من الاستقلال حتى السابع من أكتوبر.. تحولات التضامن الماليزي تجاه فلسطين

في ذكرى استقلال ماليزيا، يوم "مارديكا"، بدأ العلم الفلسطيني يتسلل شيئاً فشيئاً بجانب الماليزي حتى أضحى جزءاً من تجاذبات السياسة الداخلية.

Share
من الاستقلال حتى السابع من أكتوبر.. تحولات التضامن الماليزي تجاه فلسطين
تضرب قضية فلسطين على وترها الحساس في وجدان الماليزيين | تصميم خاص بالفراتس

في 31 أغسطس يحتفل الماليزيون بعيد استقلالهم عن الاستعمار البريطاني. يُعرف هذا اليوم بِاسم "مارديكا"، نسبةً إلى اللحظة التاريخية سنة 1957 حين أطلق أول رئيس وزراء للبلاد تانكو عبد الرحمن، صرخة الاستقلال "مارديكا" التي تعني "حرية" أمام الآلاف من شعبه المحتشدين وسط العاصمة كوالالمبور. وطيلة أسبوع المارديكا يُرفع العلم الماليزي الوطني على أسطح البيوت وواجهات المقاهي وأعمدة الإنارة في الطرقات، وتُضاء الحدائق بألوان العلم الأحمر والأبيض والأزرق والأصفر. فيما تختفي أعلام الولايات الماليزية الإحدى عشرة وألوانها وتشكيلاتها.

في العامين الماضيين بعد السابع من أكتوبر 2023، بدأ العلم الفلسطيني يتسلل إلى النوافذ الماليزية صبيحة المارديكا. وعلى مدى الطرقات الممتدة إلى العاصمة يزداد ظهوره وصولاً إلى العاصمة كوالالمبور. هناك يبدأ الماليزيون التجمع في شارع فلسطين الذي كان يحمل اسم "جالان راجا لاوت" (شارع الملك)، قبل أن يُعلن عمدة العاصمة عن تغيير اسم الشارع الذي يمر أمام البلدية ليصبح "جالان فلسطين".

تعود بذور الدعم الماليزي لفلسطين لما قبل إنشاء إسرائيل، ضمن إطار التضامن الإسلامي الأوسع، ولمجابهة الاستعمار البريطاني الذي كانت ماليزيا ترزح تحته في ذلك الوقت. بعد استقلال ماليزيا سنة 1957 رُبط التضامن تجاه فلسطين بالعاطفة المدفوعة بالهوية الدينية. ومع مرور الوقت أصبحت القضية الفلسطينية جزءاً من بنية المجتمع المدني بتمثيل مؤسساتٍ خيريةٍ ومجتمعيةٍ، وجزءاً من الخطاب السياسي لجذب القواعد الانتخابية. لكن في مرحلة ما بعد السابع من أكتوبر 2023، شهد هذا التضامن تحولاً ليصبح خاضعاً لهندسة الدولة وتوازناتها الداخلية والخارجية، ضمن قنواتٍ رسميةٍ خاضعةٍ للرقابة لا عبر جمعياتٍ شعبيةٍ مستقلة. فتحول الخطاب الرسمي ومن ثم الشعبي من إطار التضامن الديني إلى أطر حقوق الإنسان، بما لا يخلّ بمعادلة دولة الحريات متعددة الأعراق، وبما لا يتجاوز الاعتبارات السياسية الخارجية أو الضغوط العربية والغربية، وإن حافظ التضامن على حماسته شعبياً.


كان الماليزي برهان الدين حلمي، رئيس الحزب الإسلامي الماليزي في الخمسينيات والستينيات، بين صفوف الرافضين المشروعَ الصهيوني في فلسطين. وقد شارك في التظاهرات المناصرة فلسطينَ سنة 1936 مع مجموعةٍ من الطلبة الماليزيين في الأزهر الشريف في مصر. تُذكر هذه المشاركة في الوعي الماليزي تأكيداً مبكراً على التضامن الماليزي مع فلسطين. لاحقاً تعززت المشاركة الماليزية عبر أبو بكر الشعري، رئيس الجمعية الخيرية الطلابية الأزهرية الجاوية، حين وصل مع صديقه عبد القهار مذكر ومجموعةٍ طلابيةٍ أخرى إلى فلسطين سنة 1930 ليشاركوا في المؤتمر الإسلامي السنوي لتوحيد آراء المسلمين دفاعاً عن أرض فلسطين. وهو المؤتمر الذي أطلقه الحاج أمين الحسيني، مفتي القدس حينئذٍ، معلناً عبد القهار مذكر أميناً له. 

أسهمَ هذا في توسيع المشاركة الماليزية دفاعاً عن القضية الفلسطينية. فبعد قرار تقسيم فلسطين 181، الذي أصدرته الأمم المتحدة في نوفمبر 1947، أطلقت مجموعة "ماليزيون سنغافوريون" سلسلة اجتماعاتٍ لدعم فلسطين. نتجَ عن هذه الاجتماعات "لجنة سنغافورة المناهضة لتقسيم فلسطين"، ونظموا وقفاتٍ احتجاجيةً تعبيراً عن معارضتهم خطةَ التقسيم.

ثم في مارس سنة 1948، أي قبل نحو عقدٍ من الاستقلال الماليزي عن بريطانيا، عقد عددٌ من علماء الملايو ومثقفيه من "حزب المسلمين" و"الحزب الوطني الملايوي" مؤتمر المجلس الأعلى للشؤون الدينية، المُسمَّى اختصارا "ماتا". ورفعوا في المؤتمر جملة أهدافٍ لمواجهة الاستعمار البريطاني، وتكوين روابط تجمع بين القومية المالاوية، والنهضة الإسلامية العالمية. طُرح مبدأ البُعد الإسلامي والقومي لحركة التحرر المالاوية، وأهمية المواجهة الواسعة الشاملة منظومةَ الاستعمار الغربية. عبّر كُلٌّ من أحمد بُستاني وبرهان الدين حلمي، قادة الحزب الوطني الملايوي (بي كي إم إم) وهو أول حزبٍ سياسيٍ ماليزيٍ، عن دعم حركات التحرر في العالم الإسلامي، ومنها فلسطين ضد الصهاينة والبريطانيين. على اعتبار أن الهويةَ الإسلامية العابرة الحدودَ جزءٌ أصيلٌ من مقاومة الاستعمار البريطاني.

وصف برهان الدين ما يجري في فلسطين بأنه: "قضية مركزية للأمة الإسلامية، وتحريرها جزء من النهضة الإسلامية التي يجب أن يشارك فيها المالاويون". وخرج المؤتمر بتوصياتٍ من بينها توحيد الصف الإسلامي في مالايا (الاسم القديم لماليزيا). والدفاع عن قضايا الأمة الإسلامية ومن بينها فلسطين. وإعداد برنامج عملٍ إسلاميٍ لتثقيف الجماهير المالاوية وربطها بقضايا المسلمين في آسيا والعالم وحشدها ضد المشروع الصهيوني في فلسطين.

ومع أن الاستعمار البريطاني حظر الحزب الوطني المالاوي بعد عامٍ واحدٍ، إلا أن المؤتمر أسهم في بلورة وعيٍ سياسيٍ انبثق عنه كلٌّ من الحزب الإسلامي "باس" (المنشق عن منظمة الملايو القومية المتحدة "أمنو"، أقدم حزبٍ سياسيٍ قوميٍ في ماليزيا وتأسس سنة 1946 والحزب الشعبي المالاوي "بارتي راكيات". واصل الحزبان تأثيرهما في المشهد السياسي والشعبي الماليزي، واعتمدا رؤيةً موحدة معاديةً الاستعمارَ بكل أشكاله.


في سنة 1955 قاد تانكو عبد الرحمن تحالفاً سياسياً بين الملايو والصينيين والهنود تحت مظلة منظمة الملايو القومية المتحدة (أمنو) في أول انتخاباتٍ عامةٍ في اتحاد المالايا (اتحاد مكون من إحدى عشرة ولاية في شبه الجزيرة الماليزية). عُين عبد الرحمن رئيس وزراءٍ أول لاتحاد المالايا، إثر فوز تحالفه بواحد وخمسين مقعداً من أصل اثنين وخمسين، قبل أن تستقل ماليزيا سنة 1957 ويغدو أول رئيس وزراءٍ في تاريخها.

ومع أن وصوله للسلطة تحت أعين الاستعمار البريطاني وتماهيه مع دمج الأقليات الصينية والهندية في المجتمع المالاوي أنتج خصومةً سياسيةً مباشرةً مع الأحزاب الإسلامية وبرهان الدين حلمي، إلا أنهما اتفقا في تأييدهما فلسطينَ وعدائهما المشروعَ الصهيوني. وهو الثابت الذي أعلنه تانكو عبد الرحمن صراحةً منذ مطلع الخمسينيات. فقد عدّ حينئذٍ الاعترافَ بإسرائيل خيانةً للأمّة الإسلامية، ولِحَقّ الشعب الفلسطيني في أرضه، معتمداً وصف "النكبة" في تعبيره المتكرر عن احتلال الأرض الفلسطينية.

استثمر الرجل بعد ذلك مكانته السياسية والدبلوماسية، مُسهماً في تأسيس منظمة المؤتمر الإسلامي (منظمة التعاون الإسلامي لاحقاً) سنة 1969. وجعل من القضية الفلسطينية عنوان رؤيتها أثناء توليه منصب الأمين العام للمنظمة في الفترة ما بين 1971 و 1973 بعد تركه رئاسة الوزراء. ودافع عن حقوق الفلسطينيين في المحافل الدولية، وساند الاعتراف بمنظمة التحرير الفلسطينية ممثلاً شرعياً للفلسطينيين. 

وفقا للأرشيفات المذكورة في كتاب "بايتي آند بوليتيكس: إسلامزم إن كنتمبرري ماليزيا" (الورع والسياسة: الإسلاموية في ماليزيا المعاصرة)، لأستاذ العلوم السياسية تشن يونغ ليو والمنشور سنة 2009، يبدو أن تانكو عبد الرحمن تبنّى القضية الفلسطينية من منطلق التوازنات الداخلية والتنافسية السياسية مع برهان الدين وقاعدته المالاوية المهتمة بالقضية. لكنه عدّ البقاء في حالة عداءٍ أبديٍّ مع إسرائيل غير ممكنة. وعليه كان توحيد الفسيفساء العرقية في بوتقة الوحدة الوطنية وإلحاح الاقتصاد وتطوير البنى التحتية الهاجسَ الحكوميَّ الأولَ، ما ترك التضامن الواضح مع فلسطين محصوراً في أطرٍ رسميةٍ دبلوماسية.

لاحقاً تغيرت مفردات الخطاب الماليزي تجاه القضية الفلسطينية. فمع تقلد تون مهاتير محمد مقاليد السلطة سنة 1981، وسعيه لنهضةٍ اقتصاديةٍ ماليزيةٍ وسياسيةٍ جديدةٍ عنوانها "إلى الشرق بعيداً عن الغرب"، أصبح وصف إسرائيل بأنها دولة فصلٍ عنصريٍ مثل جنوب إفريقيا رائجاً في خطابات مهاتير في المحافل الدولية والإقليمية. تنامى دعمه منظمةَ التحرير الفلسطينية سياسياً ومالياً، فاعترف بها ممثلاً شرعياً وحيداً للشعب الفلسطيني. ورفع مستوى تمثيل المنظمة إلى بعثةٍ دبلوماسيةٍ رسميةٍ في كوالالمبور سنة 1982. وأنشأ صندوقاً لدعم فلسطين سنة 1983 بإشراف وزارة الخارجية.

احتضن مهاتير رسمياً وشعبياً الأنشطة المؤيدة فلسطينَ، وأطلق يد المنظمات الطلابية، مثل اتحاد طلبة فلسطين، وفعاليات الأنظمة غير الحكومية. وموّل كذلك بعثات طلابٍ فلسطينيين للدراسة في الجامعات الماليزية، وقدّم منحاً مباشرةً لمكتب منظمة التحرير في كوالالمبور. ما فُسر جزءاً من إستراتيجية مهاتير لمواجهة الغرب وتعزيز دورٍ ريادي لماليزيا في قلب العالم الإسلامي.

ارتبط ذلك أيضاً بانبثاق تضامنٍ مؤسساتيٍ مباشرٍ مع فلسطين لا ينفصم عن الخطاب الرسمي السياسي. بدءاً من الجمعية الإسلامية للشباب الماليزي (أو حركة الشباب المسلم في ماليزيا "أبيم")، التي كانت من أوائل المؤسسات التي وضعت فلسطينَ قضيةً مركزيةً في برامجها. 

وفقاً لدراسةٍ بالملاوية نشرت سنة 2020 بعنوان "فغاروه دان ايمفق عغکتن بليا اسلام مليسيا (أبيم) تراهدف ايسو فالسـتيـن د مليسيا" (تأثير حركة شباب الإسلام في ماليزيا 'أبيم' تجاه قضية فلسطين في ماليزيا) للباحثتين في العلوم الإنسانية نور عتيقة حائري ونور حفيظة أحمد، فإن أبيم نشطت في قضية فلسطين في اتجاهاتٍ مختلفةٍ إعلاميةٍ وجماهيريةٍ وأكاديمية. كان هذا النشاط حاضراً في الجامعات حاضنتها الرئيسة. ولذا مع نمو الطبقة المتوسطة المالاوية وازدياد المتعلمين بين أفرادها ازدادت شعبية الحركة. وقد نظمت الفعالياتِ والندواتِ وحملاتِ جمع التبرعات الرمزية لصالح الفلسطينيين في الجامعات والمدارس.

ثم واكبتها رابطة علماء ماليزيا، حسب الدراسة، ونظمت خطباً ومحاضرات ضد التطبيع في النقابات والتجمعات الطلابية. فجمعية "حلوان ماليزيا الخيرية" التي خصصت جزءاً من برامجها الإغاثية لدعم فلسطين مباشرةً، انخرطت عبر قنواتٍ دوليةٍ في إقامة مشاريع تعليميةٍ وإغاثيةٍ في فلسطين إبان الانتفاضة الأولى التي انطلقت سنة 1987. ومن ثم أطلقت جمعية الإصلاح الماليزية "بيرتوبوهن إكرام ماليزيا" (عُرفت لاحقاً باسم إكرام) حملات تبرعٍ على مستوى الولايات دعماً لفلسطين آنذاك.

في التسعينيات، أظهر كل من "ماجليس بروندينغان بيرتوبوهن إسلام ماليزيا – مابيم" (المجلس الاستشاري للمنظمات الإسلامية الماليزية) و"مسلم كير ماليزيا" و"سوليداريتي إسلام ماليزيا – إسما" (التضامن الإسلامي الماليزي) اهتماماً كبيراً بإدراج قضية فلسطين ضمن برامجها الأهلية والخيرية. كذلك اهتموا بتوجيه الأنشطة الإنسانية نحو كلٍّ من فلسطين والبوسنة. ثم تفاعلت المستويات الحكومية مع هذا العمل الإنساني، فظهرت مؤسسة "ياياسان دعوة إسلامياه ماليزيا–يديم" و"جاباتن كماجوان إسلام ماليزيا–جكيم"، مؤسساتٍ مرتبطةً بالحكومة تجمع العمل التضامني الإنساني بالتوعية الدينية. وهو الأمر الذي لقي صدىً في الشارع الماليزي الذي كانت أحداث انتفاضة الأقصى نهاية سنة 2000 قد بدأت تتصدر نشراته الإخبارية.

تُرجم هذا الصدى بانتقالٍ متدرجٍ للتضامن الماليزي مع قضية فلسطين من المستويات النخبوية (الخُطب الدينية والمقالات في الصحف والمجلات الإسلامية، مثل مجلة "بنغاسو"، والمساهمات في المؤتمرات الدولية) إلى مستوياتٍ وسيطةٍ بين النُخب والعامة (الندوات الطلابية وجمع التبرعات في الجامعات والمساجد). وامتد ذلك لمستوياتٍ شعبيةٍ عامةٍ جعلت التضامن مع فلسطين جزءاً أساساً من الهوية المالاوية، يُعبر عنه بمواكبةٍ حثيثةٍ لأحداث فلسطين، والخروج بمسيرات تضامنٍ واسعةٍ، وإطلاق حملات تبرعٍ في المدارس والأسواق الرمضانية والموسمية.

يعبر الباحث الماليزي في الدراسات السياسية قمر النظام عبد الله في كتابه "ذا بوليتيكس أوف إسلام إن كونتيمبروري ماليزيا" (سياسات الإسلام في ماليزيا المعاصرة) المنشور سنة 2003، عن طبيعة التضامن الماليزي مع فلسطين استثماراً رسمياً اعتمدته الحكومة لتقوية خطابها الرسمي. فالتنافس التقليدي بين الأحزاب الإسلامية والمنظمة الوطنية كان محتدماً، وكلاهما سعى للحصول على الشرعية الإسلامية من التضامن مع فلسطين. وهو ما بدا تجاوزاً لحدود التعاطف مع قضيةٍ خارجيةٍ، ليغدو جزءاً من معركةٍ داخليةٍ حول الهوية الإسلامية المالاوية. ما صبّ في صالح المجتمع المدني بمنظماته ومؤسساته، إذ ذهب بعيداً في مضمار التضامن وتنوع أشكاله وبرامجه.

حافظ التضامن الماليزي على صعوده في عهد رئيس الوزراء عبد الله بدوي بين 2003  و2009، الذي واصل نهج مهاتير محمد. فيما تطورت البنى التحتية للمنظمات الإنسانية الإسلامية وتنوعت برامجها وأدوارها الإغاثية في العالم الإسلامي، فتحول التضامن إلى ركيزةٍ أساسٍ في العمل المؤسساتي الماليزي.


مع صعود حركة التضامن وتطورها، ظهر نمطٌ جديدٌ من التضامن الماليزي مع فلسطين يرتكز على ثلاث دعائم: الغطاء الرسمي السياسي، والدعم الشعبي القوي، والاهتمام المؤسساتي. ما أتاح الفرصة لظهور مؤسساتٍ خيريةٍ وإنسانيةٍ متخصصةٍ في دعم فلسطين، بينما تحوّل جزءٌ كبيرٌ من توجهات المنظمات الأخرى مثل حلوان ومابيم بقوةٍ نحو فلسطين.

في مقابلةٍ مع الفراتس يرى مُسلم عمران، رئيس منظمة الثقافة الفلسطينية، أنه مع نهاية العقد الأول من القرن الواحد والعشرين أمكن تصنيف المؤسسات الماليزية الداعمة فلسطينَ إلى ستّ فئاتٍ رئيسة. تشمل المنظمات الدينية والمنظمات غير الحكومية الإنسانية والمنظمات غير الحكومية السياسية وجماعات المناصرة والمؤسسات الأكاديمية والمنظمات غير الحكومية المتخصصة بفلسطين. وهذه الأخيرة تنشط في ثلاثة اتجاهاتٍ مستقلةٍ عن بعضها. منها منظمات الضغط السياسي ومنظمات الإغاثة الإنسانية وشبكات الحشد والمناصرة لحماية المقدسات.

من بين هذا الكمّ الكبير من المؤسسات والمنظمات الخيرية والإنسانية، الحكومية وغير الحكومية، يعدّ عمران في دراسته "ماليزيان إن جي أوز آند باليستين [. . .]" (المنظمات غير الحكومية الماليزية [. . .]) الصادرة سنة 2023، مقياسَ التضامن الماليزي مع فلسطين كامناً في كلٍّ من المنظمات الإسلامية والمنظمات غير الحكومية الموجهة لفلسطين. ذلك أن تحولات الأولى وظهور الثانية يعبر عن نمطٍ جديدٍ من التضامن يتجاوز الأبعاد الإنسانية الإغاثية إلى المستويات السياسية والقانونية والدبلوماسية. ويحقق للفلسطينيين ما يتجاوز الإغاثة إلى الإسناد الفعلي.

يمكن فهم ذلك من قراءة الظروف والمعايير التي خرجت فيها أول مؤسسةٍ ماليزيةٍ تركز كلياً على مناصرة قضية فلسطين. ففي سنة 2004 شكل مجموعةٌ من الطلبة الماليزيين العائدين إلى بلدهم بعد التخرج من الأزهر الشريف مشروعاً توعوياً وإنسانياً يهدف لرفع مستوى وعي الشعب الماليزي بالقضية الفلسطينية، وجمع التبرعات لدعم حقوق الفلسطينيين. فظهرت منظمة "أمان فلسطين" التي سُرعان ما نسجت شراكةً مع الجالية الفلسطينية، وتحولت إلى تجمعٍ ماليزيٍ من أجل فلسطين. ثم افتتحت مكتباً لها في مدينة غزة سنة 2009، لتكون أول مؤسسةٍ من جنوب شرق آسيا تعمل لدعم الشعب الفلسطيني بالشراكة المباشرة معه. أهّلها ذلك لإطلاق حملة جمع تبرعاتٍ وطنيةٍ حصدت أكثر من 2.7 مليون رينغت ماليزي (نحو 638 ألف دولار أمريكي). استهدفت التبرعات صيانة دُور الأيتام وتوفير المساعدات التعليمية للطلاب الفلسطينيين وإطلاق برامج مكافحة الفقر وإنعاش القطاعات الزراعية والصحية ودعم الأسر الفقيرة. 

ومع اندلاع العدوان الإسرائيلي على قطاع غزة سنتي 2008 و2009، تصاعد الحراك التضامني الماليزي. واستطاع تجاوز الحواجز السياسية الداخلية بجمعه نشطاء المجتمع المدني والسياسيين الماليزيين المنتمين إلى أحزابٍ مختلفةٍ تتراوح من المنظمة الوطنية إلى الحزب الإسلامي، وبتأكيده نهجاً عابراً الطوائفَ ومنبثقاً عن نوازع إنسانيةٍ ساعيةٍ لتحقيق العدالة. ففي الخامس من يناير سنة 2009 اجتمعت خمسون منظمةً غير حكوميةٍ لإطلاق "تحالف المنظمات غير الحكومية الماليزية ضد اضطهاد الفلسطينيين"، ونظمت سلسلة فعالياتٍ لرفع التضامن الشعبي مع الفلسطينيين.

يقول عمران للفراتس إنه بينما أطلقت منظمة أمان فلسطين حملة تبرعاتٍ كبرى في سبتمبر سنة 2009 برعاية الملك الماليزي، يانغ دي بيرتوان أغونغ، واكبها ظهورٌ آخَر لسلسلةٍ من المنظمات غير الحكومية المتخصصة بفلسطين، مدفوعاً برعايةٍ سياسيةٍ ورسمية.

وهو ما يؤكده للفراتس قمر الزمان شهر الأنوار، الرئيس التنفيذي لمنظمة الرعاية الإنسانية الماليزية (ماي كير)، الذي يربط ظهور منظمته بإدراكٍ سياسيٍ وشعبيٍ أهميةَ الانخراط الماليزي في دعم الفلسطينيين ومساندتهم.

وفقاً لقمر الزمان، شهدت سنة 2010 تأسيس عددٍ من المنظمات الداعمة فلسطينَ. منها منظمة "أقصى شريف" التي عملت في برامج الإغاثة الطارئة والتعليم ودعم الأمن الغذائي وبناء المشافي والمدارس وتقديم منحٍ تعليميّةٍ سواءً في ماليزيا أو فلسطين. وشملت برامجُها رعايةَ دورات التحفيظ وطلبة القرآن الكريم ودعمهم. ونتيجةً لتداخل برامجها مع سلسلة منظماتٍ أخرى عملت في المنطقة العربية – مثل "فور سيريا" و"سلام عراق" ومنظمة "روز تو روز" النسائية – أُطلقت مظلةٌ تنسيقيةٌ تجمع المنظمات الأربع تحت مُسمى "ماي كير".

يرى قمر الزمان أن التضامن لم يعد يقتصر على شكلٍ واحدٍ، بل امتدّ من الإغاثة للمشاركة الفعالة في أساطيل كسر الحصار عن غزة بدءاً من سفينة مافي مرمرة في مايو سنة 2010، حتى أسطول الصمود الذي انطلق من عدّة دول بدءاً من أغسطس 2025. شملت أنشطة التضامن أيضاً، حسب قمر الزمان، المشاركة في القوافل البرية والجهود الدولية لكسر الحصار السياسي والإعلامي. 

شبكةُ العلاقات الدولية للمنظمات الماليزية وخبرتها في مجال العمل الإنساني والإغاثي أهلّتها للمشاركة في جهودٍ إغاثيةٍ في مناطق أخرى، مثل العراق واليمن وسوريا وليبيا والنيبال وميانمار. فانعكس ذلك على "ماي كير" التي حصلت على وضعٍ استشاريٍ خاصٍّ من المجلس الاقتصادي والاجتماعي التابع للأمم المتحدة. كذلك صدّرها لرئاسة لجنة جنوب شرق آسيا الإنسانية بدءاً من السنة 2019. 

في حديثها للفراتس تكشف نورما هاشم، المديرة المؤسسة لمركز هاشم ساني للأبحاث والدراسات الفلسطينية وأمينة صندوق منظمة "فيفا باليستينا ماليزيا"، عن أشكال تضامنٍ أخرى. منها تنظيم المظاهرات التضامنية السنوية لأجل فلسطين تحت عنوان "المسيرة العالمية من ماليزيا إلى القدس" يُشارك فيها ما لا يقلّ عن اثنتي عشرة منظمةً ماليزية. ومنها كذلك إطلاق مهرجان "كوالالمبور للأفلام الفلسطينية السنوي" منذ سنة 2012. إضافةً إلى إطلاق حملة "إنقاذ القدس" التي تقوم على ما لا يقلّ عن أربعين منظمةً غير حكوميةٍ لجهود حماية القدس والمقدسات، بدعم المرابطين والمرابطات (القائمين على حماية المسجد الأقصى بالوجود فيه)، وتسيير مشاريع الرباط والصمود في المسجد الأقصى، وترميم منازل المقدسيين. وكذلك إرسال البعثات الطبية بالتعاون مع وزارة الصحة الماليزية والجمعيات الطبية الماليزية، وتأمين قروضٍ ائتمانيةٍ مصغرةٍ للمشاريع التجارية، وتوفير سلالٍ غذائيةٍ متوازنة.

وقد استحدث مزيدٌ من قنوات الدعم، حسب عمران، تعزيزاً للجهود القائمة. من بينها مؤسسة "المنظمة الثقافية الفلسطينية في ماليزيا – بيكوم" التي أطلقت أعمالها سنة 2011 في كوالالمبور استجابةً لطلبٍ من نائب رئيس الوزراء آنذاك أحمد زاهد حميدي. أُنشئت المؤسسة بهدف رفع مستويات الدعم الماليزي لفلسطين، ما فتح المجال لزيارة رئيس الوزراء نجيب عبد الرازق قطاعَ غزة في يناير 2013، وأعطى المنظمات الماليزية هامشاً أكبر من العمل لجمع الأموال وكسر الحصار وإسناد الفلسطينيين.

تواصل ذلك الاتجاه في الحكومات اللاحقة، من مهاتير محمد بين سنتَيْ 2018 و2020، إلى محيي الدين ياسين الذي قاد ماليزيا بين 2020 و2021، إلى إسماعيل صبري الذي حكم من 2021 إلى 2022. وفي كل عدوانٍ إسرائيليٍ في الضفة أو القطاع، كانت المنظمات الماليزية والمستويات الرسمية تسارع لحشد الشارع وتنظيمه. لتغدو ماليزيا واحدةً من أبرز الدول دعماً وإسناداً للفلسطينيين، رغم بُعدها الجغرافي عنهم واختلافها اللغوي والثقافي.

ومع أن التضامن مع فلسطين تواصل على مدى الحكومات المتعاقبة، وظلّ موازناً بين الموقف الإسلامي المبدئي والدبلوماسية الحذرة تجاه الغرب، إلا أن حدوده وتأثيره اختلف حسب المساحة الحكومية الممنوحة. تغيرت كذلك الفجوة الفاصلة بين الدولة ومنظمات المجتمع المدني بناءً عليه، ولم يتجاوز يوماً حاجز الجغرافيا الفاصلة، أو الاعتبارات السياسية الخارجية.

ربما يعود ذلك إلى نقطة قوة التضامن وضعفه معاً، وهو ربطه بالخطاب الإسلامي والهوية المالاوية. ما جعله محصوراً بفئةٍ دون غيرها في مجتمعٍ متعدد العرقيات والطبقات والمشارب. ونتيجةً لذلك تشتّت مع زخمه بين المنظمات الخيرية والأكاديمية والحكومية. تغيّرت حدود التعامل مع فلسطين وآلياته مع صعود أنور إبراهيم للسلطة واندلاع حرب السابع من أكتوبر بعد ذلك بعامٍ تقريباً. 


في 24 نوفمبر سنة 2022 تولى أنور إبراهيم مقاليد السلطة قادماً من صفوف المعارضة ومحققاً منعطفاً في السياسة الماليزية التقليدية. فالرجل الذي بدأ حياته ناشطاً إسلامياً معارضاً، متأثراً بفكر جماعة الإخوان المسلمين، أسّس حركة الشباب الإسلامي الماليزي "أبيم"، ثم أصبح لاحقاً قيادياً في الحزب الحاكم الجبهة الوطنية "أمنو" ونائباً لمهاتير محمد في ولايته الأولى. بل كانت الترجيحات تضعه خليفةً أوّل له، حتى سنة 1998 حين اختلف مع مهاتير ووُجهت له اتهامات ما بين الفساد والشذوذ الجنسي، تسببت في سجنه عدّة مراتٍ، ليحاول لاحقاً العودة إلى حلبة السياسة عبر تأسيس تحالفٍ ضد الحزب الحاكم.

تحالف أنور إبراهيم حمل اسم "الأمل"، وخاض تجربة الانتخابات مراراً منذ 2008 حتى 2018. وحتى حين كان إبراهيم معتقلاً تولّت زوجته وان عزيزة قيادة الحزب والتحالف، ليحصل على أوّل أغلبيةٍ نسبيةٍ له سنة 2018. لكنه حُرم من تشكيل الحكومة، ليعود ويخوض انتخابات 2022 بتحالفٍ غير مسبوقٍ مع الأضداد، جمع الإسلاميين واليساريين والمكونات الصينية والهندية في تحالفٍ واحدٍ، ما مكّنه من أن يصبح رئيساً للوزراء.

وصول إبراهيم إلى سدّة الحكم أنتج تأثيراتٍ سياسيةً وشعبيةً داخليةً وخارجيةً عميقة. فمن ناحيةٍ داخليةٍ استطاع جمع ثلاثة أحزابٍ متضادةٍ، حزب العدالة الشعبي (بي كي آر)، والحزب الوطني الإسلامي المعتدل (أمانة)، والحزب الصيني العلماني (داب). وهكذا تحول وصوله للحكم إلى نهايةٍ لمرحلة هيمنة الإسلام السياسي الماليزي التقليدي المحصور في الجبهة الوطنية، لصالح حزبٍ تعددي.

وفقاً لهذه التوازنات الدقيقة، وجد إبراهيم نفسه ملزماً بحدودٍ جديدةٍ في تعامله مع فلسطين. ففي خطابه اعتمد في دبلوماسيته مفرداتٍ رمزيةً وإنسانيةً محددةً ومنبثقةً من القانون الدولي، تدعم فلسطين في مواجهة إسرائيل على أساس حقوق الإنسان، لا على أساس الهوية الإسلامية كما كان أسلافه. وكان في ذلك متناغماً مع خطابه أن ماليزيا بلدٌ متعدد الأعراق يقف أبناؤه جميعاً في مواجهة الظلم، بدلاً من ماليزيا المسلمة في مواجهة إسرائيل.

التغيير الأبرز كان في العمل الخيري والإنساني المؤسساتي، الذي يُعَدّ التضامن مع فلسطين أحدَ برامجه. كانت المنظمات الإنسانية والخيرية تعمل بحريةٍ نسبيةٍ وتسهيلاتٍ من الحكومات المختلفة، وبدعمٍ من التيار الماليزي القومي الإسلامي الذي يمثله كلٌّ من الجبهة الوطنية والحزب الإسلامي، وتعدّ تضامنها جزءاً من الهوية المالاوية. غير أن إبراهيم اتخذ نهجاً مختلفاً، فاستمرّ في الخطاب الدبلوماسي المؤيّد فلسطينَ، لكنه شدّد في إنفاذ قواعد الشفافية والحوكمة على المنظمات التي تجمع تبرعاتٍ خارجية. 

أطلق ابراهيم سلسلة إجراءاتٍ رقابيةٍ قانونيةٍ وإداريةٍ مشددةٍ تحت شعار الشفافية، تركز على المنظمات الإسلامية الخيرية التي تجمع تبرعاتٍ لقضايا خارجية، من ضمنها فلسطين. حاول في الوقت ذاته ضبط الخطاب الإسلامي للمنظمات حتى لا يبدو مهيمناً أو متجاوزاً التعددَ العرقي وجهودَه الإصلاحية الليبرالية. كان بهذا التوازن يسعى للحفاظ على تحالفه مع الأحزاب العرقية والعلمانية الأخرى، ويتجنبُ الصدام مع الغرب.

لم يطل المقام بدبلوماسية إبراهيم المتوازنة، فقد اندلعت حرب السابع من أكتوبر 2023، ما زاد من زخم تضامن المجتمع مع فلسطين. وانعكس هذا التضامن اتساعاً في حملات التبرع لفلسطين وضخامة جبايتها. فقد تواصل أنور إبراهيم مع قادة حماس عشية السابع من أكتوبر معبراً عن دعمه، ووصل الدعم المالي المقدم بعد اندلاع العدوان للشعب الفلسطيني ما لا يقلّ عن مئة مليون رينغت ماليزي (حوالي أربعة وعشرين مليون دولار).

على إثر ذلك في مايو سنة 2024، زار ماليزيا كلٌ من بريان نيلسون وكيل وزارة الخزانة الأمريكية لشؤون الإرهاب والاستخبارات المالية، ونيل ماكبرايد مستشار الخزانة. حثّا الحكومة الماليزية على ضرورة ضبط أموال التبرعات والتأكد أنها تُجمع وتوزّع عبر قنواتٍ رسميةٍ ومؤسساتٍ عالميةٍ معروفةٍ لضمان وصول المساعدات الإنسانية. ألمح الزائران إلى أن ماليزيا تتجاهل منظماتٍ عاملةً لديها متورطةً في تمويل الإرهاب وغسيل الأموال، وطالبا تشديدَ الرقابة على منظمات المجتمع المدني لتقليل مخاطر تمويل الإرهاب غير المقصود. 

كذلك حثّ المسؤولان الأمريكيان الماليزيين على ضمان تحويل التبرعات إلى قنواتٍ موثوقةٍ عند إرسال المساعدات إلى غزة، وفرض معايير تدقيقٍ عاليةٍ على التحويلات الخيرية. وقد هدّدت أمريكا بضمّ ماليزيا إلى القوائم الرمادية وتخفيض تصنيفات الأمان النقدي لمصارفها إن لم تلتزم.

ردّت الحكومة الماليزية بأنها لا تعدّ حماس منظمةً إرهابيةً وأنها ستستمر في دعم الفلسطينيين رغماً عن التهديدات الأمريكية بالعقوبات. وأكدت أن المنظمات الخيرية الحكومية موثوقةٌ ولكنها ستتخذ الإجراءات اللازمة لمراقبة عمل المنظمات غير الحكومية. كذلك أطلقت وزارة الداخلية هيئةً لمراقبة المنظمات غير الحكومية مدعمةً بقواعد تمويلٍ تُلزم المؤسسات بتدقيق هوية مستلم مساعداتها والتأكد من عدم صلته بأنشطةٍ تصنف تحت بند الإرهاب، وتُخضع بياناتها لإجراءاتٍ ماليةٍ تحت مسمى مكافحة غسيل الأموال وتمويل الإرهاب.

من بين الخطوات الأخرى المتخذة، إطلاق سلسلة مداهماتٍ وتدقيقٍ لأنشطة المنظمات الإنسانية، بدأتها هيئة مكافحة الفساد الماليزية بحقّ منظمة أمان فلسطين. وقد اتهمتها "بإساءة استخدام الأموال التي يُزعم أنها استخدمت لأغراضٍ تتجاوز الأهداف المنشودة للمنظمة غير الحكومية، وباستغلال قضايا غزة غطاءً لتمويل جماعاتٍ محظورة". جمّدت الهيئة قرابةَ خمسة عشر مليون دولار، وجمّدت كذلك واحداً وأربعين حساباً مصرفياً مرتبطاً بمنظمة أمان فلسطين.

أخضعت الحكومة منظماتٍ أخرى مثل حلوان وماي كير لمتابعاتٍ قانونيةٍ للتأكد من أن أموال التبرعات لا تُحّول لجهاتٍ مرتبطةٍ بحماس. وأُلزمت جميع المنظمات بتقديم كشوفٍ وتقارير دوريةٍ موثقةٍ عن مصادر أموالها وبرامج التنفيذ والجهات المستفيدة.

ومع أن أمان فلسطين قدمت سلسلة اعتراضاتٍ قانونيةٍ وماليةٍ مستندةٍ إلى أهداف إنشائها المتمثلة في دعم الشعب الفلسطيني وإسناده ومساعدته على التحرر من الاستعمار، إلا أن ما جرى خلق حالةً من الرهبة لدى عددٍ من المنظمات. وقد دفعها ذلك للتركيز على المساعدات الإنسانية من إغاثةٍ وتعليمٍ ودواءٍ بدلاً من المساعدات التنموية.

أدّت هذه الإجراءات إلى تراجع حجم التحويلات المالية عبر القنوات المباشرة، وإبطاء المشاريع الإغاثية، وإغلاق عددٍ من فروع المنظمات الخيرية ومراكزها. لجأت المنظمات الماليزية إلى طرق دعمٍ مختلفةٍ بالشراكة مع منظماتٍ دوليةٍ معروفةٍ أو عبر دولٍ وسيطةٍ مثل مصر وقطر والأردن وتركيا لتفادي مخاطر التجميد المباشر.

وبهذا تسببت إعادة الهيكلة وقيود الرقابة والضغوط المالية الدولية في تراجع حرية التبرع الماليزي لفلسطين وحجمه بعد السابع من أكتوبر، مع كثافة الحراك الشعبي وزخم التبرعات المتواصل.


لم تترك الحكومة للمنظمات الإنسانية فرصةَ ابتداع الحلول والخيارات لإيصال المساعدات إلى فلسطين. فعملت على تفكيك بيئة التمويل الخيري، وإخضاعها للمعايير الدولية لمكافحة تمويل الإرهاب وغسيل الأموال. ولذلك أوجدت مظلةً حكوميةً شاملةً لهذه المنظمات عُرفت بعملية "إحسان"، تنظم بها آليات جمع المساعدات وإيصالها والتنسيق مع الوزارات المعنية الداخلية والخارجية وغيرها لتأمين وصول المساعدات. فتشجعت منظمات المجتمع المدني غير الإسلامية (الهندية والصينية) للمشاركة في التضامن والمساهمة فيه، حتى الشعبي منه الذي برز في مظاهرات كوالالمبور الكبرى في أكتوبر ونوفمبر 2023. كانت المظاهرات الأضخم منذ عقودٍ بمشاركةٍ عابرة الهوياتِ، وبتصدر إبراهيم وخطابه الإسلامي الديمقراطي الجامع.

في كتابه "ماليزيا ريسبونس تو إشيوز بارتينينغ تو باليستين" (ردود ماليزيا على القضايا المتعلقة بفلسطين) الصادر سنة 2024، يرى محمد فيزل موسى، الباحث في دراسات جنوب شرق آسيا، أن السياسة الخارجية الماليزية تجاه فلسطين لا يمكن فصلها عن السياسة الداخلية. ويضيف أن المنظور القائم حالياً لدى الحكومة الحالية هو ضرورة المحافظة على دعم قاعدة ناخبيها من الأغلبية المالاوية المسلمة، وهو ما يدفعها دائماً لمحاولة اجتراح الخيارات للتضامن مع فلسطين ودعم شعبها وإظهار مساندتهم الرسمية والشعبية. وتُعدّ عملية إحسان شكلاً من أشكاله.

وفقاً لرئيس هيئة المساعدات الإنسانية والإغاثة الماليزية الحكومية (مهار)، جسمي جوهري، في مقابلةٍ مع الفراتس، فإن عملية إحسان مثلت مبادرةً حكوميةً تهدف لمساعدة المنظمات غير الحكومية والشركات والأفراد على التبرع لفلسطين والتأكد من وصول مساعداتهم. وبذلك تنخرط الحكومة عبر وزارة الخارجية في تأمين مئات الأطنان من المواد الأساسية والطبية المقدمة للشعب الفلسطيني. في حين أن ما لا يقلّ عن مئة منظمةٍ إنسانيةٍ وخيريةٍ، حكوميةٍ وغير حكوميةٍ، متعددة الأعراق والهويات تؤمّن استمرارَ التضامن والتبرع لفلسطين، وتنظيم فعالياتٍ شعبيةٍ جماعيةٍ للهدف نفسه.

ويرى جوهري أن عملية إحسان حيويةٌ ومهمةٌ في ظلّ الإبادة، لا سيما وأن وصول التبرعات محفوفٌ بالمخاطر في ظلّ انعدام الأمان في قطاع غزة، وصعوبة توزيع المساعدات العينية، وندرة السيولة النقدية لدى الفلسطينيين. لذا فإن التنسيق مع الدول المجاورة مثل تركيا وقطر ومصر والأردن، عبر قوافل المساعدات البرية والإنزال الجوي وغيرها من الوسائل، يحظى بفرصة وصولٍ أعلى ويتيح فعاليةً أكثر لعملية التبرعات. ولأن ماليزيا بعيدةٌ جغرافياً عن فلسطين، وترفض تطبيع العلاقات مع إسرائيل، يكون دخول مساعداتها مباشرة أمراً صعباً.

تؤكد نورما هاشم أن حجم التغيير الذي طال منظمات العمل الإنساني والخيري الماليزي كبير. لكنها تنفي أن يكون خاصاً بماليزيا وحدها، بل تعدّه جزءاً من مرحلة ما بعد السابع من أكتوبر وما واكبها من تغير الأولويات الإنسانية التي أصبحت تقتصر على تقديم المساعدات المنقذة للحياة بدلاً من مساعدات الخروج من الفقر والعوز، وتقييد الجهد الإغاثي الدولي الموجه للفلسطينيين في الوقت ذاته.

ترى نورما أن جزءاً مما لم تستطع المنظمات ولا الجمهور الماليزي تقديمه للفلسطينيين، قدمته الحكومة عبر إطلاق رئيس الوزراء صندوقاً إنسانياً لدعم الشعب الفلسطيني. استطاع الصندوق في السنة الأولى من الحرب جمع ما لا يقلّ عن سبعة وتسعين مليون رينغت ماليزي (21.5 مليون دولار) مخصصةٍ لدعم أوضاع الفلسطينيين الإنسانية والمعيشية. ناهيك عن تشجيع المقاطعة الاقتصادية وإطلاق مهرجانات الدعم لفلسطين، مثل مهرجان الحرية الذي شارك فيه معظم وزراء الحكومة بالتعاون مع المنظمات الإنسانية والخيرية وبوجود دبلوماسيين داعمين للقضية الفلسطينية. كذلك رفض خصخصة شركة المطارات الماليزية لصالح شركةٍ داعمةٍ لإسرائيل ومنع السفن الإسرائيلية من دخول الموانئ الماليزية. 

استقبلت ماليزيا أيضاً عشرات الجرحى الغزّيين مع أقاربهم وعائلاتهم في ماليزيا، وقدمت لهم الرعاية الصحية والنفسية والاقتصادية. وواصلت هيئة المساعدات الإنسانية والإغاثة الماليزية (مهار) جهودَها الإغاثية داخل القطاع رغم استهداف الطائرات الإسرائيلية عناصرَها ومتطوعيها ما تسبب في مقتل ثمانيةٍ منهم. كذلك دعمت ماليزيا جنوبَ إفريقيا في قضية الإبادة الجماعية ضد إسرائيل في محكمة العدل الدولية.

جميع أشكال التضامن الرسمية حظيت بحفاوةٍ جماهيريةٍ واسعةٍ، باستثناء تحرك الحكومة لاستقبال الجرحى الفلسطينيين، ما فتح عليها باباً من النقد. وصفه الباحث بنجامين يو هو في بحثه "ريتوريكال سيمبَثي فور ذا بالستينيان سترَغل إن ماليزيا [. . .]" (التعاطف الخطابي مع النضال الفلسطيني في ماليزيا [. . .]) الصادر في مايو 2024، بأنه: "ازدواجية في التضامن، الدعم العلني للقضية الفلسطينية في مقابل المعارضة لاستقبال اللاجئين وطالبي اللجوء الفلسطينيين". وأشارت الدراسة إلى أن الماليزيين يفضلون الدعم الرمزي المقتصر على المنصات الإعلامية والحراك الاجتماعي، الذي يصفه الباحث بأنه "تضامن من بعيد" بدلاً من الإسناد الواقعي واستقبال اللاجئين الفلسطينيين في ماليزيا ومنحهم حقوق العمل والتعليم.

وهو ما اختبره الباحث في جملة الرفض والانتقادات الواسعة لاستضافة الجرحى. فقد دفعت بعض الأحزاب لدعوة رئيس الحكومة لأن "يذهب ويصبح رئيساً لوزراء فلسطين"، وعدّت خطوته تجاوزاً لموقف ماليزيا الرافض توقيعَ اتفاقية اللاجئين لسنة 1951. بينما ذهب البعض لوصف استضافة الجرحى بأنها تتعارض مع "حق الفلسطينيين في أرضهم وشرعية بقائهم فيها" رغم تعاطفه معهم وتأييده نضالَهم.

ردود الأفعال السياسية والشعبية هذه ألزمت الحكومة والمنظمات الإنسانية بنوعٍ محددٍ من التضامن، لا يُمسّ فيه بالتركيبة الداخلية للمجتمع الماليزي، ولا يفتح المجال أمام التزامات مستقبلية تجاه الفلسطينيين، ولا يُخضع ماليزيا لاستحقاقات هي في غنىً عنها.  


لم يكن التضامن الماليزي مع فلسطين على نفس الزخم أو المضمون طوال مراحله. إنما كان مشروطاً ويخضع لحساسيات الوضع السياسي والعلاقات الخارجية وحدود الفعل العالمي والعربي تجاه فلسطين. وهذه العوامل مجتمعةً جعلته أقلّ انفعالاً وأكثر مؤسساتيةً، يُدار عبر قنواتٍ رسميةٍ خاضعةٍ للرقابة لا عبر جمعياتٍ شعبيةٍ مستقلة. بينما تحوّل الخطاب الرسمي ومن ثم الشعبي من أطرٍ دينيةٍ إلى أطرٍ حقوقيةٍ إنسانيةٍ لا تخلّ بمعادلة الدولة الليبرالية متعددة الأعراق، ولا تكسر الاعتبارات السياسية الخارجية أو ضغوطها.

قد يكون العدوان على غزة بعد السابع من أكتوبر قد وضع التضامن الماليزي أمام اختبار التعدد والاحتواء والفعل. وربما أعاد تعريف العمل الإنساني الخيري بين قوسي الشفافية المفرطة والارتياب الدولي. ومع ذلك لم يفقد التضامنُ موقعَه وتأثيره مؤشراً على حماسةٍ إنسانيةٍ، فما زالت قضية فلسطين تضرب على وترها الحساس في وجدان الماليزيين وترغّبهم بالمساهمة في التخلص من الاستعمار والوصول إلى الحرية. 

اشترك في نشرتنا البريدية