ليس هذا مشهداً استثنائياً في المغرب، إذ تُفتح الكنائس في البلاد طيلة السنة للصلاة وإقامة الأسرار المقدسة والاحتفال بالأعياد الدينية. إلا أن الدولة التي تضمن حرية ممارسة الديانة المسيحية للجاليات الأجنبية هي نفسها التي يبدو أنها تمنعها عن المسيحيين المغاربة استناداً إلى تأويلات دستورية وقوانين جنائية تُعلي من شأن الأمن الروحي ولا تعترف إلا بالإسلام واليهودية فقط. تمنع القوانين المغربية التحول العلني من الإسلام للمسيحية وتصُد أبواب الكنائس في وجوه المغاربة. ويتقاطع هذا الواقع مع ثلاثة تصورات تتعامل معها الدولة بمنظورات متباينة: تراثٌ مسيحيٌ قديمٌ ما يزال يعيش مجتمعياً، ومسيحية مرخصة للجاليات الأجنبية والسفارات والسياح تُمارَس علناً وتُقدَّم جزءاً من صورة التسامح الموجّهة للخارج، ومسيحية المواطنين المغاربة التي تُهمش ويُنظر إليها اجتماعياً خروجاً عن الجماعة ومساساً بقاعدة الهوية الدينية للدولة.
ويستند هذا التمدد الثقافي للمسيحية في المجتمع المغربي إلى جذور تاريخية موثقة، يشير لبعضها الباحث التونسي المتخصص بالتاريخ، عادل النفاتي، في كتابه "المجتمع والجغرافية الثقافية لبلاد المغارب" المنشور سنة 2015. ينقل النفاتي عن الحسن بن محمد الوزّان الفاسي (ليون الإفريقي) المتوفى سنة 1554 احتفال المغاربة بعيد ميلاد المسيح في القرن السادس عشر. وحسب الكاتب، فقد سرد ليون الإفريقي في كتابه "وصف إفريقيا" المؤلف في القرن السادس عشر أن المغاربة كانوا يتناولون في ليلة ميلاد المسيح نوعاً من الثريد المطبوخ (خبز مفتوت مع مرق) مع الخضر المتنوعة من الملفوف واللفت والجزر. ويقول: "يطبخون الخضر مجتمعة على حالها دون تقطيع كالفول والحمص وحبوب القمح، ويأكلون هذا الطعام في تلك الليلة كما لو أنها حلوى لذيذة".
كذلك ينقل النفاتي عن ليون الإفريقي انتشار وشم الأجساد بين الرجال والنساء، منها وشم الصليب على الخدين واليدين وتحت الأصابع. وما زالت هذه الأعمال باقية اليوم بين بعض المُسنّات والجدّات المغربيات، أوشاماً بالحنّاء ذات أبعاد روحية تكاد لا تكون معلومة الأصل. وإن بدأت الظاهرة بالتراجع في السنوات القليلة الماضية.
يُرجع الكاتب ظاهرة وشم الصلبان إلى العهد البيزنطي، عندما أعفى الجباة مسيحيي شمال إفريقيا من دفع الضرائب، تحفيزاً للناس على اعتناق الدين المسيحي. ثم تواصلت هذه العادة عبر العصور شكلاً من أشكال التزين على تشدد أهل الفتوى في تحريمها، ودون أن يدرك الكثير من المغاربة سبب ظهورها، على حد تعبير ليون الإفريقي.
كذلك يتجاوز الأثر المسيحي الرموز المرئية إلى هندسة الصوت والبحث عن لحظات الخشوع والصفاء داخل الزوايا والمساجد، خاصةً في جلسات الحضرة الصوفية. ويُذكرنا إنشاد المغاربة اليوم كلاماً جماعياً قائماً على اللحن الواحد داخل فضاءٍ مغلقٍ بتكرار عبارات مثل "الله، الله، الله" بأساليب الترتيل الكنسي القديم المسمى الترتيل الغريغوري (وبدأ هذا النوع في كنائس أوروبا في العصور الوسطى) بحثاً عن السكينة الروحية. هذا التشابه يؤكده النفاتي بالقول إن جذور الإنشاد الصوفي المغربي يعود إلى المرحلة البيزنطية من تاريخ المغرب.
تأثير آخر للمسيحية القديمة تسلل إلى المخيال الشعبي الشفهي، لاسيما في المناطق الأمازيغية العميقة. إذ تحتفظ الذاكرة الشعبية الشفهية بحكايات عن ثلاث أميرات مسيحيات، بنات ملك مسيحي. حكمت الأميرات قلاعاً بمنطقة قصر آيت بن حدو في الجنوب الشرقي للمغرب، قبل وصول الإسلام بمدة وجيزة. وكان أول من لفت الانتباه لهذه الحكايات سنة 1883 المستكشف والراهب الفرنسي شارل دو فوكو، الذي قضى سنين من عمره في التجوال واستكشاف المغرب، وألَّف كتاب "التعرف على المغرب" المترجم للعربية سنة 1999. وعلى أن دو فوكو لم يجد سبيلاً للتحقق قطعاً من صحة الحكاية الشهيرة، إلا أن هناك اتجاهاً تفسيرياً يرى أنها غير قائمة من فراغ وأن لها أسساً ملموسة.
ويتجسد أثر المسيحية في جغرافيا القداسة داخل المغرب أيضاً. ففي مدينة وجدة أقصى شرق البلاد نجد ضريح يحيى بن يونس، الذي يعتقد أهل المنطقة أنه يضم رفات يوحنا المعمدان المولود في فلسطين القديمة، والمعروفة في التراث الإسلامي باسم النبي يحيى. وتسرد الروايات المحلية قصة أحد حواريي المسيح الذين شدوا الرحال صوب المغرب للتبشير بالرسالة الجديدة في عصورها الأولى. وأن رفات هذا القديس نُقلت إلى أنحاء متفرقة من العالم على أيدي أشخاص من مختلف الأديان، وما زال جزءٌ من "سيدي يحيى" مدفوناً بوجدة، إما تحت الأشجار المحيطة بالضريح أو داخله.
هذه الآثار الثقافية لا تقف بمعزل عن ماضي المنطقة، وقد تُفهم أفضل بالنظر لسياق التاريخ الديني القديم لها.
ومن مؤشرات وجود المسيحية في المغرب في هذه الفترة، وفاة القديس مارسيلو. إذ تؤكد مصادر مسيحية "استشهاد" مارسيلو سنة 298 في مدينة طنجة المغربية، من هذه المصادر كتب توثق لحياة القديسين مثل "بتلرز لايفز أوف سينتس" (موسوعة بتلر لحياة القديسين) الصادر في عدة طبعات للقسيس الإنجليزي ألبن بتلر المتوفى سنة 1737. وكان المغرب في هذه الفترة جزءاً من أبرشية هسبانيا، وهي التي شملت شبه الجزيرة الإيبيرية وشمال إفريقيا، وحدةً إداريةً رئيسة من الإمبراطورية الرومانية المتأخرة.
ويرى المؤرخ المغربي أحمد بن خالد الناصري المتوفى سنة 1897 في كتابه "الاستقصا لأخبار دول المغرب الأقصى" المنشور سنة 1894، أن ملوك الروم بسَطوا نفوذهم على شمال أرض المغرب (موريتانيا الطنجية) وملكوها مدةً طويلةً قبل الميلاد، وبنوا أمصاراً قديمةً مثل سبتة وطنجة وسلا وشالة ووليلي. فقد كان للروم، كما يحكي الناصري، اليد العليا على ما جاورهم من الأمم وحملوهم على الأخذ بديانتهم وبثها في رعاياهم. وهو ما هيأ المجال لانتشار المسيحية لاحقاً، خاصة في عهد الإمبراطور قسطنطين الذي حكم مطلع القرن الرابع. إلا أن هذا الانتشار، وإن دُعم بالقوة الإمبراطورية، لم يختفِ تماماً بزوالها، بل ترك آثاراً تسربت إلى طبقات أعمق من الثقافة المحلية.
ابتداءً من أواخر القرن السابع الميلادي، ومع توسع الفتح الإسلامي شمال إفريقيا، بدأ الحضور المسيحي في المغرب يتراجع تدريجياً. وفي هذا السياق، تقول الباحثة في التاريخ، بديعة الخرازي، في كتابها "تاريخ الكنيسة النصرانية في المغرب الأقصى" المنشور سنة 2007، إن الإسلام لم يستقر نهائياً في المغرب بعد حملة عقبة بن نافع أو حتى موسى بن نصير من بعده، بل استمر جزء من المغاربة يدينون بالمسيحية واليهودية ومعتقداتٍ أخرى.
وهو ما أكده كذلك المؤرخ أحمد الرهوني في كتابه "عمدة الراوين في تاريخ تطاوين" المنشور سنة 1998، بالقول إن "[. . .] موسى بن نصير عندما زحف على أصيلا وطنجة وتطاوين سنة 710 ميلادية وجد سكانها النصارى قد هربوا إلى الأندلس".
مع قيام الدولة الإدريسية – وتنسب لإدريس الأول من بيت آل النبوة الذي قدم من الحجاز للمغرب – أواخر القرن الثامن، بدأ يتشكل كيان سياسي لأول دولة مغربية مستقلة عن المشرق ذي مرجعية إسلامية واضحة. وقد ساهم ذلك في ترسيخ الطابع الإسلامي للمجال العام، ومع مرور الوقت تراجع الحضور المؤسسي للمسيحية داخل المغرب.
لكن مع بداية القرن الثالث عشر، على حد قول بديعة الخرازي، عادت المسيحية للانتشار في المغرب أثناء حكم الدولة الموحدية الأمازيغية الإسلامية. وهو تاريخ يوافق انطلاق ما يُعرف بالحركة التبشيرية التي ابتدأت بتأسيس المذهب الفرنسيسكاني على يد فرانسيسكو دي آسيزي بفرنسا سنة 1208.
أما في عصر الدولة العلوية، التي تأسست منتصف القرن السابع عشر، وبالأخص في عهد المولى إسماعيل، فقد تكاثر عدد المسيحيين بسبب حركة القرصنة التي ازدهرت بسلا والرباط وتطوان عقب هجرة الموريسكيين من الأندلس بدءاً من سقوط غرناطة سنة 1492. وطالت القرصنة السواحل والسفن الأوروبية المعادية غرب البحر المتوسط وعلى طول سواحل الأطلسي غرب إفريقيا ما بين القرنين السادس عشر والتاسع عشر. وقد انضم إلى جيش القراصنة عدد من الأوروبيين ينتمون الى جنسيات مختلفة وانتشرت بينهم حركة اعتناق الإسلام. ويذكر من بينهم "الرئيس بيبي"، الذي أصبح يدعى فيما بعد بالرئيس موراطو وعهد إليه المولى اسماعيل قيادة أسطول سلا، بما في ذلك سفن بلامينو وكربيبو وكراسكو وبيلو وجانسن.
هذا الحضور المسيحي في المغرب تغيرت طبيعته في القرنين التاسع عشر والعشرين، لتصبح ألصق بالوافد الأوروبي. وتجسد تنظيمياً مع تدفق المستوطنين والمهاجرين الأوروبيين في سياق الضغوط الاستعمارية التي فرضت نظام الحماية.
هذا الترسيخ المنظم للمسيحية أظهر مرحلة انتقالية حاسمة بدأت منذ منتصف القرن التاسع عشر. في هذه الفترة انتقلت وضعية المسيحيين في المغرب من دائرة الأعراف والتسامح التقليدي إلى فضاء الاتفاقيات الدولية. وبموجب معاهداتٍ أحاطت دول أجنبية رعاياها بضماناتٍ وامتيازاتٍ، جعلت من أداء الشعائر المسيحية حقاً سيادياً محمياً دبلوماسياً للأجانب فوق التراب المغربي. وهو ما قد يفسر وجود الكنائس التاريخية في عدد من المدن المغربية، إرثاً عمرانياً ودينياً لمرحلة امتدت آثارها إلى الحاضر.
وتُعد المعاهدة المغربية البريطانية لسنة 1856 وثيقةً مرجعيةً في هذا السياق. إذ نص الفصل الخامس منها على منح الرعايا البريطانيين في المغرب الأمن التام على أموالهم وأنفسهم، وكفالة حقهم في أداء شعائرهم الدينية دون أن يتعرض لهم أحد بمنع أو أذى، مع تخصيص مقبرة لدفن موتاهم.
تعزَّز هذا الإطار القانوني سنة 1861 بتوقيع معاهدة بين المغرب وإسبانيا عمّقت الامتيازات الممنوحة للمسيحيين الأجانب ومنحتها طابعاً أكثر تنظيماً. فقد نصت المادة العاشرة من هذه المعاهدة على ضمان حرية الإسبان في أداء الشعائر الكاثوليكية في مختلف أنحاء المغرب. ولم تكتفِ المعاهدة بحماية التعبد داخل المنازل، بل شرعنت وجوده في الفضاء العام بأدائه في الكنائس. وهو ما جعل المجال المغربي مفتوحاً أمام النشاط الكنسي الأوروبي.
تجاوزت هذه الحصانة حدود نصوص المعاهدات وبلغت حد الإنعام السلطاني المباشر بالأرض لإقامة دور العبادة. ففي مارس 1885 بعث ممثل بريطانيا بالمغرب، جون دراموند هاي، بطلبٍ إلى وزير الخارجية المغربي محمد الطريس للمصادقة على رسم عقاري لتشييد الكنيسة البروتستانتية على قطعة أرض خارج أسوار مدينة طنجة قدمها السلطان الحسن الأول لبريطانيا لبناء كنيسة بها.
هذا الحدث قد يُفهم مؤشراً على القبول الرسمي والسياسي لوجود الكنائس جزءاً من المشهد العمراني لواحدة من أكبر مدن المغرب. ولعل هذا الاعتراف الرمزي، الذي لا زال ممتداً لليوم ويُعطي الكنائس الأوروبية وضعيةً اعتباريةً، يُظهر طبيعة العلاقة الدبلوماسية التي ربطت السلطة بالقوى الأوروبية في القرن التاسع عشر. وهي علاقة منحت الكنائس الأوروبية وضعية استمدت شرعيتها من تاريخ طويل من التبادل الدبلوماسي بين الملوك المغاربة والدول الأجنبية.
استمرت سياسة المنح السلطانية هذه نهاية القرن التاسع عشر. ففي أواخر سنة 1894 لم يجد سفير بريطانيا حرجاً في أن يطلب من المخزن المغربي إضافة قدم واحد من الجهة الشرقية لبقعة أرضية مجاورة منزلَ السفير بهدف توسيع الكنيسة التي ضاقت بالمصلين. وهو الطلب الذي وافق عليه السلطان. وتكرر هذا في مدينة الدار البيضاء، إذ إن الأرض التي شُيدت عليها كنيسة بوينافينتورا في ديسمبر سنة 1889 كانت هبةً سلطانية.
وبالإضافة لمنح الأراضي وتوسعة الكنائس، شملت الرعاية السلطانية دعماً معنوياً ومالياً عزز من استقلال المؤسسة المسيحية الأوروبية وقوتها. وتضمَّن الإذن السلطاني أن تكون عملية بناء الكنائس والمعابد المسيحية معفاة من الرسوم الجمركية المفروضة على مواد البناء التي استوردها الرهبان من الخارج. هذا الاستثناء الضريبي شمل أيضاً الحصانة التي وضعها تقليد سلطاني سابق دأب الحكام المغاربة على احترامه، فقد أصدر السلطان محمد بن عبد الله أوامره الصارمة إلى أحد عماله سنة 1774 يقضي فيه بمنع تفتيش أمتعة الرهبان الإسبان ولو احتوت الياقوت.
ظل هذا الحضور الكنسي الأوروبي قائماً طوال فترة الحماية الفرنسية والإسبانية للمغرب من 1912 حتى الاستقلال سنة 1956. وفي هذه الفترة شكلت الجاليات الأوروبية جزءاً مهماً من التركيبة السكانية في المدن المغربية الكبرى. إلا أن هذا الواقع بدأ يتغير جذرياً مع الاستقلال، إذ غادر أغلب المسيحيين المقيمين في البلاد، بعدما كان عددهم يتجاوز ثلاثمئة ألف فترة الاستعمار وعدد كنائسهم نحو مئتين.
ومع ذلك بقي في المغرب إلى اليوم ما لا يقل عن أربعين كنيسة تمثل الطائفة الكاثوليكية معظمها. لكن عدداً آخر من الكنائس ما زال قائماً مبنىً دون تأدية وظائفه الدينية، فيما حُولت بعض الكنائس إلى وظائف أخرى مثل كنيسة القديسة مرغريتا بالدار البيضاء التي تحولت إلى مسجد القدس، وكاتدرائية القلب المقدس التي تحولت إلى متحف وفضاء ثقافي.
ولا يُظهر هذا التراجع في عدد الكنائس اضطهاداً دينياً بقدر ما يبين انخفاض أعداد المسيحيين الأوروبيين في المغرب منذ الاستقلال. إلا أن التحولات السكانية التي يعرفها المغرب اليوم، مع تزايد أعداد المهاجرين القادمين من بلدان إفريقيا جنوب الصحراء وكثير منهم من المسيحيين، قد تعيد إحياء الحياة الدينية داخل بعض الكنائس وتُظهر الحاجة إلى بناء أخرى جديدة. فمنذ 2016 أصبح معظم المصلين داخل الكنائس المغربية، بنحو 90 بالمئة، من الأفارقة القادمين من جنوب الصحراء إلى جانب عدد محدود من الأوروبيين والفلبينيين.
على تحولاته، يُلقي هذا المسار التاريخي الطويل المتشكل في سياقات سياسية ودبلوماسية معقدة، ضوءاً على وضع المسيحية في المغرب اليوم ما بين الدين والسياسة والتراث.
يرى باحثون في التاريخ، منهم الباحث بعلم مقارنة الأديان محمد سعيد زاو، أن الإرساليات المسيحية نشطت منذ الثلاثينيات وبلغت ذروتها سنة 1939 بتسجيل 185 معتنقاً المسيحية. ويرى بلقاسم الحناشي، أستاذ العلوم السياسية التونسي، في كتابه بعنوان "الحركات التبشيرية بالمغرب الأقصى في النصف الثاني من القرن التاسع عشر" الصادر سنة 1989، أن الحركات التبشيرية كانت واجهة لأهداف استعمارية. ورصد الحناشي أن المؤسسات التبشيرية كانت تعمل بحرية تامة في طنجة وتطوان وفاس، فأنشأت المدارس والمستشفيات ودور العجزة ومطبعة خاصة بها في طنجة. وحل بالمغرب، في هذه الأثناء، حوالي عشرين کاهناً توزعوا على ثمانية مراكز ساحلية. يرى الحناشي أن هذه البعثات التبشيرية اختبأت وراء شعارات المساعدة والخدمة الاجتماعية، بينما عملت على تنصير المغاربة بهيئاتها الخيرية والتربوية والصحية.
كذلك يشير الحناشي إلى أن السلطات المغربية لم تفطن للأمر إلا لما أقرت إنجلترا ضلوعها في التبشير البروتستانتي منذ 1890 صراحةً. حينها قررت مصالح المخزن إيقاف النشاط التبشيري بجميع أصنافه، وعملت على منع الديار على المبشرين ومنع ربط العلاقات معهم، ومنع إرسال التلاميذ إلى مدارس البروتستانت. ثم قدمت سنة 1891 احتجاجاً رسمياً لحكومة إنجلترا، مع غلق مدرسة بعثة شمال إفريقيا بفاس سنة 1893.
وكان لهذا المعطى الديني أثر بارز في تشكيل شخصية الحركة الوطنية المغربية المناوئة الاستعمارَ منذ ثلاثينيات القرن العشرين. إذ تبنى الوطنيون، وعلى رأسهم زعيم الحركة الوطنية المغربية ومؤسس حزب الاستقلال حينذاك علال الفاسي، خطاباً إسلامياً سلفياً يُنبه المغاربة للمخاطر المتربصة بدينهم، ويحثهم على مقاومة الاستعمار النصراني. حتى إن مغاربة ذلك العهد لم يكونوا يصفون المستوطنين الفرنسيين إلا بالنصارى، حسب الحناشي.
وبناءً على هذا الإرث المثقل بالارتياب، تجد الدولة المغربية اليوم على ما يبدو صعوبة في الفصل بين حرية المعتقد وبين ما تراه اختراقاً للأمن الروحي. وهو ما قد يفسر المفارقة الحالية: قبول الكنيسة مؤسسةً دبلوماسيةً للأجانب، ورفضها فضاءً تعبدياً للمواطنين المغاربة الذين تحولوا للمسيحية في العقود الأخيرة.
ومع ذلك، لم يمنع هذا الإرث المثقل بالحذر من تشكّل نوعٍ من الواقعية السياسية في تعامل الدولة مع المؤسسة الكنسية الرسمية. فبينما ظلت السلطة تتوجس من التبشير نشاطاً لاستقطاب المغاربة، انفتحت على الكنيسة شريكاً في التنمية والخدمات الاجتماعية الموجهة للجميع دون تمييز.
تجسد هذا التعايش مع المسيحية في المغرب في حضور عدد من المؤسسات الاجتماعية والتعليمية التابعة الكنائسَ، وهو ما أشار له سعيد زاو. فالكنيسة، وخاصة الكاثوليكية، تُدير شبكة من مؤسسات التعليم والخدمات الاجتماعية المنتشرة في عدد من المدن المغربية، وهذه الخدمات يستفيد منها المسلمون والمسيحيون. فمثلاً توجد عدة مؤسسات للتعليم الكاثوليكي في مدن مثل القنيطرة والدار البيضاء والرباط ومكناس والمحمدية ومراكش، إلى جانب عدد من دور الأيتام والمؤسسات الاجتماعية. وفي سنة 2013 افتتح معهد الموافقة بالعاصمة الرباط، بهدف تدريس اللاهوت المسيحي للكاثوليك والبروتستانت، وتكوين المكونين المسيحيين الكاثوليك والبروتستانت أيضاً.
بالتوازي، سعت السلطة في المغرب على إبقاء جسر العلاقات قائماً مع المؤسسات المسيحية الخارجية، وعلى رأسها الفاتيكان. ففي سنة 1980 زار الملك الراحل الحسن الثاني الفاتيكان لتوطيد العلاقات الودية مع البابا يوحنا بولس الثاني، وبعدها بخمس سنوات حلّ البابا ضيفاً على المغرب.
وتجسد هذا التقارب بين أعلى هرم المملكة والفاتيكان في القرن الماضي في الخطاب الرسمي بين الجانبين. ففي رسالة وجهها الملك في 30 ديسمبر 1983 إلى البابا حينها، أعلن وضع نظامٍ رسميٍ للكنيسة الكاثوليكية في المغرب. في المقابل دعا البابا يوحنا بولس الثاني، في خطابه أمام عشرات الآلاف من المغاربة بملعب محمد الخامس في الدار البيضاء أثناء زيارته البلدَ، إلى ترسيخ قيم الأخوة والسلام والحوار بين الأديان.
استمرت هذه العلاقة في العقود اللاحقة، إذ زار البابا فرنسيس المغرب سنة 2019 للقاء الملك محمد السادس. وهي الزيارة التي وصفتها دورية صادرة عن أبرشية الرباط بأنها مرحلة استثنائية في تاريخ العلاقات بين المغرب والكنيسة الكاثوليكية.
ووفقاً للدورية نفسها، شهدت أبرشية الرباط في السنوات الأخيرة عدداً من التحولات داخل هياكلها الكنسية. ففي العاشر من مارس 2018 كُرّس المطران كريستوبال لوبيث روميرو رئيساً لأساقفة أبرشية الرباط خلفاً للمطران فنسنت لانديل. وبعد زيارة البابا فرنسيس إلى المغرب في مارس 2019، عيّن الفاتيكان روميرو كاردينالاً، وهو التعيين الذي أُعلن عنه رسمياً في مجمع الكرادلة المنعقدِ في الخامس من أكتوبر 2019. وتشير الدورية كذلك إلى أن أبرشية الرباط تسعى إلى ترسيخ صورة "كنيسة منفتحة وقريبة من الجميع"، تقوم رسالتها على الحوار بين الأديان والتعدد الثقافي والتعاون بين الكنائس المسيحية المختلفة.
وإذا كانت الكنيسة الرسمية تحظى بقسطٍ وافرٍ من التسامح والحرية في المغرب، فإن ذلك مشروط، وفق ما استقته الفراتس من مصدر كنسي متنفّذ فضَّل عدم ذكر اسمه. قال المصدر إن السلطات تفرض على الكنيسة عدم التعامل مع المغاربة أو المساهمة في تنصيرهم، وتتصرف كأنها مؤسسة دينية موجهة للأجانب المسيحيين المقيمين في المغرب لا غير. وهذا ما يمكن استخلاصه من خطاب الملك محمد السادس في أبريل 2019 أثناء زيارة البابا فرنسيس للمغرب بقوله: " [. . .] فأنا الضامن لحرية ممارسة الديانات السماوية، وأنا المؤتمن على حماية اليهود المغاربة، والمسيحيين القادمين من الدول الأخرى، الذين يعيشون في المغرب".
بالتالي فإن الدولة لا تعترف سوى بالمغاربة المسلمين واليهود، أما المسيحيون فلا يعدون كونهم "قادمين من دول أخرى ويعيشون في المغرب"، في ما يشبه التجاهل لحقيقة وجود مغاربة تركوا دين آبائهم وأجدادهم واعتنقوا المسيحية. فقد تحول حوالي خمسة وأربعين ألف مغربي ومغربية للمسيحية في بداية الألفية. وحسب تقرير لمركز بيو بتعاون مع السفارة الأمريكية بالمغرب، فإن استطلاعات الرأي تفيد بأن عدد المغاربة الذين تحولوا إلى المسيحية في الربع الأول من سنة 2012 وصل إلى ثمانية آلاف شخصٍ، وينتمي هؤلاء إلى مختلف الأعمار والشرائح الاجتماعية، فضلاً عن وجود عائلات كاملة اعتنقت المسيحية. وإن كان اعترف تقرير لوزارة الخارجية الأمريكية سنة 2023 عن الحريات الدينية بأن الحصول على إحصائيات دقيقة أمرٌ صعب نظراً لغياب أرقام رسمية وبسبب الطابع السري لجزء من معتنقي المسيحية في المغرب.
وعلى غياب الأرقام الرسمية، فقد تناسلت على مواقع التواصل الاجتماعي صفحاتٌ وقنواتٌ للمسيحيين المغاربة في السنوات الأخيرة. أبرزها مبادرة "مغربي ومسيحي" التي أبانت عن جرأة غير مسبوقة في تقديم مغاربة مسيحيين على يوتيوب لأول مرة بوجوه مكشوفة، للحديث عن تجاربهم وسرد قصص اعتناقهم الدين المسيحي، ورفع اللبس عن الخلط الحاصل بين المسيحي والأجنبي النصراني.
لكن بالجانب المقابل، ينشط جل المسيحيين المغاربة بعيداً عن الكنائس الرسمية في سرية بيوتهم. فقد وصف أحد المسيحيين الذين تواصلت معهم الفراتس التفاعل بين الكيانين، أي بين المسيحيين المغاربة والكنيسة المغربية، بالعالمين المختلفين والمتوازيين اللذين يكادان لا يتفاعلان.
ذلك ما قد يفسر قلة المغاربة المشاركين في قُداس الأحد أو ليلة عيد الميلاد داخل كنيسة "نوتردام دو لورد" مثلاً. فالمغاربة المسيحيون خارج هذه المنظومة يبدو أنهم يفضلون الانتظام في عشرات التجمعات السكنية الصغيرة. ذلك أن مسألة الحريات الفردية في المغرب قد لا تدعم وضعهم. لاسيما وأن الدستور المغربي غامض في هذه المسألة، إذ نقرأ في مادته الثالثة من باب الأحكام العامة أن "الإسلام دين الدولة، والدولة تضمن لكل واحد حرية ممارسة شؤونه الدينية". وهنا لا يُعلم إذا كان المقصود حُريّة ممارسة الشؤون الدينية بالمطلق، أم حرية ممارستها في إطار دين الدولة فحسب.
ويتجلى الالتباس المذكور في الفصل 222 من القانون الجنائي المغربي، الذي ينص على أن كل من عُرف باعتناقه الدين الإسلامي، وجاهر بالإفطار في نهار رمضان في مكان عمومي، دون عُذر شرعي، يعاقب بالحبس من شهر إلى ستة أشهر وغرامة من اثني عشر إلى مائة وعشرين درهماً.
وبغض النظر عن مسألة المجاهرة بالإفطار، يُنقد هذا الفصل انتقادات حقوقية لاذعة في شقِّه القائل "كل من عُرِف باعتناقه الدين الإسلامي". إذ يرى بعض الحقوقيين أنه بذلك يضع تصنيفات جاهزة ومسبقة للمغاربة، ويُصادر حرية ضميرهم وحقهم في تغيير معتقداتهم مثل ما ينص على ذلك الميثاق العالمي لحقوق الإنسان.
هذا التعامل الرسمي مع مسيحية المواطنين المغاربة يطرح سؤالاً فيما إذا كان للدولة المغربية مشكلة مع اعتناق المغاربة المسيحية. والجواب قد يحتمل الرد بنعم ولا.
لا، لأن عدم الاعتراف بالتعدد الديني للمغاربة لا يقتصر على المسيحيين، بل يشمل طوائف أخرى ومنهم البهائيون والشيعة واللادينيون وأتباع أي ديانة باستثناء الإسلام واليهودية. يقول للفراتس مصدر من داخل الكنيسة الكاثوليكية في الرباط، آثر عدم التصريح باسمه، إن المشكلة سياسية بالأساس لأن شرعية الدولة المغربية قائمة على إمارة المؤمنين وعلى البيعة الإسلامية. فإذا فتح المجال أمام تنصر المغاربة أو تشيّعهم أو اعتناقهم أدياناً أخرى فأول المتضررين شرعية الدولة المغربية نفسها.
وقد يكون دستور المغرب أول شاهد على ذلك، إذ يقول في تصديره إن "المملكة المغربية دولة إسلامية ذات سيادة كاملة"، مؤكداً على أن الهوية المغربية تتميز بتبوء الدين الإسلامي مكانة الصدارة فيها. وينص الدستور في بابه الثالث، الفصل الحادي والأربعين، على أن الملك هو "أمير المؤمنين وحامي حمى الملة والدين".
هذه المبادئ المؤطرة لسياسة المملكة الدينية تجعل حفظ "الأمن الروحي"، مثل ما تسميه الدولة المغربية، أولوية من أولوياتها. وبغية اكتناه ما يُقصد بهذا المفهوم في أدبيات الدولة المغربية، يمكن الرجوع لخطاب الملك محمد السادس الموجه إلى المجلس العلمي الأعلى في 30 أبريل 2004 بالدار البيضاء قائلاً: "لقد دأبنا، منذ تقلدنا إمارة المؤمنين ملتزمين بالبيعة المقدسة وما تقتضيه من حماية الملة والدين، وعلى إيلاء الشأن الديني الأهمية الفائقة والحرص على قيام مؤسساته بوظائفها على أكمل وجه والعناية بأحوال الساهرين عليها، والسير على النهج القويم لأسلافنا المنعمين في الحفاظ على الأمن الروحي للمغرب ووحدة المذهب المالكي".
يتبين إذن من توجيهات الملك محمد السادس، أن حماية الدين والملة والحفاظ على وحدة المذهب المالكي، من صلب وظائف إمارة المؤمنين وصلاحياتها التي تضطلع بها المؤسسة الملكية بالمغرب. وهو قد ما يجعل إقرار التعددية الدينية للمغاربة أمر عسيراً له تداعيات غير هيّنة على شكل الدولة.
من جهة ثانية، يقول المصدر الكنسي للفراتس إن الجواب على سؤال فيما إذا كان التعامل الرسمي مع مسيحية المواطنين المغاربة وأن للحكومة مشكلة مع اعتناق المغاربة المسيحية، يُمكن أن يكون نعم. مرد ذلك برأيه أن المسيحية دونَ باقي المكونات الدينية الأقلية بالمغرب مثقلة بتاريخ مرير من الصراعات الدامية. فهي مرتبطة في مخيال المغاربة بالحروب الصليبية وحملات التبشير والاستعمارَين الفرنسي والإسباني والإمبريالية الأوروبية والغربية عموماً، وهو ما يوقعها ضحية الكثير من التقييمات المسبقة والتوجس المبالغ فيه أحياناً.
لكن بين هذه النظرة المتفائلة ونظيرتها المتشائمة، تحدث تطورات. ففي السنوات القليلة الماضية لوحظ أن دخول الكنائس المنتشرة في مدينة الدار البيضاء وحضور القدّاس، لم يعد يخضع لاستنطاق قبلي من رجال الشرطة عند باب الكنيسة. وهذا ما يؤكده مسيحي مغربي نشِط، فضل عدم ذكر اسمه، في حديثه مع الفراتس. قال إن أي مغربي يُمكنه الولوج إلى الكنيسة دون أن يَسأله أحد عن سبب مجيئه، استناداً إلى ملامحه المغربية ليس إلا، وهو ما كان يحصل في السنوات التي سبقت زيارة البابا فرنسيس.
ولعل التغير السكاني الذي يعيشه المغرب أيضاً، بوصول جالية إفريقية مسيحية يساهم في تزايد مساحة الحرية التي يحظى بها كل المسيحيين في المغرب. فقد انتشرت في الآونة الأخيرة ظاهرة الكنائس السرية التي يعمد بعض الأفارقة من جنوب الصحراء الكبرى لإنشائها داخل مرابض سيارات وشقق سكنية لإحياء القداس والصلوات.

