أما أنا فأحسست أن تلك الانتقادات وليدة قلقٍ دفينٍ أو خيبة أمل. إذ كان الصديقان يتوقعان من فنان بثِقل وشهرة ناصر البوعزيزي "ناصر أكراف"، وهو قائد الفرقة، أن تظل أعماله لصيقةً بهموم الإنسان الأمازيغي الريفي وقضاياه. فقد صدرت الأغنية في الفترة التي شهدت حملة اعتقالات واسعة شنتها السلطات المغربية في مواجهة احتجاجات الريفيين العارمة على أوضاعهم الاقتصادية والاجتماعية سنة 2017، التي سُميت "حراك الريف". وقتئذ اجتاحت الاحتجاجات مدن الريف، وخرج فيها الرجال والنساء استنكاراً لمقتل بائع السمك محسن فكري أثناء احتجاجه على إلقاء بضاعته في حاوية نفايات حين قفز في الحاوية فقتلته طحناً بين أتراسها. ثم سرعان ما تطورت الاحتجاجات إلى مطالب ببناء مستشفى لمرضى السرطان في المنطقة وإنشاء جامعة لطلابها، وإنهاء حالة التعامل الأمني المفرط في مناطق الريف تحت شعار "رفع العسكرة عن الريف". غير أن الأمر كله انتهى بحملة قاسية من الاعتقالات وأحكام سجن كبيرة طالت أبرز النشطاء.
إبّان سنوات الاحتجاجات تلك، انتقلتُ إلى منطقة الريف، شمال المغرب، بعد التحاقي بالعمل فيها معلمةً للغةِ الفرنسية. وبدأ اهتمامي منذ تلك اللحظة بما يحدث في الساحة الموسيقية فيها. ساهمت أصولي الأمازيغية وإتقاني النسبي لهجةَ المكان في تآلفي السريع مع النغم الريفي. وتعودتُ بسرعة على كون أغلب أغانيهم تعدُّ احتفاءً بالهوية الأمازيغية والأرض والرموز الثقافية العظيمة أمثال "مولاي موحَند"، وهو محمد بن عبد الكريم الخطابي، زعيم حرب التحرير ضد الاستعمار الإسباني في عشرينيات القرن العشرين.
بدا هذا الاحتفاء شيئاً مسلَّماً به ويتخلل كل شيء، إلى حد أن كل الأهازيج الريفية أو "إزران"، كما يسمِّيها أهل الريف، تبدأ بذكر "رالا بويا"، الملكة الأمازيغية المحاربة في الحكايات الشعبية الريفية. وبعد ذكرها، ينتقل الغناء لذات المواضيع التي لا تخرج عنها جُل الأغاني الريفية، وتكاد تكون حصراً مواضيع الأرض والهوية الأمازيغية. حتى إني شعرتُ أحياناً بأن الأغاني التي تخرج عن تلك المواضيع، تُعامل باستعلاء كبير كما لو أنها فن من الدرجة الثانية. فأدركت أن الجمهور الريفي يرفع الغناء إلى مكانة عالية لا ينبغي التفريط بها.
ارتبط الغناء بحياة الإنسان الأمازيغي الريفي تاريخياً، وتخلل تفاصيل حياته اليومية. كان الريفيون يتبارون في غناء أبيات من أهازيج "إزران" المنظومة شعراً لمحاكاة الأفراح والأتراح، ولحظات الاحتفاء الجماعي بالحصاد والابتهاج بخيرات الأرض. ورافق الشعرُ الغنائي الريفيين في حروبهم التحريرية الكبرى ضد المستعمر الإسباني، إلى حد أن الشعر بدا وقوداً للمعارك. وبعد الاستقلال، عبّرت الأغنية الريفية عمَّا عانته منطقة الريف من تهميش وإقصاء بعد استقلال المغرب عن الاحتلاليْن الإسباني والفرنسي سنة 1956. إذ وصفتْ حملاتِ القمع العسكري أثناء انتفاضة سنة 1958 بسبب المشاكل السياسية والاجتماعية والاقتصادية في الريف، ثم سجلت القمع الدموي لاحتجاجات سنة 1984 المعروفة بانتفاضةِ "الخبز والكرامة". عبَّرت كذلك عن الأثر الذي خلقته موجات الهجرة إلى أوروبا الغربية، التي اعتبرها الكثيرون تهجيراً ممنهجاً ناتجاً عن تهميش المنطقة.
هذه الخصوصية التي لازمت الغناء الريفي، رفعته إلى مكانة بارزة جعلت أي تجديد فيه يُقابل بحذر شديد قد يصل إلى الاستهجان أو الوصم. وبات الخروج عن مواضيع الهجرة والأرض والحنين إلى الوطن الأم أو الحب العذري مغامرةً قد ينتج عنها اعتبار الفنان خائناً قضيةَ الريفيين الأمازيغ. بل ربما عُدَّ مندساً يهدف إلى إلهاء الشباب الذين يستمعون إلى أغانيه عن قضاياهم الأساس، بالترويج للإسفاف والابتذال.
يصعب الحديث عن بدايات الشعر الأمازيغي الريفي، خاصة وأنه ظل أدباً شفهياً فتراتٍ طويلة، كما يقول جمال أبرنوص، الباحث المغربي في اللغة والثقافة الأمازيغية بجامعة محمد الأول، في مقال صدر سنة 2021 بعنوان "الشعر الأمازيغي الريفي التقليدي بعيون مستمزغي فرنسا الكولونيالية". ويؤكد أبرنوص أننا نعثر على إشارات وأبيات منه في أعمال الكثير من المستمزغين ابتداءً من النصف الثاني من القرن التاسع عشر. ويذكر أبرنوص في مقاله أن المستمزغ الفرنسي صامويل بيارناي أورد ستين بيتاً شعرياً ريفياً في كتابه "ملاحظات حول الأشعار الشعبية الريفية" الصادر بالفرنسية سنة 1915، وقسمها إلى أشعار مخصصة للاحتفالات والحب وأخرى مخصصة للحرب. وينقل أبرنوص عن الفرنسي هنري باسيه في كتابه "دراسات في أدب الأمازيغ" الذي صدر بالفرنسية سنة 1920، في تعريف هذه الأشعار أنها "أشعار الحرب الغنائية، تُنشد سيراً في الطريق إلى العدو. [هي] صيحات الحرب الموزونة والتقليدية، شديدة القصر في الغالب، تتشكل من صرخات متبوعة بابتهالات موجهة للولي، ومن صيغ لا تنطوي على دلالات كبرى، لكنها تحمل تناغمات حادة، تهدف إلى ترويع الخصم [. . .] الأمازيغ جميعهم، على الأرجح، لا يعرفون هذه الأشعار، أما الريفيون، أشد الأمازيغ ميلاً للقتال، فإن هذه الأشعار تحوز لديهم صفات مميزة جداً".
واستوقف الشعر الغنائي الريفي "إِزْرَان" كل علماء الإناسة الذين حلوا بالريف، من أمثال إميليو بلانكو، المسؤول العسكري الإسباني بالمنطقة في النصف الأول من القرن العشرين. إذ اهتم بلانكو بعروض الفُرجة الريفية "الرايس" التي يختلط فيها الشعر بالموسيقى والرقص. وذهب الأمريكي ديفيد هارت إلى حد اعتبار أن "كل قبيلة لا تتغنى بلاللا بويا لا يمكن أن تكون ريفية". يقول عبد الصمد المجوقي، الباحث المغربي في التراث الشعبي والأدب الأمازيغي بمنطقة الريف، في حديث للفراتس إنَّ "الغناء لم يكن للتسلية والترفيه فحسب، بل كان سمة ثقافية لشعب، وتقليداً اجتماعياً ذا طابع مؤسساتي. ويكفي أن نذكر أن أوجيست مولييراس [واحد من أوائل علماء الإناسة الفرنسيين الذين زاروا الريف] استغرب أثناء وجوده في قبيلة "أيث ورياغل" من اهتمام الريفيين بالغناء إلى حد أنه يأخذ وقتهم كله".
ويعتمد الشعر الريفي على احترام القافية والروي كما يذكر جميل حمداوي، الباحث المغربي بجامعة عبدالمالك السعدي، في مقاله "أبحاث حول الشعر الأمازيغي بمنطقة الريف" (2023). ويشدد حمداوي على أهمية تمثُّل الميزان العروضي السداسي المقاطع، على غرار ما يتجلى بوضوح في لازمة "لايارا لايارا .. لايارا لابويا".
حملت تلك اللازمة أكثر من تفسير. شدد البعض على الاكتفاء بأنها ميزانٌ شعريٌ، كما يقول الفنان الريفي نجيب أمازيغ في حوار أجرته معه جريدة العالم الأمازيغي سنة 2024. وذهب آخرون إلى إثقالها بالحمولات التاريخية والثقافية. ومال قسم منهم إلى تصويرها نداءً لأنثى مقدسة هي "رالا بويا" أو "السيدة بويا"، كما يذكر الكاتب المغربي عبد المومن محو في مقاله المنشور على منصة "رصيف22" سنة 2021 "رالا بويا [. . .] من أنثى مقدسة إلى لازمة تلهم مغنيات الريف المغربي وشعراءه". لكن هناك طرح آخر في البحث عن أصل ذاك النداء، سجله الباحث ديفيد هارت في كتابه "أيث ورياغر قبيلة من الريف المغربي" الذي صدرت ترجمته العربية سنة 2016. ربط هارت اللازمة بمأساة تدمير مدينة النكور الأمازيغية على يد أمير المرابطين يوسف بن تاشفين سنة 1084. وهي النكبة التي خلفت العديد من اليتامى والأرامل اللواتي شرعن ببكاء ذويهن شِعْراً، فكانت الفتيات الريفيات يصرخن وسط النار والدخان، مناديات على آبائهن المقتولين في الحرب: "أبويا" بالدارجة وتعني "يا أبتاه". غير أن هذا النداء قد حُوِّر لاحقاً، حيث أضيفت عليه عبارة "أيارالا" ليصبح "أيارالا بويا".
هكذا ارتبطت أهازيج إزران بتصوير هموم الريفيين وما يجيش به وجدانهم، وكان التغني بها ضمن حفلات الجماعة وفق طقوس محددة لا يمكن بأي حال تجاوزها. تصف الكاتبة البريطانية أورسولا كينغسميل، التي عاشت بالريف بين الخمسينيات والستينيات من القرن الماضي، تفاصيل واحدة من هذه الأمسيات في كتابها "ما وراء باب الفناء"، المترجم إلى العربية سنة 2010. فتقول: "تجاوبت الفتيات مع الإيقاع الذي بدأه الرجال فخرجن من الظلام في مجموعات من أربع عازبات كل مرة حاملات دفوفهن أيضاً [. . .] وانطلقن في ترديد الأهازيج. وتتكون هذه من لازمة 'رالا بويا' التي تتكرر باستمرار تتخللها أبيات، أي 'إزران' من نظم الفتيات أنفسهن [. . .] تنتظم كل مجموعة من الفتيات في صف أفقي، وبدل الرقص يتقدمن إلى الأمام ثم يتراجعن إلى الوراء حسب إيقاع بطيء. وعند تغيير الإيقاع عبر نقر سريع على الدفوف من طرف الرجال تستجيب الفتيات حيث يسرعن من خطواتهن". وتذكر روايات شفهية شعبية أن النساء كن يحق لهن الغناء قبل أن يصدر عبدالكريم الخطابي قراراً بمنع حفلات إزران، فعبرت النساء عن غضبهن من القرار بغناء أهازيج وصل لنا منها هذا البيت:"مولاي موحند ما ذوا ذرحكام نش، وامي ذجيذ لارا [رالا] بويا واثدجي ذي طامواث إينش"، أي "أيا مولاي موحند هل هذا هو حُكْمك؟ أن تجعل لارا بويا غائبة عن أرضك؟".
هذا الاحتجاج الشعري على قرار من قرارات الزعيم الريفي المحبوب يوضح أهمية الإزران في الثقافة الريفية. ولا شك أن هذا الخيار الناتج ربما عن تكوين الرجل الديني الشرعي أو ظروف الحرب سرعان ما انقضى، وعادت النساء العازبات للغناء في الحفلات والمناسبات. أما في الحروب فقد توسطت النساء الصفوف، وشاركن في القتال وتشجيع الرجال بالأهازيج والزغاريد، كما ذكر الخطابي نفسه في حديث أجراه معه الكاتب الفرنسي روجر ماثيو سنة 1927. ومن هناك خرجت ملحمة "دهار أوبران" الشعرية الأمازيغية التي اشتهر منها بيت يمكن ترجمته:
أيا دهار أوباران أيا مُسوس العظام
من غَرَّرَ بك سيغرر به الزمن
هل حسبتَ الريف سهلا؟
هل حسبتَهُ كقَطْفِ أزهار بنعمان؟
نحن الأمازيغ مجاهدون منذ القدم
تؤرخ هذه التحفة الشعرية ذات النفس البطولي لمعركة تَلَّة ادهار أوباران سنة 1921، وتبرز دور الأهازيج في الملحمة، فقد ارتفع الشعر الغنائي إلى مرتبة المقاومة الثقافية. لم يكن ذلك وليد تلك اللحظة فقط، إذ يقول محمد أدراوي، الباحث المغربي في مختبر التراث الثقافي والتنمية بجامعة محمد الأول، إنَّ الشعر الريفي واكب حروباً سابقة لحكم مولاي موحند، ومن أهمها المعارك التي خاضها الشريف محمد أمزيان ضد المستعمر الإسباني قبل أن يُقتل سنة 1912. ويورد في مقاله "مقاومة محمد بن عبد الكريم الخطابي والشريف محمد أمزيان في بعض الأشعار الأمازيغية" المنشور سنة 2025، هذه الأبيات التي توثق لتلك المرحلة:
اضرب أيها المتردد، إذ لا بد من الموت
أن تموت مسلماً خير لك من جهنم
سيدي محمد أمزيان أيها المجاهد الحر
يحمل خنجراً في يسراه وأخرى في يمينه
ولا تزال الذاكرة الجماعية تحملُ بالأبيات الغنائية ذكريات أحداث مريعة في التاريخ الريفي، منها استسلام الخطابي للقوات الفرنسية ونفيه إلى جزيرة "لاريينيون" سنة 1926، ثم كيف جنَّد الإسبانُ أبناء الريف للمشاركة في الحرب الأهلية الإسبانية إلى جانب جيش فرانكو سنة 1936. وتُصَوِّر لنا الأبيات أحزان الجنود وذويهم، واضطرارهم للمشاركة في حرب أجبروا عليها، كما في بيت: "اجتمعت العائلة حول صينية الشاي، أما نحن فذاهبون لنموت في إسبانيا"، في إشارة إلى فراق المجندين جلساتِ العائلة الحميمية وهم يعرفون تماماً أن مصيرهم قد يكون الموت في بلد غريب.
تناقل المجتمع الريفي هذه الأهازيج شفهياً فترةً طويلة. ويقول مصطفى ثيبرينت، الباحث المغربي في جامعة محمد الأول، في مقاله "لا شونصون غيفان: إسطواغ، إفوليتيون، بغسبيكتيف" (الأغنية الريفية: التاريخ، التطور، الآفاق) المنشور سنة 2025، إنَّ هذه الأشعار والأغاني كانت تتجدد وتتغير بمرور الزمن، حتى تعكس التغيرات الاجتماعية والثقافية التي عرفتها المنطقة.
ومع أن "الغناء كان خاصية نسائية محضة بالريف، إذ لا يشارك الرجال في فرجة [مسرح] الرايس" كما يقول المجوقي، في حديثه للفراتس، مُستحضراً الحفلات التي كانت الفتيات يجتمعن فيها للغناء في مناسبات القبيلة، فإنه يصعب القول إنّ الإبداع الشعري كان حكراً عليهن وحدهن. فقد عرف الريف فرق "إمذيازن"، وهم الرجال الذين كانوا يُحصِّلون رزقهم من الغناء والرقص في الأعراس، ويطوفون على المداشر والدواوير (القرى) ملتقطين في طريقهم الجديد من النغمات والأهازيج ويتدربون عليها مطولاً ليقدموها لاحقاً في عروضهم.
وكان المجتمع الريفي يزدري هؤلاء صراحة، ووصل الأمر أحياناً إلى عزلِهم وَأُسَرِهِم اجتماعياً أو حتى منعهم من دخول مساجد الجماعة. ربما كان إنزالهم الغناء منزلة الحرفة التي يتكسبون منها المال سببَ هذا الوصم كما يقول جميل حمداوي في مقاله "مدخل إلى الرقص الأمازيغي المغربي" المنشور سنة 2010. وربما كان السبب جرأتهم على استخدام التعابير والألفاظ التي تتغنى بالحب الجسدي أو مفاتن النساء، التي لم يكن من الممكن مصادفتها في إزران النساء الاعتيادية. وقد استمر وصمهم إلى الحد الذي أصبحت فيه عبارة "أراح أميس أومذياز" أو "اذهب يا ابن الأمذياز"، واحدة من أقذع الشتائم في الريف.
على ذلك، رفضت بعض الأسر الريفية التي يحترف رجالها الغناء أن تحترف نسائها الحرفة نفسها. لكن الفنانة "ميمونت نسلوان"، المولودة وسط أسرة من إمذيازن، خالفت أعراف أسرتها التي كانت تستهجن احتراف امرأة الغناءَ، ما جعل عائلة والدها الكبيرة تتنكر لها وسط بلدة "سلوان" الصغيرة في الريف. انتشرت أغاني ميمونت وصوتها العذب في أرجاء البلاد، بعد أن وصلت إلى موجات الإذاعة الوطنية المغربية التي دأبت على الاهتمام بإنتاجات الفنانين الريفيين بعد استقلال المغرب سنة 1956. فحفلت الساحة الفنية الريفية بمجموعة من الأسماء البارزة من أمثال سلام الريفي وحميد التمسماني أو الفنان موذروس.
لقد كان احتراف الغناء في الريف يكتسي "طابعاً فضائحياً" كما يقول ثيبرينت، ولكن ذلك لم يمنع هؤلاء الفنانين عن مواصلة إنتاجهم الفني الذي أدخل تغيراً بارزاً على الأغنية الريفية. إذ يوضح الباحث أنَّهم "استبدلوا الغناء التقليدي بأشعار تتناول مواضيع متعددة، غنية بالرموز والمجازات". ومع أنَّ بنية البيت الشعري حافظت على شكلها الاعتيادي، إلا أننا نلمح منذ ذلك الحين اتجاهاً نحو اعتماد وحدة الموضوع في القصائد المغناة. وهو ما خالف ما سبقه، في تنوع الأغراض والمواضيع.
سارت بعدها متغيرات اقتصادية واجتماعية في المغرب بالأغنية الريفية نحو واحدة من أبرز تحولاتها. إذ يوضح مصطفى ثيبرينت أن الإقبال على المدارس والجامعات أنتج جيلاً جديداً من الشباب المتعلمين المتشبعين بالفكر اليساري. خاصة مع تراكم الغضب الشعبي جراء المناخ السياسي الخانق الذي تحدث عنه حسن الفارسي، واحد من أبرز فناني الريف، في لقاء مع قناة الجزيرة سنة 2007، متذكراً بأسى أجواء القمع العنيف لكل الأصوات المعارضة إبان سنوات الجمر والرصاص في سبعينيات القرن الماضي وثمانينياته. وهكذا صار من الشائع حسب ثيبرينت استخدام أجهزة المذياع وأشرطة التسجيل في الريف، للاستماع إلى "الأغاني الملتزمة" مثل إنتاجات فرقتي "ناس الغيوان" أو "جيل جيلالة" اللتين حظيتا بشعبية هائلة في المغرب حينها.
كان ذلك زمناً ملائماً للفرق الغنائية، وساهمت الجمعيات الثقافية مثل جمعية "الانطلاقة" بمدينة الناضور في الريف في احتضان المواهب الناشئة كما يذكر ثيبرينت. وسرعان ما انحازت الأصوات الريفية للغناء في مجموعات ترفع شعار الأغنية الملتزمة بهموم المضطهدين. فلمع نجم فرقة "تواتون" (منسيون) وألهبوا حماس الشباب بكلمات أغنيتهم "ناشنين عاذ وانموث أموك ذنويو كنيو" (نحن لم نمت بعد كما تظنون أنتم)، التي وصلت بحسها الثوري حد التوعد بحفر قبور للطغاة. واشتهرت فرق أخرى مثل فرقة "إصفظاون" (المشاعل) أو "إيثران" (النجوم) أو "إيني أومازيغ" (الأمازيغ)، وسارت كلها على نهج التغني بهموم الإنسان الريفي والمغربي.
هكذا عادت الأغنية الريفية للابتعاد عن وصفها "وسيلة للتسلية فقط" كما يقول ثيبرينت. غير أنها عانت في المقابل من التضييق الأمني الذي وصل إلى حد الاعتقال في بعض الحالات. وهذا اضطر عدداً من الفنانين إلى الهجرة إلى أوروبا الغربية دون أن يتوقف إبداعهم الغنائي، ودون أن تتوقف أغانيهم عن التسلل سراً إلى أسماع الريفيين على أشرطة موسيقية مهربة.
"خاتشي روازنة" (خالتي روازنة) التي أعادت فرقة "ثيذرين" أو (سنابل القمح) إنتاجها سنة 2013، هي واحدة من أبرز الأغنيات التي تعود إلى تلك الفترة. رفعت الأغنية حسن الفارسي مُؤسس "المجموعة" إلى ذرى الموسيقى الريفية في أذهان جمهوره وفرقته حتى اللحظة الراهنة. تحكي الأغنية قصة روازنة، امرأة مكلومة تركض على سفوح الجبال وتصرخ باسم ابنها "عْمارْ" بعد أن علمت بمقتله على يد الجنود. ولا تبتعد موسيقى العمل عن ما ألفه الريفيون، لكونهم يربطونها بما عاشوه أو روته لهم أمهاتهم أو جداتهم عن الانتفاضة الشعبية لسنة 1958، التي قادها شاب ريفي متعلم ضد تهميش المنطقة اقتصادياً وثقافياً وسياسياً، وانتهت بالكثير من الترهيب والدم والاعتقالات. بل يربطونها أيضاً بحكايات العائلة عن القمع الدموي لاحتجاجات سنة 1984. وما يزيد ارتباط الريفيين بالأغنية أنَّ الكثير من النساء في الأسر الريفية يحملنَ اسم روازنة أيضاً، وهو اسم تقليدي ظل شائعاً فترةً طويلة في المنطقة. ويحمل الكثير من الأبناء اسم اعْمارْ، الذي يُنطق "اعْما" في بعض القبائل كما في أغلب مقاطع الأغنية. وهكذا فهي أغنية تجعل المستمع الريفي يشعر بأنه في بيته، مع كل ما يحمله هذا البيت من ذكريات التلاحم أو المعاناة والصدمات الجماعية في تاريخ المنطقة الحافل بالتوترات.
هذا التمسك بالهوية الأمازيغية الريفية واكبه تجديد كبير على عدة مستويات في الغناء الريفي، بعد أن وصلت وحدة الموضوع في الأغنية والقصيدة إلى شكلها النهائي. تحررت الأغنية من إسار القواعد التقليدية للأهزوجة بدرجات متفاوتة، وصلت حتى اعتماد شكل يشبه قالب الشعر الحر في العربية، كما يقول ثيبرينت في مقاله المذكور. نرى هذا مثلاً في بعض أعمال الفنان الوليد ميمون، الذي لم يكتف بالغناء فأصدر عدداً من الدواوين الشعرية المكتوبة. فشهدت القصيدة الريفية في رأي ثيبرينت قفزة مهمة من الشفهي إلى الكتابة مع إصدار أول ديوان أمازيغي ريفي مكتوب سنة 1992، وهو "ما توسيد إرحريق إينو" أو (هل شعرت بألمي؟) للشاعر سلام السمغيني.
واستلهم الفنانون الريفيون موسيقى العالم، واعتمدوا إغناء النغم الريفي التقليدي باستخدام آلات موسيقية جديدة مثل القيثارة و"الهارمونيكا" أو آلتي "البانجو" وطبل "الطامطام" (تام تام) المقتبستين من التجربة الغيوانية. وهكذا فإن "القوالب الموروثة لم تعد قادرة على احتواء الحقائق الجديدة"، كما كتب حسن بنعقية الباحث الريفي بجامعة محمد الأول في كتابه "لا ليتيغاتيغ غيفان دو لاتخاديتيون أ أوجوغدوي" (الأدب الريفي من التقاليد إلى اليوم) الصادر سنة 2019. لكن حضور عبارة "رالا بويا" ظل ملازماً للكثير من الأغاني، وكذلك التغني الحزين والفخور برموز الهوية الثقافية الريفية.
يصرح حسن الفارسي، المعروف باسم "حسن ثيدرين"، مؤسس فرقة ثيدرين في لقاء مع قناة الجزيرة سنة 2007: "أن ينزعوا عني لساني الأم فهذه جريمة". وبهذا يحيلنا إلى واحدة من الملامح البارزة للأغاني في تلك الفترة، التي يعينها مصطفى ثيبرينت بأنها "انتشار التغني بالهوية الجماعية الأمازيغية الريفية في 'نحن' مقابل الأنا الفردية". وبرز الحديث عن "نشين" أو "نحن" في مقابل "نهني" أو "هم"، في إشارة إلى الفروق الطبقية بين من يملكون أو لا يملكون، أو حتى للهوة الباقية بين الريف والحكومات المغربية المتعاقبة جراء سنوات الغبن والتهميش التي عانى منها الإنسان الريفي.
نلمس هذه التقابلات بعد سنوات طويلة عند الفنان جمال ناموس، وهو واحد من أبرز مغني الراب الريفيين. يقول الفنان الشاب في أغنية "أراغي" أو "النداء" الصادرة سنة 2025: "نحن نسمى الشعب وهم يسمون الوزراء. هم يعيشون في أفضل حال ونحن هم الفقراء. التصق بكراسي المسؤولية اللصوص. شربوا دماءنا وتاجروا بنا. هم يتداوون في الخارج ونحن مستشفياتنا مجزرة".
رسم ناموس حدود عالمه الغنائي الملتزم بوضوح منذ بداياته، مع أنَّ الريفيين يتلقون نمط الراب الغنائي الجديد بالكثير من التحفظ والسخرية أحياناً. يقول ناموس في مقابلة مع برنامج "أمصاواظ" (تواصل) سنة 2024 إنَّ هذه الانتقادات تبقى "كلاماً فارغاً، بينما أغاني الراب الجيدة تحصد النجاح وتحقق نسب مشاهدة عالية". دون أن ينسى أن يؤكد ساخراً "أنا مكنشطحش أخويا [أنا لا أرقص يا أخي]"، ويكررَ مرة بعد أخرى أن أغانيه تحمل رسائل قوية. وهو ما نلمسه مثلاً في أغنية "البلاد مشات" سنة 2020 التي اختار أن يغني بعض مقاطعها بالدارجة المغربية حيث يقول: "أشمن يد اللي خانقانا؟ [ما اليد التي تخنقنا؟]، أشمن يد اللي سارقانا؟ [ما اليد التي تسرقنا؟]".
عاد الغناء الريفي إبان الحراك إلى إعطاء الأحداث بُعْدها الملحمي، فجاءت مجموعة من الإنتاجات الفنية الحافلة بحب الأرض والهوية الأمازيغية تباعاً. وانتشرت أغنية "نشنين ذا غا نقيم" (نحن سنبقى هنا) للفنان حسن ثيسغناس، أو أغنية "خرجنا واحتجينا" التي صورها شباب الحراك ونالت شهرة واسعة في حينها. وعبَّر الكثير من مشاهير الفنانين عن حزنهم على مآل الحراك بعد اعتقال نشطائه في أغانٍ لاقت صدىً واسعاً مثل أغنية "يماس أونكراف" أو "أم المعتقل" الصادرة سنة 2018 لفرقة أكراف، التي اعتقل وحوكم أحد أعضائها وهو بدر الدين بولِحْجَل.
دخلت المنطقة بعدها في ما يشبه الحداد الجماعي، حتى أن أُسر المعتقلين واظبت على تعليق أعلام سود على أسطح منازلها أيام الأعياد تعبيراً عن حزنها. وصرحَّت الفنانة والناشطة سيليا الزياني، التي أُطلِقَ سراحها بعفو ملكي سنة 2017 بعد أن سُجنت إثر موجة اعتقالات حراك الريف، بأنها لن تقيم حفلاً لزفافها حتى يغادر بقية المعتقلين السجون.
في مثل هذه الأجواء صار من المعتاد ازدراء أي فنان قد يفكر في "الرقص" بينما "إخوانه في السجون". وقد كتب محمد أوبنعي، الباحث المغربي في المعهد الملكي للثقافة الأمازيغية، في مقاله "لا موزيك كونطيسطاطيغ أمازيغ دو لا غيجيون دو غيف" (الموسيقى الاحتجاجية الأمازيغية في منطقة الريف) المنشور سنة 2023، أن هذه الظروف قد دفعت بعدد من المغنين إلى التخوف من الغناء في المهرجانات القليلة التي تقام في مدن منطقة الريف. ومن أبرزها مهرجان الشواطئ الصيفي الذي تنظمه شركة اتصالات المغرب، خاصة إن كانت أغانيهم خالية من المضمون النضالي. فسرعان ما سيوصم أي فنان يخطو على مسرح المهرجان بالتزلف للسلطة أو بوصف "العياشي"، وهو لقب ثقيل جداً على أي أحد في الريف.
أما الأغنية الملتزمة فباتت تعاني في أحيان كثيرة من تضييق السلطات، أو من التغييب عن التظاهرات الفنية. فصار معتاداً أن نلمس أثر الأسى حتى في أغنية صيفية مرحة مثل "فيا الحسيمة" (مدينة الحسيمة) لفرقة أكراف الصادرة سنة 2024. إذ يُتغنى بجمال المدينة وشطآنها قبل أن تَحل نبرة من الحزن مرة أخرى: "يا مدينتي لا تقنطي، ولا تذرفي دموعك. دموعك وافرة مثل أمواج البحر". وهو ما يفسره الفنان ناصر أكراف في حديثه للفراتس بالقول إنَّ "الذاكرة الجماعية مليئة بالحنين والتجارب الصعبة"، وإنَّ الأغاني يجب أن تعكس نوعاً من "الصدق مع الذات ومع تاريخ المكان".
يشاركه وجهة النظر هذه الفنان محمد نوميديا الذي اشتهر بأغانيه التي تعالج هموم الإنسان الريفي. واشتهرت منها سنة 2023 أغنية "الله يهنيك أياريف" (وداعا أيها الريف)، التي تقارب ظاهرة الهجرة السرية إلى أوروبا المنتشرة في المنطقة. يقول نوميديا في حديث للفراتس: "أنا ابن الريف، منطقة مغربية طالها التهميش على مختلف الأصعدة، وبالتالي لا يمكنني إلا أن أختار الفن الملتزم". وهذا الخيار يجعله يأخذ حذره من كل تجديد فني لا يحافظ على روح الكلمة والموسيقى الريفية، أو يأتي "على حساب الهوية" نائياً بالغناء الريفي عن جذوره الثقافية.
لهذا يقلق فنانون ومهتمون بالفن في الريف على مستقبل الغناء الريفي. فيخافون من اندثار معالمه أمام تنوع التأثيرات الآتية من أنماط موسيقية أخرى من كل بلدان العالم في وقتنا. ويخشون تراجع الاهتمام بتراث إزران، خاصة في أوساط الشباب، والجيل الجديد من أبناء المهاجرين الريفيين في أوروبا ممن لا يتقنون اللغة الأمازيغية في كثير من الأحيان، وغالباً ما تبعدهم مشاغل الحياة عن ثقافتهم الأمازيغية.

