جزيرة سقطرى اليمنية.. ذاكرة الطبيعة في مواجهة الحرب والانكشاف

صاغت العزلةُ في سقطرى لغةً لا يفهمها أحد خارجها، وطقوساً تتعايش فيها طبقات من الوثنية والإسلام، ونظاماً بيئياً تشكّل في آلاف السنين. ومنذ 2015 باتت تتقاطع على أرض الجزيرة رهانات إقليمية، تسببت في تحولات اجتماعية وبيئية.

Share
جزيرة سقطرى اليمنية.. ذاكرة الطبيعة في مواجهة الحرب والانكشاف
سقطرى ليست للبيع | تصميم خاص بالفراتس

في صباحٍ ضبابي على هضبة محمية ديكسم، جلس العم سالم بن قاسم أحد سكان جزيرة سقطرى تحت شجرة عتيقة يتأمل أشجار دم الأخوين، وهي صنف فريد من الأشجار المعمرة لا يوجد خارج سقطرى. تشتهر الشجرة بعصارتها الحمراء القانية التي تنزّ من لحائها عند جرحه، ويستخدمها أهل الجزيرة في الطب التقليدي والأصباغ منذ آلاف السنين. دار سالم بعينيه بين المظلات الخضراء العملاقة التي تشكلها الأشجار المتناثرة عند سفوح الجبال، فيما يلف الضباب الكثيف القمم وتحلق أسراب طيور الرخمة المصرية في دوائر واسعة فوق الوديان العميقة. اكتسبت تلك الطيور اسمها من ظهورها المتكرر في النقوش والرسوم المصرية القديمة، وهي من الأنواع النادرة التي تتخذ من الجزيرة موطناً موسمياً لها.

قطع تأمله أزيز طائرةٍ تقترب من مهبط مطار الجزيرة الصغير، صوت أقلق هدوءه إذ لم تألفه أذناه إلا في السنوات الأخيرة. فقبل سنة 2015، لم يكن في سماء سقطرى سوى أصوات الرياح ورفرفة أجنحة الطيور النادرة. أما بعده، سيطرت أصوات الطائرات التي تجلب السيّاح والتجار إلى الجزيرة، لتكسر عزلتها التي استمرت آلاف السنين. وفي مطلع يناير 2026، تزاحم مئات السياح أمام مطار حديبو الوحيد في سقطرى، عالقين بعد أن أغلقت الأجواء فجأة على خلفية توترات بين الحكومة اليمنية من جهة، والمجلس الانتقالي الجنوبي المدعوم من دولة الإمارات من جهة أخرى. 

يلخص هذا المشهد الحال الذي صارت إليه جزر أرخبيل سقطرى الواقع عند مفترق بحري بالغ الحساسية غرب المحيط الهندي، متوسطاً بحر العرب الواصل بين خليج عمان ومضيق هرمُز شرقاً ومضيق باب المندب غرباً. أي على مقربة من اثنين من أهم مسارات الملاحة الدولية، ما منح سقطرى أهمية خاصة عبر التاريخ وحتى اليوم.

وسقطرى بالإضافة لموقعها وتاريخها، واحدة من أكثر بقاع الأرض فرادةً بيئياً، إذ تحتضن نظاماً طبيعياً معزولاً تشكّل عبر آلاف السنين. وأسهمت عزلتها في صياغة ثقافة إنسانية خاصة لغةً وطقوساً. لكن منذ اندلاع الحرب في اليمن سنة 2015، انكسرت عزلة سقطرى التي حفظت خصوصيتها عبر القرون. إذ لم تعد مجرد محمية طبيعية أو وجهة سياحية ناشئة، بل أضحت ساحة يتقاطع فيها النفوذ الإقليمي مع هشاشة الدولة، وتتصادم فيها رهانات التنمية مع ضرورات الحماية البيئية. 


سقطرى أرخبيل يمني مكون من ست جزر، تمتد رقعته على مساحة 3798 كيلومتراً مربعاً. تستحوذ الجزيرة الأم التي يسمى الأرخبيل على اسمها على 3650 كيلومتراً من إجمالي المساحة، ممتدةً بطول مئة وعشرين كيلومتراً وعرضٍ يبلغ في أقصاه أربعين كيلومتراً.

كانت سقطرى حتى وقت قريب تابعة لمحافظة حضرموت، قبل أن تُستحدث محافظةً مستقلةً سنة 2013. وتنقسم إدارياً إلى مديريتين، حديبو التي تحتضن العاصمة، وقلنسية في الغرب. وسقطرى هي الأكبر بين الجزر العربية، وأكبر الجزر اليمنية البالغ عددها مئةٌ وستٌّ وثمانون جزيرةً، موزعة بين البحر الأحمر وخليج عدن وبحر العرب، كما يشير أستاذ العلاقات الدولية في كلية المجتمع بعدن وليد قاسم في دراسته "الصراع الجيوسياسي والأهمية الاستراتيجية لجزيرة سقطرى منذ فجر التاريخ وحتى القرن 21م" المنشورة سنة 2020.

حديبو التي تحتضن العاصمة | خدمة غيتي للصور

 أثَّر موقع سقطرى في تشكيل مناخها، فهي تتنفس هواءً بحرياً حاراً تلطّفه المرتفعات الجبلية في الوسط. لا تعرف الجزيرة إلا فصلين اثنين، الأول شتاءٌ معتدل، والثاني صيف تهجم فيه على الجزيرة رياحٌ موسمية عاتية من الشمال والشمال الشرقي. يسمي أهل الجزيرة هذه الرياح "رياح ماده وصربهي" وتُثير البحر وتُهيّجه، وتقصف الساحل بزوابع لا تهدأ على مدى أربعة أشهر من منتصف مايو حتى نهاية سبتمبر.

تجود هذه الرياح أحياناً بأمطار رعدية متفرقة، لكنها تفرض على الأرخبيل عزلةً شبه تامة. إذ يتوقف فيها الصيادون عن ركوب البحر وتنقطع الجزيرة عن العالم، فتعود - كما كانت لآلاف السنين - وحيدةً في خضمّ المحيط. وذلك بحسب ما أورده الكاتب عامر طهبوب في كتابه "سقطرى أسرار العزلة" الصادر سنة 2023.

صُنِّفت سقطرى واحدةً من أكثر مناطق العالم نقاءً في قمة الأرض في مؤتمر الأمم المتحدة للبيئة والتنمية في ريو دي جانيرو سنة 1992. بعد سنوات من قرار التصنيف، أعلنت الحكومة اليمنية الأرخبيل محمية طبيعية بموجب المرسوم الجمهوري رقم 752 سنة 2000، الذي قضى بتقسيم المنطقة إلى سبعة وعشرين محمية بحرية واثنتي عشرة محمية برية، لضمان استدامة مواردها. وتوِّجت هذه الجهود دولياً بإعلان اليونسكو "سقطرى محمية للإنسان والمحيط الحيوي" سنة 2003، ثم موقعاً للتراث العالمي الطبيعي سنة 2008. 

محمية دكسم | خدمة غيتي للصور

يتوارث أهلُ سقطرى أسطورةً تحاول تفسير فرادتها وخصوصية نظامها البيئي ومكوناته، رواها لنا العم سالم الذي تجاوز السبعين من عمره. يقول: "عندما غضب الله على البشر وأرسل طوفان نوح، ارتفعت مياه الأرض كلها إلا هنا. بقيت سقطرى كما خلقها الله في اليوم الأول، لم تمسسها المياه. لذلك احتفظت بأشجارها وطيورها كما كانت منذ بدء الخليقة". وتتفق الكتابات العلمية التي اهتمت بالجزيرة على تلك الفرادة، كما جاء في كتاب "إثنوفلورا أوف ذا سقطرى أركيبيلاغو" (النباتات الأصيلة في أرخبيل سقطرى) المنشور سنة 2004 للكاتبين أنتوني ميلر وميراندا موريس. فسقطرى، التي يقال إنها انفصلت عن شبه الجزيرة العربية قبل ثمانية عشر مليون سنة، احتفظت بنظام بيئي فريد لا يوجد في أي مكان آخر على وجه الأرض. ثلث نباتاتها البالغة ثمانمئة وخمسة وعشرين نوعاً لا توجد إلا فيها، وطيورها المائتين وتسعين نوعاً تضم أجناساً لم ترها عين خارج حدود هذا الأرخبيل المعزول في بحر العرب.


يتحدث سكان سقطرى الذين قدَّرهم البنك الدولي في 2015 بنحو أربعين ألف نسمة، لغتهم السقطرية التي لا يفهمها أحد خارج حدود جزرهم. وتختلف السقطرية عن العربية في مفرداتها وقواعدها وحتى في أصواتها. وهي لغة شفهية، لم تُدوَّن قط، تناقلتها الألسن جيلاً بعد جيل. 

تُظهر السقطرية بخصائصها الصوتية، صلة وثيقة باللغات السامية الأولى. إذ يميل المتحدثون بها إلى إبدال الحروف الاحتكاكية الثاء والذال والظاء بأصوات أخرى. فتنطق كلمة (التراث) مثلاً (الترات)، مع بروز تداخل صوتي لافت بين حرفي الجيم والكاف في سياقات لفظية محددة، كما أورد علي بر عيسى في النسخة غير المؤرَخة من كتابه "عروبة سقطرى".

اجتماعياً وسكانياً تسيطر اللغة العربية الفصحى على الفضاء الرسمي والتعليمي في الجزيرة، في حين يتركز استخدام السقطرية في المناطق الجبلية والريفية، لاسيما بين النساء والأطفال. أما في المناطق الساحلية، فيسود نمط "الثنائية اللغوية"، إذ يتواصل السكان بالعربية والسقطرية معاً، مع بروز العربية أداة تواصل بين مختلف المكونات السكانية.

يؤكد الباحث في التراث السقطري سعد العجمي، في مقابلة مع الفراتس، أن العزلة الجغرافية التي ساهمت قديماً في حماية اللغة لم تعد كافية أمام التحولات المعاصرة، إذ إن الانتشار الواسع لمواقع التواصل الاجتماعي "بات يشكل ضغطاً كبيراً يقلص مساحات استخدام اللغة السقطرية في الحياة اليومية". وبالمثل يحذر الباحث في التراث السقطري أحمد الرميلي في مقابلة مع الفراتس، من أن الفقدان التدريجي لعدد من الكلمات والتراكيب الأصيلة بات أمراً واقعاً.

وكما كان لانكسار عزلة سقطرى أثر على لغة سكانها، كان له أيضاً أثر على عاداتهم وطقوسهم. فحتى مطلع التسعينيات من القرن الماضي، أي قبل انضواء الجزيرة تحت علم دولة اليمن الموحدة التي كانت لها طموحات واسعة بالتمدين والتحديث، كان لسكان سقطرى طقوس فريدة تختلف اختلافاً ملحوظاً عن جيرانهم في اليمن وشبه الجزيرة العربية والقرن الإفريقي. ويوثق الباحث سعد العجمي العادات والتقاليد السقطرية في كتابه "سقطرى، الحكاية التي لم ترو: عادات وتقاليد سقطرية" المنشور سنة 2025. على رأس العادات طقس الختان الذي يحظى بأهمية خاصة في المجتمع السقطري. فالختان عند أهل الجزيرة اختبار للشجاعة والتحمل، يترتب على اجتيازه انتقال الشاب إلى مصاف الرجال القادرين على الزواج وتحمل المسؤولية. يقول الباحث: "يُشجع الشباب المقبلون على الختان على ألا يخافوا وألا يظهروا خوفهم [. . .] كيلا يلحقوا العار والشنار بالقبيلة، فتغدو القبيلة أضحوكة بين القبائل".

ولا يختتن الشباب السقطريين إلا عند وصولهم سن البلوغ خلاف السائد في مناطق أخرى. وللختان موعد محدد كل سنة، إذ ينتظر السقطريون هطول الأمطار واخضرار الأرض، فيتشاور رجال القبيلة لتحديد عدد الشباب الجاهزين للختان وكمية الأغنام المذبوحة، ومن ثم تحديد المكان والزمان. هذا الربط بين الخصوبة الطبيعية (اخضرار الأرض) والخصوبة البشرية "الانتقال إلى الرجولة"، يكشف عن العلاقة بين الإنسان والطبيعة في هذه المجتمعات الرعوية.

استعداداً لهذه المرحلة الفارقة، تبدأ عائلات الشباب في الاستعداد وتجهيز أبنائها للعملية. ويمتد الطقس يوماً كاملاً، من ظهر اليوم المحدد للاحتفال وحتى ظهر اليوم التالي. فعندما يأتي الموعد، وبينما يتجهز الشباب عند الظهيرة، تبدأ وليمة الغنم. وعند العصر، يتوافد أهل القبائل المجاورة ويستقبلهم شيوخ القبيلة. وتحضر كل قبيلة بقصيدة تشجيعية، ما يحوّل الطقس إلى مناسبة شعرية وثقافية تعزز الروابط القبلية. بعد صلاة العشاء، يتجه الرجال إلى الميدان ويشكلون دائرة واقفين لبدء السهرة. تجلس النساء بالقرب منهم يشاهدن، والبعض منهن يغني "التصمهر"، وهو فن غنائي سقطري قديم، بينما يقرض الرجال المتحلقون في الدائرة الشعر ويهجون ويمدحون بعضهم. وتتواصل السهرة حتى الصباح الباكر حيث يعود الجميع إلى الميدان بعد صلاة الفجر لتبدأ عملية الختان. 

يوضع حجر كبير في وسط الدائرة يسمى "مسكيدة"، ويتجهز الرجل المختص بالختان (مزيدهر). يبلل الشباب رؤوسهم بالسمن ثم يطوفون على الحجر ثلاث مرات لاستعراض الشجاعة أمام الحضور. ثم ينادي عليهم مزيدهر للجلوس على الحجر لعمل العملية بلا تخدير. يلف الشاب قطعة قماش على الجرح، وينطلق جرياً إلى مسكنه دون توقف، فإذا توقف من الألم فسوف يجلب العار لقبيلته وقد لا يجد امرأة تتزوجه. وبعد انتهاء آخر عملية ختان، ينفضّ الجمع ويعود الجميع إلى مضاربهم. ويشير العجمي إلى أن مظاهر هذه العادة انتهت مطلع تسعينيات القرن المنصرم مع تغير الوضع السياسي للجزيرة وعلاقتها بالدولة اليمنية الموحدة. إذ سعت الدولة للضبط الصحي وامتدت يد التمدين الحديثة للجزيرة، فتراجعت عادة ختان الذكور في شبابهم في معظم أنحاء الأرخبيل، واستمرت فقط على الحواف وفي القرى البعيدة عن مناطق حضور الدولة في سقطرى.

أما طقوس الزواج، فاتسمت بالبساطة والرمزية. فالرجل السقطري كان يكفيه أن يلقي سكاكينه أمام المرأة التي يريدها زوجةً له، ليعد ذلك عقد زواج ملزم. هذه العادة اندثرت اليوم وحلّ محلها طرق أكثر شبهاً ببقية اليمن من حيث التقدم إلى الأسرة وطلب الخطبة منهم. لكن يظل للمجتمع السقطري إلى الآن أعرافه المميزة، ومنها أيضاً أن العريس هو من يذهب للعيش في بيت أهل العروس مدة أسبوع أو أسبوعين قبل أن يعود بها إلى منزله، وذلك لمنح العروس فرصة للتعرف عليه وقبوله أو رفضه، خاصة وأنها قد لا تراه ولا تتعرف عليه إلا ليلة الزواج. ويشير العجمي إلى أن هذه العادة تساهم في تآلف القلوب، وأن نسبة الطلاق في المجتمع السقطري "تكاد تكون منعدمة".

 أما عند قدوم المولود، فيذبح الأب ثلاثة رؤوس من الغنم تزيد أو تنقص حسب قدرته، وتسمى باللغة السقطرية "مكشم الطفل أو فرهم الطفلة" وتعني "إخراج الطفل من النار". يرجح العجمي أن هذا الاعتقاد مترسب في الوجدان السقطري من ديانات وثنية سابقة، وإن كان الطقس يشبه العقيقة الإسلامية المعروفة. ويكشف هذا عن الطبقات الدينية المتراكمة في الثقافة السقطرية، إذ تتعايش معتقدات ما قبل الإسلام مع الممارسات الإسلامية في تركيبة ثقافية فريدة. فمفهوم "إخراج الطفل من النار" يحمل صدى للمعتقدات القديمة عن الطهارة والانتقال من حالة "خطرة" إلى حالة "آمنة". وهي فكرة شائعة في كثير من المجتمعات حيث يُعتبر المولود الجديد في حالة انتقالية هشة. وهكذا تحتفظ اللغة والمفاهيم المحلية بآثار المعتقدات الأقدم، ما يدل على طول عزلة الجزيرة وتأثرها المتأخر بالتعاليم الإسلامية.

وفي ظل شح الموارد، ابتكر المجتمع السقطري نظاماً متكاملاً من القوانين الشفوية التي تضمن استدامة الموارد وتمنع الاستغلال الجائر كما يورد العجمي في كتابه. فمن تقاليدهم الراسخة مبدأ المشاع في الماء والمراعي ومنع الاستئثار بالموارد. يُلزِم العرفُ صاحبَ البئر بأن يخصّص أياماً محددة لجيرانه ليسقوا مواشيهم. وتبرز هنا حكمة الأجداد في تنظيم الرعي، حيث لم يكن يُسمح للرعاة بالرعي في منطقة واحدة في وقت واحد لتجنب الضغط الزائد على المراعي. وتحدد أوقات بعينها لتلقيح إناث الماشية لضمان تزامن الولادات مع مواسم الوفرة. ومن القوانين الشفهية السارية كذلك، التزام أهل الجزيرة بمواعيد معينة لا يصطادون فيها الأسماك لإتاحة الفرصة لتكاثرها.

ولفض النزاعات عمل السقطريون في نظام يسمى "امتينهه دمشحسل"، وهو أسلوب يفصل فيه في ملكية الأرض بالاحتكام إلى السماء. فعندما يفشل طرفان في التوصل إلى اتفاق، يلجآن إلى الدعاء المشروط، كأن يتفقا على أن من تتحقق دعوته "مثل امتلاء حوض معين بالمطر في وقت محدد" تكون الأرض من نصيبه. ويشير العجمي إلى أن النتيجة كانت دائماً مقبولة من الطرفين "لأنها تأتي من السماء". يعكس هذا العرف رؤية عميقة للعالم تتداخل فيها الروحانية مع شؤون الحياة اليومية، ويقدم حلاً سلمياً للنزاعات في مجتمع معزول.

وبجزر سقطرى نظام ضيافة رعوية يمثل عقداً اجتماعياً غير مكتوب، يضمن التوزيع العادل للموارد مع احترام حقوق الملكية الخاصة، وهو توازن دقيق بين المصلحة الفردية والمصلحة الجماعية. وجوهر هذه المنظومة أن الأراضي الرعوية تُعدّ ملكيةً مشتركة للمجموعة القبلية أو العائلية، غير أن لكل عائلة حقوقاً مكتسبة تاريخياً في مناطق بعينها، حقوقاً تتوارثها وتحرص على صونها. أما الغريب أو الوافد من خارج المنطقة الذي يرغب في استخدام المرعى، فملزم باستئذان أصحاب الحق العرفي الذين يتحلّون بالكرم ويمنحون الإذن في الغالب، لكن في حدود مضبوطة تحمي المرعى من الاستنزاف. وهكذا يتضافر في هذا النظام قيمتان متوازيتان لا تتعارضان، الكرم والضيافة من جهة، والحق العرفي في الملكية والصون من جهة أخرى بحسب العجمي.


حافظ سكان سقطرى على نسيجهم الاجتماعي ولغتهم وتقاليدهم الفريدة مستعينين بالعزلة التي خيمت على حياتهم في الأرخبيل آلاف السنوات، حد أن فترات طويلة من عمر سقطرى لا تسجل عنها كتب التاريخ شيئاً. فمع أهميتها الجغرافية والاستراتيجية، يبرز شح المعلومات التاريخية بعد القرن الرابع الميلادي، فيما تكثر الحكايات التاريخية عنها قبل ذلك التاريخ.

يروي مؤرخ اليمن أبو الحسن الهمداني المتوفي في القرن الرابع الهجري في كتابه "صفة جزيرة العرب"، أن الإسكندر المقدوني احتلها بناءً على نصيحة معلمه أرسطو طاليس، وطرد الهنود منها وأسكن فيها عائلات يونانية. في القرن الأول الميلادي، عادت سقطرى لتكون ضمن نفوذ مملكة حضرموت القديمة. وينقل المؤرخ العراقي جواد علي في كتابه "المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام" المنشور سنة 2007 عن كتاب "الطواف حول البحر الإريتري" وهو كتاب موضوع باليونانية القديمة ولا يُعرف مؤلفه أو تاريخ صدوره، أن الجزيرة خضعت لحكم الملك "إل عز يلط بن إلهان" المعروف "اليعزوز"، وهو أحد ملوك حضرموت وبلاد البخور الذي اتخذ من منطقة "سباتا" (شبوة الحالية) عاصمة له. 

وفي العصر الوسيط، أصبحت سقطرى مسرحاً للتنافس المحموم بين القوى المحلية والإقليمية. فقبائل المهرة وهو اتحاد قبلي كبير في أقصى شرق اليمن، أسست سلطنة امتدت من ساحل بحر العرب إلى تخوم ظفار العُمانية، وحكمت سقطرى زهاء خمسة قرون حتى سقوطها مع استقلال الجنوب سنة 1967. بسطت تلك القبائل نفوذها السياسي الكامل على الجزيرة في القرن الخامس عشر الميلادي، واتخذت من بلدة "السوق" عاصمة لهم. ومع تضارب الروايات عن التاريخ الدقيق لهذا التوسع، إلا أن الوثائق الجغرافية والملاحية التي تركها أحمد بن ماجد، الملاح والجغرافي العربي المتوفى سنة 1501، تحدد هذا التاريخ عند سنة 1488 بينما يرجعه المؤرخ البرتغالي "جواو دي باروس" إلى سنة 1482.

تخللت سيطرة المهرة على الجزيرة تقلبات عديدة أبرزها الدخول في أتون الصراعات الاستعمارية مطلع القرن السادس عشر. إذ اعتبرها البرتغاليون نقطة ارتكاز استراتيجية للسيطرة على طرق التجارة الآسيوية، فاجتاحوها سنة 1507 في معارك عنيفة حولوا إثرها بعض مساجدها إلى كنائس. غير أن المقاومة المحلية العربية استطاعت دحر هذا الغزو بحلول سنة 1516، لتعود الجزيرة إلى حضنها العربي وفقاً للباحث والمستشرق فيتالي ناومكين في كتابه "سقطرى جزيرة الأساطير" المترجم سنة 2012.

وعقب انحسار الحضور البرتغالي العابر استعادت سلطنة المهرة سيادتها الكاملة على أرخبيل سقطرى، حيث أُلحقت بمقر السلطنة في "قشن" بجنوب الجزيرة العربية. وطوال القرون التالية، بقيت سقطرى في حالة من العزلة النسبية تحت حكم سلاطين "آل عفرار"، الذين استفادوا منها محطة على طرق التجارة ومصدراً للمواد الطبيعية كاللبان والصبر.

ومع بزوغ القرن التاسع عشر، حاولت بريطانيا السيطرة على سقطرى لحماية طرق الملاحة نحو الهند، ففي سنة 1834 قاد مهمة المسح الجغرافي الشهيرة سواحل جنوب الجزيرة العربية وجزيرة سقطرى القائد ستافورد بيتسوورث هاينز وهو ضابط بحري بريطاني خدم في شركة الهند الشرقية، واشتهر بكونه أول عميل سياسي بريطاني في عدن بعد الاحتلال البريطاني اليمنَ سنة 1839. 

كانت سقطرى محطاً لأنظار بريطانيا التي وقعت معاهدة حماية مع سلطان المهرة وسقطرى علي بن سالم بن عفرار سنة 1876. تلاها فرض الحماية سنة 1886 وإخضاع سقطرى رسمياً للمظلة البريطانية ضمن محميات عدن. وجاءت الاتفاقية في سياق التنافس الأوروبي المتصاعد على النفوذ في بحر العرب، ولاسيما التمدد الألماني نحو موانئ المنطقة. وهو ما أورده دوغلاس بوتنغ في كتابه "أيلاند أوف ذا دراغُنز بلَد" (جزيرة دم التنين) المنشور سنة 1958. 

على هذا الوجود الرسمي، لم يؤسس البريطانيون وجوداً استعمارياً مباشراً على الجزيرة نظراً لعزلتها وصعوبة الوصول إليها في موسم الرياح، واقتصر حضورهم على الجوانب العلمية والاستراتيجية. مثالٌ على ذلك مشروع توثيق أكثر من مائتي نوع نباتي، عمل عليه "آيزاك بيلي بالفور" وهو عالم نبات أسكتلندي وأستاذ علم النبات في جامعة غلاسكو. أسفر المشروع عن نشره كتابه "بوتني أوف سقطرى" (علم النبات في سقطرى) المنشور سنة 1888 وهو نتيجة لأول بعثة علمية منظمة لسقطرى برعاية الجمعية الملكية البريطانية.

أقام البريطانيون بالجزيرة محطة لاسلكية ومنارة، واستُخدم مطار الجزيرة في الحرب العالمية الثانية موقعاً للإمداد ومراقبة خطوط الملاحة في بحر العرب، بحسب دراسة أمل الحميري "موقف جزيرتا سقطرى وكمران من الاحتلال البريطاني وحتى الاستقلال" المنشورة سنة 2015. وتناولت دراسة الباحث صادق مكنون "محاولة بريطانيا توطين اليهود في جزيرة سقطرى" المنشورة سنة 2024، محاولة بريطانيا توطين مجموعات يهودية في الجزيرة بين عامي 1939 و1943. مع أن الجالية اليهودية اليمنية عاشت تاريخياً في مدن البر كصنعاء وعدن والمناطق الحضرمية، إلا أنه لم يكن لها وجود تاريخي في سقطرى. وتظهر هذه المحاولة القيمة الجغرافية السياسية الكبيرة التي تمثلها الجزيرة في الفكر الاستراتيجي البريطاني.

شهدت سقطرى تحولاً سياسياً كبيراً بعد الحقبة الاستعمارية بدخولها ضمن الدولة اليمنية الحديثة. فقد خضع جنوب الجزيرة العربية للنفوذ البريطاني منذ احتلال عدن سنة 1839، فيما ظل شمال اليمن دولة مستقلة تحت حكم الأئمة الزيديين. 

وفي أعقاب الثورة الجمهورية التي أطاحت بالإمامة في الشمال سنة 1962، تصاعد المد الثوري جنوباً، وخاضت حركات التحرر الوطني كفاحاً مسلحاً ضد الوجود البريطاني حتى انسحبت بريطانيا في نوفمبر سنة 1967. أعلنت جبهة التحرير الوطني قيام جمهورية اليمن الجنوبية الشعبية، التي تحوّلت سنة 1970 إلى جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية، وظلت دولة اشتراكية التوجه حتى توحّد شطري اليمن سنة 1990. وبهذا وجدت سقطرى نفسها انتقلت من محمية بريطانية إلى دولة اشتراكية ذات توجه مغاير كلياً لما سبقه.

أولت الحكومة اليمنية الجنوبية في السبعينيات اهتماماً محدوداً بتنمية الجزيرة، لمواردها الشحيحة وبُعدها المكاني. ومع ذلك، سُجل حضور دولي لافت حين سمحت سلطات عدن للاتحاد السوفييتي باستخدام سقطرى قاعدة بحرية بين عامي 1976 و1979 ضمن اتفاقية تعاون عسكري. تركت تلك الفترة بعض البنى التحتية منها مدارج طيران مهجورة، وبقايا دبابات سوفييتية ما زالت قبالة السواحل حتى اليوم شاهداً على حقبة الحرب الباردة.

بقايا دبابة سوفييتية قبالة الساحل | خدمة غيتي للصور

 ترصد الباحثة المختصة في الجغرافيا السياسية ظلال كاظم في أطروحتها "الأهمية الاستراتيجية لجزيرة سقطرى اليمن" المنشورة سنة 2013، أن الجزيرة حظيت باهتمام أكبر بعد الوحدة اليمنية سنة 1990. فأقيمت مشاريع تنموية محدودة أهمها شق الطرق وبناء مدارس ومستشفى صغير، وافتتاح مطار سقطرى المدني سنة 1999 الذي ربطها جواً بالبر اليمني لأول مرة بانتظام. هذا الربط ساهم في كسر جانب من عزلة الجزيرة التاريخية، ومهّد لاحقاً لانفتاحها التدريجي أمام زيارات الباحثين والسياح المهتمين ببيئتها وثقافتها.


خرجت سقطرى من عزلتها الطويلة مع نهاية العقد الثاني من القرن الحالي. إذ شهدت طفرة سياحية مفاجئة أثرت على نسيجها البيئي والاجتماعي. في البداية أتتها رحلات سياحية من صنعاء لكنها كانت غير منتظمة. وبداية من سنة 2012 بدأت رحلات دولية تصلها من عمان وقطر والإمارات والسعودية، لكنها لم تكن منتظمة أيضاً واقتصرت على رحلات خاصة أو إغاثية أو وفود رسمية. 

في أعقاب السيطرة الإماراتية على الجزيرة بعد حرب 2015، تزايد تدفق السياح من مختلف الجنسيات. إذ ارتفع عددهم من ثلاثمئة وثلاثين زائراً فقط في 2018 إلى ما يقارب ثلاثة آلاف وخمسمئة زائرٍ سنوياً بحلول 2025. وتقول منصة "يمن مونيتور" في تقرير منشور سنة 2025، إن هذا الارتفاع بات ملحوظاً سنة 2022. 

ويؤكد سعد العجمي أن هذا النشاط السياحي يعود بالنفع الفوري على السكان المحليين، بعدما خلق المزيد من فرص العمل للمجتمع السقطري. فظهرت فرص عمل لسكان الجزيرة للعمل سائقين وأدلاء، وعاملين في الفنادق القليلة على الجزيرة، وعمال بناء وموظفي مطاعم وطهاة ومديري مخيمات وصيادين ومهن عديدة أخرى. 

لكن دخول السياحة السريع حمل معه أيضاً تغيرات ملموسة في الحياة اليومية والقيم الاجتماعية. فتغير مشهد اللباس مثلاً في الأسواق وقرى الجزيرة، إذ باتت ملابس الشباب أقرب للملابس المنتشرة في المدن العربية وبعيدة عن اللباس التقليدي، متأثرين بما يجلبه السياح وما يشاهدونه في وسائل الإعلام. وبات ارتداء الشباب الأزياءَ السقطرية التقليدية قاصراً على بعض المناسبات والاحتفالات القبلية. وتأثرت اللغة السقطرية أيضاً مواجهةً تحدياً جديداً، إذ زاحمتها العربية الفصحى واللهجات اليمنية مع ازدياد تواصل السكان مع الزوار الأجانب والعرب الوافدين للعمل. وقد حذرت اليونسكو سنة 2024 من أن اللغة السقطرية مهددة بالاندثار في ظل غيابها عن التعليم وضعف استخدامها بين الأجيال الشابة.

وبعد حرب سنة 2015، توقفت الرحلات الجوية إلى سقطرى، لكنها عادت لتحط في مطار الجزيرة الوحيد أواخر 2017 متزامنة مع رحلات دولية منتظمة من الإمارات. إلا أن تلك الرحلات توقفت أواخر سنة 2025 حسب شهادة الباحث سعد العجمي في حديثه مع الفراتس. 

في خضم هذا الانفتاح، برز دور الفاعلين الإقليميين في تقرير مصير سقطرى. إذ تدخّل التحالف العربي بقيادة المملكة العربية السعودية، لوقف زحف جماعة الحوثيين "أنصار الله" التي سيطرت على العاصمة صنعاء وهدَّدت بإسقاط ما تبقَّى من مؤسسات الدولة، بعدما ضعفت قبضة الحكومة المركزية برئاسة عبدربه منصور هادي، ومن بعده مجلس القيادة الرئاسي الذي تشكل سنة 2022. وقد أتاح هذا الضعف لكلٍّ من الإمارات العربية المتحدة والمملكة العربية السعودية ملءَ الفراغ في الجزيرة. 

غير أن الحضور الإماراتي في سقطرى يعود إلى ما قبل الحرب بعدة سنوات، إذ وصل الهلال الأحمر الإماراتي إلى الجزيرة سنة 2000 لتقديم المساعدات والمواد الإغاثية للسكان إثر فيضانات كبيرة. وقد ألحقت الفيضانات العارمة أضراراً بالمباني والأراضي الزراعية، كما يذكر تقرير "يو إيه إي رول ماكينغ آ ديفرنس إن سوكوترا" (دور الإمارات يصنع فارقاً في سقطرى) المنشور سنة 2019 في صحيفة "ذا آراب ويكلي".

شرَّعت حرب 2015 للإمارات تكثيف حضورها في الجزيرة. فحين ضرب إعصارا "تشابالا" و"ميغ" سقطرى في أكتوبر سنة 2015، سارعت الإمارات إلى إرسال المساعدات. ثم توالت مشاريع مؤسسة خليفة بن زايد في بناء المستشفيات وحفر الآبار وتأهيل المطار وإنشاء محطتين للطاقة الشمسية وأربع محطات للكهرباء وتركيب مولدات في القرى النائية وتوفير الكهرباء على مدار الساعة بعد أن كانت لا تتجاوز أربع ساعات يومياً.

وصرَّح وزير الدولة الإماراتي للشؤون الخارجية أنور قرقاش سنة 2019 أن "دور الإمارات في سقطرى ذو طابع إنساني تنموي بامتياز، ونحن لا تربطنا بها أطماع، فهي أرض يمنية"، مضيفاً أن بلاده لم تُعلن عن مساهماتها السابقة في الجزيرة لأنها "ابتعدت عن الأضواء"، وهو ما اعترف بأنه كان خطأً في التواصل، كما ورد في تقرير صالح البيضاني. وتقول الرواية الإماراتية إن مجمل ما قدّمته بين عامَي 2015 و2021 بلغ مئة وعشرة ملايين دولار من المساعدات الإنسانية لسقطرى، كما ورد في تقريرٍ منشور مطلع سنة 2026 في صحيفة "ذا ناشونال" الإماراتية.

بيدَ أن مراقبين آخرين يرون أن المرحلة ذاتها شهدت توازياً بين الإغاثة والعسكرة، كما رصدت الباحثة إليونورا أردماغني من "المعهد الإيطالي للدراسات السياسية الدولية" في مقال منشور سنة 2018 بعنوان "فاينغ فور باراداييس؟ وات سقطرى مينز فور ذا يو أي إي أند ساودي أريبيا" (التنافس على الجنة؟ ما تعنيه سقطرى للإمارات والسعودية)، نشرته مدوَّنة مركز الشرق الأوسط في مدرسة لندن للاقتصاد. إذ إن المنهج الإماراتي في سقطرى اتبع نمطاً مكرراً في مواقع أخرى كعصب وبربرة وعدن والمخا. "بدأ بإعادة الإعمار، ثم تحوّل إلى مساعدات تنموية، ثم أفضى إلى ما بدا في نظر كثير من السكان استعماراً متصاعداً للجزيرة". مضيفةً أن سقطرى "قد تصبح لأبوظبي ما يُشبه قاعدة دييغو غارسيا الأمريكية في المحيط الهندي.

وثّق موقع "ميدل إيست مونيتور" في أكتوبر 2019 ظهور صور لأشجار دم التنين المحمية مقتلعة من الجزيرة ومعروضةً في أبوظبي. وأشار التقرير "يو أي إي ستيلز إندينجرد تريز فروم يمنز سقطرى" (الإمارات تنهب أشجاراً مهددة بالانقراض من سقطرى) إلى نهب حجارة الشعاب المرجانية وطيور نادرة، وهو ما نفته السلطات الإماراتية مع وجود أدلة مصورة وثقها التقرير ونشرتها تقارير صحفية أخرى.

بلغ التوتر ذروته في أبريل 2018، حين أنزلت الإمارات أكثر من مئة جندي مع دبابات ومركبات مدرعة دون تنسيق مسبق مع الحكومة اليمنية، ورُفع العلم الإماراتي فوق المباني الرسمية في حديبو، وبات المطار والميناء تحت السيطرة الإماراتية. وصفت الحكومة اليمنية تلك الخطوة بأنها "اعتداء غير مبرر على السيادة"، فيما قال المسؤول الإماراتي أنور قرقاش - وزير الدولة للشؤون الخارجية وقتئذ - إن بعضهم "تذكّر سقطرى ليتحدى التحالف والإمارات، ونحن نملك علاقات تاريخية مع أهل الجزيرة"، وأن هذا الوجود يندرج في إطار "جهود التحالف لدعم الحكومة الشرعية".

تدخَّلت السعودية وسيطاً بعد أسبوعين، وأُنزل العلم الإماراتي عن المباني الرسمية وأعيد التحكم الإداري رسمياً للجانب اليمني، مع انتشار اللواء السعودي "قوة الإسناد 808" قرب المطار. ووثقت صحيفة "ذا إندبندنت" البريطانية تفاصيل الحادثة في تقرير منشور في مايو 2018، قالت فيه إن الجزيرة التي وصفتها "جوهرة العرب" باتت ضائعة في خضم الحرب الأهلية. 

أكمل المجلس الانتقالي الجنوبي المدعوم إماراتياً سيطرته على الجزيرة في يونيو سنة 2020 إثر مواجهة محدودة مع القوات الموالية للحكومة، فأصبحت إدارة سقطرى بيد كيان انفصالي مرتبط بأبوظبي يسعى إلى استعادة دولة جنوب اليمن التي استقلَّت سنة 1967 واندمجت مع الشمال سنة 1990. وبعد أسابيع قليلة من توقيع "اتفاقيات أبراهام" بين الإمارات وإسرائيل في أغسطس سنة 2020، أفاد موقع "إنتيلجنس أونلاين" الاستخباراتي الفرنسي في 9 سبتمبر 2020 بأن ضباطاً من الاستخبارات الإماراتية والإسرائيلية زاروا سقطرى نهاية أغسطس، وفحصوا مواقع في منطقتَي "مومي" شرق الجزيرة و"قطنان" غربها لإنشاء قواعد استخباراتية مشتركة، وأن المجلس الانتقالي الجنوبي يتعرض لضغوط إماراتية للموافقة على ذلك. وفي المقابل، لم تعلق الإمارات رسمياً على هذه التقارير.

بعد ذلك، وبين عامَي 2021 و2024، تصاعد النشاط الإنشائي في جزيرة عبد الكوري الصغيرة المجاورة لسقطرى، وهي واجهة مضيق باب المندب. ففي 2021، رصدت تقارير وجود مطار غامض تحت الإنشاء في جزيرة بركانية قبالة اليمن أشارت إليه وكالة "إيه بي نيوز" في "ميستيريوس إير-بيز بيينغ بيلت أون فولكانيك آيلاند أوف يمن" (قاعدة جوية غامضة تُشيَّد في جزيرة بركانية قبالة اليمن). في يناير سنة 2022، وثَّقت منصة "إيكاد" للتحقيقات المبنية على المصادر المفتوحة عبر صور الأقمار الصناعية بناء قاعدة عسكرية إماراتية في عبد الكوري. ثم جاءت وكالة "أسوشيتد برس" في مارس 2024 لتكشف عن صور أقمار صناعية تُظهر توسيع مدرج الطائرات في الجزيرة ذاتها، وقد ظهرت على أرضيته عبارة "أحب الإمارات" نقلاً عن مركز صنعاء للدراسات الاستراتيجية.

ونشرت صحيفة "معاريف" الإسرائيلية في يوليو 2024، أن إسرائيل والإمارات "تسرّعان" إنشاء قاعدة عسكرية استخباراتية في الجزيرة "تجهيزاً لمواجهة كابوس إيران والحوثيين تحت المظلة الأمريكية"، في حين أكَّد "المعهد الإيطالي للدراسات السياسية الدولية" في نوفمبر 2023 أن سقطرى تضم قاعدة استخباراتية إماراتية يمكن أن تُستخدم لنشر أجهزة استشعار إسرائيلية لمواجهة الصواريخ الإيرانية والطائرات المسيّرة. والتزمت الإمارات غياب التعليق الرسمي على هذه التقارير. واستمرت أبوظبي تؤطِّر حضورها العسكري في الجزيرة جزءاً من التحالف ضد الحوثيين.

دفعت الجزيرة ثمن التطلعات الإماراتية في مستهل سنة 2026، إذ انسحبت الإمارات من اليمن في ديسمبر 2025 تحت ضغط سعودي عقب إلغاء الحكومة اليمنية اتفاقية الدفاع المشترك مع أبوظبي، فتوقفت رحلات الطيران المباشرة من أبوظبي التي كانت المدخل الوحيد للجزيرة، وتقطَّعت السبل بأكثر من أربعمئة سائح أجنبي على الجزيرة من جنسيات مختلفة جاءوا للاحتفال برأس السنة.

غير أن الانسحاب العسكري — حتى لو اكتمل — لا يعني بالضرورة نهاية النفوذ الإماراتي الذي تشكَّل في سنوات. فشبكات الدعم المحلي والعلاقات الاقتصادية، وإدارة بعض القطاعات الحيوية بأيدي متعاونين مع حكومة أبوظبي قد يستمر بأشكال مختلفة كما ورد في تقرير صحيفة "مارتايم إكزيكيوتيف" منشور سنة 2026. ويؤكد ذلك الاستنتاج ما واجهه سكان الجزيرة إثر الانسحاب الإماراتي من أزمة خدمية حادة. إذ أُفيد بانقطاعات واسعة النطاق في التيار الكهربائي، طالت المستشفى العام وجامعة سقطرى والمعهد التقني. وتباينت الروايات عن أسباب هذه الأزمة، واتهمت سلطة الكهرباء في سقطرى شركة التشغيل السابقة "التابعة للإمارات" بالتسبب في الأزمة عبر "تثبيت مؤقتات إيقاف وكلمات مرور مشفّرة على أنظمة التحكم قبل مغادرتها"، ما حال دون قدرة الفِرَق المحلية على إعادة تشغيل المحطات. ونفت الشركة الإماراتية تلك المزاعم مؤكدة أنها سلمت المحطات وهي "تعمل بكامل طاقتها التقنية". 

تدخلت السعودية عبر "البرنامج السعودي للتنمية وإعادة الإعمار في اليمن"، فأرسلت فرقاً هندسية أعادت تشغيل المحطات، ثم وصلت شحنات المشتقات النفطية السعودية لتغذية محطات الطاقة في إطار حزمة دعم أوسع للقطاع الكهربائي في الجزيرة. وكانت مرحلة سيطرة المجلس الانتقالي والإمارات على سقطرى مصحوبة بمخاوف رسمية. فقد كشف سفير اليمن لدى اليونسكو، محمد جميح، عن مخالفات قال إنها طالت المحميات الطبيعية والتخطيط العمراني، بما في ذلك مشاريع داخل مناطق محمية تخضع لاتفاقية حماية التراث العالمي الثقافي والطبيعي لسنة 1972. 

وأشار جميح إلى أن الجزيرة مقسمة وفق تصنيفات حماية مختلفة، إلى ثلاث مناطق وفق اليونسكو (أ، ب، ج). ففي المناطق المصنفة ضمن القائمة (أ) يمكن إقامة أي مشاريع فيها مثل مدينة حديبو، المركز الإداري لمحافظة أرخبيل سقطرى. أما مناطق (ب)، فيمكن إقامة مشاريع فيها دون أخرى تتناسب مع الطبيعة البيئة لها. ويحظر نهائياً أي بناء أو إقامة أي مشاريع في المناطق المصنفة ضمن القائمة (ج) كونها خاضعة للحماية الدولية المتمثلة باتفاقية 1972 الخاصة بحماية التراث الطبيعي والثقافي. وأكد جميح أن بعثة من اليونسكو زارت سقطرى، وأن تقريرها ما يزال قيد الانتظار. وتحدث أيضاً عن أنشطة سياحية غير منضبطة داخل المحميات، وعمليات صيد مفرطة، وصيد المرجان في بيئة تعد من الأندر عالمياً. 


 لا يمكن قراءة مستقبل سقطرى بمعزل عن المعادلة الإقليمية الأشمل. فالجزيرة ليست موقعاً جغرافياً معزولاً، بل حلقة في سلسلة من المواقع الاستراتيجية المترابطة تمتد من جزيرة ميون (بريم) عند مضيق باب المندب غرباً، مروراً بسقطرى وعبد الكوري وسمحة في المحيط الهندي، وصولاً إلى موانئ بربرة وبوصاصو في الصومال وعصب في إريتريا.

ووصف معهد "رويال يونايتد سيرفيسز" البريطاني (المعهد الملكي للخدمات المتحدة) هذا التكوين بأنه "قوس سيطرة متكامل على مضيق باب المندب وخليج عدن وشمال بحر العرب"، يمنح من يتحكم فيه قدرةً على "قراءة حركة الملاحة على نطاق واسع". وفي هذا الإطار، تكتسب سقطرى بُعداً مزدوجاً، فهي من جهة ورقة في التنافس الإقليمي على النفوذ في جنوب اليمن والقرن الإفريقي، ومن جهة أخرى عنصر في منظومة الردع ضد إيران ووكلائها. فالمنشآت المُقامة في سقطرى "قادرة على تتبع حركة السفن عبر مسافات شاسعة وتوفير بيانات لأنظمة الإنذار المبكر لمواجهة الصواريخ". وقد وصف أندرياس كريغ الباحث في جامعة "كينغز كولج" البريطانية جزيرة سقطرى، بأنها "حاملة طائرات لا تغرق تجلس في قلب منظومة باب المندب، في وسط ممر التجارة الرابط بين أوروبا وآسيا وإفريقيا". مضيفاً أن "الفاعل الذي يملك وصولاً موثوقاً إليها يكتسب نفوذاً بالغاً للرصد والاعتراض المحتمل والإسقاط. وهذا ما يجعل انسحاب الإمارات العسكري — حتى لو اكتمل — مرحلةً قد تتبعها ترتيبات جديدة لا تقلّ تأثيراً في مستقبل الجزيرة وهويتها، مهما تغيّرت الأطراف المتحكمة فيها.

وعلى صعيد اللغة هناك محاولات محلية ودولية للحفاظ على تراث سقطرى المهدد، فانعقدت في أواخر 2024، الورشة الأولى لوضع أبجدية مكتوبة للغة السقطرية بمبادرة من اليونسكو، في خطوة مهمة لتوثيقها وضمان انتقالها للأجيال القادمة.

أما التقاليد الاجتماعية، فكثير منها بدأ يخبو مع الزمن وتسارع الانفتاح. يشير العجمي إلى أن أغلب العادات السقطرية التي دوَّنها نقلاً عن كبار السن لم تعد تُمارَس اليوم في حياة السقطريين. وهذه الملاحظة تلامس جوهر التحولات الراهنة حيث جيل جديد ينشأ في واقع مختلف عن حياة أجداده، وواقع متصل بالعالم ومليء بالتقنية والتأثيرات الخارجية.

إضافة إلى ذلك لم يخلُ الأمر من ضغوط متزايدة على النظام البيئي الفريد لسقطرى. صحيح أن السياحة منضبطة نسبياً، ولم تبلغ بعد حد التدفق الجماهيري الكثيف حتى الآن، إلا أن بوادر التأثير السلبي بدأت تظهر. النفايات البلاستيكية مثلاً أصبحت مشهداً مألوفاً في بعض المواقع السياحية نتيجة غياب بنية تحتية كافية لإدارة المخلفات وافتقار الوعي البيئي لدى بعض الزوار وحتى بعض السكان، وهو ما أخبرتني به سائحة ألمانية زارت سقطرى مؤخراً. 

تسببت زيادة حركة المركبات على الطرق الجديدة في إزعاج الحياة البرية ودهس بعض الكائنات النادرة أحياناً، فضلاً عن التلوث وضغط التربة. وتواجه الشواطئ البكر تحديات مثل نصب المخيمات الترفيهية العشوائي والتلوث بمخلفات الصيد. وقد حذر برنامج الأمم المتحدة للبيئة في 2022 من تنامي السياحة غير المنظمة والتنمية العشوائية التي تهدد التوازن الطبيعي الهش في الأرخبيل. ويذكر التقرير أن العقود الثلاثة الأخيرة شهدت امتداداً عمرانيّاً غير مخطط واستغلالاً متزايداً للموارد، ما أثر على الأنواع النادرة. إذا استمر هذا المنحى بلا تنظيم، تخشى اليونسكو أن تفقد الجزيرة مكانتها أحدَ آخر المختبرات الطبيعية الحية في العالم. 

ومع كل مظاهر التغير، لا يخلو المشهد من جهود محلية تحاول حماية ما يمكن إنقاذه. في حديثه لمجلة الفراتس عن الواقع الثقافي في الجزيرة، يشير الباحث السقطري أحمد الرميلي إلى دور مؤسسة سقطرى للتراث في صون الغناء الشعبي والألعاب التقليدية، وتوثيق عناصر من التراث الطبيعي غير المادي. وقد تجلى ذلك في توثيق الأغاني التراثية والفنون الشعرية الغنائية، وإعادة إحياء الألعاب الشعبية التي كانت تُلعب في السهول والقرى الجبلية، انطلاقاً من رؤية ترى البيئة والموروث غير المادي جزءاً لا يتجزأ من الهوية الكلية للجزيرة، وليست مجرد منتج موجه للاستهلاك السياحي.

ومع ذلك، يبرز في الأفق تحدٍّ يتمثل في محاولات "إعادة تشكيل الهوية" باستيراد أنماط احتفالية غريبة عن النسيج التاريخي للسقطريين. إذ يرى الرميلي أن استحداث فعاليات مثل "مسابقات الهجن والخيول" يمثل ظاهرة مقلقة، كونها أنشطة مدعومة خارجياً لا تنتمي للبيئة الثقافية أو التاريخ الاجتماعي للجزيرة. ويكمن الخطر هنا في البُعد الرمزي، إذ إن تصوير هذه الأنشطة إعلامياً جزءاً من "تراث سقطرى"، يساهم في إحلال سردية مستحدثة مكان الذاكرة الحقيقية، ما يؤدي تدريجياً إلى تعريف هوية الجزيرة خارج سياقها التاريخي.

ويرى الرميلي أن نجاح السياحة البيئية لا يمكن أن يتحقق دون حدٍّ أدنى من البنية التحتية الأساس، مثل أنظمة إدارة النفايات وتنظيم النقل وصيانة مواقع الخيام ومسارات المشي، "لأن هذه العناصر هي التي تحافظ على نظافة سقطرى واستدامتها". ويؤكد الرميلي أن ما يجذب الزائر إلى الجزيرة ليس المنتجعات الفاخرة ولا الفعاليات المصطنعة، بل عزلة سقطرى وطبيعتها البرية. لذلك فإن الاستثمار المطلوب "ليس استثماراً غازياً أو ضخماً، بل مشاريع صغيرة مدروسة يمكن أن تشرك المجتمعات المحلية وتوفر لهم فرص عمل، وفي الوقت نفسه تمنحهم فائدة مباشرة عبر تحسين الخدمات الأساسية".

وينتقد الرميلي ضعف السلطة والرقابة في ظل الحرب، مشيراً إلى أن بعض السياح تمكنوا من تهريب بذور نباتات نادرة إلى خارج سقطرى، فيما أدخل آخرون بذور أشجار غير محلية بل وحتى كائنات مثل النحل، وهو ما قد يخلّ بالتوازن البيئي الدقيق للجزيرة. ويدعو الباحث السقطري إلى تنظيم دورات توعوية للمرشدين السياحيين ليكون لديهم وعي كامل بالحفاظ على البيئة والآثار وعدم السماح للزوار بالتعدي على الطبيعة أو آثار الجزيرة، لأن مستقبل سقطرى — برأيه — لن تحدده المشاريع الكبرى بقدر ما تحدده درجة العناية والوعي والمسؤولية المشتركة بين سكانها وزوارها. 

ومن ناحية أخرى، يرى سعد العجمي أن السياحة المستدامة قد تكون طوق نجاة لسقطرى "إذا وُجَّهت بشكل سليم"، فهي تدر دخلاً يساعد السكان ويشجعهم على حماية كنوز الجزيرة بدل استنزافها. المفارقة أن انفتاح سقطرى يحمل إمكانات النهوض الاقتصادي لسكانها، لكنه يحمل أيضاً خطر استنزاف ما يجعلها مميزة أصلاً – طبيعتها البكر وثقافتها المتفردة – إن لم يحسن إدارته.


في ذلك الصباح الضبابي في محمية دكسم، بينما كان العم سالم بن قاسم يواصل سرد أساطيره القديمة، سألته عن مستقبل الجزيرة. نظر إلى أشجار دم الأخوين الحمراء وقال: "هذه الأشجار عاشت ألف سنة وستعيش ألفاً آخر، إن شاء الله. لكنها تحتاج إلى من يحميها. نحن حراس هذه الأرض المقدسة، وسنبقى نحرسها حتى آخر نفس. لكن لا يمكننا أن نفعل ذلك وحدنا. نحتاج إلى العالم أن يفهم أن سقطرى ليست للبيع، وأن بعض الأشياء أثمن من كل أموال الدنيا".

اشترك في نشرتنا البريدية