تاريخ كتابة السيرة الذاتية.. من القديس أوغسطين إلى شات جي بي تي

تتعدد محاولات بناء قصة عن الذات، ما بين الكتابة والحوار وحركة الكاميرا والدردشة مع تطبيقات الذكاء الاصطناعي، وتمثل كل مرحلة تاريخية سياقاً خاصاً بما توفره من معنى الذات وأطر علاقاتها بالآخر.

Share
تاريخ كتابة السيرة الذاتية.. من القديس أوغسطين إلى شات جي بي تي
نحتاج للحديث مع الآخرين الأحرار والمتفاعلين | تصميم خاص بالفراتس

يتكرر في فيلم "إنسيبشن" (استهلال) من إنتاج سنة 2010 أنّ الفارق بين الحلم والواقع هو أننا ندخل الحلم في منتصفه، ولا ندري من أين جئنا. إلا أننا لو نحّينا الحضور الجسديّ المكانيّ الواقعيّ نحو حضورٍ أشمل، فربما لن نجد هذا الفارق كافياً للتمييز بين الحلم والحقيقة. فنحن في كلّ لحظةٍ من حياتنا نطرح على أنفسنا السؤال عمّا جاء بنا إلى هذه النقطة روحياً ونفسياً، في المكان والمكانة. هذا يعني أننا نحتاج إلى تعديل الفارق الذي اقترحه الفيلم، ليكون الفارق بين الحلم والواقع قدرتنا على التساؤل عن سبب وجودنا هنا والآن. فهذه القدرة غائبةٌ عن الحلم، وهي ما يصيغ أحد أهمّ أسئلة الواقع.

السؤال عن موقعنا الحاليّ بين الماضي والمستقبل ليس بسيطاً، فالحياة ليست خطاً مستقيماً نستطيع تحديد آنائه والعلاقات بينها بدقة. وكلّ إجابةٍ عن هذا السؤال، وكلّ محاولةٍ لتفسير الماضي، وكلّ حلمٍ لبناء سيرةٍ، عمليةٌ معقّدةٌ ومستمرةٌ لتأويل أحداث حياتنا.

تذكر الفيلسوفة الأمريكية جوديث بتلر في كتابها "الذات تصف نفسها"، المترجم للعربية سنة 2014، أنّنا نستطيع رواية قصةٍ شخصيةٍ بسيطةٍ مع قدحِ خمرٍ مروراً بطرقٍ مختلفة. فحيواتنا نصٌّ مفتوحٌ على عددٍ كبيرٍ من احتمالات السرد والتأويل وممكنات المعنى، ويَحكُم تفسيرَنا لها تداخلٌ حادٌّ بين المفسِّر والمفسَّر. لهذا، فإنّ أيّ سردٍ ذاتيٍّ لن يكون تامّ الموضوعية. وسرد الذات يتجاوز كتابة سيرةٍ ذاتيةٍ مُحكَمةٍ، أو حتى كتابة يوميات. فعملية البناء تظلّ مفتوحةً داخل تواصلاتنا اليومية، وفي تواصلاتنا مع ما نقرأ ونشاهد ونفعل.

كلّ محاولةٍ لسرد الذات، سواءً كانت مكتوبةً أو ممثلةً على شاشة السينما أو مجسّدةً في حواراتٍ مع أشخاصٍ حقيقيين أو افتراضيين هي استحضارٌ لجدل علاقات ذواتنا مع العالم ومع الآخر، ومع معنىً محدَّدٍ للذات يوفِّره السياق الثقافي. وبين "اعترافات" القديس أوغسطين وسيرة "من حياتي.. الشعر والحقيقة" للفيلسوف والشاعر الألماني يوهان غوته وأفلام المخرج الأمريكي وودي آلن، وبين محاولتنا اليوم بناء سرديّتنا بالحوار على تطبيقات الدردشة مع الذكاء الاصطناعي، تختلف محاولات سرد الذات وفق هذه العلاقات، لتصبح كاشفةً عن معنى الذات في مرحلةٍ تاريخيةٍ ثقافيةٍ ما.  


ظهر في السنوات الأخيرة عددٌ من التطبيقات التي يمكن الاعتماد عليها في بناء صورةٍ عن الذات، وهي جزءٌ من وسائل التواصل الاجتماعي وتعتمد على رسائل الآخرين. فتطبيقاتٌ مثل "اسأل" و"صراحة" و"أرسل لي رسالةً سرية"، أو منشوراتٌ مثل "صِفْني بفيلمٍ معين" و"اذكر عشر صفاتٍ تحبّهم فيّ" و"اذكر أيّ انطباعٍ لك عني"، كلّها محاولاتٌ للبحث عن صورتنا لدى الآخرين. وهذه المحاولة، على طابعها الافتراضيّ وعدم قيامها على تواصلٍ بشريٍّ مباشرٍ، تظلّ مختلفةً عن المحاولات الأحدث التي تعتمد على بناء هذه الصورة بالحوار مع تطبيقاتٍ غير بشرية. لكنها تتناسب مع ما يسمّيه عالِم الإناسة الفرنسي دافيد لو بروتون "قيام الإنترنت على تصفية الوجه"، في كتابه "حديث الصمت" المترجَم للعربية سنة 2025.

ومحاولة بحثنا عن مرايا ننظر فيها إلى صورتنا هي محاولةٌ مفهومةٌ في سياقٍ يقطع الكثير من نقاط التواصل المباشرة والحقيقية مع الناس الواقعيين، أو يُسكِن العلاقات بشعور عدم الثقة. ففي رواية الإسباني خوان خوسيه مياس "هكذا كانت الوحدة"، المترجَمة للعربية سنة 2009، تقطع البطلة كلّ نقاط الصلة بالآخرين حولها لتحيا وحيدةً تماماً بعيداً عن العلاقات البشرية وإرهاقها. لكنّ هذه الحال لا تدوم بعدما توظِّف محقِّقاً خاصاً ليراقبها ويرسل لها تقارير عنها، حتى تستأنس بصورةٍ عن ذاتها من خلال عيونٍ أخرى. في مرحلةٍ لاحقةٍ، تعترض البطلة على الصيغة التقريرية المبالَغ فيها لمراسلات المحقِّق الخاص، فتطالبه بكتابةٍ أكثر ذاتيةً وشخصية. فهي لا تريد أن يصبح هذا الآخر محض مرآةٍ، بل تسعى أن تسمع قصّتها ضمن تفاعلات حياته وقصّته الخاصة.

ولعدم قدرة الجميع على توظيف محقِّقٍ خاصٍّ مرآويٍّ كان أو متفاعلاً، تقدِّم بعض التطبيقات الإلكترونية الحديثة الوظيفةَ نفسها. فتوفِّر أساساً لبناء سيرةٍ عن الذات قائمةٍ على آخَر مرآويٍّ يجلس على الجانب الآخر من الشاشة. تتفوَّق ربما بعض هذه التطبيقات، لاسيما تطبيقات الدردشة مع الذكاء الاصطناعي، على أيّ محقِّقٍ خاصّ. فهي قادرةٌ على تتبع وقياس معظم حالات الفرد وحركته، حتى تلك التي لا ينتبه لها الإنسان نفسه ربما أو التي لا يقدر على الربط بينها بالضرورة، فضلاً عن قدرتها على التخزين والاستعادة التي تفُوق أيّ محقق. إلا أن مشكلة هذه التطبيقات تظهر عند مطالبتها تجاوز المرآوية لتكون أكثر عاطفيةً أو تفاعليةً، لأنها لا تتسع لذلك. ومع غياب هذا التفاعل الذاتيّ، القائم على الحرية والقرار الفرديّ والعاطفة الخاصة، يستحيل بناء صورةٍ حيةٍ متفاعلةٍ للذات. فالتقرير الذي يقدِّمه لنا الذكاء الاصطناعي عبر مراقبتنا هو تقريرٌ مرآويٌّ فارغٌ من أيّ مشاعر أو تفاعلٍ، حتى لو تمترسَ بمعجمٍ عاطفيٍّ زوّدناه به. فالعاطفة في بنية التطبيق مجرّد كلمةٍ، كما يقول البرنامج الحاسوبيّ للبطل نيو في فيلم "ذا ميتريكس ريفوليوشنز" (ثورات المصفوفة) المنتَج سنة 2003، مجرّد علاقةٍ بين حدّين في مصفوفةٍ مُغلَقة.

هذا الواقع المعاصر لبناء سيرةٍ عن الذات، تعتمد على خلق آخر مرآويٍّ بشريٍّ ثم غير بشريٍّ، ليس إلا مرحلةً من تاريخٍ طويلٍ لسرد الذات. مرحلةٌ تحمل سِماتِها الخاصةَ المرتبطةَ بطبيعة عصرنا وطبيعة الذات فيه. وتتضح هذه السِمات عند مقارنة هذا الواقع بمحاولاتٍ أخرى في عصورٍ ثقافيةٍ أخرى، على أساس الاختلاف في أركان سرد الذات.

فمنذ البدايات الناضجة لكتابة سيرنا الذاتية مع سيرة القديس أوغسطين ثم سيرة غوته إلى أفلام وودي آلن، وصولاً إلى لحظتنا هذه، تتسم عملية السرد بتواجد ثلاثة أركانٍ رئيسة: الذات، ووسيط السرد أو الحكي، والأفق الذي يتم فيه السرد أو الآخر الذي يتوجه له السرد. فكلّ سردٍ عن الذات هو بناءٌ لهذه الذات، وتشكيلٌ لها في أفقٍ آخر ما. فمثلما يرى الفيلسوف الفرنسي بول ريكور في كتابه "الذات عينها كآخر"، المترجَم للعربية سنة 2005، فإنّ الذات ليست واقعةً مغلقةً كما هو الافتراض الحداثيّ البارز في فلسفة الفرنسي رينيه ديكارت حول "الأنا أفكر". والذي يفترض أن الذات جوهرٌ مفكِّرٌ مستقلٌ عن عالم الآخرين وعن عالم المادة والحواس، وإنما الذات بنيةٌ مفتوحةٌ تُخلَق باستمرارٍ في علاقتها بالعالم وبالآخرين. لذا يفرِّق ريكور بين نمطين من الهوية الذاتية. "العينية"، ويقصد بها مجمل الاستعدادات الطبيعية والاجتماعية التي تعطي الذات دواماً رغم الزمن. و"الفعلية"، ويقصد بها الهوية المتشكّلة في التاريخ عبر عددٍ من الوساطات، مثل التفاعل مع الآخر — البشريّ وغير البشريّ — خصوصاً عبر "الوعد"، وهو التزامٌ تقطعه الذات أمام الآخر بفعل شيءٍ في المستقبل والوفاء به، بما يمنحها استمراريةً رغم ما يطرأ عليها من تغيّر، وذلك عبر الفعل في العالم، وعبر السرد. فالسرد عند ريكور وسيطٌ أساسٌ لبناء الذات، لذا يسمّي الهوية المتشكّلة عبر السرد "الهوية السردية".

ومن أهمية السرد في بناء الذات، تأتي أهمية اللغة والسياق الثقافي. فاللغة أداة هذا السرد، وفي الوقت نفسه أُفقه الثقافي المشكِّل له. ولأنها بناءٌ ثقافيٌّ، أي أنها خزانٌ من الصور والتمثيلات والأساطير والقصص، تخلق اللغة للذات أفقاً تتحرك فيه وتتفاعل معه. فتحمل القصة في النهاية أكثر من قصة الفرد. تحمل ملامح العصر المشفَّرة في موسوعتها اللغوية، وتحمل نظرتها للذات وللآفاق التي تتحرّك فيها أثناء بنائها هويتها.


في القرن الرابع، كتب القديس أوغسطين سيرته على هيئة اعترافاتٍ مرفوعةٍ إلى الله. كانت كشفاً عن ذاته وعن الذات الكتابية المسيحية، بتصوّراتها عن الجسد والروح والعالم والخطيئة والخلاص. يأتي التصوّر المسيحي للذات واضحاً في التقسيم العام للاعترافات. تبدأ من الطفولة، ثم مرحلة الشباب التي عايش فيها القديس عدداً من الزلات السلوكية والعقدية، حين أنجب طفلةً من علاقةٍ غير شرعيةٍ واعتنق المانوية التي تؤمن بإلهَين للشر والخير أو للروح والجسد، قبل الوصول إلى مرحلة التوبة بدخول المسيحية.

تدفعنا يوميات أوغسطين، بترتيبها هذا، للنظر إلى توبته وكأنها تجسيدٌ لعملية ارتحال الذات البشرية من المعصية إلى "الراحة في الله". وكأنها خروجٌ من مدينة الشيطان إلى مدينة الله، لا كأنها توبة أوغسطين وحده. فأوغسطين، مثلما يظهر في لغة سيرته وبُنيتها، ليس فرداً مجرداً. إنه تجسيدٌ لكلّ التيارات الفلسفية والدينية الشائعة، والمتصارعة، في هذه المرحلة. من الفلسفة اليونانية بتياراتها المتأخرة، مثل الأفلوطينية المحدثة (نسبة للفيلسوف أفلوطين) والرواقية (فلسفة أخلاقية عقلانية) والأبيقورية (تسعى إلى الطمأنينة النفسية)، إلى الديانة المانوية التي آمن بها قبل اعتناقه المسيحية. وهذا ما صَيَّر اعترافات أوغسطين جدلاً فلسفياً ودينياً في الذات والخطيئة والخلاص والذاكرة، لا مجرد سردٍ لأحداثٍ متتابعة.

يظهر هذا الربط، بين قصة حياة أوغسطين وتوبته وبين قصة حياة البشرية من المنظور المسيحيّ، في عدّة مناحٍ تفصيليةٍ داخل "الاعترافات". في تفسير أوغسطين بعضَ أحداث الطفولة نتاجاً للخطيئة الأصلية المتأصّلة في البشر منذ معصية آدم، يقول أوغسطين في الكتاب الأول، الفصل السابع، من الاعترافات "إن براءة الأطفال تكمن في ضعف أعضائهم أما أرواحهم فآثمة. رأيت مرةً صبياً حسوداً وتمعنت فيه: كان لا ينطق بعد، وكان شاحب اللون، يحدِّق بمرارةٍ في أخيه من الرضاع. من يجهل ذلك؟". ثم في تفسيره صراعَه مع الشهوات الذي عاشه في سنوات شبابه صراعاً بين الروح والجسد، وضعف الإرادة البشرية وفسادها، وعدم وجود نورٍ يحميها من الانقياد إلى الدعارات، مثلما يقول في الكتاب الرابع، الفصل الخامس والعشرين.

ويظهر الربط أيضاً حين يسرد أوغسطين لحظة توبته، المتمثلة في سماعه صوتاً غامضاً يأمره بالقراءة، إذ يحكي في الكتاب الثامن، الفصل الثامن عشر، من الاعترافات "كنت أبكي بسبب انسحاق قلبي المرير. ها أنذا أسمع من المنزل المجاور، صوت صبي أو صبية، [. . .] يغني مردداً "خذ، اقرأ، خذ، اقرأ [. . .] قرأتُ في صمتٍ أول بابٍ وقعت عليه عيناي (لا تعيشوا في المآدب والحماسات، ولا في المضاجعات والفجورات [. . .] بل البسوا المولى يسوع المسيح، ولا تحاولوا إرضاء اللحم، في غلماته)". يعدّ أوغسطين هذه التوبة مرتبطةٌ بصلوات أمّه أكثر من عقله وفهمه للفلسفة.

ويظهر هذا الربط كذلك في تصوره عن التعرّف القدريّ على القديس أمبروسيوس، أسقف ميلان وأحد أعلام التفسير الرمزي للكتاب المقدّس، يحكي أوغسطين في الكتاب الخامس من الاعترافات أنه انتقل للعمل في ميلانو بعد ترشيحه للعمل في منصب أستاذ الفصاحة. وينظر إلى هذه اللحظة لحظةً تجسِّد حاجة البشر إلى النعمة الإلهية من أجل الخلاص، وعدم كفاية العقل البشري والفلسفة وما يسميه "الترهات المانوية والفلسفة الأكاديمية" للحصول على الخلاص والسعادة. فمثلما يعبّر عن اللقاء بأمبروسيوس "الرجل الخادم للإله" بقوله: "أما أنا فكانت يدك تقودني إليه دون أن أعلم، كي يقودني هو إليك، عن وعي مني ودراية".

ذروة هذا الربط، بين أوغسطين الفرد وأوغسطين الذي يمثّل ميلاد الذات المسيحية في الأدب الغربي، تفسيرُه الرمزي لسفر التكوين من الكتاب المقدّس. يستعيد أوغسطين المحطات الرئيسة في خلق الكون وخروجه من الظلمة إلى النور، لتصير رمزاً لخروجه هو وخروج البشرية من الظلمة والعدم إلى النور. فالخطيئة والبعد عن الله هي العدم والظلمة والهاوية، وروح الله هو الهادي. يقول أوغسطين في الكتاب الثالث عشر من الاعترافات "لما (كان روحك يُحمل فوق المياه) فشفقتك ما تخلت عن تعاستنا، وقلت (فليكن النور) [. . .] و(كان النور)، وها قد كنا (يوما ظلمات، أما الآن، فنحن نور في المولى)". تتركَّز النهاية القصوى لبناء الذات في "استراحة الله يوم السبت" أو ما يسميه أوغسطين "سِلم السبت"، والذي ينظر له أوغسطين من جهة الإنسان الذي يمثِّل مساره اتجاهاً للراحة مع الله بالخلاص من الخطيئة والسقوط. فالسيرة وفق أوغسطين هي عملية اعترافٍ وتطهُّرٍ للبشر، تصنع ذواتهم أبناءً لله، مستريحين في "قدسيته اللانهائية".


اختلفت السيَر الناشئة في عصر النهضة والتنوير والرومانسية الأوروبية عن سيرة أوغسطين، معبّرةً عن ميلاد ذاتٍ جديدة. لم يعد هؤلاء يرون الله هو الآخَر الذي يُسرد له، أو الأفق الذي يُشكِّل أساس بناء هذه الذات ويمنحها معناها وموقعها. فقد زاحمت مطلقاتٌ جديدةٌ، مثل التاريخ والمجتمع والبشرية والعقل، الإلهَ المسيحي في مرجعيّته. وحلَّت خلافاتٌ أخرى، حول العقل والجسد والعاطفة، مكان الخلافات الوسيطة حول الخطيئة والخلاص والروح والذاكرة.

كتب يوهان غوته، الشاعر والفيلسوف الألماني من القرن الثامن عشر، سيرته الذاتية في فترةٍ متأخرةٍ من عمره. جاءت بالأساس استجابةً لطلب بعض الأصدقاء، وقد ظهر في الكتاب الأول منها بيان تكرر هذا الطلب على مدار عمره. تقدِّم السيرة شهادةً أدبيةً وفلسفيةً عن عصر التنوير، مقدّمةً إلى التاريخ أو "جمهورية الآداب"، وهم مجموعة المثقفين والفلاسفة والأدباء والفنانين في عصره. ونقابل في هذه السيرة نوعين من الذات، إذ تجسِّد صعود التصورات الرومانسية التي كان غوته أحد أعلامها ومبلوريها، وتجسِّد كذلك سيطرة العقلانية الكلاسيكية التي جنح إليها في نهاية حياته. فغوته، وهو يحكي سيرته الذاتية، يجسِّد الصراعات الفكرية بين العاطفة والعقل والتمرّد والتقاليد. صراعاتٌ حكمت تبلور الذات في أوروبا الحديثة على كلّ الأصعدة، الفكرية والاجتماعية والسياسية.

يسرد غوته، في أثناء حكايته بعض المحطات الشخصية، ميلادَ التيار الرومانسي في الأدب والفكر. ففي الكتاب الحادي عشر من سيرته المترجمة للإنجليزية سنة 1848، يحدثنا عن اهتمامه الكبير بالفيلسوف الألماني يوهان هيردر، وكيف مثّل لقائه به في ستراسبورغ  وتعرُّفه من خلاله على أدب شكسبير بداية تصوّراته الرومانسية التي تُعلي من شأن العاطفة، مقابل القوالب العقلية الجامدة المسيطرة على الفن والفكر في القرن السابع عشر. وتجسِّد أعمال غوته، مثل مسرحية "غوتس فان برليشينغن" المترجمة للعربية سنة 1975، أفكار التيار الرومانسي الأدبي المتجاوز التقليدية. تروي المسرحية قصة فارسٍ يمجِّد الفردية والعاطفة والإيمان بالضمير الشخصيّ، مقابل القوانين الجامدة التي تجسّدها طبقة النبلاء والإقطاعيين. أما على مستوى الشكل، فقد خرجت هذه المسرحية على القواعد الكلاسيكية في وحدة الزمان والمكان والاقتصاد في الشخصيات، واستخدمت لغةً أقرب للغة اليومية شملت حتى الشتائم. كلّ ذلك جعلها ذروة تيار "العاصفة والاندفاع" الأدبي اتجاهاً أدبياً جديداً يرفض الخضوع للقواعد الكلاسيكية في الشعر والمسرح.

في رواية "آلام الشاب فيرتر" الصادرة بنسختها الأولى سنة 1744، والمترجمة للعربية في عدّة ترجماتٍ، يروي غوته سيرة شابٍ يُدعى فيرتر يقع في حبّ فتاةٍ مخطوبةٍ من صديقه فينتهي به الأمر منتحراً للتغلّب على صراع مشاعره. الرواية مكتوبةٌ على هيئة رسائل من فيرتر إلى صديقه، وتجسِّد ميل هذا التيار للكتابة عن المشاعر الجارفة والذاتية والفردية. لم تكن الرواية عملاً خارجياً، بل هي — ومثلما يوضّح غوته نفسه في الكتاب الثالث عشر من السيرة المترجمة للإنجليزية — عملية تطهيرٍ روحيٍّ وعزاءٌ بسرد مشاعره الخاصة عن حدث انتحار صديقه كارل يروسلاو هوب.

لم تكن ذروة الرومانسية نهاية تفكير غوته، إذ عرف تحوّلاً نحو الكلاسيكية بعد رحلته إلى إيطاليا سنة 1786، بسبب اهتماماته الفكرية والفنية المختلفة في هذه المرحلة والتي كانت قد بدأت قبل هذا بأعوام مثلما تخبرنا سيرته. فقد بدأ يهتمّ ببعض الفلاسفة مثل الهولندي باروخ سبينوزا الذي يُعدّ تتويجاً للتراث العقلاني منذ ديكارت. ومثلما يذكر في الكتاب الرابع عشر من السيرة المترجمة للإنجليزية سنة 1849، وجد غوته في كتب سبينوزا، وخصوصاً كتابه "علم الأخلاق"، رؤيةً لعالمٍ يحكمه المنطق وطبيعةً متناغمةً مع الفكر في وحدة وجودٍ رياضيةٍ وفلسفيةٍ، إذ يعدّون الله هو الطبيعة، التي تنتظم وفق قوانين ضروريةٍ ثابتةٍ وأزليةٍ، وقد صيغت وفق منهجٍ هندسي. وقد منح هذا غوته عزاءً من نوعٍ مختلفٍ، لا يقوم على العاطفة الشديدة والتمرّد، بل على تذكّر موقع الفرد ضمن هذه المنظومة الأشمل والأكثر تناغماً. وهو موقع الممتنّ لا منتظر المقابل. فمثلما يقول غوته، إن أشدّ ما ربطه بسبينوزا هو حديثه عن حب وتأمل الطبيعة دون طلب أيّ منفعةٍ أو فائدةٍ، فالحب لا يفرض على المحبوب مقابلاً، ويذكر أن هذا هدَّأ انفعلاته وفتح أمامه منظوراً أوسع للعالم. 

كذلك بدأ يهتم بالعلوم الطبيعية التي راجت حينئذٍ، مع صعود علماء وفلاسفة الموسوعة مثل الفرنسيَّين دالامبير وديدرو، اللذين جسّدا عقلانية سبينوزا بالبحث عن السببية الطبيعية في كل المجالات مثل الأحياء والفلك. يتضح قرب غوته من فلاسفة الموسوعة في ترجمته إحدى روايات ديدرو "ابن أخي رامو" إلى الألمانية. ولعلّ أحد أسباب هذا التحوّل الفكري يتمثل في صداقة غوته مع الفيلسوف الألماني فريدريش شيللر وتعرّفه عن قرب إلى فلسفته الجمالية. توجد أسبابٌ شخصيةٌ لهذا التحوّل أيضاً. فقد عدّ غوته حبّه لشارلوته فون شتاين، ثم انفصاله عنها، تعبيراً عن مرحلة تفكيره في ضرورة تجاوز الاندفاع العاطفي نحو التفكير العقلاني، إذ كانت علاقتها القائمة على عقلانيتها بدايةً لتهدئة انجرافه العاطفي. لم يذكر غوته هذا بوضوحٍ في سيرته، لكننا نعرفه من رسالته إلى أوغستا لويزا، كونتيسة شتولبرغ، التي نُشرت بالألمانية سنة 1912، إذ قال عن شارلوته "إنها ملاك [. . .] هي التي أدين لها بتهدئة قلبي". 

أثّر هذا التحوّل في كثيرٍ من مسارات حياة غوته. فلم يقف عند قصة حبّه أو تحليله النصوص التي كتبها في شبابه ومحاولته تفسيرها عقلانياً لتكون كتاباتٍ تهدئ العاطفة، بل امتدّ إلى الميدان السياسيّ. وتنتهي سيرة غوته المكتوبة عند هذه اللحظة الحاسمة التي يقبل فيها الانتقال إلى بلاط عاصمة دوقية ساكسونيا-فايمار، الذي تحوَّل في هذا القرن مركزاً لاستقطاب الفنانين والفلاسفة، ليرسم لنا كتابه الصغير "كامبنيا إن فرانكرايش" (الحملة في فرنسا) المترجم للإنجليزية سنة 1894 صورة عن رجل دولةٍ يرفض الثورات العاطفية مثل الثورة الفرنسية، ويجد الحلّ السياسيّ في مستبدٍّ مستنيرٍ على غرار الحكّام الفلاسفة في جمهورية أفلاطون.

اختار غوته عنواناً لافتاً لسيرته الذاتية "من حياتي.. الشعر والحقيقة" ليعبِّر عن مرحلتين أساسين في حياته. فالشعر هو الشباب والاندفاع، في حين تمثّل الحقيقة مرحلة العقلانية اللاحقة. العنوان الخالد يضيف على صراع غوته الفردي صراعاً عاشته الذات في ذلك العصر بين العاطفة والحقيقة، سواءً فيما يتعلق بالمعرفة والفلسفة والطبيعة والحب أو ما يتعلق بالسياسة والمجتمع. 


مثلما يذكر الناقد البريطاني جون أور في كتابه "السينما والحداثة"، المترجَم للعربية سنة 2015، فإنّ كاميرا السينما مثَّلت ما يُشبه "عين الإله". إنها بديل الراوي العليم في الرواية، الذي يعرف كلّ شيءٍ، فيسرد مسار الأحداث ويفحص نفسية البطل أكثر مما يفهم البطلُ نفسَه وعالمَه، ما يجعل هذه الكاميرا قادرةً على بناء سيرةٍ للأبطال. لكنّ أفلام الكاتب والمخرج والممثل الأمريكي وودي آلن لا تعرف هذه الكاميرا، ولا تعرف راوياً عليماً، بل تدور منظوراتها لنفسها عبر عدسةٍ شخوصها أنفسهم. لا تبحث ذوات آلن عن خلاصٍ ما أو راحةٍ في اليوم السابع، ولا تجسّد صراعاً فكرياً فلسفياً وسياسياً بين العقل والعاطفة والثورة والحُكم الرشيد. هي مجموعة ذواتٍ فقدت كلّ أساسٍ شاملٍ لتعريف ذاتها، وكلّ قدرةٍ على الإفصاح عنها والتواصل مع الآخرين، بعد تفكك اللغة. فلم يبقَ إلا محاولات ترميم هذه الذات، عبر تقنياتٍ سينمائيةٍ استخدمها آلن ببراعةٍ، مثل لعبة المرايا وأحاجي التجميع التي تمارسها الكاميرا وكسر الجدار الرابع، حين تتحدث الشخصية مباشرةً إلى الكاميرا.

في فيلم "زيليغ" الصادر سنة 1983، نتعرف على شخصية زيليغ عبر الروايات عنه. فنحن لا نصادفه بشخصه، بل نتعرّف إليه من خلال شهاداتٍ وموادّ أرشيفيةٍ وحوراتٍ ولقاءاتٍ مع أطبّاء علم نفس. لا يقدِّم هؤلاء أيّ صورةٍ متكاملةٍ عن زيليغ، بل تختلف شهاداتهم وتتناقض، ما يقطع الطريق على رسم صورةٍ مكتملةٍ له. كذلك، فإنّ المواد الأرشيفية تُظهِر البطل وكأنه لا يملك أيّ هويةٍ متماسكةٍ، فيظهر بهوياتٍ كثيرة. هو رياضيٌّ وعازف جاز وأكاديميٌّ وصينيٌّ وأسود، وهي هوياتٌ تتشكَّل بهدف اقتناص الاعتراف والانتماء بعد فقدان القدرة على صنع هويةٍ أصيلةٍ حقيقية، فتفضي لتشذّرٍ لانهائيٍّ للذات.

يعود وودي آلن إلى الطريقة نفسها في عدّة أفلامٍ، أبرزها "ديكونستراكتنيغ هاري" (تفكيك هاري) الصادر سنة 1997. ففي هذا الفيلم، نجد أنفسنا أمام عملية تفكيكٍ وإعادة بناءٍ شاملةٍ لهاري، من خلال تتبع النظرات إليه من جهتين. جهةٌ واقعيةٌ تمثلها زوجاته وصديقاته اللواتي يمثلن آخر متفاعلٍ يبحث عن ذاته في رواياتهن، وجهةٌ خياليةٌ تمثلها شخوص روايات هاري التي يجسّدها بنفسه. تظلّ ذات هاري مبعثرةً بين كلّ هذه المنظورات، دون أن نستطيع تركيب ولو صورةٍ واحدةٍ متّسقةٍ عن هذه الذات. وهذا تعبيرٌ صارخٌ عن ذروة غياب الذات وعدم القدرة على سردها، مهما تعددت المنظورات.

الطبيب النفسي هو أحد الآفاق الأساس التي يسرد في سياقها شخوص وودي آلن حيواتهم. تأتي أهمية الطبيب النفسي في أفلام آلن من قدرته – أي الطبيب – على حفظ العالم من الجنون. فمثلما يقول آلان في فيلم "بلاي إت أغين سام" (أعزفها مجدداً سام) المنتَج سنة 1972، فإنّ المدينة تصبح مدينة مجانين في أغسطس بسبب سفر الأخصائيين النفسيين. يعتبر آلان طبيبه في مرتبة محاميه ويعتبر أن الطبيب النفسي يحفظ العالم من الجنون بقدرته المفترضة على لملمة الذات، من خلال تحوّله إلى أفقٍ للسرد، أو إلى أكثر من مجرّد آخر مرآويٍّ يعكس الذات. إلا أنّ إحباط أبطال وودي آلن من المحللين النفسيين يظهر بوضوحٍ في سخريته منهم ومن تحليل فرويد النفسي. فمثلاً، في فيلمه "تو روم ويذ لف" (إلى روما مع الحب) الصادر سنة 2012، يسخر  "جيري " – الذي يجسد دوره وودي آلن – من اهتمام زوجته بالطب النفسي ويطلب منها حين تقابل فرويد أن تطالبه بما دفعه لقاء جلسات التحليل النفسي.

يمثل الحب كذلك إحدى الطرق التي يحاول بها شخوص وودي آلن تجاوز عزلتهم وترميم ذواتهم، عبر المنظورات المختلفة، إلا أنّهم كثيراً ما يحبَطون في نهاية الأفلام. أبطال آلن مثقفون وسينمائيون وكتّابٌ يتواصلون بشأن اللوحات والكتب والأفلام. ومع ذلك، يعجزون في أحيانٍ كثيرةٍ عن إقامة تواصلٍ إنسانيٍّ عميقٍ بسبب ضياع هوية الذات وفراغها الداخلي العميق وفقدانها الثقة بالعالم. في فيلم "مانهاتن" المنتَج سنة 1979، يركّز أيزاك (وهو كاتب ساخر) على تعليم ماري وتثقيفها وعقد حواراتٍ عميقةٍ معها حول الفلسفة والجنس. وقد مثّلت هذه العلاقة تحدّياً له، ومحاولةً لإثبات ذاته. في المقابل، فإنّ علاقة أيزاك مع الشابة ترايسي لم تمثّل أيّ تحدٍّ بالنسبة إليه لأنها تحبّه. وبعد فشل العلاقة مع ماري بسبب عدم قدرته على تجاوز الصراع والتحدي نحو تواصلٍ عميقٍ، فإنه يواجه قلّة ثقته في الناس من خلال علاقته بالفتاة التي تحبّه. فهو لا يريدها أن تسافر وتدرس التمثيل، خوفاً من تغيّرها. يمثل التغيير كسراً لذاتٍ ليس لها أيّ مرسىً بسبب فقدانها أيّ تواصلٍ داخليٍّ يؤسِّس لتواصلٍ مع الآخر. بلغة ريكور، تفقد ذوات وودي آلن "هويتها العينيّة" المتمثلة في استمرارية السِمات الشخصية التي تجعل الشخص ما هو عليه. فلا تستطيع الوصول إلى "هويتها الفعلية التاريخية"، عبر وساطة السرد أو الوعد والحب. وبالتالي، لا تزداد إلا تفككاً بالتحرّك السائل بين الهويات المتناقضة.

يمكن اعتبار فيلم "بلو جاسمين" (ياسمين أزرق) الصادر سنة 2014 قمّة انهيار الذات بانهيار القدرة على التواصل والحب. فجاسمين التي ترتبط برجل أعمالٍ، ترفض كل العلامات التي تشير إلى نشاطه المهنيّ المشبوه، في سبيل الحفاظ على هويّتها المتشكّلة من الزواج نفسه. ومع أنها حاولت الخروج نحو حياةٍ جديدةٍ أرادتها مشبعةً للذات، ينتهي زواج جاسمين بتفكّكٍ كاملٍ لذاتها. تبدأ محاولةٌ أخرى لترميم ذاتها عبر الدراسة والتواصل مع أختها، إلا أنّ كلّ هذه المحاولات تفشل لأنها غير مبنيّةٍ على جهدٍ حقيقيٍّ في بناء الذات. فلم تكن محاولة جاسمين سرد ذاتها والآخرين طوال الفيلم حقيقية. فقد خلقت تاريخاً ومستقبلاً وهويةً مزيّفين، ما عمّق من تشذّر الذات وتفتّتها بدلاً من إعادة بنائها.

بعد فشل الحب والطبيب النفسي، يمثل المُشاهِد نفسُه آخر الآفاق التي يسرد من خلالها شخوص وودي آلن حيواتهم. فعبر الحديث مع الكاميرا، تحاول هذه الشخوص خلق أفق حوارٍ يُمكِّنها من بناء ذاتها. يفشل شخوص آلن في التواصل الفعليّ حول أبسط القضايا. وتتحوّل كل مناقشةٍ إلى دورانٍ لا ينتهي حول قضايا مختلَقةٍ، "مثل تلك القضايا التي يخلقها أهل مانهاتن لأنفسهم كي يهربوا من المشكلات الحقيقية التي تواجههم"، كما يعبِّر بطل فيلم مانهاتن.

في أفلام وودي آلن، يأتي الحوار مع الكاميرا محاولةً لتلخيص رحلة الذات في العالم الحديث بين أسئلة الجنس والحب والموت. وهي محاولةٌ لا تفضي لأيّ إجابةٍ ولا تستطيع بناء قصةٍ، فتعاود الظهور مرّةً أخرى من فيلمٍ لآخر. وبينما يعيش شخوص السويدي إنغمار بيرغمان (مخرج آلن المفضل) "صمت الإله"، ما يسبّب حيرتهم الوجودية الدائمة وبحثهم المضني عن معنىً، يعيش أبطال آلن المفكّكين الصمت الكامن خلف الجدار الرابع المكسور. فالمشاهد لا يردّ حين تتوجّه إليه شخوص آلن، إذ لا أحد يستطيع المشاركة في بناء قصة. يعيش الجميع في ما يبدو عصر التفكك وسيولة الهوية ونهاية القصص، أي نهاية المرجعيات التي شكلت أفقاً لبناء الذات، بتعبير الفيلسوف الفرنسي جان فرنسوا ليوتار في كتابه "الوضع ما بعد الحداثي" المترجَم للعربية سنة 1994.


كان التاريخ ومجتمع الآداب والمُشاهِد المفترَض آفاقاً تقف خارج الذات، وتبني الذات نفسها من خلال علاقتها بها. فهي توفر لها أطراً سردية وأخلاقية، وآخَرَ تتفاعل معه، فتتشكّل صورتها عن نفسها من خلال هذه العلاقة. أما في حالة تطبيقات الدردشة الاصطناعية، تلك التي باتت تعمل أفقاً جديداً لسرد حكايتنا، فلا شيء يوجد خارج الذات. فبسبب اعتماد تطبيقات الدردشة على دائريةٍ تحكم عملها، إذ تتحرك عبر التوليد الذاتي لمعلوماتٍ معطاةٍ سلفاً، فإن القصة التي ترويها للذات مصدرها الذات الفردية نفسها، ما يجعل هذا الأفق أفقاً مغلقاً على الذات، يشكل نهاية قدرتها على الانبناء.

تعمل تطبيقات الدردشة عبر تخزين المعلومات وإعادة إنتاجها ونمذجتها لغوياً في السياقات المختلفة. لذا فإننا حين نتحدث مع أحد هذه التطبيقات، عبر استخدام مفرداتٍ معينةٍ وتفضيلاتٍ خاصةٍ وميلٍ لموضوعاتٍ بعينها، فهي تكوِّن صورةً متخيَّلةً عنا. ثم عبر استخدام النمذجة اللغوية والذاكرة، تعيد هذه التطبيقات إنتاج الكلمات والموضوعات المناسبة مع كلّ سياق. وحين نطلب منها أن تكتب قصةً عنّا، فإنها تكتب قصةً معتمدةً على هذه البيانات. هذا يعني غياب أي نوعٍ من التفاعل بين طرفَي القصة. فالتطبيق لا يملك قصةً خاصةً به، مبنيّةً على مسارات الذاكرة والفعل والقصد والوعد والسرد، فتتداخل مع ذاكرتنا ومقاصدنا وملامح قصتنا، فتحفزنا على إعادة بنائها. هنا، تفقد اللغة وظيفتها وسيطاً بين الهوية العينية والهوية الفعلية. وتفقد اتساعها باعتبارها موسوعةً من المفاهيم والسرديات وعوالم الوجود، لتتحول إلى معجمٍ محدودٍ ضيّقٍ ملتفٍ حول ذاته، وهذا يحرم الذات من الأفق الذي كانت تستخدمه البشرية دوماً لسرد ذاتها.

هذه الطريقة لبناء الذات ليست سوى مضاعفةٍ لما تسمّيه عالمة الاجتماع الفرنسية إيفا إيلوز في كتابها "حميميات باردة" المترجم للعربية سنة 2025، تحوُّل "التمثيل الانطولوجي للذات". فالذات تحوَّلت لتجميع لعناصر مُتعمَّدٍ تجميعُها والتلاعبُ بها بقصد خلق انطباعٍ معين. يكثِّف فراغ ودائرية هذا البناء غياب البعد الجسدي، وهو بعدٌ مهمٌّ في أقرب مسارٍ من مسارات الدردشة، أي العلاقات البشرية. فكما ترى إيفا إيلوز فإن غياب البعد الجسدي من التواصل يؤدِّي إلى نوعٍ من المثالية الفارغة والتشييء والتنميط الناتج من الاقتصار على التمثيل اللغوي، ومن غياب المحدِّدات الشخصية المعتمدة على الحضور الجسدي المباشر. إذا كان الأمر كذلك بين موجودين بشريين فإنه يتضاعف حين يكون أحد الطرفين غير بشريٍّ، إذ تتصاعد النرجسية عبر إعادة الشخص تشكيل وإنتاج مفرداته وأحياناً صوته وطريقة تعاطيه بالمعجم الشخصي المناسب، لتفقد العلاقة أي قدرةٍ على تجاوز الذات وحدودها.

يجسد هذا المسار المغلق بيئةً آمنةً من الآخر، أو تحديداً من حرية الآخر. إذ يمثل الآخرُ غيرُ المرآوي الحرُّ القادرُ على الرفض والقبول والتفاعل والتعديل أساسَ تحوُّل الذات وتغيراتها وتطوراتها، وفي سياقٍ يميل لبناء بيئاتٍ وأوساطٍ آمنةٍ حول الذات عبر خوارزميات وسائل التواصل، لضمان استمرار الأفراد عليها وقضاء وقتٍ أطول، فإن الذات تستخدم تطبيقات الدردشة الاصطناعي لتمديد هذا السياق الآمن وتحويله لحديثٍ شخصيٍ، إلا أن الثمن المدفوع هنا هو الذات نفسها وحرمانها من أيّ حياةٍ خارج ذاتها المغلقة.

في كتابه "نهاية المحادثة" يعتبر دافيد لوبوطرون أن العصر الحالي يجسِّد نهايةً للحوار والمحادثة وتفاقم للاتصال، لا يفتأ يزداد حتى يصل إلى تطبيقات الدردشة الاصطناعية. نهاية المحادثة تعني نهاية التبادل الجسدي والحواري والحركة المتبادلة بين الصمت والكلام، ونهاية الإحباطات والصدمات والتعلم والتطور الذي يفرضه حضور الآخر المتفاعل. يعتبر لوبوطرون أن هذه النهاية تتماشى مع شكل الذات ما بعد الحداثية ذاتاً نرجسيةً تبحث عن "حوار مع نفسها بلا انقطاع". وهذا الحوار الذاتي المرآوي لا يمكنه بمفرده توفير شروط بناء ذات.  


لم أستخدم تطبيقات الدردشة الالكترونية شخصياً إلا أثناء كتابة هذا المقال. فغالباً ما كنت أستخدمها للبحث عن ملاحظاتٍ نقديةٍ لبعض الكتابات الخاصّة. لكن أثناء كتابة المقال طلبتُ منه أن يرسم صورةً عنّي وفق أحاديثنا، وقد كانت صورةً مجتزأة. هذه الصورة لا تشبه الصورة الناتجة عن نظرٍ في مرآةٍ، بل تشبه تلك الناتجة عن النظر في بعض كسورٍ من مرآة. 

لفت نظري بالأساس كيف غاب أفق السرد المتمثل في "اللغة المشتركة"، سواءً اللغة المشتركة الكونية المتمثلة في النصوص الدينية والفلسفية، أو اللغة المشتركة بين الأصدقاء. فكلما وضعت في حديثي كلمةً تحمل إحالةً أو توريةً أو استحضاراً لقصةٍ ما أو حدثٍ كونيٍ نصّيٍ أو شخصيٍ، ربما كان قادراً على متابعة الإحالة في إجاباته، لكن دون قدرةٍ على استحضار تاريخ دلالتها الشخصي. وهو الأمر الذي يظهر في رواية التشيكي ميلان كونديرا "كائن لا تحتمل خفته"، المترجمة للعربية في أكثر من ترجمةٍ، أن معجم الكلمات المشتركة هو محور التواصل البشري. إذ عبر فهمها أو سوء فهمها تتشكَّل الصلة بين الشخصيات. ويمثِّل تاريخ كل شخصٍ مع من حوله إعادة بناءٍ وتركيبٍ للكلمات المشتركة، فهذه الكلمات تتحرك عبر التاريخ، تاريخي وتاريخ النص وتاريخ الشخص الآخر لتنتج معاني مكثفةً ومتحولة.

ومع عدم قدرة تطبيقٍ قائمٍ على الاستعادة الآلية للكلمات مفرَّغةً من سياقٍ فعليٍ حياتيٍ قادرٍ على تكثيف وتطوير هذه الكلمات، فإن هذا قد يعني نهاية التواصل، ويفرغ الذات من أساس السرد ومن قدرتها على الانبناء. فنحن نحتاج للحديث مع الآخرين الأحرار والمتفاعلين، حتى تتشكل لنا ذاتٌ وقصةٌ يمكن سردها. 

اشترك في نشرتنا البريدية