انسحابٌ من المشهد.. لغات جنوبية عربية تندثر قبل تدوينها

يتراجع استخدام اللغات العربية الجنوبية في عُمان واليمن والسعودية بين التعليم والاندماج، مع غموض تسميتها وتصنيفها وغياب التدوين وجهود الإحياء.

Share
انسحابٌ من المشهد.. لغات جنوبية عربية تندثر قبل تدوينها
لغاتٍ تُعاش، لا آثاراً تُستعاد | تصميم خاص بالفراتس

تحضر في ذاكرة المكان بأقصى الشرق من محافظة ظفار بجنوب عُمان قرىً لا تكاد أسماؤها تلوح على الخرائط. واحدةٌ من هذه القرى الصغيرة هي شِليون بولاية سدح، رقعةٌ هادئةٌ يتحدّث أهلها اللغة الشحرية "الجبالية"، إحدى اللغات العربية الجنوبية التي تتوارى مع مرور الزمن. في تلك القرية سَمعتُ امرأةً أربعينيةً من بلدةٍ مجاورةٍ تنادي ابنها قائلة: "اكمِز" بمعنى "اقفز". حلّت الكلمة على مسمعي لحظةَ انكشاف. فعلٌ على وزنٍ عربيٍ مألوفٍ لكن جذره "ك م ز" ينتمي إلى لغةٍ محلّيةٍ تُصارع من أجل البقاء.

لم تكن العبارة مجرد صوتٍ عابر، بل نافذةً صغيرةً تُطلُّ على صراعٍ يوميٍ تعيشه هذه اللغات المهدَّدة. صراعٌ بين ما يريد الأهل أن يقدّموه لأبنائهم من فرصٍ تعليميةٍ بالعربية والإنجليزية، وبين ما تبقّى من لغة البيت والذاكرة والأجداد. اكتشفتُ لاحقاً أن تلك الأمّ محبّةً وخوفاً تحاول التحدّث مع أطفالها بالعربية داخل المنزل، معتقدةً أن ذلك سيفتح لهم باب التفوق في المدرسة. وهكذا من دون أن تشعر أسهمت في تآكل لغةٍ أخرى تقف على حافة الاندثار، في حين تحاول بكلّ ما أوتيَت أن تمنح أبناءها مستقبلاً أفضل. 

تُعدّ اللغاتُ العربيّةُ الجنوبيّةُ المعاصرةُ جزءاً من مشهد اللغات الساميّة في تصنيفها ضمن هذه العائلة اللغويّة، أو مناطق انتشارها، أو أعداد الناطقين بها. ولا يمكن فصلُ هذه اللغات عن البيئات الطبيعيّة التي نشأتْ فيها وتشكّلتْ ضمنَها. ويعود تراجعُها الراهنُ لا إلى ضعفٍ داخليٍّ فيها، بل إلى تحوّلاتٍ سياسية واجتماعيةٍ وثقافيةٍ متسارعةٍ أدّتْ إلى تقلّص مجالات الاستعمال وانقطاع انتقالها بين الأجيال. اتّسمت المحاولاتُ المبكّرةُ لتدوين هذه اللغات بالتفرّق والندرة، وتراوحتْ بين كتاباتٍ محدودةٍ ونقوشٍ لم تُفكّ شفراتُها، في مقابل مرحلةٍ راهنةٍ تشهدُ وعياً وجهوداً في التوثيق والتدوين. ويظلّ مستقبلُ هذه اللغات معلّقاً بين التوثيق ضرورةً علميّةً عاجلةً، والإحياءِ مساراً مشروطاً بعودة اللغة إلى الاستعمال الاجتماعي ضمن مشاريع بحثيّةٍ ومؤسسيّةٍ واقعيّةٍ ومستدامة.


هناك ستُّ لغاتٍ معاصرةٍ تسمّى مجموعةً العربيةَ الجنوبية. وهي المهرية والشحرية "الجبالية" والحرسوسية والهوبيوت والبطحرية والسقطرية. لا تزال منطوقةً في دولٍ مختلفةٍ من جنوب الجزيرة العربية، مثل سلطنة عمان واليمن والمملكة العربية السعودية. أما تسميتها العربية الجنوبية المعاصرة فيعود تاريخه لوقت اكتشافها على يد العلماء الأوروبيين في القرن التاسع عشر. 

لا تخلو هذه التسمية من تضليل. إذ قد يُفهَم منها كونها سليلاً مباشراً للّغات العربية الجنوبية القديمة، أو ارتباطها المباشر باللغة العربية الشمالية. تُعزّز هذين التصوّرين بعضُ الكتابات العربية والأجنبية. أما تصوير هذه اللغات سليلاً للّغات الجنوبية القديمة فيظهر مثلاً في كتاب "لهجات اليمن قديماً وحديثاً" الذي ألّفه أحمد شرف الدين سنة 1970، وجعل فيه هذه اللغات جميعاً (ضمن مجموعة فرعية) واحدة. وكذلك كيس فرستيغ في كتابه "اللغة العربية تاريخها ومستوياتها وتأثيرها" المترجَم إلى العربية سنة 2003، يشير لاحتمالية "أن تكون اللهجات العربية الجنوبية الحديثة كالمهرية حفيدةَ تلك اللغات العربية الجنوبية القديمة". وأما تصويرها امتداداً للعربية الشمالية فيمكن رصده مثلاً في كتاب محمد المعشني "لسان ظفار الحميري المعاصر: دراسةٌ معجميةٌ مقارنةٌ بين عربيّتَيْ حمير ومضر" المنشور سنة 2003.

كانت العربية الشمالية تُدرج ضمن مجموعة اللغات السامية الجنوبية، إلى جانب العربيتين الجنوبيتين (القديمة والمعاصرة) واللغات الإثيوبية. إلا أن روبرت هيتزرون، أستاذ اللسانيات التاريخية المقارنة، في مقالته "تو برنسيبلز أوف جينيتك ريكونستركشن" (مبدآن في إعادة البناء الجيني) المنشورة سنة 1975 عرض مقترحاً تصنيفياً جديداً فصلها فيه عن هذه المجموعة، وأدرجها في مجموعةٍ مستقلةٍ أسماها "الساميّة الوسطى"، ضمّت إلى جانبها اللغتين الآرامية والكنعانية. وقد بنى حجّته على سِمةٍ بنيويةٍ مشتركةٍ بين هذه اللغات، هي وجود الفعل المضارع المرفوع بالضمّة. إذ عدّه ابتكاراً لغوياً يدلّ على علاقةٍ خاصةٍ تميّز هذه المجموعة عن سائر فروع الأسرة الساميّة.

ثم أعقبه العالم الألماني فون نوربيرت المتخصص في اللغات السامية الجنوبية القديمة. في مقالته "تسور فورم دير إمبيرفيكت - بازيس دس أونفرميرتن غروندشتامس إم ألتسوددأرابيشن" (عن صيغة المضارع العادي للوزن الأساسي في العربية القديمة) المنشورة سنة 1994، أكّد نيبسانتماء اللغة السبئية ومجموعتها إلى المجموعة الساميّة الوسطى. انشطرت بذلك المجموعة الجنوبية، التي لم يبقَ منها إلا اللغات العربية الجنوبية المعاصرة واللغات الإثيوبية، من غير أن يكون ما يثبت ارتباطهما أكثر من ارتباطهما باللغة العربية الشمالية أو اللغات العربية الجنوبية القديمة.

اللغوي الروسي ليونيد كوجن، المتخصص في اللغات الساميّة وتصنيفها الوراثي، ذكر في كتابه "جينيالوجيكل كلاسفكيشن أوف سِمِتِك: ذا لِكْسِكَل إيزوغلوسز" (التصنيف الوراثي للّغات الساميّة: المشترَك المعجمي) المنشور سنة 2015 أن قاموس اللغات العربية الجنوبية المعاصرة يختلف عن بقية اللغات الساميّة الغربية بما فيها الإثيوبية. فوضع بذلك المجموعتين الوسطى (التي فيها اللغة العربية الشمالية) والإثيوبية مقابل  اللغات العربية الجنوبية المعاصرة. 

واليوم اشتهر بين علماء اللغات الساميّة تقسيمها إلى مجموعتين. الأولى تضم اللغات الساميّة الشرقية وفيها الأكادية. والثانية تضمّ اللغات الساميّة الغربية، وفيها: اللغات العربية الجنوبية المعاصرة، ومعها اللغات الساميّة الوسطى، أي العربية الشمالية ومجموعتها، واللغات الساميّة الإثيوبية. 


تتوزّع اللغات العربية الجنوبية المعاصرة المهدَّدة بالاندثار على خارطةٍ دقيقةٍ تشبه خريطة أولى مورّثات الإنسان في هذه الأرض. تُتداوَل خمسٌ من هذه اللغات الستّ في سلطنة عُمان، ثلاثٌ منها في جنوب عُمان. أولاها الشحرية التي يتحدث بها بعض سكان النطاق الريفي من محافظة ظفار وبعض المدن الساحلية مثل سدح ومرباط وطاقة ورخيوت وضلكوت. وثانيها البطحرية التي لا تزال تنطق بآخر أنفاسها في نطاقٍ بالغ الضيق في أقصى الشرق من مدينة صلالة، تحديداً في مناطق الشويمية وشربثات وزخر. وثالثها الحرسوسية التي تنطق في جدّة الحراسيس بولاية هيماء في محافظة الوسطى. 

وتتجاوز اللغتان الأُخريان الحدودَ السياسية. فتمتدّ المهرية بين عُمان واليمن وعمق الربع الخالي في السعودية وفي دولٍ خليجيةٍ أخرى مثل الإمارات والكويت، بحسب ما أورد عبد الرزاق القوسي، الباحث السعودي المهتم بدراسة اللغات واللهجات المهددة بالانقراض في جنوب الجزيرة العربية في كتابه "لغات جنوب الجزيرة العربية: 11 لغة في عمان واليمن والسعودية" المنشور سنة 2016. وتتردد الهوبيوت في المنطقة الحدودية بين عُمان واليمن بصوتٍ أقلّ حضوراً لكنه ما زال قائماً. وأمّا اللغة السادسة وهي السقطرية فتتوهّج في جزيرة سقطرى اليمنية عالَماً لغوياً يكاد يكون مستقلاً بذاته، مع الروابط البنيوية العميقة التي تشدّها إلى الشحرية وتكشف عن جذرٍ واحدٍ تفرّعت عنه هذه اللغات عبر الزمن.

لا تتوافر حتى اليوم إحصاءاتٌ موثوقةٌ لأعداد الناطقين بهذه اللغات. ويقتصر الاعتماد في هذا المجال على تقديراتٍ وردت في دراساتٍ متفرقةٍ، تختلف في مناهجها ونتائجها، ولا تخلو أحياناً من عدم التجانس. فاللغوي الأمريكي المتخصص في اللغات الساميّة الجنوبية الحديثة آرون ديفيد روبن، على سبيل المثال، يقدِّر في كتابه " ذا جِبّالي (شحري) لانغوِج أوف أومان" (اللغة الجبالية "الشحرية" في عُمان) المنشور سنة 2014 عدد الناطقين باللغة الشحرية بما يتراوح بين ثلاثين وخمسين ألف متحدث. في حين يستند أحمد المعشني في كتابه "معجم لسان ظفار" المنشور سنة 2014 إلى بيانات التعداد السكاني العماني لسنة 2010 التي تُظهر أن عدد الناطقين بها يبلغ نحو اثنين وسبعين ألف متحدث. 

أما المهرية فيُقدَّر عدد الناطقين بها بنحو مئةٍ وثلاثين ألف متحدثٍ، يقيم أكثر من نصفهم في اليمن، بحسب آرون روبن في كتابه "أوماني مهري" (المهرية العمانية) المنشور سنة 2018. أما البطحرية فتتراوح تقديرات أعداد الناطقين بها بين بضع مئاتٍ من المتحدثين، بحسب ما جاء عند سعيد الجهضمي في مقالته "ماينورِتي لانغوِجِز إن أُومان" (لغات الأقليات في عُمان) المنشورة سنة 2016، وأقلّ من خمسة عشر متحدثاً في أطروحة فابيو غاسبريني المعنونة "ذا بطحري لانغوِج أوف أُومان: تُوَردز آ دِسكربتِف غرامَر" (اللغة البطحرية في عمان: نحو نحوٍ وصفيّ) التي ناقشها سنة 2018، وهو التقدير الذي يبدو أكثر اتساقاً مع المعطيات الراهنة للّغة. 

وتتفاوت تقديرات عدد الناطقين بالهوبيوت على نحوٍ ملحوظ. إذ إنّ سيمون سينيل، الباحثة المتخصصة بدراسة اللغات الساميّة الجنوبية الحديثة، في مقالتها "مِهْري آند هوبْيُوت سْبوكن إن أُومان أَند إن يِمَن" (المهرية والهوبيوت المحكيّتان في عُمان واليمن) المنشور سنة 2010 تقدِّرهم بنحو مئة متحدثٍ فقط. وتشير دراسةُ الجهضمي آنفةُ الذكر إلى بضع مئاتٍ من المتحدثين، ما يعكس تراجعاً سريعاً في أعداد الناطقين الفعليين. أما الحرسوسية فلا تتوافر عنها تقديراتٌ لغويةٌ دقيقة. 

يعتمد الباحثون غالباً على معطياتٍ عرقيةٍ، أيْ معلوماتٍ ميدانيةٍ وصفيةٍ عن حياة جماعةٍ بشريةٍ وثقافتها، تُجمع بالملاحظة المباشرة والمعايشة والمقابلات. سنة 2023 ناقش همّل البلوشي أطروحته "ذا فُونِتِكس آند فُونولُجي أوف حَرسوسي: أَن إنسترومِنتَل فُونِتِكس ستَدي" (الصوتيات والفونولوجيا في اللغة الحرسوسية: دراسة في الصوتيات المخبرية) وذكر فيها استناداً إلى إفادات أحد شيوخ قبيلة الحراسيس أن عدد أفراد القبيلة يبلغ نحو ستة آلاف نسمةٍ دون أن يعني ذلك بالضرورة أن جميعهم ناطقون باللغة أو يستخدمونها يومياً. 

أما السقطرية فإن ليونيد كوجن وماريا بولاخ في فصلهما المعنون "السقطرية" المنشور في كتاب "ذا سيميتك لانغويجز" (اللغات الساميّة) سنة 2019 يقدّران عدد سكان جزيرة سقطرى بنحو مئة ألف نسمةٍ، غالبهم من الناطقين بالسقطرية. ويُعَدّ هذا التفاوت في الأرقام مؤشراً إضافياً على هشاشة توثيق هذه اللغات. فالحاجة ما تزال قائمةً إلى دراساتٍ ميدانيةٍ شاملةٍ تميّز بين الانتماء العرقي والكفاءة اللغوية والاستعمال الفعلي قبل بناء أيّ تصورٍ دقيقٍ عن مستقبل هذه اللغات.


تتجلّى اللغات العربية الجنوبية المعاصرة عند النظر في استعمالها اليومي لغاتٍ مشدودةً إلى البيئة التي نشأت فيها شدّاً وثيقاً، لا أنظمةَ أصواتٍ وقواعد قائمةً بذاتها ومعزولةً عن محيطها. ويتبدّى هذا الارتباط بوضوحٍ في غنى المعجم، وفي طبيعة الاستعارات وأساليب التعبير التي يستمدّها المتكلمون من عالمهم الطبيعي. فالمرأة الجميلة لا يُحتفى بجمالها وصفاً مجرداً، بل يُقال إن حديثها يبدّد حَرّ الشمس ويستحضر الظلال والسحب. ورحيل الرجل العظيم يُقاس بجفاف منابع المياه، لأن الماء يمثّل معيار الحياة والاستمرار في هذا السياق البيئي. أمّا المصائب، فتُستدعى في صورة رياحٍ عاتيةٍ، لما تحمله الرياح في الوعي المحلي من دلالةٍ على القسوة والاقتلاع. وقد اتضحت هذه السمات بدقةٍ في دراسةٍ قيد الطباعة عملتُ عليها مع باحثين آخرين بعنوان "شعر الرجال في ظفار: توثيق شعر مهدّد بالانقراض". تتناول الدراسة خصائص هذا الشعر وبنيته التعبيرية واستعاراته، وكيفية توظيف عناصر البيئة الطبيعية مكوّناً أساساً في إنتاج المعنى، لا مجرد إطارٍ جماليٍّ عابر.

وتؤكد البريطانية جانيت واطسون، إحدى أشهر الباحثين في هذه اللغات، في مقابلةٍ مع الفراتس أن ما يمنح هذه اللغات ثقلها الأعمق هو الالتحام العضوي بالمكان. فالمعجم هنا ليس محايداً بل مشبعاً بالبيئة: كلماتٌ عن المياه والغيوم والرياح والصخور، وألوان الماشية والحيوانات البرية، وأنواع النباتات وأجزائها، ولاسيما ما ارتبط منها بثقافة الناس ومعاشهم كاللبان وهي أشجارٌ تنبت طبيعياً وتنتج اللبان وارتبط بها الناس في ظفار منذ فجر التاريخ. ريح البحر في المهرية "مديت" تظهر رمزاً لما هو مرغوبٌ ومحبوبٌ، وريح الصحراء القاسية "خروب" تُشبَّه بقبيلةٍ قويةٍ، والعين الجميلة تُوصف بأنها "عين شترير"، أيْ عينٌ تشبه الغدير. 

تتبدّى علاقة اللغة بالبيئة في الجنوب العربي علاقةً تأسيسيةً لا عرضية. فاللغة هنا ليست أداةَ تسميةٍ محايدةً، بل امتداداً حيّاً لتجربة المكان والمناخ والدورة الطبيعية. وضياعها يعني ضياع هذه العلاقة المباشرة بالمكان. ويمكن تدعيم هذا المعنى من داخل مواد التراث اللامادي، كما في مقالة محمد الشحري، الكاتب والروائي العُماني من ظفار، والمتحدّث باللغة الشحرية، "آلهة ظفار قبل الإسلام" المنشورة في مجلة "بدايات" سنة 2021. يُظهر الكاتب كيف تشكّلت الحياة الدينية والثقافية في ظفار حول مظاهر الطبيعة الكبرى مثل القمر والشمس والنجوم والرياح والمطر، وكيف ظلّت آثار هذا التصوّر الكوني حيّةً في الذاكرة الشفاهية وفي الشعر والأمثال والطقوس، بل وفي مفردات اللغة الشحرية نفسها. ويستشهد بما أورده جواد علي، المؤرّخ العراقي صاحب موسوعة "المفصّل في تاريخ العرب قبل الإسلام"، من أنّ المركز الرمزي الذي يحتلّه القمر في ديانة العرب الجنوبيين لا نجده بالدرجة نفسها عند الساميين الشماليين، وهو فرقٌ يعكس اختلاف البيئات وأنماط العيش، ويترجم نفسه لغوياً في كثافة معجم المواسم والسماء والماء والخصب. ومن هنا يمكن فهم غنى اللغات الجنوبية بمفردات الرياح والغيوم والمياه والنباتات والحيوانات لا ثراءً معجمياً فحسب، بل أثراً تاريخياً لعلاقةٍ عضويةٍ بين الإنسان ومحيطه، تصبح فيها الطبيعة معياراً للمعنى، ومخزناً للاستعارة، وأفقاً لتشكيل الحسّ اللغوي نفسه.

وتظهر علاقة البيئة باللغات الجنوبية أكثر حسّيةً داخل الشعر الشفهي المهري. ذكر بيتر هيليير الباحث المعاصر في اللسانيات وعلم الإناسة اللغوية في دراسته "مهري أورَل بويتري آند أرابِك نَبْطي بويتري" (الشعر الشفهي المهري والشعر النبطي العربي) المنشورة سنة 2021، أن فكرة "الرسول" التي تعني في الشعر النبطي العربي وسيطاً إنسانياً ينقل الرسائل ويبني جزءاً من السرد الشعري، تكاد تكون غائبةً عن الشعر المهري. وحين تظهر في السياق المهري، لا تأتي في صورة إنسانٍ، بل في صورة طائرٍ محلّيٍ صغيرٍ يُدعى "صقر" يحمل تحية الحبيب إلى المحبوبة. 

في الشعر المهري إذن، ومثل اللغات الجنوبية، تنطلق القصيدة غالباً من قلب المشهد الموسمي. من شمس الخريف والرياح الموسمية الرطبة والضباب الزاحف على السفوح ومن لحظة انطفاء الضوء عند الغروب. وعلى خلاف الشعر النبطي العربي الذي يُفتتح كثيراً بخطابٍ إنسانيٍّ أو رسولٍ عاطفيٍّ، تتحوّل الطبيعة هنا إلى بوابةٍ للدخول إلى القصيدة.

ومن ذلك أيضاً أن القصائد الطويلة في الشعر الجنوبي تقوم على تنظيمٍ داخليٍ دقيقٍ للموضوعات. يظهر ذلك في قصائد "أودوي كريم كريم" في الشعر المهري و"دبرارت" في الشعر باللغة الشحرية (الجبالية). حيث تُبنى القصيدة تسلسلاً دلالياً متدرجاً ينتقل من مشهدٍ إلى آخَر دون قطيعةٍ حادّةٍ، وهو ما يمنحها تماسكاً بنيوياً شبيهاً بما عُرف في الشعر العربي القديم بحسن التخلّص. وقد ذكر صامويل ليبهابر في مقالته "ريتورك، رايت أوف باسج، آند ذا مالتيلينغوال بويتيكس أوف أريبيا" (البلاغة وطقوس العبور والشعرية المتعددة اللغات في شبه الجزيرة العربية) المنشورة سنة 2013 أن القصيدة القبلية المهرية من النوع الطويل تبدأ بمشهدٍ طبيعيٍ أو زمانيٍ كثيف الدلالة، ثم تنفتح تدريجياً على الحدث الاجتماعي أو الصراع الجماعي، قبل أن تنتهي بنداءٍ توافقيٍ أو دعوةٍ إلى الاستقرار. ويبيّن ليبهابر أن عناصر الطبيعة مثل الرياح والسحب والتحولات الموسمية والمواقع المرتفعة تؤدي دوراً انتقالياً داخل القصيدة. إذ تُستعمل فضاءً رمزياً يسمح بالانتقال من التوتر إلى الحلّ، ومن الاضطراب إلى التماسك، دون حاجةٍ إلى وصلٍ لفظيٍ مباشر. ويشير إلى أن هذا النمط من الانتقال الموضوعي ليس زخرفاً أسلوبياً، بل جزءاً من منطقٍ شعريٍ شفهيٍ راسخٍ، يجعل من حسن التدرج والتخلّص سمةً بنيويةً في الشعر الجنوبي والمهري. إذ تتحدد قيمة القصيدة بقدرتها على ضبط حركة المعنى من بدايته إلى خاتمته ضمن سياقٍ أدائيٍ واحدٍ متماسك.

تتقاسم اللغات العربية الجنوبية المعاصرة جملةً من الخصائص التي تُشكّل معاً ملامح هذا الفرع اللغوي، مما قد يميزها عن العربية الشمالية ولهجاتها. من أبرزها نطق الضاد الجانبي، ووجود الشين الجانبية، وحضور أصواتٍ مثل صوت القاف. 

وتحتفظ كل لغةٍ بأنماطٍ داخليةٍ خاصة. من ذلك ما يظهر في الشحرية عند تصريف بعض الأفعال الثلاثية المجردة المنتهية بأصواتٍ حلقيةٍ، كالخاء والغين والعين والحاء. يرد الماضي على وزنٍ ثابتٍ "فِعْل"، كما في "طِلْع" و"صِلْح" و"كِفْخ" للدلالة على الأفعال العربية الآتية على التوالي: "ظَهَرَ" و"صَلُحَ" و"كَفَخ". وفي الجانب الصوتي تُحذف الباء والميم عند وقوعهما في الكلمة بين حركتين، مثل: كلمة "قور" التي تعني "قبر" في العربية، وكلمة "حول" بمعنى "حمل" في العربية. أما معجمياً فيمكن رصد الاختلاف والتمايز في الكلمة المقابلة لكلمة "أتى" العربية، إذ تكون "جَدح" في السقطرية و"زحم" في الشحرية، و"نوكا" في المهرية. وإذا أردنا أن نستعرض صورة نطق كلمةٍ معينةٍ في كلّ هذه اللغات يمكن أن نتوقف مع الكلمة المقابلة لكلمة "غداً" فهي في الشحرية "قريرا"، وفي السقطرية "قَرَرا"، وفي المهرية والبطحرية والهوبيوت "جِهْم"، وفي الحرسوسية "جيهمِه". وتكشف هذه الأمثلة مجتمعةً أن ما يجمع هذه اللغات ليس مجرد تقاربٍ جغرافيٍ، بل بنيةٌ لغويةٌ مشتركةٌ ومتماسكةٌ، على الخصوصية التي قد تتميز بها كلّ لغة.


تلتقي هذه اللغات اليوم عند توصيفٍ واحدٍ لا يترك مجالاً للتخفيف أو المجاملة. ففي كتاب كريستوفر موسيلي الباحث في اللسانيات والمتخصص في توثيق اللغات المهددة بالاندثار "أطلس أوف ذا ووردس لانغويجِز إن دينجر" (أطلس لغات العالم المهددة بالخطر) الصادر سنة 2010، تُدرَج هذه اللغات ضمن اللغات التي تقف على حافة الخطر، وإن اختلفت سرعة هذا الوقوف وحدّته. بعضها يقترب من النهاية بخطىً سريعةٍ ومكشوفةٍ كما هو حال البطحرية التي لم يبقَ من متحدثيها إلا عددٌ ضئيلٌ يكاد لا يُسمَع، تليها الهوبيوت بدرجةٍ أقل. أما اللغات الأخرى فتسير في مسارٍ أكثر هدوءاً: تراجعٌ بطيءٌ قد يمتدّ سنواتٍ أو عقوداً، لكنه لا يقلّ خطورةً في نتائجه. فالصمت هنا لا يأتي دفعةً واحدةً بل يتسلّل تدريجياً، حتى يغدو الغياب أمراً واقعاً لا يُلتفت إليه إلا بعد فوات الأوان. 

صنّف أطلس اليونسكو هذه اللغات اعتماداً على درجة الخطر. فقسّمها إلى لغاتٍ معرّضةٍ للخطر وهي المهرية والحرسوسية، ولغاتٍ مهددةٍ حتماً وهي الشحرية والسقطرية والهوبيوت، ولغاتٍ مهددة بالاندثار الوشيك وهي اللغة البطحرية. ومع دقّة هذا التصنيف في إبراز مستوى الخطر الذي يتهدّد هذه اللغات فإن وضع اللغة الشحرية لا يبدو في الواقع أشدّ خطورةً من وضع اللغة الحرسوسية، وذلك بحكم كثرة المتحدثين بها واستمرار انتقالها بين الأجيال.

ومن اللافت في وضع اللغة البطحرية التي أوشكت على الاندثار أن مزاحمتها لا تقتصر على العربية الفصحى أو الإنجليزية. بل تشمل اللهجة العربية البدوية لقبائل "الجنبة" المجاورة جغرافياً. جاسبريني، الذي أسهم بعد كتابة رسالة الدكتوراه عن اللغة البطحرية في نشر مجموعةٍ من أهمّ الأبحاث والكتب عن هذه اللغة، تحدّث عن وفاة أحد كبار المتحدثين الذين عمل معهم عن قرب. لم يكن يستعيد ذكرى شخصيةً فحسب، بل لحظة انطفاءٍ لغويٍّ كاملة.

ذلك الرجل، كما وصفه، لم يكن مجرد متحدثٍ بل ذاكرةً حيّة. برحيله لم تُفقد حياة فردٍ فقط، بل تراجع صوت اللغة خطوةً أخرى نحو الصمت. ومع تتابع رحيل كبار السنّ كانت البطحرية تذبل معهم ببطءٍ لا ترصده الإحصاءات. ويمتدّ هذا الذبول إلى الفضاء الثقافي والمعرفي الذي كانت اللغة تتغذّى منه. ويتجلّى ذلك في الممارسات ومعارف البيئة البحرية، مثل ممارسة "العوف" أي المحرَّم. إذ كان فرض محظوراتٍ مؤقتةٍ أو دائمةٍ على الصيد البحري ينظّم استغلال الموارد البحرية ويضمن استدامتها. غير أنّ انقطاع البطاحرة عن البحر أفقد هذه الممارسة معناها العملي، فلم يعُد الشيوخ يرون في توريثها للأحفاد قيمةً تُذكر. ومع هذا الانقطاع ينهار في صمتٍ عالمٌ واسعٌ من المعارف غير المادية، ولاسيما المفردات البحرية التي صاغها البطاحرة في تماسّهم اليومي مع البحر وأحواله وأدواته ومسمياته. وفي حديثه عن أسباب وصول البطحرية إلى هذه الحافة حرص جاسبريني على تفكيك فكرة "التخلّي". اللغات كما يرى لا تموت لأن أهلها لا يحبّونها، بل لأنها تُدفع خارج الحياة. 

في المشهد نفسه تتضح صورة هذه اللغات عبر تجربةٍ مختلفةٍ في العمق، عايشَت المكانَ قبل أن تكتبه جانيت واطسون التي قضت سنواتٍ بين الجبال والوديان والقرى البعيدة في ظفار، لا تتحدث عن اللغة من علٍ، بل من داخل تحوّلاتها البطيئة. منذ وصولها إلى المنطقة سنة 2009 تغيّر المشهد اللغوي كما تغيّر المكان نفسه. السهل الساحلي تقلّص تحت ضغط البناء، والينابيع التي كانت بعيدةً عن الناس باتت قريبةً من البيوت الجديدة. ومع هذا التحوّل العمراني تغيّر استعمال اللغة، وتبدّلت وظائفها في الحياة اليومية.

تقول إن الناس الذين تحدثوا المهرية أو الشحرية لغتَيْ حياةٍ يوميتَيْن صاروا اليوم يفهمون العربية على الأقل، ويتداولونها في مجالاتٍ أوسع. غير أن التحول الأعمق لا يظهر في هذا التوسع وحده، بل فيما فُقد بهدوءٍ بين الأجيال الشابة. فمعرفة الأعداد بالمهرية والشحرية تتراجع، ومصطلحات الألوان المرتبطة بالماشية اختفت تدريجياً، وحلّت محلّها ألفاظٌ عربيةٌ عامّة. هذه التفاصيل الصغيرة التي قد تبدو ثانويةً تكشف عن تآكلٍ داخليٍّ، حيث تنسحب اللغة من وظائفها الدقيقة قبل أن تختفي من المشهد كلّه.

ومع ذلك تلفت واطسون إلى أن اللغة لا تتآكل على وتيرةٍ واحدة. فالنظام الصوتي في البيئات التي ما تزال تحتفظ بنمط حياةٍ أقرب إلى التقليدي لم يشهد تغيّراً ملحوظاً. بعض الأصوات ما تزال صامدةً، باستثناء تحولاتٍ محدودةٍ في المناطق الحضرية، مثل اندماج الشين الحنكية المدوّرة في الشين العادية، ومثالها الشين في كلمة "شاهي" بالشحرية التي ينطقها الشباب اليوم كما تنطق كلمة "شاهي" بالعربية تماماً، وهو نطقٌ يستهجنه كبار السنّ.


لم يكن تأخّر دراسة اللغات العربية الجنوبية ناتجاً عن فقر المادة اللغوية، بل عن تأخر الوصول إليها علمياً. فاعتماد هذه اللغات على النقوش الأثرية مصدراً رئيساً لدراستها جعلها رهينة التنقيب المنهجي الذي لم يبدأ في اليمن إلا في سبعينيات القرن العشرين بسبب الاضطرابات السياسية، كما يبيّن فاروق إسماعيل في دراسته "العربية الجنوبية وصلتها بالفصحى" المنشورة سنة 2013. وهو ما أدّى إلى تأخر إدماج العربية الجنوبية في الدراسات التاريخية المقارنة للعربية، مقارنةً بالفصحى ذات التقليد النصّي المدوّن مبكراً، الذي رسّخ حضورها الأكاديمي.

تستمر السياسة في تنويعاتٍ أخرى في تحديد مساراتٍ خاصةٍ بهذه اللغات. ففي سياق ثورة ظفار، الحركة المسلحة التي قادتها الجبهة الشعبية ضد الحكم المدعوم بريطانياً في جنوب عُمان في عقدي الستينيات والسبعينيات من القرن الماضي، تظهر العلاقة بين السياسة واللغات الجنوبية علاقةً مباشرةً وبنيوية. فيذكر عبد الرزاق التكريتي في كتابه "ثورة الرياح الموسمية" المنشور سنة 2013 أن اللغة الشحرية وأشكال التعبير الشفهي دخلت عملياً في قلب العمل الثوري، إذ ألّف كوادر "جيش التحرير الشعبي" أشعاراً تعبويّةً للحفاظ على المعنويات ونقل الخطاب السياسي، وأُعيد توظيف أغنية "النانا" الرعوية وهي أول شعرٍ يعبّر عن الإنسان الناطق بالجبالية (الشحرية) لأغراضٍ ميدانيةٍ، من بينها إبلاغ الثوار بتحركات الجيش. وفي الوقت نفسه أطلق الثوار مشروع التعريب، لا قطيعةً مع اللغات الجنوبية، بل أداةً للاندماج في الفضاء الثقافي العربي الثوري الأوسع. لاحقاً احتوى النظامُ العماني الجديد هذا المسارَ وأعاد توجيهه ضمن مشروع "التعمين" وبناء الهوية الوطنية الرسمية.

إلا أن الجهضمي يعيد في دراسته مسألة تهديد انقراض هذه اللغات الى الاندماج الاجتماعي الذي لم يكن يعني التفاعل بين اللغات داخل الفضاء العامّ وحسب، بل أسهم في تسريع تراجع لغات الأقليات في سلطنة عُمان. فالعربية أصبحت اللغة الضرورية للتعليم والعمل والحراك الاجتماعي، في حين بقيت لغات الأقليات محصورة في المجال المنزلي واليومي المحدود. وأدّى ضعف نقل اللغة بين الأجيال نتيجةَ تصورات بعض الأسر عن نفعية العربية والإنجليزية إلى تقليص عدد المتحدثين بهذه اللغات. وإلى جانب ذلك ساهم التحول في تمثّل الهوية في التغيير، إذ فضّل بعض أفراد الأقليات الانخراط في هويةٍ عربيةٍ عامةٍ على الحفاظ على الهوية اللغوية المحلية، ما عمّق مسار التآكل اللغوي.

إلا أن عدم تدوين هذه اللغات كان عاملاً مؤثراً في تهديد وجودها. فعلى امتداد أكثر من قرنٍ ظلّ سؤال الكتابة واحداً من أكثر الأسئلة إرباكاً في مسار هذه اللغات. فمنذ اكتشافها الأول على يد الباحثين الأوروبيين في القرن التاسع عشر لم تحظَ هذه اللغات بأبجديةٍ خاصةٍ بها، وبقيَت تُتداول شفهياً، كأن الصوت قدرها الوحيد. والمفارقة أن أقدم شاهدٍ مكتوبٍ اليوم يعود إلى القرن السادس عشر الميلادي، إذ تظهر محاولةٌ مبكرةٌ للإمساك بهذه اللغات على الورق، قبل أن تعود طويلاً إلى فضائها الشفهي.

فقد نبّه باحثا اللغة روبرت سارجنت وإيوالد فاغنر في دراستهما "آ سكستينث سينتشري ريفرِنس تو شحري دايَلِكت أت زفار" (إشارة من القرن السادس عشر إلى اللهجة الشحرية في ظفار) المنشورة سنة 1959 إلى نصٍّ لغويٍّ فريدٍ يتضمن عباراتٍ من اللغة الشحرية كُتبت بالحرف العربي في سياقٍ فقهيٍّ متعلقٍ بالطلاق. 

ومؤخراً فُتح هذا الملف القديم على أسئلةٍ جديدة. إذ نشر الأكاديمي المتخصص باللغات السامية أحمد الجلاد دراسةً بعنوان "ذا ديسايفرمنت أوف ذا دوفاري سكربت ثري هلحم أبسيدريس آند ذا فيرست جليمبسيس إنتو ذا كوربس" (فكّ شفرة الخطّ الظفاري ثلاث أبجديات حلْهمية ومداخل أولية إلى المدوّنة) سنة 2025 خلص فيها إلى أن لغة النقوش الظفارية تُظهر صلةً محتملةً باللغات العربية الجنوبية المعاصرة، وإن لم تكن أصلاً مباشراً لها. ورجّح أن تكون امتداداً لخلفيةٍ كتابيةٍ أقدم، ما تزال بعض خطوطها عصيّةً على التفكيك. هذه النتيجة لا تمنحنا أبجديةً جاهزةً، لكنها توسّع أفق التفكير في تاريخ الكتابة بهذه اللغات، وتعيد ربطها بسياقٍ أعمق من مجرد الشفاهية المحضة. فاعتقد الباحثون أن هذه اللغات الجنوبية المعاصرة استمرت طيلة تاريخها شفهيةً. ولكن بحث الجلاد في بعض النقوش في ظفار رجّح احتمال أن تكون هذه النقوش ممثلةً اللغاتِ الجنوبيةَ العربيةَ المعاصرةَ، مما يعني أن كتابتها كانت في مراحل مبكرة.


تُظهر إحدى أبرز محاولات إحياء اللغات الجنوبية في المجال التعليمي فجوةً بين الواقع اللغوي المتعدد في المجتمع والممارسات الرسمية داخل الصفوف الدراسية. دراسة إيرينا لينتشوك وعامر أحمد "بيكوز آي سبيك جبالي" (لأنني أتحدث الجبالية) المنشورة سنة 2024 تكشف عن استخدام الطلبة ذخيرةً لغويةً غنيّةً تشمل الجبّالية والعربية الظفارية والعربية الفصيحة والإنجليزية. تُقصى اللغات المحلية من المجال التعليمي وتُحاصر في نطاق الاستخدام المنزلي، ما يرسّخ شعور الخجل اللغوي ويعمّق تراجعها بين الأجيال الجديدة.

تعتمد دراسة لينتشوك وأحمد على منهج دراسة الحالة، وتركّز تحديداً على اللغة الجبّالية إحدى أكثر لغات جنوب الجزيرة العربية حضوراً في ظفار. وتتبّع الباحثان الممارساتِ اللغويةَ اليوميةَ لخمس طالباتٍ جامعياتٍ متعددات اللغات في جامعةٍ خاصةٍ بظفار. وتكشف النتائج أن الطالبات لا يتعاملن مع اللغات أنظمةً منفصلةً، بل شبكةً مرنةً من الموارد التعبيرية، ينتقلن بينها بحسب السياق الاجتماعي. فالجبّالية تُستخدم غالباً للتعبير عن القرب العاطفي والانتماء الجماعي، بينما تُستعمل العربية الظفارية والعربية الفصحى في السياقات الأكثر رسميةً، وتُخصَّص الإنجليزية للمجال الأكاديمي.

وتبيّن الدراسة أن المؤسسة التعليمية لا تعكس هذا الواقع التعددي، بل تفرض ترتيباً هرمياً للّغات. في هذا الترتيب، تُقصى الجبّالية من الصفوف الدراسية وتُحبس في المجال غير الرسمي، ما يخلق لدى الطالبات إحساساً بعدمِ مناسبةِ لغتِهنّ الأمِّ المعرفةَ أو التعليمَ. وتشير المقابلات إلى تجنّب بعض الطالبات استخدام الجبّالية داخل المدرسة والجامعة بدافع الحرج الاجتماعي، أو خوفاً من الوصم، أو بسبب اعتبارها لغةً لا تليق بالفضاء الأكاديمي. في المقابل تُظهر الدراسة أن الطالبات أنفسهن يربطن بين تعدّد لغاتهن وقدرتهن العالية على تعلّم الإنجليزية ولغاتٍ أخرى.

وتصل الدراسة إلى نتيجةٍ مفادها أن تهميش اللغات المحلية داخل التعليم لا يسرّع فقط من مسار اندثارها، بل يعمّق القطيعة الرمزية بين الهوية اللغوية المحلية والمعرفة الرسمية. ولذلك تقترح الدراسةُ إدخالَ الجبّالية في التعليم عبر مساراتٍ غير تصادميةٍ، مثل أنشطة السرد الشفهي والمشاريع البحثية الميدانية ودروس الثقافة المحلية وبرامج الوعي اللغوي. بذلك تتحول المدرسة والجامعة إلى فضاءٍ لإعادة إنتاج اللغة اجتماعياً بدل أن تكون موقعاً لإقصائها.

وتعدّ تجربة مركز اللغة المهرية للدراسات والبحوث، الذي تأسس في الغيضة باليمن سنة 2017 وباشر أعماله 2018، خطوةً شجاعةً واجهت تحدياتها منذ البداية. فالمهرية مثل بقية اللغات الجنوبية تحوي مجموعةً من الأصوات التي لا وجود لها في العربية. لذلك سعى المركز إلى وضع أبجديةٍ تعتمد على الرسم العربي لتمثيل حروف المهرية، وأتاحوا هذه الرموز في تطبيقات الهواتف والأجهزة. ولكن لكثرة الحروف المتغيرة عن العربية واجه المستخدمون من المهرية صعوبةً في الكتابة بها، فظلّ الحرف العربي مستعملاً لتمثيل لغته لأن السياق كفيلٌ بفهم الكلمات والجمل حتى وإن لم تمثل الحروف الخاصة برموزٍ خاصةٍ بها.

فالمجتمع المحلي، على ترحيبه الرمزي بالفكرة، ظلّ ميّالاً إلى الكتابة بالحرف العربي المألوف، وتردّد في اعتماد نظامٍ جديدٍ لم يتجذر بعدُ في الاستعمال اليومي. ومع ذلك لم يتوقف الاشتغال عند هذه المحاولة. فاليوم تُبذل جهودٌ علميةٌ لتطوير أبجديةٍ أكثر مرونةً، قد تكون صالحةً لتمثيل هذه اللغات جميعاً ضمن مشاريع بحثيةٍ يشارك فيها عددٌ من الباحثين. وهو مسارٌ لا يسعى إلى فرض كتابةٍ جاهزةٍ بقدر ما يحاول إنصاف الصوت ومنحه أداةَ كتابةٍ قادرةً على مرافقة هذه اللغات إذا كُتب لها أن تمرّ إلى المستقبل، لا أصواتاً عابرةً، بل لغاتٍ لها أثرها المكتوب ولو بعد حين.

في التفكير بالمستقبل لا تتجه واطسون إلى الحلول التقليدية. الأمل في نظرها يبدأ من إعادة وصل اللغة بالمكان. مشروعٌ رقميٌ مجتمعيٌ لأسماء المواقع الجغرافية بكلّ اللغات المحلية، تُجمع فيه الأسماء على خريطةٍ واحدةٍ وتُشرح معانيها وتُربط بالقصائد والحكايات. أسماءٌ مثل "جبْجبْت" في المهرية لا تُفهم دون معرفة فعلها الأصلي "اجبجب" أي التحرك حول رأس الوادي من الأعلى. مشروعٌ يعيد للّغة حضورها معرفةً بالمكان لا مجرد أداة تواصل. وهنا يصبح السؤال أقلّ ارتباطاً بالمستقبل البعيد، وأكثر إلحاحاً في الحاضر: هل نكتفي بتسجيل هذه اللغات وهي تنسحب بهدوءٍ، أم نعيد التفكير في مكانها داخل الحياة؟

يلتقي غاسبريني وواطسون عند قناعةٍ واحدةٍ صاغتها التجربة لا التنظير، وهي أن إنقاذ اللغة لا يتحقق بالشعارات ولا ببرامج مؤجلةٍ، بل بالفعل اليومي الممكن. حين يغيب المتحدثون الشباب ويتعطّل الانتقال الطبيعي بين الأجيال يصبح التوثيق ضرورةً لا مفرّ منها، لا أرشفةً باردةً بل محاولةً واعيةً للإبقاء على اللغة حيّةً في الذاكرة الإنسانية، قبل أن يسبقها الزمن إلى الصمت. تسجيل الأصوات وتدوين القواعد وحفظ الحكايات كلّها ليست أعمالاً تقنيةً بل أفعال مقاومةٍ هادئةٍ للفقد.

ومن هذا المدخل يضع غاسبريني القصص في قلب أيّ حديثٍ واقعيٍ عن الإحياء، بعيداً عن الوعود الكبيرة ومقترباً ممّا يسمح به الواقع فعلاً. ففي غياب متحدثين شبابٍ في حالة اللغة البطحرية، ومع تعثّر الانتقال الطبيعي بين الأجيال يغدو التوثيقُ الفعلَ الأكثرَ إلحاحاً، لا بديلاً عن الحياة، بل محاولةً أخيرةً لئلّا تضيع اللغة كاملة. تسجيل حكايات كبار السنّ بلغتهم البطحرية، بأصواتهم وإيقاعهم ونبرتهم الخاصة، ثم تفريغها وترجمتها وإتاحتها للناس هو الطريق الذي يراه ممكناً.

فالقصص في نظره قلب اللغة النابض. تختزن مفرداتها ونحوها وروحها معاً، وقد تكون الجسر الوحيد القادر على إيقاظ فضول جيلٍ لم يسمع لغته إلا من بعيدٍ، وإعادة وصل اللغة بأصحابها ولو في الذاكرة أولاً. وتذهب واطسون خطوةً أبعد في الاتجاه نفسه حين تحسم موقع البداية، البيت قبل الجامعة. أكثر ما تعتزّ به هو مشاركتها المتحدثين في إنتاج كتبٍ قصصيةٍ كُتبت بلغتهم معهم ولهم، واستندت إلى ثقافتهم اليومية لا إلى قوالب جاهزةٍ مثل قصصٍ بالمهرية "سمع سالم" و"سالم يتعقب الأثر".

تلك التجربة كما ترى أعادت للّغة المستهدفة شيئاً من كرامتها، لأنها خرجت من إطار البحث إلى فضاء الحياة. ومن موقعها في جامعة السلطان قابوس لم تنظر إلى المستقبل بتشاؤمٍ، فقد رأت طلاباً يشتغلون على هذه اللغات. حواراتٌ جادّةٌ مع وزارة التربية عن إدخالها إلى المدرسة بخطواتٍ بسيطةٍ لكنها مؤثرة. السماح للأطفال باستخدام لغاتهم الأمّ. إحضار موادّ ثقافيةٍ من بيوتهم. هي خطواتٌ صغيرةٌ في ظاهرها لكنها قادرةٌ على إعادة الثقة، وإبقاء اللغة حيث يجب أن تكون بين الناس وفي تفاصيل عيشهم اليومية.

تكشف تجربة مركز اللغة المهرية للدراسات والبحوث في الغيضة باليمن عن طبيعة هذا الجهد وحدوده. بحسب عامر بن فائل بلحاف، رئيس وحدة الدراسات والبحوث بمركز اللغة المهرية، لم يولَد المركز مبادرةً أكاديميةً عابرةً، بل انطلق من إحساسٍ بالمسؤولية التاريخية تجاه لغةٍ مهدّدة. ونجح في رفع الوعي المجتمعي وإنتاج عشرات الكتب، منها "حايبيت ارحيمت" للباحثين حسين محسن المهري وعبدالله مسلم المهري وجانيت واطسون. وهو عبارةٌ عن كتيّبٍ ملوّنٍ من أربع عشرة صفحةً، يتناول وصف أهمّ أجزاء الناقة وصفاً دقيقاً يجمع بين المعرفة اللغوية والثقافية. وأصدر المركز سلسلة قصصية بعنوان "سيلم هوماء" للباحثين نفسهم، تقع في اثنتين وعشرين صفحةً، وتعرض قصة طفلٍ يُدعی سالم. في إطارٍ سرديٍ مبسّطٍ موجَّهٍ للأطفال، يُدخل اللغة المهرية في القراءة المبكرة. وأصدر المركز كتاب "الأساليب النحوية بين العربية والمهرية" للباحثة صفية عيسى مسلم السليمي، وكتاب "الاشتقاق بين العربية والمهرية – دراسة صرفية" للباحثة شيخة علي سالم باكريت، وكتاب "الجملة بين العربية والمهرية – دراسة نحوية" للباحثة آمنة عامر سعيد مكي.


يخلص هذا المسار إلى أن اللغات العربية الجنوبية المعاصرة ليست بقايا هامشيةً من الماضي، بل لغاتٍ حيّةً عاشت لأنها كانت جزءاً من الحياة اليومية، وكلما ابتعدت عن الاستعمال اقتربت من الغياب. وكما تقول جانيت واطسون فإن كلّ لغةٍ تحمل عجائبها الخاصة في أصواتها الدقيقة، وبناها الصرفية والنحوية، وغنى معجمها الذي لا يُعوَّض. وحين تختفي هذه العجائب لا يضيع نظامٌ لغويٌّ فحسب، بل تُفقد طريقةٌ كاملةٌ في رؤية العالم وتسميته. ومن هنا تبدو المسؤولية واضحةً وبسيطة. ما نسمعه من كلمات الكبار أو قصصهم أو أشعارهم يستحق أن يُكتب أو يُسجَّل كما هو. فكلّ صوتٍ محفوظٍ إنما يمدّ في عمر اللّغة. وكلّ كلمةٍ تُنقَذ من النسيان فإنها تقاوم الصمت. وحفظ هذه اللغات ليس شأن الباحثين وحدهم ولا مهمة المؤسسات فحسب، بل هي مسؤوليةٌ تبدأ من البيت، وتتسع في المدرسة، وتحتاج إلى دعمٍ واعٍ حتى تبقى هذه اللغات لغاتٍ تُعاش، لا آثاراً تُستعاد بعد فوات الوقت.

اشترك في نشرتنا البريدية