للمؤرخ والسياسي التركي محمد فؤاد كوبرولو، الذي أسهم في تكوين جيل من الباحثين اعتمد أساليب بحث علمية وموضوعية مبتعداً عن التوجهات العقائدية الصارمة التي وسمت مرحلة التأسيس الجمهوري، ما أتاح قراءة أكثر توازناً وعمقاً للماضي العثماني.


مع وصول حزب العدالة والتنمية بقيادة رجب طيب أردوغان إلى الحكم سنة 2002، برزت ملامح تحوّل جوهري في السياسة الخارجية التركية. فبعد عقود من الانكفاء على الداخل والانخراط المحدود في الشرق الأوسط، بدأ صانعو القرار في تركيا يتبنون مقاربة جديدة قوامها إعادة وصل تركيا بعمقها التاريخي والجغرافي العربي والإسلامي. تعود جذور هذه الرؤية إلى كتاب أحمد داوود أوغلو، رئيس الوزراء التركي السابق، بعنوان "العمق الاستراتيجي" المنشور سنة 2001 وترجمه مركز الجزيرة للدراسات سنة 2010، الذي عُدّ بمثابة البيان الفكري للمشروع الخارجي الجديد.
يرى داوود أوغلو أن قوة الدولة في النظام الدولي لا تستند فقط إلى اقتصادها أو جيشها، بل إلى موقعها الجغرافي الاستراتيجي وعمقها التاريخي. وذكر أوغلو في كتابه أن تركيا ليست بلداً طرفياً كما اعتُبرت طيلة الحرب الباردة منذ الخمسينيات، بل دولة مركزية قادرة على التأثير في دوائر متعددة تمتد من البلقان إلى الشرق الأوسط ومن القوقاز إلى آسيا الوسطى.
لكن في تركيا من يرى أنّ ربط الانفتاح التركي على العالم العربي بولادة حزب العدالة والتنمية ربما لا يكون دقيقاً. يشير ضياء أونيش، أستاذ العلاقات الدولية في جامعة كوتش بإسطنبول، في دراسته بعنوان "مَلتِبِل فيزِز أوف ذا نيو تُركِش فورين بولِسي" (المراحل المتعددة للسياسة الخارجية التركية الجديدة)، المنشورة سنة 2010، إلى أن ملامح هذا التوجّه يمكن تتبّعها منذ فترة ما بعد الحرب الباردة، وتحديداً مع رئاسة تورغوت أوزال للجمهورية التركية في أوائل التسعينيات. فقد برزت آنذاك محاولات أولية لإضفاء طابع أكثر حيوية وتعدداً على السياسة الخارجية التركية.
يرى أونيش أنّ إسماعيل جيم، وزير الخارجية التركي في حكومة الائتلاف بين سنتي 1999 و2002، تبنّى بالفعل سياسة خارجية نشطة ومتعددة الأبعاد، وإن بقيت محكومة بمحور غربي. بهذا المعنى، فإن السياسة الخارجية المبكرة لحزب العدالة والتنمية جاءت امتداداً واستمراراً للنمط الذي رسخته حكومات الائتلاف السابقة التي ضمّت أطيافاً من أقصى اليسار مثل حزب اليسار الديمقراطي، مروراً باليمين القومي المتمثل بحزب الحركة القومية، وصولاً إلى يمين الوسط المتمثل بحزب الوطن الأم. وكانت العلاقات التركية مع الدول العربية قد بدأت بالفعل بالتحسن منذ سنة 1999 وما تلاه قبل وصول حزب العدالة والتنمية إلى السلطة سنة 2002.
غير أن ما ميّز فترة حكم حزب العدالة والتنمية هو الطابع المنهجي والمتواصل لتركيز تركيا على أدوات القوة الناعمة، وعلى تحسين العلاقات مع جميع الدول المجاورة. وهو ما تجسّد في شعارها: "صفر مشاكل مع الجيران". وبالتوازي مع ذلك، صيغت رؤية أكثر تقدّماً لطموحات تركيا لتكون قوة إقليمية وفاعلاً عالمياً، تتجاوز مجرد إدارة علاقات ثنائية إيجابية لتسعى نحو دور مركزي في النظام الدولي.
برز الشرق الأوسط الكبير أحدَ المحاور الرئيسة للجهود الدبلوماسية التركية طوال تلك الفترة. ومع ذلك، يرى أونيش أن الحديث عن "جعل السياسة الخارجية التركية ذات طابع شرق أوسطي" قد ينطوي على قدر من المبالغة. ذلك أن تركيا حافظت في الوقت نفسه على دافع قوي لتعزيز علاقاتها الثنائية مع روسيا الاتحادية خاصةً، وكذلك مع دول القوقاز.
نتيجة لذلك كان فوز حزب العدالة والتنمية تحويلاً لهذه الرؤية إلى سياسة رسمية. ومع تعيين أحمد داوود أوغلو مستشاراً أولَ ثم وزيراً للخارجية سنة 2009، أعلن صراحةً أن تركيا لم تعد تكتفي بردّ الفعل على التغيرات الإقليمية، بل تسعى إلى دور فاعل ورؤية استباقية تعيد وصل تركيا بجوارها الطبيعي. ورأى داوود أوغلو أن تركيا قد وافقت على أن تكون عنصراً محيطياً راكداً طيلة فترة الحرب الباردة، وشعرت بالحاجة للمظلة الأمنية للمعسكر الغربي. ولذلك فهي مطالبة الآن باستعادة زمام المبادرة وفتح قنوات حوار مع جيرانها الإقليميين، لاسيما في المشرق، لتحقيق استقرار يعزز الأمن القومي التركي.
وبحسب قراءة مركز الجزيرة للدراسات لكتاب أوغلو "العمق الاستراتيجي"، فإنه بفضل هذا الفهم الإستراتيجي الجديد طوت تركيا الكثير من صفحات الماضي. فأنهت حالة العداء مع أرمينيا منذ سنة 1998، ووقعت في نفس العام اتفاقية أضنة الأمنية السرية مع سوريا. وقد قللت أنقرة الجمود مع سوريا منذ سنة 2000 بعد زيارة الرئيس التركي السابق أحمد نجدت سيزر دمشقَ في يونيو ذلك العام. وكانت تركيا تتهم دمشق بإيواء عناصر من حزب العمال الكردستاني وتدريبهم لزعزعة استقرارها، وتنظر بعين الريبة للتعاون السوري اليوناني وعلاقة سوريا بالشطر اليوناني من قبرص.
أصبحت تركيا كذلك حاضرة في الأزمات والملفات العالقة في العالم العربي، وفي مقدمتها القضية الفلسطينية. وعنيت باكراً بالوضع في العراق بعد سقوط نظام صدام حسين سنة 2003، بعدما كانت تركيا تتخذ موقفاً عدائياً من النظام العراقي منذ 1990 مع اجتياح العراق الكويتَ في أغسطس 1990. إذ أدانت أنقرة الغزو العراقي واصطفت مع التحالف الدولي الذي قادته الولايات المتحدة، وحشدت أكثر من مئة وثمانين ألف جندي على حدودها مع العراق، وأغلقت خط أنابيب النفط العراقي المار عبر أراضيها وسمحت لطائرات التحالف باستخدام قواعد الناتو في تركيا لضرب العراق. لكن تحسنت علاقاتها مع خروج نظام البعث، فتدخلت إيجاباً في الأزمة بين بغداد ودمشق سنة 2009 عندما اتهم العراقيون سوريا بغضِ الطرف عن البعثيين العراقيين الذين وجه إليهم الاتهام في سلسلة تفجيرات "الأربعاء الدامي" التي قتل فيها العشرات في أرجاء العراق في سبتمبر من نفس العام. ونجحت تركيا سنة 2008 بعقد اتفاق للتعاون الاستراتيجي مع دول منطقة الخليج.
استندت القيادة التركية في توجهاتها الجديدة إلى مرجعيات تاريخية وثقافية كان أبرزها الإسلام المعتدل، هويةً جامعة ومشروعية لتركيا في محيطها العربي. ويرى حقي تاش، الأكاديمي في قسم العلوم السياسية في جامعة إيبك، في دراسته "إردوغان آند ذا مسلم برذرهود" (أردوغان والإخوان المسلمون) المنشورة سنة 2022، أن نشاط السياسة الخارجية التركية في الشرق الأوسط ارتبط على نحو وثيق بالميول الإسلامية للحزب الحاكم، وهو ما جعل تركيا تقدم نفسها في صورة قوة إسلامية ديمقراطية مؤهَّلة للقيادة.
ساهمت عوامل داخلية وخارجية في هذا التحول. داخلياً، أدى تعثر مسار انضمام تركيا إلى الاتحاد الأوروبي إلى شعور بالإحباط دفع القيادة إلى البحث عن بدائل استراتيجية. ويقول الكاتب الأردني عاصف الخالدي في مقاله "ماذا تريد تركيا من الوطن العربي؟" المنشور في مجلة حفريات سنة 2020، إنّه "لم تتوجّه أنظار تركيا إلى العالم العربي، قبل إدراكها الفشل ولو مؤقتاً، في الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي، ومثَّل حزب العدالة والتنمية منذ العام 2002 التطلعات الجديدة نحو العالم العربي، التي عبرت عنها الأجندة الخارجية للرئيس التركي، حيث اعتمدت على تحالفات مع الإسلام السياسي وترتيبات مع إيران وقطر وجماعة الإخوان". وبالتالي بدا أن التحالف مع محور إسلامي بديل كان مدخلاً لإطلاق مشروع إقليمي جديد.
خارجياً تضافرتْ عوامل أهلت تركيا للعب دور إقليمي من بينها "محفزات القوة الصلبة للدولة التركية المتمثلة في اقتصادٍ قوي متجانس"، كما يشرح مصطفى اللباد، مدير مركز الشرق للدراسات الإقليمية والاستراتيجية بالقاهرة، في مقاله "تركيا والدول العربية..شروط التعاون المثمر" المنشور سنة 2009. ويضيف اللباد أنّ الاقتصاد التركي القوي وقدرات الدولة العسكرية والبشرية الضخمة أهلتها إلى لعبِ دورها الإقليمي هذا، "إضافة إلى أدوات القوة الناعمة مثل جاذبية المشروع الذي تقدمه وما تظهره من تجربة نادرة في التناوب السلمي على الحكم في منطقة أصبحت فريسة للتناحر بين الأصولية والديكتاتورية".
تجلى هذا الطموح خصوصاً في تعامل تركيا مع القضية الفلسطينية، والتي باتت منذ بدايات الألفية محوراً في خطاب تركيا الخارجي، هذا بالإضافة لدعم تركيا وكالة الأمم المتحدة لغوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (أونروا) وتقديم مساعدات إنسانية إلى المناطق الفلسطينية، لاسيما قطاع غزة. وبرزت تركيا في مواجهة علنية مع المسؤولين الإسرائيليين على المسرح العالمي. مثلما حدث في منتدى دافوس الاقتصادي العالمي في يناير 2009 والذي تزامن مع شن إسرائيل عدواناً على غزة، إذ قاطع أردوغان الرئيس الإسرائيلي شمعون بيريز منتقداً إسرائيل بشدة، قبل أن ينسحب من الجلسة احتجاجاً. وأدى الهجوم الإسرائيلي على سفينة "مافي مرمرة" (أسطول الحرية) في مايو 2010، التي كانت جزءاً من قافلة إنسانية تركية لكسر الحصار البحري على غزة، إلى توتر غير مسبوق في العلاقات بين أنقرة وتل أبيب. إذ تبادل البلدان سحب سفراءهما. واستخدمت تركيا هذه الأزمة لإبراز دفاعها عن الفلسطينيين دولياً.
دبلوماسياً انخرطت أنقرة في جولات عزّزت حضورها في العواصم العربية وفتحت الباب أمام اتفاقيات تعاون جديدة. ومن أبرز تلك التحركات زيارة رئيس الوزراء رجب طيب أردوغان إلى قطر سنة 2005، عندما التقى القيادة القطرية لبحث ملفات الطاقة والتعاون الاقتصادي والقضايا الإقليمية المشتركة. وقد شكّلت هذه الزيارة محطة أساسية في إدخال الدوحة ضمن شبكة الشركاء الاستراتيجيين لتركيا.
أما على مستوى العلاقات الثنائية مع القوى الكبرى في المنطقة، فقد مثلت زيارة الملك السعودي السابق عبد الله بن عبدالعزيز إلى أنقرة في أغسطس 2006 حدثاً استثنائياً، إذ كان أول عاهل سعودي يزور تركيا منذ أربعة عقود. ونتج عن هذه الزيارة توقيع ست اتفاقيات شملت مجالات السياسة والاقتصاد والثقافة، وهو ما عزّز مسعى الطرفين لبناء شراكة أكثر استدامة تتجاوز الطابع الرسمي.
بالتوازي مع هذه الخطوات، عمدت تركيا إلى إنشاء آليات مؤسسية للتعاون مع جيرانها العرب عبر مجالس عليا مشتركة للتعاون الاستراتيجي. ففي سنة 2009 عقد الاجتماع الأول للمجلس الأعلى للتعاون الاستراتيجي مع سوريا، واتُخذ فيه قرار بإلغاء متبادل لتأشيرات الدخول. وفي السياق ذاته، أطلقت تركيا مع العراق أول اجتماع للمجلس الأعلى للتعاون الاستراتيجي في بغداد سنة 2009، ليشكّل إطاراً مؤسساتياً لتعزيز المصالح المشتركة وتنظيم مسارات التعاون في مجالات متعددة.
وفيما ساعدت سياسات التقارب الاستراتيجي في تحسين صورة تركيا في العالم العربي، إلا أنّ العامل الاقتصادي ربما كان المحرّك الأبرز لانفتاحها على جيرانها العرب. فقد تزايد اعتماد الاقتصاد التركي على الصادرات في ظل مساعٍ حثيثة لتوسيع الأسواق الخارجية. وبرزت الساحة العربية أفقاً واعداً أمام الشركات التركية التي استفادت من القرب الجغرافي، والروابط التاريخية وحجم الطلب المتنامي. تبنّت تركيا سياسة تهدف إلى تعميق التكامل الاقتصادي مع دول المنطقة عبر جملة من الآليات تمثلت في توقيع اتفاقيات تجارة حرة وتوسيع التعاون الثنائي. وخففتْ قيود التأشيرات بما سمح بتسهيل حركة رجال الأعمال والسلع.
جاءت الأرقام لتؤكد هذا التحول. إذ قفز حجم التبادل التجاري بين تركيا والعالم العربي من نحو ثمانية عشر مليار دولار سنة 2000 إلى ثلاثة وخمسين مليار دولار بحلول سنة 2009. وحققت الصادرات التركية إلى الشرق الأوسط وشمال إفريقيا وحدها ما يقارب واحداً وثلاثين مليار دولار سنة 2008.
في الوقت نفسه، حاولت أنقرة كسب عقل الشعوب العربية بخطاب يعلن دعم مطالب الحرية والكرامة، التي رفعتها الحركات الديمقراطية في العقد الأول من الألفية الجديدة. وقد صرح أحمد داوود أوغلو في مقاله بعنوان "صفر مشاكل مع الجيران في العصر الجديد"، والمنشور في عدد 21 مارس 2013 من مجلة السياسة الخارجية: "دعونا إلى تحول سياسي سلمي يلبي مطالب الشعوب [العربية] بالحقوق والكرامة. ورغم تجاهل بعض الأنظمة لذلك، لم نتردد في دعم الكفاح المشروع لاستعادة سيادة الشعوب". هذا الموقف عزز صورة تركيا صديقة الشعوب العربية، ورسّخ قبولها في المنطقة قوةً إقليمية مؤثرة تسعى إلى الجمع بين المصالح المادية والمشاريع الرمزية ذات الأبعاد الثقافية والدينية.
مع ذلك ومنذ مطلع الألفية، اصطدمت حكومة العدالة والتنمية بمعارضة من القوى العلمانية التقليدية. تقول الصحفية مروة شيبنام أوروتش في مقالها بعنوان "نيو أوتُومانِزِم آند إردوغان" (العثمانية الجديدة وأردوغان) المنشور سنة 2021، أن السياسة الخارجية التركية لاحقتها اتهامات متكررة بالعثمانية الجديدة، وهو الوصف الذي روّجه خصوم تركيا في الداخل والخارج لتصوير تحركاتها الإقليمية عودةً إلى الماضي الإمبراطوري. غير أن أردوغان وحكومته نفيا أي مسعى لإحياء السلطنة، مؤكدين أن الجمهورية التركية تمثل استمراراً طبيعياً للإرث العثماني مع اختلاف النظام السياسي وحدود الدولة. وهو جدل كان مثار انتقاد غربي وعلماني داخلي، لاقى صدىً إيجابياً لدى قطاعات واسعة من الأتراك المحافظين الذين رحّبوا بعودة الاعتراف بالتراث العثماني في الخطاب الوطني، ورأوا فيه تصحيحاً لمسار الجمهورية الحديثة.


تهمة "العثمانية الجديدة" وجدت صداها في العالم العربي أيضاً. ومع اندلاع ثورات الربيع العربي سنة 2011، دخلت تركيا منعطفاً حاسماً في سياستها الخارجية. في البداية رحّبت أنقرة بالثورات واعتبرتها فرصة لترسيخ الديمقراطية في المنطقة، لكن سرعان ما اصطدمت بشبكة معقدة من التناقضات والاصطفافات. فبينما تبنّى وزير خارجيتها أحمد داوود أوغلو خطاباً داعماً للحكومات الشعبية الجديدة، وجدت تركيا نفسها في مأزق، خصوصاً مع سوريا التي كانت حليفاً وثيقاً حتى وقت قريب.
شكّل الموقف التركي من جماعة الإخوان المسلمين أحد أبرز مصادر التوتر مع العواصم العربية. فقد اعتبرت حكومة تركيا الإخوان شركاء عقائديين، وتعمّق هذا الانحياز بعد وصول محمد مرسي إلى رئاسة مصر سنة 2012. في تلك الفترة، بدا أن التعاون مع القاهرة يمهّد لتحالف سياسي إقليمي متماسك. لكن إطاحة الجيش المصري بمرسي سنة 2013 غيّرت المعادلة، إذ رفضت تركيا الاعتراف بالسلطة الجديدة وهاجمت ما سمّته "الانقلاب" وفتحت أبوابها لقيادات الإخوان المسلمين.
هذا الموقف أثار غضب دول خليجية مثل السعودية والإمارات، التي سحبت سفراءها من أنقرة ورأت في دعم تركيا للإخوان تدخلاً مباشراً في شؤون مصر والدول العربية الداخلية. وهكذا رسّخت تركيا صورتها حاضنةً لما تسميه هذه الدول "الإسلاميين السياسيين"، وهو ما جعل نفوذها الإقليمي يواجه مقاومة متزايدة.
في المقابل عززت تركيا تحالفها مع قطر، فتحوّل هذا التحالف إلى أحد أهم ركائز سياستها الإقليمية. في سنة 2014، وقّع البلدان اتفاقية دفاعية سمحت بإنشاء قاعدة عسكرية تركية في قطر. ومع اندلاع الأزمة الخليجية سنة 2017 – بقطع السعودية والإمارات والبحرين ومصر العلاقات مع قطر – كانت تركيا أول من بادر لدعم الدوحة، فأرسلت شحنات غذائية عاجلة ونشرت قوات هناك. واعتبرت تركيا أن هذه الخطوة تحمي التوازن في الخليج وتضمن استمرار نفوذها، ورفضتْ أي مطالب بإغلاق قاعدتها العسكرية في قطر. وبذلك تحوّل التحالف التركي القطري إلى مظلة استراتيجية مكّنت تركيا من تثبيت وجودها العسكري والسياسي في قلب الخليج.
ومع تدخّل تركيا دعماً للثورة السورية ضد نظام بشّار الأسد، وجدتْ نفسها مرةً أخرى أمام اتهامات بسعيها لمدِ نفوذِها في العالم العربي. فقد حاولتْ في البداية إقناع الأسد بالإصلاح، لكنه واجه ذلك بالرفضِ وتصعيد القمع ضد السوريين. عندها تحولت تركيا إلى معارضة النظام، وقدّم مسؤولوها توصيفاً صريحاً للأسد بأنه نظام "عائلي وقمعي وضيق الأفق". منذ ذلك الوقت دعمت تركيا المعارضة السورية، وشنّت عمليات عسكرية ضد تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) والمجموعات المسلحة الكردية على حدودها، فيما استقبلت ملايين اللاجئين السوريين لتصبح طرفاً رئيساً في المعادلة السورية بكل ما يترتب على ذلك من أعباء ومكاسب.
وبحسب تقرير لمجلة فورين بوليسي بعنوان "ثورات العرب وتركيا" منشور سنة 2011 ومترجم عبر موقع الجزيرة نت، برز التباين في الموقف التركي إزاء ثورتي مصر وليبيا. ففي حين سارع أردوغان إلى مطالبة الرئيس المصري محمد حسني مبارك بالتنحِّي على وقع ثورة 25 يناير، بدا أكثر تحفظاً تجاه العقيد معمر القذافي. ويعزي التقرير ذلك إلى عدة اعتبارات من بينها أن أردوغان كان قد حصل في وقت سابق على "جائزة القذافي لحقوق الإنسان" سنة 2010، إضافة إلى حرص أنقرة على حماية استثماراتها في ليبيا التي قُدّرت بنحو مليار ونصف المليار دولار. فضلاً عن عمل نحو ثلاثين ألف تركي في مشاريع البنية التحتية هناك.
هذا الموقف أثار استهجاناً عربياً واسعاً، خاصة بعد أن رفضت تركيا تأييد قرار الجامعة العربية الداعي إلى فرض منطقة حظر جوي فوق ليبيا لحماية المدنيين، وعارضت تدخل حلف الشمال الأطلسي في مارس 2011. فقد اكتفت تركيا، على عضويتها في الحلف، بتقديم مساعدات إنسانية والدعوة إلى إصلاحات سياسية، وسعت للعب دور الوسيط بين طرفي النزاع. غير أن تصاعد الضغوط الدولية وتزايد الدعوات إلى رحيل القذافي دفع تركيا في النهاية إلى تعديل موقفها، وهو ما تجسد في تصريحات أردوغان التي طالب فيها القذافي بالتنحي لمصلحة ليبيا ومصلحته الشخصية.
أضعفت كل هذه الملفات صورة تركيا التي كانت قد حظيت بمكانة بدت جيدة في الشارع العربي في العقد الأول من حكم العدالة والتنمية. ويشير تقرير فورين بوليسي إلى أن تركيا بدت مهددة بفقدان رصيدها الشعبي الذي راكمته بمواقفها من حصار غزة ومساعدتها في أزمات العراق ودعمها لبنان لاسيما بعد حرب تموز 2006. ومع ما قد يبدو متناقضاً من سياساتها بعد رياح الربيع العربي. ويخلص التقرير إلى أن تركيا، التي استفادت سابقاً من غياب الديمقراطية وتشرذم المحيط العربي، وجدت نفسها في موقف أصعب حين بدأت مطالب الحرية والديمقراطية تعصف بالمنطقة.


في أعقاب الربيع العربي تجلت وجهات نظر متباينة لدى الشعوب والنخب العربية تجاه صعود تركيا إقليمياً. فقد أظهر استطلاع رأي صدر سنة 2011 في خمس دول عربية (مصر والمغرب والأردن ولبنان والإمارات) عن شبلي تلحمي، أستاذ كرسي أنور السادات للسلام والتنمية في جامعة مريلاند، أن غالبية العرب يعتقدون أن تركيا كانت تُعتبر الفائز الأكبر بالربيع العربي. إذ وصف المستطلعون دور أنقرة بأنه الأكثر فاعلية في التحولات، وأظهر الاستطلاع أن الرئيس التركي رجب طيب أردوغان يأتي في صدارة القادة برأي المستطلعين .
غير أن هذه الشعبية النسبية لم تستمر طويلاً، فالاستطلاعات اللاحقة تكشف انقسامات حادَّة. فمثلاً، أظهر مقياس الباروميتر العربي سنة 2017 أن 59 بالمئة من السعوديين دعموا تعزيز العلاقات الاقتصادية مع تركيا في 2016، مقابل 19 بالمئة من المصريين فقط.
من الناحية الحكومية تباينت الاستجابات أيضاً. كانت مصر وسوريا من أكثر الدول رفضاً للوجود التركي، بينما تباينت مواقف الدول الخليجية. وهذا ما يشير إليه بيرول باشكان، أستاذ العلوم السياسية في مقاله، بعنوان "أ نيو تُركي–ساودي كْرايسِس إز برووينغ" (أزمة تركية سعودية جديدة تلوح في الأفق) المنشور سنة 2019. إذ يقول إنّ السعودية والإمارات ظلتا حذرتين إزاء نفوذ تركيا الجديد، لاسيّما حين تبنت الأخيرة دعم جماعة الإخوان المسلمين في سنوات الربيع العربي. ومع ذلك، حافظت هذه العواصم على تعاون مع تركيا في بعض الملفات الإقليمية.
ويرى باشكان أن العلاقات التركية الخليجية اتسمت بمزيج معقد من التقارب والتنافر. ففي الفترة ما بين 2011 و2013، وجدت تركيا نفسها متقاربة مع السعودية والإمارات في الموقف من الأزمة السورية. إذ انخرطت هذه الدول الثلاث إلى جانب قطر في دعم فصائل المعارضة السورية. ولعل من أبرز مظاهر ذلك المساهمة سنة 2015 في تشكيل "جيش الفتح"، وهو تحالف عسكري بين فصائل المعارضة السورية في إدلب. غير أن هذا التنسيق لم يدم طويلاً، فسرعان ما برزت التباينات العميقة بين الطرفين. وحسب باشكان، بعد تدخل روسيا في سوريا لاحقاً ذلك العام، تغيرت موازين القوى لصالح النظام السوري، فنأت السعودية بنفسها عن جهود قلب النظام، فيما ركزت تركيا انتباهها على وحدات حماية الشعب الكردية التي اعتبرتها تهديداً لها في شمال سوريا.
بحلول سنة 2017 انتقلت السعودية والإمارات إلى موقع الصدام مع تركيا حول النفوذ الإقليمي. وتجلى ذلك في الأزمة الخليجية، حين وقفت تركيا إلى جانب قطر. وتضاعفت التوترات عندما تبنّت السعودية والإمارات سياسات عدّتها تركيا استفزازية. إذ نقلت وكالة الأناضول سنة 2018 أنباء عن لقاءات بين مسؤولين سعوديين وأكراد من وحدات حماية الشعب الكردية التي تصنفها تركيا إرهابية، بهدف تأسيس وحدات عربية في المنطقة. نواتها فصيل "الصناديد"، أحد الفصائل المنضوية تحت قوات سوريا الديمقراطية، لتشكل الوحدات إحدى القوى العسكرية في "قوات حرس حدود"، رُوج أنها ستنشأ بتمويل سعودي.
برزت مصر وسوريا المثالين الأبرز على رفضٍ قاطعٍ الدورَ التركي المتصاعد في المنطقة. الأولى على خلفية الصراع حول الإسلام السياسي، والثانية بفعل المواجهة المباشرة مع تركيا في الميدانين السياسي والعسكري. بعد سقوط حكومة الإخوان المسلمين، انتقلت مصر بقيادة عبدالفتاح السيسي من مرحلة تواصل حذر مع تركيا إلى قطيعة سياسية ودبلوماسية شاملة، كان محورها الأساس رفض الدعم التركي العلني لجماعة الإخوان المسلمين. أما في سوريا، فقد انهارت العلاقات بالكامل منذ اندلاع الثورة سنة 2011، حين تبنّت تركيا موقفاً داعماً المعارضةَ ورفعت شعار رحيل بشار الأسد هدفاً استراتيجياً لسياساتها في المشرق. هذه الخيارات دفعت النظام السوري بقيادة بشار الأسد حينها إلى النظر إلى تركيا خصماً مباشراً ومصدراً لزعزعة الاستقرار.
ساد صورةَ تركيا في العالم العربي مزيدٌ من التعقيد بعد تدخلها المباشر في الحرب الأهلية الليبية بين سنتيْ 2019 و 2020. اصطفتْ تركيا مع قواتِ حكومة الوفاق الوطني في مواجهةِ الهجوم الذي أطلقه الجنرال خليفة حفتر على طرابلس بدءاً من إبريل 2019. وتدخلت تركيا بعد عقدِ اتفاقٍ عسكريٍ واستراتيجي مع حكومة الوفاق في الحربِ الأهلية منذ بداية 2020، ما جعل مجلس النواب الليبي يصف في بيان أصدره من طبرق شرق ليبيا هذا التدخل بالاحتلال التركي.
على النقيض، لم تكن قطر في موقع المناهضة للحضور التركي، بل تحولت إلى أبرز شريك لتركيا في العالم العربي. يشير الباحثان إنغين يوكسيل وهاشم تكنيش في تقرير بعنوان "تركيز لف-إن ويذ كتار" (علاقة الحب القطرية التركية) المنشور سنة 2021 إلى إزدهار العلاقات الثنائية أثناء سنوات الربيع العربي وما تلاها على المستويين السياسي والاقتصادي، لتشكّل ما يشبه محوراً تركيّاً قطريّاً في مواجهة المحاور العربية الأخرى. والتقت سياسات البلدين على دعم حركات الإسلام السياسي بين 2011 و2013، لاسيما جماعة الإخوان المسلمين، واتفقا على تبني نتائج الثورات في ليبيا وتونس ومصر. غير أن هذا الانخراط ظل انتقائياً، حسب التقرير، إذ امتنعت تركيا وقطر عن التدخل في ملفات حساسة كالبحرين واليمن مراعاةً لمصالح السعودية، مقابل تكثيف الدعم للحركات الإسلامية في مسارح أخرى.
أخذ هذا التلاقي بُعداً عسكرياً مباشراً بعد توقيع أنقرة والدوحة في 2014 اتفاق تعاون عسكري سمح بوجود قوات تركية على الأراضي القطرية. ثم بدأت تركيا سنة 2015 نشر جنود من فيلق طارق بن زياد التركي في قطر لتوفير التدريب والدعم الأمني. وفي 2017 أقرّ البرلمان التركي بعجالة بعد أيام من اندلاع الأزمة الخليجية اتفاقاً رسمياً يسمح بتمركز عسكري دائم، سرعان ما تُرجم بوصول دفعات إضافية من الجنود ونشر مروحيات ووحدات بحرية. وفي البعد الاقتصادي، عززت قطر موقعها داعماً رئيساً للاقتصاد التركي. إذ تجاوز حجم استثماراتها في تركيا حاجز العشرين مليار دولار.
غير أنّ هذه الصورة الإيجابية لتركيا في قطر لم تجد صدىً لدى التيارات القومية والليبرالية العربية، التي واجهتها بخطاب نقدي حاد يتهمها بالسعي إلى فرض هيمنة إقليمية جديدة.
شاع في الخطاب الإعلامي والسياسي العربي استخدام مصطلحات من قبيل الاستعمار العثماني الجديد والعدوان العثماني والاحتلال التركي، في إشارة إلى أنّ تركيا لم تكن سوى قوة توسعية تسعى إلى إعادة إنتاج نفوذها التاريخي تحت غطاء الدين والشعارات التضامنية. وفي هذا السياق، يلاحظ فواز جرجس، أستاذ سياسة الشرق الأوسط والعلاقات الدولية، في كتابه بعنوان "الشرق الأوسط الجديد" المنشور سنة 2016، أنّ السياسة التركية في مرحلة ما بعد الربيع العربي وُصفت بازدراء من خصومها ووصفهم لها بالعثمانية الجديدة، نظراً لما ارتبطت به من تأثير مباشر في انتفاضات الربيع العربي وما تلاها من تحولات.
تجلّى الصراع على النفوذ في المجالين الثقافي والإعلامي أيضاً، بعد أن تحوّل مفهوم العثمانية الجديدة إلى رمز متعدد الدلالات. فمن جهة، سعت الدولة التركية إلى تقديم نفسها امتداداً لروح تاريخية مشتركة مع العالم العربي، وهو ما تجلّى في إطلاق قناة "تي آر تي العربية" سنة 2010، التي رُوّج لها "شاشتنا المشتركة"، على حد تعبير أردوغان، ولغة مشتركة تجمع العرب والأتراك. وأكّد رجب طيب أردوغان في خطاب افتتاح القناة أنّ "الأتراك والعرب كأصابع اليد الواحدة، كاللحم والأظافر… ماضينا واحد في هذه الأراضي، واعلموا أن مستقبلنا واحد أيضاً"، مستشهداً بالتراث الشعري والفني العربي لتأكيد هذا القرب الثقافي.
ومن جهة أخرى، اتجهت قطاعات من الإعلام العربي ودوائر فكرية إلى استدعاء "الذاكرة الاستعمارية" للتحذير من عودة العثمانيين، واستخدمت تعبيرات مثل الاحتلال العثماني والاستعمار الجديد لوصف السياسات التركية، وإن شابَ بعضها البعد الشعبوي في الطرح. فهنا مثلاً الكاتب محمد عبد الرحمن في صحيفة صدى البلد المصرية في أغسطس 2020 يَصِم العهد العثماني في العالم العربي بأنه كارثي، ديدنه الاحتلال والحروب والمجازر. ويقول الكاتب العماني خميس بن عبيد القطيطي في مقالة بعنوان "التاريخ الأسود للعثمانيين في الوطن العربي" على موقع إضاءات في يونيو 2020 إن الوجود العثماني في العالم العربي شابه التنكيل والتخلف والفقر والعوز، وكان غزواً أجنبياً. وأسهب أستاذ التاريخ المعاصر المصري عاصم الدسوقي في أكثر من لقاء تلفزيوني وموقع إخباري بتفكيك رواية "الفتح العثماني"، معتبراً الوجود العثماني في مصر والعالم العربي استعماراً نهب من العرب ثرواتهم ولم يورثهم سوى الضعف.


ومع الصدامات والمقاطعات التي ميّزت العقد الثاني من القرن الحادي والعشرين، إلا أن تركيا مضت في إعادة صياغة أوراقها. فقد أعادت فتح الجسور مع مصر سنة 2023 بعودة السفراء وتبادل الإرادات السياسية، ومدّت خطوط الحوار مع السعودية والإمارات لتجد في الخليج شريكاً في الاستثمار والتبادل والمصالح الاقتصادية المتشابكة.
وقد أعادتْ خلط الأوراق في الحالة الليبية، لتشهد سنتا 2024 و2025 حالة تقارب بينها وبين سلطات الشرق الليبي بقيادةِ خليفة حفتر. حتى إنّ البرلمان الليبي يبحث في الموافقة على الاتفاقية التي رفضها سنة 2020. وفي سوريا، أصبحتْ أنقرة الحليفة الأولى للسلطات الجديدة بقيادة أحمد الشرع والتي أطاحتْ بنظامِ بشار الأسد في ديسمبر 2024.
لم تتوقف السياسة عند حدود القاعات الدبلوماسية، بل تسللت إلى تفاصيل الحياة اليومية، حتى بات المسلسل التركي ضيفاً مألوفاً في البيوت العربية. وفتحت الدراما القادمة من إسطنبول نوافذ واسعة على صورة تركيا الجديدة، وأطلقت خيالاً متجدّداً عن هويةٍ مشتركة أو قريبة.
ولعلّ الأرقام تكشف حجم هذا الأثر، إذ أشار تقرير نشرته تي آر تي غلوبال للصعود السريع للأعمال الفنية التركية في الشرق الأوسط، منوهاً إلى أنّ هذه الأعمال كانت المحرّك الأبرز لاندفاع موجة السياحة العربية نحو تركيا في العقد الأخير. ففي صيف 2016 فقط، استقبل الشمال التركي أكثر من نصف مليون سائح خليجي أنفقوا ما يزيد على مليار ونصف المليار دولار، فتحوّلت طرابزون وجبال البحر الأسود إلى ملاذٍ صيفيّ عربيّ يهرب إليه المسافرون من حرّ الخليج.
زار تركيا في 2023 حوالي مليون وستمئة ألف سائح عربي من بين قرابة ثلاثة وعشرين مليون سائح عالمياً. وحسب وزارة السياحة التركية، فقد شهدت سنة 2024 تدفقاً كبيراً من السياح من السعودية ثم العراق، فيما جاءت الأردن في المرتبة الثالثة في عدد السائحين. إلا أن العام نفسه سجل انخفاضاً بنسبة العرب الزائرين لهذا البلد عموماً، لأسباب منها الاعتداءات العنصرية التي طالت مواطنين عرب وأخرى تراكمية خلفتها أزمة وباء كورونا بدءاً من 2020. ومع ذلك ما زالت معدلات السياحة العربية في تركيا تشكل نسبة مهمة من المجموع العام للسياح القادمين للبلاد.


تبدو العثمانية الجديدة أشبه بظلٍّ ممتدّ على جدار الذاكرة العربية، لا يمكن إمساكه بسهولة ولا يمكن إنكاره في آن. هي مرآة يرى فيها العرب صورتهم بقدر ما يتأملون فيها ملامح تركيا، ومفترق طرقٍ يتقاطع فيه التاريخ بالمصلحة والعاطفة بالحسابات الباردة. فتركيا التي عادت إلى الساحة تعود جاراً قديماً يستعيد صوته في لحظة انكسار المراكز العربية وتشتتها. تلك التحوّلات، على ما تحمله من حساسية وريبة، أوحت بأن إعادة الحوار أصبحَ ضرورة تفرضها الجغرافيا والمصالح المتبادلة. وهكذا، فإن عودة تركيا إلى موائد الإقليم لم تكن مجرّد رجوع لاعب قديم، بل إعلاناً بأن خرائط النفوذ في الشرق الأوسط لا تزال تُرسم من جديد، وأن العرب وتركيا معاً أمام لحظة مراجعة كبرى.
غير أنّ السؤال يظل مفتوحاً: هل تُكتب لهذا التداخل التركي العربي صفحةٌ جديدة من الشراكة قادرة على أن تتجاوز أشباح الماضي وتحديات الحاضر، أم أن كل تقارب سيظل أسير الريبة والشكوك؟ يقابل هذا سؤالٌ عربيٌ أيضاً: كيف نعيد نحن تعريف دورنا إذا كان الآخر يعيد تشكيل حضوره؟ وهل يمكن أن تتحول هذه المرآة من صورة مثقلة بالتاريخ، إلى نافذة مفتوحة على مستقبلٍ عربي تركي يكتبه الوعي لا الأوهام وتكتبه المصالح المشتركة لا الخطابات العابرة؟

اشترك في نشرتنا البريدية