ولم يكن هذا المشهد استثناءً. ففي سبتمبر 2025 شهدت منطقة زناتة المتاخمة للدار البيضاء مواجهات عنيفة بين مهاجرين من دول إفريقيا جنوب الصحراء أسفرت عن وفياتٍ وإصاباتٍ خطرة. فأعادت فتح النقاش عن موقع اللاجئين الأفارقة في المجتمع المغربي. وعلى اعتراف الدستور بالرافد الإفريقي أحدَ المكونات الثقافية للبلاد، ما زالت فئات واسعة من المغاربة تميّز "الإفريقي"، وتُبدي مخاوف من تحولاتٍ سكانية وثقافيةٍ واقتصاديةٍ وأمنية.
في المقابل ترى فئة من المجتمع المغربي أن وجود الأفارقة جنوب الصحراء في المغرب ليس طارئاً ولا اختراقاً سكانياً جديداً، بل امتدادٌ لحضورٍ إفريقيٍّ قديمٍ في المغرب. فقد توافدت جماعات إفريقية مختلفة نحو الواحات المغربية عبر طرق التجارة. وتعزَّز الحضور الإفريقي في المغرب أثناء الغزو السعدي إمبراطوريةَ سونغاي في القرن السادس عشر تاركاً بصماتٍ واضحةً في الموسيقى والرقص واللباس واللهجات المحلية. ومع ظهور مسارات الهجرة الحديثة، تواصل هذا التداخل الاجتماعي والثقافي.
لم تكن علاقة المجتمع المغربي مع الوافدين من جنوب الصحراء مختزلة في حركة عبورٍ أو انتقالٍ قسريٍ كما حصل أواخر القرن السادس عشر بعد سقوط إمبراطورية سونغاي. بل اتصال ثقافي ترك أثره على الطرفين. حمل القادمون معهم أنماطاً موسيقيةً وطقوساً دينيةً وعاداتٍ اجتماعيةً أعادت تشكيل ملامح الفنون الشعبية واللغة والوجدان المغربي، في المقابل أعاد الوافدون بناء هوياتهم داخل الفضاء الجديد الذي استقروا فيه. واليوم، مع تزايد حضور المهاجرين في المدن الكبرى، يتجدد هذا التفاعل داخل المجتمع المغربي الذي يرى جزءٌ منه في هجرة الأفارقة جنوب الصحراء امتداداً لعلاقاتٍ تاريخيةٍ قديمةٍ، وجزءٌ آخر يتعامل مع الإفريقي دخيلاً يثقل سوق الشغل والخدمات.
منذ مجيئه للحكم سنة 1540 رأى السلطان محمد الشيخ المهدي، ثالث سلاطين الدولة السعدية ومؤسس سلطتهم المركزية، أن الطريقة الوحيدة لضمان سيطرة المغرب على طرق القوافل التجارية القادمة من إمبراطورية سونغاي هو التحكم سياسياً وعسكرياً في مناجم الملح في تَغازى ومناجم الذهب في غانا. والدولة السعدية حكمت الجزء الشمالي الغربي من قارة إفريقيا قرابة قرن ونصف، منذ مطلع القرن السادس عشر حتى منتصف القرن السابع عشر. يقول المؤرخ المغربي محمد نبيل ملين في كتابه "السلطان الشريف: الجذور الدينية والسياسية للدولة المخزنية في المغرب" الصادر سنة 2013 إن "المهدي كان يرى الاستحواذ على إمارة سونغاي ضرورةً لتصبح الدولة السعدية سيدة التجارة الصحراوية".
سنة 1590 شّن سلطان الدولة السعدية أحمد المنصور الذهبي حملةً عسكريةً ضد إمبراطورية سونغاي، التي كانت تسيطر على المنطقة المعروفة حالياً بالساحل. تبدأ المنطقة جغرافياً من سواحل السنغال غرباً إلى وسط النيجر شرقاً، ومن تخوم الصحراء جنوب المغرب شمالاً إلى شمال نيجيريا جنوباً. أسس الأمبراطوريةَ أسكيا محمد الملقب بأسكيا الكبير سنة 1493، بدعمٍ سياسيٍ من النخب الدينية في تمبكتو وتأييد دولة المماليك بمصر. وبسرعةٍ كبيرةٍ تحولت إلى قوة إقليمية بعد غزوها مناطق حوض النيجر وتحكمها في المسالك الرئيسة للتجارة العابرة الصحراءَ بما فيها القوافل وتجارة الرقيق.
اقتنع السلطان أحمد المنصور الذهبي بضرورة مواصلة توسعه الجغرافي نحو إمارة سونغاي، وتداخلت مع ذلك عوامل دينية وسياسية واقتصادية. منها قناعة المنصور بأن الله أمره بتجديد دين الأمة وتدشين الألفية الهجرية الجديدة التي توافق سنة 1591 بإعادة توحيد الأمة وإحياء الشرع الإسلامي. ومنها تأثيرات الاكتشافات الكبرى والتوسع العثماني في إفريقيا الشمالية على الاقتصاد المغربي بسبب تغيير وجهة القسم الكبير من التجارة الصحراوية، التي تمثل واحدة من أهم مصادر الإيرادات للبلد قديماً.
أرسل المنصور الذهبي جيشاً لغزو سونغاي. قاد الجيشَ جودار باشا، خصيّ المنصور المخلص ذو الأصول الإسبانية، بعد رفض حاكم سونغاي مطالبَ المنصور الذهبي السيطرةَ على عائدات مناجم الملح في تغازى. ينقل المؤرخ المغربي شوقي الهامل في كتابه "المغرب الزنجي: تاريخ العبودية والعرق والإسلام"، الصادر سنة 2012 عن المؤرخ عبد الرحمن السعدي الذي عايش أحداث الحملة العسكرية على سونغاي أن الجيش المغربي تكون من ثلاثة آلاف من الفرسان والمشاة.
كان انتصار جودار باشا في معركة تونديبي الحاسمة سهلاً. إذ تسلح جيشه بالبنادق والمدافع الإنجليزية في مواجهة أقواس جيش السونغاي ورماحهم. ينقل شوقي الهامل عن المؤرخ الفشتالي، أن إسحاق حاكم سونغاي جمع جيشاً قوامه مئة ألف مقاتل. لكن شوقي هامل يرجح أن "شهادات الفشتالي تأثرت بمكانته في البلاط، فقد مجّد في نصوصه سلالة السعديين وسخِر من شعب السونغاي، وكثيراً ما كان ينادي أسكيا إسحاق، بمصطلح ازدرائي هو 'العبد أسكيا'. وسخر من إسلام شعبه بسبب إيمانهم وممارستهم للسحر والشعوذة".
بعد معركة غير متكافئة أرسل أسكيا إسحاق يعرض السلام مقابل مئة ألف مثقال من الذهب وألف رقيق، يسلمها شخصياً إلى السلطان أحمد المنصور الذهبي. مال جودار باشا إلى السلام لكن السلطان السعدي رفض فغيّره بالقائد محمد بن زرقون، فهُزم إمبراطور سونغاي بالقرب من تونديبي شمال غاو وانتهت الحملة العسكرية السعدية بانتصارٍ أنهى وجود الإمبراطورية السونغية.
بعد سقوط سونغاي جلب المنتصرون عدداً من الرقيق هو الأضخم في تاريخ المغرب. ينقل هامل عن المؤرّخ أبي القاسم الزياني بلوغ عددهم "عشرة آلاف عبدٍ ذكرٍ، وعشرة آلاف أمةٍ أنثى، بلغوا الحلم"، منهم مسلمون كثر.
تسبب سبي المسلمين في هزة فقهية عنيفة استمرت قروناً. فأصدر أحمد بابا التمبوكتي، أحد كبار علماء بلاد جنوب الصحراء المعاصرين الحملةَ، وله احترام كبير في المغرب الإسلامي قاطبة، فتواه المعنونة "معراج الصعود إلى نيل حكم مجلب السود"، ندد فيها بالسبي. وبعدها بقرون، أدان أبو العباس أحمد بن خالد الناصري في كتابه "الاستقصا لأخبار دول المغرب الأقصى" الصادر سنة 1894 استرقاق أهل بلاد جنوب الصحراء وجلبهم وبيعهم في أسواق المغرب وهم من أحسن الأمم إسلاماً وأقومهم ديناً، واصفاً استرقاقهم بالبلوى التي أصابت بلاد المغرب منذ زمن قديم.
ساهم هذا الاسترقاق في ترسيخ تصورات عنصرية. يقول الناصري في الجزء الأول من كتابه: "بهذا يظهر لك شناعة ما عمّت به البلوى ببلاد المغرب من لدن قديم من استرقاق أهل السودان مطلقاً، وجلب القطائع الكثيرة منهم في كل سنة وبيعهم في أسواق المغرب حاضرة وبادية. يسمسرون بها كما يسمسرون الدواب بل أفحش. قد تمالأ الناس على ذلك وتوالت عليه أجيالهم، حتى صار كثير من العامة يفهمون أن موجب الاسترقاق شرعاً هو أسود اللون وكونه مجلوباً من تلك الناحية".
بعد السبي السعدي استقر رقيق جنوب الصحراء في مراكش حيث كان يستقر السلطان، وفي فاس وسجلماسة حيث ترسو القوافل وتزدهر التجارة. اشتغلوا خدماً في القصور والبيوت وعمالاً في البساتين والضيعات الكبيرة، ومساعدين للجنود والمصانع. لُقّب الوافدون الجدد ألقاباً كثيرة منها "ضراوة" نسبة إلى كلمة أضرّ وصفاً للون البنّي، و"لْعبيد"، وكلها ألقاب تحقيرية استخدمها المجتمع لنعت سبايا الدولة السعدية وأسراها. بالأمازيغية أيضاً لُقّبوا "أكناو" الذي تحول مع الزمن بفعل الانصهار الثقافي، إلى لقب عائلي يَحمله بعض المغاربة البيض. و"أكناو" تعني الرجل الأبكم، أطلق على رقيق جنوب الصحراء لأنهم لم يكونوا في بادئ الأمر يجيدون الكلام بلسان المغاربة، فكانوا يكتفون بلغة الإشارة في التواصل. ويرجح أنه أصل عبارة "كناوة" أشهر أنماط موسيقى الأفارقة السود في العالم.
بدأت الدولة السعدية تتفكك تدريجياً بعد وفاة السلطان أحمد المنصور الذهبي سنة 1603، إلى أن انتهى عهدها نهائياً بمقتل أحمد العباس، آخر السلاطين السعديين سنة 1659. وفي أعقاب هذا الانهيار، برزت الدولة العلوية قوةً صاعدة بقيادة علي الشريف. ثم خلفه ابنه الرشيد الذي وحّد البلاد ابتداءً من سنة 1666، قبل أن يخلفه أخوه السلطان إسماعيل، الذي يُعد باني الدولة العلوية ومهندس سلطتها المركزية.
وفي النصف الثاني من القرن السابع عشر قرّر السلطان إسماعيل استثمار حضور الفئات السوداء في المغرب، سواء أحفاد الأسرى الأوائل ممن جلبهم السعديون، أو غيرهم من السود المحليين. لم يحصر السلطان إسماعيل عملهم في السُّخرة والخدمة كما كان الحال سابقاً، بل أسس بهم جيشاً محترفاً ومستقلاً تكون الحرب مهنته الوحيدة، على غرار الإنكشارية العثمانية. ولتحقيق هذا المشروع العسكري غير المسبوق، ألزم السلطان إسماعيل كل ذي بشرة سوداء، حتى ممن وُلدوا أحراراً أو كسبوا حريتهم، بالانضمام إلى هذا السلك العسكري الخاص الذي عُرف لاحقاً باسم جيش "عبيد البخاري".
كان الجيش أولَ جيشٍ نظامي مغربي. وتكوَّن من رقيق اشترتهم الدولة من أسيادهم، بالإضافة إلى الأحرار من سود البشرة. وقد دُربوا ورُبُّوا على الولاء للسلطان فقط منذ الصغر في معسكرات خاصة. وقد سُمّوا "عبيد البخاري" نسبة الى كِتاب صحيح البخاري الذي كانوا يقسمون عليه بالولاء للسلطان.
خلّف هذا القرار السلطاني أزمة فقهية أخرى في المغرب. وورط السلطان إسماعيل في صراع دامٍ مع علماء عصره الذين رفضوا منحه الشرعية لاستعباد الحراطين. أسفر الصراع عن مقتل أحد أبرز معارضي هذا المشروع، الفقيه عبد السلام جسوس الذي قُتل في سجن السلطان بعد أن رفض التوقيع على الدواوين التي تقر على رِقِّية الحراطين بمدينة فاس لصالح جيش البخاري.
بعض رقيق جنوب الصحراء الذين استُقدموا إلى المغرب جاؤوا من أطراف نفوذ إمبراطورية السونغاي. وفي هذه الأطراف انتشرت معتقدات محلية مما قبل الإسلام إلى جانب مناطق أخرى اعتنقت الإسلام مبكراً. وتنبّه عدد من علماء الإناسة الذين درسوا الدين في المغرب ومنهم الفنلندي إدوارد فيسترمارك في أطروحته عن الدين في المغرب الواردة في دراسة عالم الاجتماع رشيد أمشنوك المنشورة في "مجلة أنثروبولوجيا" سنة 2019، إلى أن التدين الشعبي المغربي لا يتطابق تماماً مع الصيغة الفقهية النصّية للإسلام. فعلى رسوخ الانتماء الإسلامي للمغاربة، يحمل التدين اليومي في طياته طبقات رمزية تعود إلى جذور سابقةٍ الإسلامَ، وقد تصل أحياناً، بحسب فيسترمارك، حدّ التوتر أو التضارب مع بعض المبادئ الدينية الصارمة.
ويشهد على هذا الامتزاج أكبرُ تراث إفريقي ما زال نابضاً في الثقافة المغربية وهو فن كناوة، الذي تحوّل من أداء روحي جماعي إلى فن موسيقي ساحر يملأ منصات المهرجانات. فكناوة لا تقتصر على عزف الهجهوج، آلة موسيقية وترية، أو الرقصات الدائرية، بل هي منظومة روحية تتقاطع فيها المرجعيات التوحيدية مع الرموز الصوفية، وتنساب بينهما آثار عميقة من الموروث الروحي الإفريقي. ويتجلى هذا التداخل في الأشعار التي تُنشَد في "ليلة استدعاء الأرواح"، وفي ألوان اللباس والرموز والحركات الإيقاعية، حيث تنصهر الذاكرة الإسلامية مع بقايا معتقدات ما قبل الإسلام التي حملها القادمون من ضفاف النيجر وتمبكتو وغاو.
وتظهر هذه الجذور الإفريقية اليوم بوضوح في ليالي الاحتفال بكائنات رمزية مثل "لالة عيشة" و"سيدي حمّو"، وهي عادات تجمع بين التبرّك وطلب الحماية واسترضاء القوى الغيبية. وانتقلت إلى المخيال المغربي تصورات عن الأرواح والشفاء والتعاويذ والجدّات الخفيات، لترسِّخ حضورها في الثقافة الشعبية، خصوصاً في الجنوب الشرقي والمدن الساحلية التي استقرّت فيها المجموعات الإفريقية منذ القرن السادس عشر.
ويقيم الكناويون، وهم موسيقيون ومعالجون روحيون، فنّهم في ربوع المغرب إلى اليوم. ويتجلّى ذلك خصوصاً في موسم سيدي علي بن حمدوش الذي يُقام بعد أسبوع من ذكرى المولد النبوي قرب مكناس. ففي هذا الموسم تحيي الفرق الكناوية "اللِّيلة" أو "الحضرة"، وهي سهرة روحية تمتد من العشاء إلى الفجر، تُعزف فيها موسيقى "الرّياح" المخصّصة لاستحضار الأرواح وفق التصوّر الشعبي.
وفي هذا الفضاء تُستدعى ملوك الجن عبر إيقاعات الهجهوج وأشعار التضرع والمديح، ليدخل بعض الحاضرين في حالة من الرقص مرتدين ألواناً ترمز إلى الجن أو الروح التي يُعتقد أنها تتلبّسهم. ويُنظر إلى هذه الأعمال وسيلةً لتهدئة الروح الغاضبة أو استرضائها، أو لاستجلاب منافع خارقة وفق الاعتقاد الشعبي، مثل الشفاء من أمراض مستعصية أو تسهيل الحمل أو قضاء حوائج معلّقة.
تفادياً لتصادم هذه المعتقدات، التي لا يكف بعض الفقهاء عن تسميتها "الشِركية"، يشدد الكناويون اليوم على التزامهم الإسلامي. فينشدون أشعاراً تتخللها صلوات إسلامية ومدائح نبوية. ومعنى ذلك أن الكناويين لا يتجردون من التوحيد أثناء تضرعهم للأرواح، ولا ينظرون إلى معتقداتهم أنها تنافي إسلامهم أو تتعارض معه. ومن جهة ثانية، يفخرون بنِسبة "أخوتهم" إلى بلال الحبشي، أوّل أسود اعتنق الإسلام وأول مؤذن في التاريخ، وقد شيدت على شرفه زاوية بمدينة الصويرة غرب المغرب.
ويكفي التأمل في بعض أسماء ملوك الجن في الفن الكناوي مثل فوفو دنبا وبالا يوركي لإدراك جذورها الإفريقية القديمة، فهي أسماء لآلهة وأرواح وُجدت في ثقافات نهر النيجر وحوض السنغال قبل الإسلام. وقد اضطرّ الرقيق الذين استقروا بالمغرب إلى تكييف هذه الكائنات الروحية مع البيئة الدينية الجديدة، ومنحها مظهراً إسلامياً متسامحاً حتى لا يُتّهموا بالوثنية أو الكفر. ويمثّل هذا التحوّل مثالاً واضحاً على ما يعرف في علم الإناسة بالاستيعاب الثقافي، حين تضطر فئة اجتماعية أضعف إلى إعادة صياغة معتقداتها داخل الثقافة السائدة للفئة الغالبة بهدف البقاء والاندماج.

