عبود السعدي.. عازفٌ ومؤلفٌ موسيقيّ رسم ملامح بيروت الثمانينيات وبقي خارج الذاكرة العامة

يكشف تتبّع سيرة العازف اللبنانيّ عبود السعدي عن جانب من المشهد الموسيقيّ البيروتيّ في الثمانينيات وعلاقته بتجربة زياد الرحباني.

Share
عبود السعدي.. عازفٌ ومؤلفٌ موسيقيّ رسم ملامح بيروت الثمانينيات وبقي خارج الذاكرة العامة
عبود السعدي يفضّل الموسيقى على الكلام | تصميم خاص بالفراتس

أيقظ رحيل الموسيقيّ والمؤلف المسرحي اللبناني زياد الرحباني، في أغسطس 2025، أسئلةً ظلَّت طويلاً في كمون عن عالمٍ موسيقيٍّ تَشكَّل في جواره وامتدَّ معه على مدى عقود. فقد أعاد غيابه إلى الواجهة أسئلةً حول أرشيفٍ واسعٍ لا يزال مجهولاً، وتجاربَ فنيةٍ ارتبطت باسمه بدرجاتٍ متفاوتة. حرَّض هذا الرحيل أيضاً على إعادة النظر في مرحلةٍ موسيقيةٍ ازدهرت في بيروت خلال الثمانينيات كان الرحباني أحد أبرز صانعيها. ومن بين ما استعادته هذه الأسئلة وجوهٌ أسهمت في رسم ملامح تلك المرحلة، كان لبعضها مشاريعها الخاصة والمستقلة، إلا أنها بقيت خارج دائرة الضوء أو على هامش السردية التي كُتبت لاحقاً عن تلك السنوات.

تقتضي العودة إلى زياد الرحباني أن تبدأ من منجزه الموسيقي. ترك ابنُ العائلة الرحبانية عشرة أسطوانات موسيقيةٍ موقَّعةً باسمه، شكَّلت مجتمعةً مختبراً لمشروعه الموسيقي. غير أنّ زياد لم يبقِ مشروعه حبيس التسجيلات الصوتية، بل فتح له منافذَ أخرى من بينها الصورة، مقدِّماً في هذا الحقل عملَين بصريَّين يتيحان الولوج إلى مختبره الموسيقيِّ من الداخل. أوَّلهما "هدوء نسبي" سنة 1984، وهو فيلمٌ وثائقيٌّ يواكب مراحل إعداد الأسطوانة التي تحمل الاسم نفسه، ويضيء على مفهوم "الرُّبع نوتة". وهي الدرجة الصوتية الواقعة بين نغمتَين في السلَّم الموسيقيّ، والتي ترتبط بالمقامات الموسيقية العربية. وهو المفهوم الذي رأى فيه الرحباني مدخلاً إلى حداثةٍ موسيقيةٍ عربية. 

أما العمل الثاني، فهو "موسيقى على قيد الحياة من بيروت" سنة 1991 الذي يجمع تسجيلاتٍ مصوَّرةً من حفلاتٍ ومقاطعَ مصورةٍ لمقطوعاتٍ موسيقيةٍ، أغلبها لم تجد طريقها إلى أيِّ أسطوانة، فبقي هذا العمل شاهداً وحيداً عليها. اللافت في العملَين المصوَّرَين حضورٌ متكررٌ لشخصٍ إلى جانب زياد الرحباني. يظهر الشخص مرّةً في "هدوء نسبي" عازفاً متمكِّناً ينجح في تطويع مفهوم "الرُّبع نوتة" مع آلة البيس (الغيتار الكهربائيّ أو الوتريّ)، ثم يعود في "موسيقى على قيد الحياة من بيروت" من موقعٍ مختلف، لا عازفاً فحسب، بل مؤلفاً موسيقياً أيضاً. تقول الممثلة اللبنانية كارمن لبّس، التي تقدِّم بصوتها "موسيقى على قيد الحياة" في أحد المقاطع: "هناك نوعٌ آخر من التجارب الموسيقية تحدث في بيروت. نصغي الآن إلى مقطوعة 'تو فلورز داون' للمؤلف وعازف البيس الكهربائي عبود السعدي".

عند هذه اللحظة، تتعدى "موسيقى على قيد الحياة من بيروت" كونها أسطوانةً تعرض أعمالاً موسيقيةً، لتغدو وثيقةً تحفظ وتوثِّق ما كان يمكن أن يتبدد في النسيان. فالجملة العابرة التي تنطق بها كارمن لبّس لا تقدِّم اسماً فحسب، بل تفتح نافذةً على مشهدٍ موسيقيٍّ كاملٍ كان يتشكَّل في بيروت خارج الأسماء التي استقرَّت لاحقاً في الذاكرة العامة. ومن خلال هذه الوثيقة البصرية والسمعية، تصل إلينا إحدى مؤلفات عبود السعدي، في حين بقي جزءٌ كبيرٌ من أعماله وأعمال مُجايِليه خارج التداول الواسع، رغم حضورهم الفاعل في تلك المرحلة.

من بين الشقوق التي فتحها رحيل زياد الرحباني في ذاكرة تلك المرحلة، يُطلّ اسم عبود السعدي واحداً من الموسيقيين الذين شاركوا في صناعة المشهد الموسيقي البيروتي خلال السبعينيات والثمانينيات. فحضوره المتكرر في أرشيف الرحباني ليس سوى طرف خيطٍ يقود إلى سيرةٍ موسيقيةٍ خاصةٍ، وإلى تجربةٍ تشكَّلت في قلب بيروت، المدينة التي كانت رغم الحرب مختبراً مفتوحاً للتجريب والابتكار. يبدو عبود السعدي عند الاقتراب من أثره المتناثر في أعمال الرحباني أكثر من مجرد عازفٍ أو مؤلفٍ موسيقيّ. إنه أحد الشهود الأحياء على لحظةٍ ثقافيةٍ ازدهرت في بيروت الثمانينيات، بل أحد الفاعلين الذين أسهموا في رسم ملامحها من دون أن يحضروا بالقدر نفسه في الرواية التي كُتبت عنها لاحقاً.


شكَّل استوديو زياد الرحباني "باي باس"، الواقع في شارع الوردية بمنطقة الحمرا في بيروت، نقطة التقاءٍ لجيلٍ من الفنانين الصاعدين. توافدت إليه أسماءٌ كثيرةٌ ساهمت في رسم مشهد "الأغنية الملتزمة" و"الأغنية السياسية" في لبنان. كذلك، احتضن موسيقيين انشغلوا بالتجريب والبحث، ساعِين إلى توسيع حدود اللغة الموسيقية السائدة واستكشاف إمكانيات صوتٍ وتأليفٍ جديدة. غير أنّ المشهد الموسيقيّ الذي تشكّل حول "باي باس" لم يكن الوحيد في تلك المرحلة. كان هناك ما يحدث على مقربةٍ منه، وبالتزامن معه، بل وقبله أيضاً.

في شارع بليس في الحمرا حيث تقع الجامعة الأمريكية في بيروت، تكوّنت تجارب موسيقيةٌ مغامِرةٌ لأصواتٍ تنشد مساراتٍ فنيةً معاصرةً تتجاوب مع ما كان سائداً وقتئذٍ من أنماطٍ موسيقيةٍ وغنائية. تنوّعت تلك الأصوات بين فرقٍ موسيقيةٍ وتجارب فردية. بعضها اتخذ الموسيقى مساراً لحياته، وبعضها مرّت الموسيقى في حياته هوايةً عابرة. على سبيل المثال، يظهر في المشهد الأخير من فيلم المخرج اللبناني الراحل مارون بغدادي، "همسات" سنة 1980، شبانٌ وشاباتٌ في الجامعة الأمريكية يفترشون الأرض متفرجين على أصدقائهم من فرقٍ موسيقيةٍ وهم يعزفون على المسرح ويغنّون.

تقرأ الشاعرة اللبنانية ناديا تويني، التي تظهر في الفيلم وتقدّمه، هذا المشهد وتَعُدّه ومضة أملٍ وسط الحرب الأهلية اللبنانية التي استعرت بين سنتَي 1975 و1990. وقد يذكّر هذا المشهد المتفرّج بمهرجان "وودستوك" الذي أقيم في الولايات المتحدة سنة 1969، ويُعدّ من المحطات المفصلية في تاريخ الموسيقى المعاصرة. فالموسيقى المعزوفة في "همسات" غربية الطابع، تتراوح بين الروك والفولك، فيما كان الغناء باللغة الإنجليزية.

يعكس هذا المشهد صورة بيروت متعددة الثقافات المنفتحة على العالم، والتي كانت آنذاك فضاءً مفتوحاً على الحداثة ومواكبةً لها من بابها العريض، رغم الويلات والدمار. كذلك، يضيء على حالةٍ فنيةٍ كانت حاضرةً بزخمٍ في الجامعة الأمريكية في بيروت. هذا المشهد "الزاخر بالأمل" — بتعبير ناديا التويني — في فيلم "همسات"، لم يكن وليد تلك اللحظة أو محصوراً بها. كانت الجامعة نفسها تشهد تجارب موسيقيةٍ ممتدةً منذ سنوات. ومع تراكم هذه التجارب وتنوّعها، برزت في أواخر السبعينيات تجربةٌ لافتةٌ حملت اسم "رونغ أبروتش".

كان عبود السعدي طالب هندسة كهربائية في الجامعة الأمريكية ببيروت، انتقل إليها بعدما كان يدرس العلوم في جامعة هايغازيان، وكان يعزف على آلتَي البيس والغيتار معاً. أسّس السعدي، وفق ما يقول في مقابلة مع الفراتس، مع مجموعةٍ من الأصدقاء فرقةً موسيقيةً انشغلت بتأليف أعمالها الخاصة، على خلاف كثيرٍ من الفرق التي كانت تكتفي بإعادة عزف أغنياتٍ جاهزة.

يحمل اسم "رونغ أبروتش" دلالةً مباشرةً على طبيعة تجربتها. فلو عُرّب الاسم سيكون معناه "مقاربة خاطئة"، ويمكن فهمه أيضاً بمعنى "مسار غير مستقيم". نحن أمام تجربةٍ تشذّ منذ تسميتها عن المألوف والسائد، وتشقّ مسارها الخاص، ولو كان وعراً. تجربةٌ موسيقيةٌ انشغل أصحابها بعزف موسيقى الروك باستمرار على مسارح الجامعة الأمريكية في بيروت، وأتاحت لموهبة السعدي الظهور داخل هذا السياق ووضعه في دائرة اهتمام المشهد الموسيقيّ البيروتيّ.

في تلك الأثناء، كان زياد الرحباني يبحث عن مواهبَ شابة. سبق له أن تعرّف إلى برنار كرم، مهندسُ صوتٍ قادم من بريطانيا، في إحدى حانات بيروت حيث كان يعزف، وفق ما يُخبر كرم الفراتس. وكان الرحباني، القادم إلى "بيروت الغربية" — كما فرضت الحرب تسمياتها آنذاك — قد أنجز أسطوانة "أبو علي" سنة 1979. ضمّت الأسطوانة قطعتَين موسيقيتَين سُجّلتا في اليونان، واشترك في إنتاجها مع الموسيقيّ والمنتج خاتشيك ماريدينيان، المعروف بِاسم شيكو.

كان زياد الرحباني منخرطاً في تطوير مشروعه الموسيقيّ، ويبحث عن عازفين يمكن الاعتماد عليهم داخل بيروت كي لا يحتاج للسفر للعمل مع عازفين أجانب. وفي إحدى المرات، اصطحب عازف الدرامز وليد طويل، الذي جمعته صداقةٌ بكلٍّ من عبود السعدي وزياد الرحباني، الأخير إلى إحدى حفلات فرقة رونغ أبروتش في الجامعة الأمريكية ببيروت. هناك تعرّف الرحباني إلى عبود السعدي في لقاءٍ سيقوده إلى دائرةٍ أوسع من العازفين والمغنّين الذين ظهروا لاحقاً في فيلم "هدوء نسبي"، وأُطلق عليهم اسم "الأصدقاء". ومن ذلك اللقاء بدأت تتشكل نواةُ تجربةٍ موسيقيةٍ ستترك أثرها في مسار التجريب الموسيقيّ اللبنانيّ، وسيكون عبود السعدي في صلبها.


وُلد عبود السعدي في البحرين في 21 ديسمبر 1953، قبل أن ينتقل بعد سنواتٍ قليلةٍ مع والديه وشقيقه الأصغر إلى لبنان، حيث استقرّت العائلة في منطقة مار الياس في بيروت، بحسب ما يُخبر الفراتس في مقابلةٍ معه. عندما بلغ السابعة عشرة من عمره، وقع عليه الاختيار ليكون عازف بيس في فرقةٍ موسيقيةٍ أسّسها أصدقاؤه في الشارع الذي كانوا يقطنون فيه. كانت الفرقة بحاجةٍ إلى عازف بيس، ولم يكن عبود بعيداً عن الموسيقى. فقد تعلّم أساسيات الغيتار الكهربائي والإسباني على يد أستاذه سهيل تلحوق، قبل أن يتولى بنفسه استكمال تعلّمه الموسيقيّ، من خلال القراءة ومتابعة التمارين التي صقلت موهبته ورسّخت علاقته بالآلة.

كانت الصدفة التي قادته إلى آلة البيس كفيلةً بتغيير مسار حياته. مع ذلك، لم تنقطع صلته بالغيتار. فقد واصل العزف عليه، وسجّل مقطوعاتٍ وأغاني اتّسمت بقدرٍ من التعقيد التقني. غير أنّ "المايسترو"، كما يلقّبه صديقه المقرّب عازف الغيتار سامي شبشب في حديثٍ مع الفراتس، نجح في تحرير آلة البيس من دورها التقليدي، وجعلها قادرةً على التأليف والابتكار بعيداً عن كونها مجرّد آلةٍ إيقاعيةٍ مساندة.

تخرّج عبود السعدي من الجامعة الأمريكية في بيروت مهندساً كهربائياً، ولم يعمل في الهندسة يوماً. تعامل مع الموسيقى بعقل مهندس، يبنيها ويشيّد طبقاتها ويضبط تفاصيلها كما لو أنه يرسم مخططاً كهربائياً للصوت على أوتار البيس الكهربائي. درّس فترةً وجيزةً مادة العلوم في إحدى ثانويات بيروت، لكنه سرعان ما ترك هذه المهنة.

منذ مراهقته، استهوته موسيقى الروك والهارد روك، بل سحرته، كما يقول. وظلّ يصغي إلى هذا النمط الموسيقيّ بشغفٍ ويعيد اكتشافه باستمرار. ومع مرور الوقت واتساع أفقه الموسيقيّ، أخذت ذائقته تتشعّب وتزداد تنوعاً. فدخلت إلى عالمه أنماطٌ موسيقيةٌ أخرى، مثل الفانك القائمة على الباس والإيقاع، والفيوجن التي تمزج بين الجاز وأنماطٍ أخرى، وكذلك البوب. استقرّت جميع هذه الأنماط لاحقاً في تجريبه الموسيقيّ الخاص، فتجاورت وتحاورت وتحوّلت إلى لغةٍ شخصيةٍ يصعب ردّها إلى منبعٍ واحدٍ أو مدرسةٍ بعينها.

تصف المغنية اللبنانية مونيكا العسلي، التي رافقت عبود السعدي في مرحلةٍ من مشواره الفني في الثمانينيات، موسيقاه بأنها موسيقى "سِنكوب"، في إشارةٍ إلى الانزياح الإيقاعيّ الذي يميّز كثيراً من أعماله. وفق حديثها إلى الفراتس، تقول مونيكا "هناك كسرٌ مقصودٌ لانتظام الإيقاع، وانحرافٌ عن المسار المتوّقع". موسيقاه فيها تموُّجٌ، لا تسير في خطٍ مستقيمٍ بقدر ما تتقدّم عبر تموّجاتٍ متعاقبة، صعوداً وهبوطاً على السلّم الموسيقي. فيما تتعاقب الجمل الطويلة والقصيرة، فتبدو وكأنها تراوغ المستمع باستمرار، رافضةً الاستقرار في وجهةٍ محسومة.

ومونيكا العسلي، التي تدرّس الموسيقى اليوم في إحدى جامعات كندا حيث تقيم، لا تتردد في وصف عبود السعدي بالمؤلف الموسيقي وليس العازف فحسب. وحين تتحدث عنه، تعود إلى سنوات فرقة "الفورس" في بداية الثمانينيات وإلى التجربة التي جمعتهما لاحقاً بزياد الرحباني، وهما محطتان أساسان في مسارٍ موسيقيٍّ ترك أثراً يتجاوز ما بقي منه في التسجيلات والأرشيف.

قبل أن تُعرَف بصوتها الشجيّ في "خلص"، الأغنية التي حوّلت الحب إلى موضوعٍ للرثاء لا الغناء، كانت مونيكا العسلي قد تعرّفت إلى عبود السعدي في إحدى السهرات التي كان يحييها إلى جانب زياد الرحباني في فندق "كافالييه" البيروتي. كانت مونيكا رفقةَ صديقةٍ مشتركةٍ بينها وبين السعدي، وحين أخبرته تلك الصديقة بأن مونيكا تغني، بدأت بينهما صداقةٌ متينةٌ وعلاقةٌ فنيةٌ امتدت نحو ستّة أعوام.

حدث ذلك في مطلع الثمانينيات، حين كان السعدي منهمكاً في العمل على أسطوانته الأولى "غايمز" سنة 1983. على غلاف الأسطوانة يظهر اسما عبود السعدي وسمير رفراف، فيما ترد في الداخل جملةٌ قصيرةٌ لكنها ذات دلالة: "الأغاني والموسيقى تأليف وكتابة عبود السعدي، باستثناء قطعةٍ واحدةٍ 'شاين ذو لايت' كتبها مع طوني صفير". كانت تلك العبارة إعلاناً مبكراً عن موسيقيٍّ يسعى إلى تعريف نفسه بما يؤلفه ويكتبه بقدر ما يُعرَّف بما يعزفه. سُجِّلت الأسطوانة في "باي باس"، استوديو زياد الرحباني الذي لعب دور مهندس الصوت بالاشتراك مع برنار كرم. يثني سامي شبشب، عازف الغيتار وصديق السعدي المقرّب، على إدراج اسم سمير رفراف — عازف الدرامز والمغني في "غايمز" — معتبراً أن في ذلك دلالةً على مناقبية السعدي ووفائه لأصدقائه. تعود صداقة شبشب والسعدي إلى أواخر السبعينيات، يوم كان عبود لا يزال يقيم الحفلات مع فرقة "رونغ أبروتش".

جاء "غايمز" خطوةً أولى في مشروعٍ موسيقيٍّ أخذ يتبلور تدريجياً، مستنداً إلى الروك والفيوجن، وساعياً إلى بناء لغةٍ خاصةٍ تختلف عن كثيرٍ من الاتجاهات السائدة في المشهد اللبناني آنذاك، بما في ذلك تلك المرتبطة بالأغنية السياسية أو الأغنية الملتزمة. وفي مقابلةٍ إذاعيةٍ أُجريت معه عقب صدور الأسطوانة، سُئل السعدي عن فرقة "رونغ أبروتش" بعد بثّ أغنية "ذيرز إي تشانس" من "غايمز". أجاب أنّ أعضاء الفرقة مضوا كلٌّ في طريقه، وأنه بدوره كان يعمل على مشروعٍ جديدٍ لا يزال طور التشكّل. لم يكن الاسم قد ترسّخ بعد، لكن المشروع الذي كان يتحدث عنه ظهر بعد فترةٍ قصيرةٍ تحت اسم "فرقة فورس".


بعد الاجتياح الإسرائيلي بيروتَ سنة 1982، صدرت أسطوانة فرقة فورس الأولى، بعنوان "فورسد" سنة 1983. وعادت الفرقة، التي اشتغلت على موسيقى الروك، بعد أعوامٍ لتصدر أسطوانتها الثانية "ري إينفورسد" سنة 1991. وقف عبود السعدي وراء المشروع بصفته المؤلف الرئيس للفرقة، فجاءت جميع أغنياتها ومقطوعاتها من كتابته وتلحينه، وكانت بالإنجليزية. وإذا كان اسم سمير رفراف قد ظهر شريكاً على غلاف "غايمز"، فإنه يتراجع هنا إلى دور المغنّي الخلفيّ. في المقابل، يحضر اسم عازف الساكسوفون توفيق فروخ، الذي كان قد شارك أيضاً في "غايمز". 

وفي "فورسد"، تظهر أسماءٌ أخرى غير تلك التي حضرت في "غايمز"، مثل إميل بستاني على الدرامز بدلاً من سمير رفراف، ووليد إتّيم على الغيتار بدلاً من بول ديواني، إلى جانب مونيكا العسلي وستيفاني ستيفانو وآخرين. كذلك، شارك زياد الرحباني في العزف على آلة الكيبورد. لا تكمن أهمية هذه الأسماء في مشاركتها ضمن تجربة فرقة فورس فحسب، بل في كون معظم أصحابها عبروا لاحقاً إلى المشروع الموسيقيّ الذي قاده زياد الرحباني وبلغ إحدى ذراه في "هدوء نسبي".

كانت بيروت الثمانينيات تعيش تناقضاً يكاد يبدو مستحيلاً. يورد الكاتب والناقد عبيدو باشا في كتابه "موت مدير مسرح: ذاكرة الأغنية السياسية" الصادر سنة 2005 وصفاً لملامح المدينة في تلك المرحلة ولاسيما بعد الاجتياح الإسرائيلي واتفاق 17 أيار الأمني بين لبنان وإسرائيل سنة 1983. وفق باشا، كانت مدينةً مثخنةً بالحصار والحرب والخراب، فيما حاول من بقي فيها أن ينتج ويبتكر ويملأ الفراغ الذي خلّفه الرحيل والانهيار. في هذا السياق، بدت بيروت عاصمة التناقضات: مدينة خرجت لتوّها من اجتياحٍ وحصارٍ، لكنها ظلّت في الوقت نفسه ورشةً مفتوحةً للتجريب والإبداع. وإذا كانت بيروت، بحسب عبارة الشاعر الفلسطيني محمود درويش، "خيمة" المقاومين، فإن استوديو باي باس كان بالنسبة إلى هؤلاء الموسيقيين مختبراً للمغامرة الفنية تُصاغ فيه أصواتٌ جديدةٌ وسط ضجيج الحرب. غير أنّ عدد هؤلاء لم يكن كبيراً. فالحرب لم تدمّر الأبنية والشوارع فقط، بل بعثرت الوسط الفني أيضاً. هاجر كثيرٌ من الموسيقيين والفنانين، وانقطعت تجارب أو تفرّقت في المنافي، لتبدو الحلقة الصغيرة التي تجمّعت حول "باي باس" استثناءً نادراً: شلّةٌ من العازفين والمؤلفين أصرّوا على مواصلة البحث والتجريب في مدينةٍ كانت تتداعى من حولهم.

ترك كثيرٌ من الموسيقيين والفنانين لبنان بحثاً عن أفقٍ آخر أو نجاةٍ شخصيةٍ، ومن بينهم مثلاً المغني وصديق زياد الرحباني جوزيف صقر. منير الخولي، أحد مؤسّسي ما يُعرف بالموسيقى البديلة في لبنان، كان واحداً من هؤلاء أيضاً. عقب الاجتياح الإسرائيلي، دفعت عائلته به إلى مغادرة لبنان. حمل عازف الغيتار والمنتج الموسيقيّ حقائبه ورحل إلى الولايات المتحدة، حيث أمضى نحو عشرة أعوامٍ قبل أن يعود إلى بيروت مع انتهاء الحرب الأهلية.

في ظلّ هذا الوضع، يثير الاستماع إلى أسطوانة "فورسد" إحساساً بالمفارقة. يصعب تصوّر أنّ هذا العمل صدر في بيروت الثمانينيات، في مدينةٍ كانت تعيش الحرب ووطأة الاجتياح. يختلف "فورسد" عن "غايمز" في نبرته الأكثر خشونةً، وفي الحضور الطاغي لسولو الغيتار الحاد الذي قاده وليد إتّيم. لكن ما يجمع العملَين، بحسب حديث منير الخولي للفراتس، هو ذلك البناء الموسيقيّ المُحكَم الذي وضعه السعدي.

لا يجد الخولي مبالغةً في وصف ما أنجزته "فورس" بالعمل "العالمي". يتوقف عند ما يراه قدرةً استثنائيةً لدى عبود السعدي في التوزيع والبناء الموسيقيّ، واصفاً إياه "موسيقيّ صلب وموهوب قادر على ترويض التعقيد". بالنسبة إلى الخولي، لم تكن قوة السعدي في مهارته التقنية فحسب، بل في قدرته على تحويل الأفكار الموسيقية المركّبة إلى أعمالٍ متماسكةٍ ومقنعة. ويذهب أبعد من ذلك حين يقول: "لو نُشرت أعمال فورس في إنكلترا مثلاً، لكانت أخذت حقها". ويضيف: "في التوزيع الموسيقي والهارموني الملازمة لموسيقاه، تتجلّى موهبة مؤلفٍ كان يفكر بالموسيقى كمعمارٍ كامل، ويشتغل على تفاصيلها بدقة. هذا ما جعل من 'فورسد' محطةً متقدمةً في مشروعه الفني، لا مجرد أسطوانةٍ ثانيةٍ في مسيرته".

أما أسطوانةُ فرقة "فورس" الثانيةُ التي صدرت سنة 1991 تحت عنوان "ري إنفورسد"، بعد ثماني سنوات على العمل الأول، فأظهرت جانباً جديداً من تطوّر مشروع السعدي الموسيقي. صحيح أن الروك ظلّ الإطار العام الذي تتحرك داخله الفرقة، إلا أنّ تأثيرات الفانك والفيوجن بدت هنا أكثر وضوحاً ونضجاً. ضمّت الأسطوانة مقطوعة "تو فلورز داون" التي اختارها زياد الرحباني لتظهر في فيلمه "موسيقى على قيد الحياة من بيروت". وهي المقطوعة نفسها التي تعرّف منها كثيرون إلى اسم عبود السعدي للمرة الأولى مؤلفاً موسيقياً، لا مجرد عازف بيس.

شهد "ري إنفورسد" حضور اسمٍ جديدٍ سيصبح أساساً في عالم السعدي الموسيقيّ، هو عازف الكيبورد هاني سبليني. لم يكن سبليني مجرّد عازفٍ مرافقٍ، بل شريكاً فعلياً في بلورة الأعمال وتحويل الأفكار الموسيقية إلى بنىً صوتيةٍ مكتملة. ولا يزال هاني السبليني لغاية اليوم "المبرمج"، ذلك الذي يعمل إلى جانب السعدي موزِّعاً ومطوِّراً ومشاركاً في صوغ التفاصيل التقنية التي كانت تتطلبها موسيقى السعدي المركّبة والطموحة.

تناولت مقالة يتيمة فرقة "فورس"، كتبها الكاتب والناقد عبيدو باشا سنة 1986 في جريدة السفير، بعنوان "الفورس للتعبير عن عنف الأكثرية اللبنانية الصامتة: عبود السعدي نحو روك أورينتال". تبدو هذه المادة اليوم أشبه بوثيقةٍ أرشيفيةٍ نادرةٍ، شأنها شأن تسجيلات "فورس" التي بقيت متداولةً على نطاقٍ ضيّقٍ بين من احتفظوا بنسخها عبر السنين. يعرِّف باشا بالفرقة وأعضائها، ويتوقف عند الموسيقيين الذين كانوا يدورون في فلكها ويشاركونها العزف من دون أن يكونوا أعضاءً ثابتين فيها، ومن بينهم سامي شبشب، قبل أن ينتقل إلى محاورة عبود السعدي نفسه.

في الحوار، يسأل باشا عن اللغة الإنجليزية في أغنيات فرقة "فورس"، وما إذا كانت تشكّل عائقاً أمام الوصول إلى جمهورٍ أوسع. كذلك، يتوقّف عند طبيعة موسيقى الروك والمسافة التي تفصلها عن الموسيقى العربية. يعترف السعدي يومها بأنّه ليس ضليعاً في الموسيقى الشرقية، مع أنه لحّن ووزّع أغاني عربية، لأن تكوينه الموسيقيّ الأساسيّ جاء من خلفيةٍ غربيةٍ ومعرفةٍ عميقةٍ بالروك وتفرّعاته.

غير أنّ أكثر ما استوقف باشا كان محاولة السعدي دفع الروك نحو أفقٍ شرقيّ. فقد بدا له أنّ المشروع محاولةٌ لتطويع النوع لا استنساخه، وإعادة صياغته ضمن حساسيةٍ محلية. وكان السعدي يتحدث آنذاك عن "الرُّبع نوتة" ورغبته في المضيّ أبعد في هذا الاتجاه، أي نحو ما يمكن تسميته "تشريق الروك" أو "روك شرقي"، على غرار محاولة زياد الرحباني يومها في ما أسماه "جاز شرقي". هذا أثرٌ غير خفيٍّ تركه زياد الرحباني على أصدقائه.

انتهى مشروع فرقة "فورس" في أوائل التسعينيات وحُلَّت الفرقة. في إحدى المقابلات النادرة مع عازف الغيتار وليد إتّيم في أواخر الثمانينيات، يروي جانباً من صعوبة إنتاج الموسيقى في لبنان آنذاك. يتحدث بصوتٍ يشي بثقل التجربة، ويستحضر في كلامه يوميات الحرب والقتل العشوائي والخطف والتنقّل القسريّ وغياب العازفين الذين تركوا لبنان. ومن خلال نبرة حديثه، يتبدّى ما يشبه رثاءً مبكراً لتجربة "فورس" نفسها. وكأنها كانت تختنق تدريجياً تحت وطأة الظروف، تماماً كما كانت كثيرٌ من التجارب الموسيقية في لبنان الثمانينيات أقرب إلى حلمٍ مؤجّلٍ منه إلى مشروعٍ قابلٍ للاكتمال.

لكن أهمية تجربة عبود السعدي لا تقتصر على ما أنجزه ضمن فرقة "فورس" أو في أعماله الخاصة. فمع اتساع شبكة الموسيقيين الذين عملوا معه أو مرّوا عبر مشاريعه، أخذ حضوره يتجاوز حدود نتاجه الشخصيّ ليصبح جزءاً من تاريخٍ أوسع للتجريب الموسيقيّ في بيروت خلال الثمانينيات. ومن هنا تبرز مسألة العلاقة التي جمعته بزياد الرحباني، والتي تفتح الباب أمام سؤالٍ أوسع عن تبادل التأثير بين موسيقيَّين عَمِلا في الفضاء نفسه وأَسهَما كلٌّ بطريقته في صياغة ملامح مرحلةٍ موسيقيةٍ كاملة.


يدلي سامي شبشب في حديثه للفراتس بجملةٍ لافتةٍ تختصر الكثير مما بقي خارج السردية الشائعة، إذ يقول: "لا يمكن للمرء أن يتخيّل مدى تأثير عبود السعدي على زياد الرحباني". ليس شبشب وحده من يذهب في هذا الاتجاه. مونيكا العسلي ومنير الخولي يوافقان على هذا الرأي ويتكلمان عن تجربة موسيقيٍّ كان يطوّر مشروعه الخاص بالتوازي مع مشاركته العزف في مشروع زياد. ويوافق أيضاً هاني سبليني على هذا التصوّر للعلاقة بين الرجلَين ويقول "أثّر عبود السعدي في زياد الرحباني بقدر ما تأثّر به"، وهي حقيقةٌ لا يراها سرّاً أو اكتشافاً متأخراً، بل أمراً "كان الرحباني نفسه يقرّ به". أما عبيدو باشا، فيرى في حديثه للفراتس أنّ "موسيقيين من طراز عبود السعدي أدّوا دوراً حاسماً في دفع المشروع الموسيقيّ لزياد الرحباني إلى الأمام".

ولا يُفهَم التأثير هنا تقليداً أو استنساخاً، بل تفاعلاً بين تجارب موسيقيةٍ متجاورةٍ، ونوعاً من التداخل الخلّاق في الحسّ الموسيقيّ ومسارات الاشتغال عليه. في أحد حواراته على قناة "إن بي إن" اللبنانية، يتحدّث زياد الرحباني عن حاجته إلى عازفين وأصدقاء لكي ينتج الموسيقى، في إشارةٍ إلى طبيعة العمل الجماعيّ التي ميّزت جانباً من تجربته.

ضمن هذا الأفق، يمكن تتبع حضور عبود السعدي في أكثر من مستوى. لعلّ أوّله يتمثل في تشكيله حافزاً على اختبار مساحاتٍ صوتيةٍ جديدةٍ من دون التردد في وسمها بالغربية، أي من دون الخضوع لقلق التصنيفات الجاهزة. وثانياً، عند إعادة قراءة أسماء الموسيقيين المشاركين في "هدوء نسبي" — مثل مونيكا العسلي وستيفاني ستيفانو وسمير رفراف وسامي شبشب — يتبيّن أن عدداً غير قليلٍ منهم ينتمي إلى الدائرة التي تشكّلت حول السعدي في "غايمز" و"فورس"، أو مرّ عبرها قبل أن يستقرّ في فضاء مشروع زياد الرحباني. والأهم من ذلك أنّ آلة البيس تحتلّ موقعاً أساساً في البناء الموسيقيّ لدى الرحباني، وهي الآلة التي ارتبط اسم السعدي بها خلال تلك المرحلة. وهو ما يتوقف عنده سامي شبشب، مستعيداً مقطوعةً غير صادرةٍ، ظهرت حصراً في وثائقي "هدوء نسبي" بعنوان "فور بيس أونلي". وهي تقوم على حوارٍ بين العود الذي يعزفه الفنان اللبناني مارسيل خليفة، والبيس الذي يعزفه عبود السعدي. ويشير شبشب إلى أن زياد الرحباني كتب هذه القطعة خصيصاً للسعدي، وكان يقدّمها له بمثابة تحيةٍ شخصيةٍ كلما عزفها في حفلاته. كذلك، يمكن النظر إلى إدراج مقطوعة السعدي "تو فلورز داون" في فيلم "موسيقى على قيد الحياة من بيروت"، أو إلى تلحينه أغنية "شو بشكي أنا" من كلمات جوزيف حرب (ضمن أسطوانة "شريط غير حدودي") مثالَين على التعاونين المهني والفني الذي جمع الرجلَين في تلك المرحلة.

إلى جانب ذلك، أسهم السعدي في تطوير البنية التقنية لاستوديو زياد الرحباني باي باس. فقد أمّن مبلغاً مالياً من والده مكّنه من شراء جهاز تسجيلٍ صوتيٍّ يتيح العمل على ثماني قنواتٍ بدلاً من أربعٍ، ما وفّر إمكاناتٍ تقنيةٍ أوسع للاستديو، مقارنةً بما كان متاحاً سابقاً.

وإذا كانت العلاقة بين عبود السعدي وزياد الرحباني قد قامت على تبادل التأثير والتجاور الموسيقيّ، فإن ثمة تشابهاً آخر يجمع بين مسارَيهما. فمع مرور الوقت، أخذ كلٌّ منهما يبتعد عن بعض التسميات التي حاولت في مرحلةٍ مبكرةٍ توصيف مشروعه الموسيقيّ. تراجع الرحباني عن عبارة "الجاز الشرقي"، فيما بدا السعدي أقلّ حماسةً لمصطلح "الروك الشرقي"، كما بدا في مقابلته مع عبيدو باشا. غير أنّ هذا التراجع لم يكن عن التجريب نفسه، بل ربما عن محاولة اختزاله في تسميةٍ واحدة.


تنوّعت أنشطة عبود السعدي خلال الثمانينيات. بدا أنه أنجز في عقدٍ واحدٍ ما يُنجَز عادةً في عقود. حفلاتٌ موسيقيةٌ، وتعاوناتٌ مع فنانين آخرين، وتسجيل أسطواناتٍ، وتأليف أعمالٍ جديدةٍ، في مشهدٍ كثيف الحركة رغم هشاشة الظروف. يروي مقرّبون من السعدي أنه كان يقضي معظم وقته داخل استوديو باي باس، لا يغادره تقريباً إلا لإحياء حفلاتٍ موسيقية. كان  منشغلاً بتأليف الموسيقى وتسجيلها وبتوزيع الألحان لموسيقيين آخرين، لاسيما أولئك الذين ارتبطوا بالأغنية السياسية أو "الأغنية الملتزمة"، مثل مارسيل خليفة، في ما يشبه ورشة عملٍ مفتوحةً أكثر منها مشروعاً فردياً مغلقاً.

وزّع عبود السعدي ألحاناً لكلٍّ من الفنانين خالد الهبر وأحمد قعبور وسامي حوّاط، وتولّى توزيع أسطوانة الفنان مخول قاصوف "مثقفون نون"، ولحّن أسطوانة "لعيونك" للمغنّي يحيى الدادا. وفي سنة 1986، أصدر منير الخولي شريطاً، ووزّعه على أصدقائه. وصل الشريط إلى صديقه عازف الغيتار وليد إتّيم، وأُعجب به على الفور. ويُعدّ الخولي من بين الموسيقيين الذين سعوا مبكراً إلى بلورة أغنية روك عربيةٍ، نصوصها مباشرةٌ وحادّةٌ، تحمل نقداً صريحاً للأوضاع المعيشية والاجتماعية. ولعب إتّيم دور الوسيط في دفع هذه التجربة إلى الأمام، إذ شجّع الخولي على تطوير مشروعه ونصحه بالتعرّف إلى عبود السعدي ليوزّع أعماله. وهو ما حدث فعلاً. ومن هذا التعاون وُلدت أسطوانة "هيك رح نشتغل" سنة 1986.

مرحلةٌ جديدةٌ ستبدأ في التسعينيات. لم يعد هناك فسحةٌ للعمل على الموسيقى بقدر ما أخذت الأغنية المساحة الكاملة. وفي خضم ذلك، امتدّ حضور السعدي في التوزيع الموسيقيّ إلى أسماءٍ أخرى غير تلك التي راجت في الثمانينات، من بينها المغنّين وجدي شيّا وشربل روحانا وجوليا بطرس، ولحّن أعمالاً للمغنية أميمة الخليل. هذا كلّه يندرج ضمن سياقٍ "عربيٍّ" أو "شرقيٍّ" بمعنى الكلمة التداوليّ. أما الموسيقى الغربية، فعزفها على انفرادٍ، وألّفها بهدوء. ففي سنة 1986، تسلّم عبود السعدي إدارة حانةٍ افتُتحت في "بيروت الغربية"، في شارع المكحول القريب من الجامعة الأمريكية في بيروت. حملت الحانة اسم "بلو نوت كافيه"، وظلّ يديرها حتى مطلع الألفية الجديدة. ارتبط المكان بالنشاط الموسيقيّ الحيّ، وشكّل مساحةً فريدةً التقى فيها موسيقيون وعازفون من أجيالٍ مختلفة. وإلى جانب استضافته لمواهبَ جديدةٍ، كان السعدي يشارك بنفسه في العزف إلى جانب أصدقائه وزملائه.

ومع انتقال المشهد الموسيقيّ اللبنانيّ إلى مرحلةٍ جديدةٍ بعد الحرب، تراجع حضور السعدي على المسارح الكبرى، فيما باتت مشاركاته العلنية تتركّز بصورةٍ أكبر على العروض الحيّة داخل الحانات والمساحات الموسيقية الأصغر، أو ضمن فرق موسيقيين آخرين.

وفي سنة 2000، أنجزت قناة الجزيرة وثائقياً موسّعاً عن الحرب الأهلية اللبنانية، وأسندت الموسيقى التصويرية فيه إلى عبود السعدي وهاني سبليني. وقد مثّل هذا العمل محطةً إضافيةً في مسارهما المشترك، ونقطة التقاءٍ بين خبرةٍ موسيقيةٍ تشكّلت خلال سنوات الحرب وبين عملٍ وثائقيٍّ يتناول المرحلة نفسها.


في منطقة المنصورية قضاء المتن شرقي بيروت، بعيداً عن المدينة التي عرفته وعرفها جيّداً، يسكن عبود السعدي بهدوءٍ اليوم مع زوجته، في مكانٍ يبدو أنه اختار أن يبتعد فيه عن ضجيج بيروت الذي رافق مسيرته طويلاً.

عند الدخول إلى المنزل، تستوقف الزائرَ صورةٌ له بالأبيض والأسود في شبابه وهو يعزف آلة البيس. تبدو الصورة أكثرَ من مجرّد تفصيلٍ تزيينيٍّ معلَّقٍ على الجدار، بل أشبه بمدخلٍ فعليٍّ إلى عالمه. يستقبل السعدي ضيوفه ببساطةٍ وبلا تكلّفٍ، ويبدو أكثر هدوءاً مما تخيّلته. لا شيء في حضوره يوحي بالانقطاع مع ماضيه، بل على العكس. ثمة استمراريةٌ ناعمةٌ بين ما كانَهُ وما هو عليه الآن: الشغف بالموسيقى، والذاكرة القوية لمرحلةٍ فتحت أبواب الموسيقى اللبنانية على المُعاصرَة والتحديث.

شخصيةٌ رصينةٌ تمشي على حافة الذائقة والتهذيب معاً. هادئٌ ودمثٌ ودقيقٌ في اختيار كلماته، يوزّع الجُمل كما يوزِّع الأصوات. أدقّ ما يمكن قوله عنه هو وصف سامي شبشب له: "خواجة". ينشغل عبود السعدي حالياً بالتحضير لأسطوانةٍ جديدةٍ تسجَّل في استوديو هاني سبليني، الذي يشارك فيه أيضاً مبرمجاً موسيقياً ومنتجاً منفّذاً. لا يُخفي السعدي شيئاً من تعبٍ راكمته سنوات العمل مع الفرق الموسيقية. ثمة ميلٌ متزايد لديه إلى الانفراد بالمشروع، وإلى استعادة شكلٍ من العمل أكثر هدوءاً وحريةً يتيح له التفرّغ الكامل لموسيقاه كما يتصوّرها هو. يقول إنه يريد العودة إلى ما أحبّه منذ شبابه ومراهقته: الموسيقى فضاءً خالصاً للتأليف. بغض النظر عن الاشتغال على التوزيع والتلحين وحتى العزف، هو يميل إلى التأليف الموسيقيّ، جوهر التجربة. ورغم أنه كتب كلمات عددٍ كبيرٍ من الأغنيات، فإنه لا يميل كثيراً إلى الحديث عن الكتابة نفسها. وحين يُسأل عنها، يكتفي بالقول إن ما يُكتب ليس سوى ما يشعر به، بلا حاجة إلى تنظيرٍ أو تعريف.

يصرّ على أنّه ابن موسيقى الروك والهارد روك. ويذكر أسماءً تركت أثراً واضحاً في تكوينه الموسيقيّ، من بينها فرقتا ستيلي دان وويذر ريبورت الأمريكيتين، وأسطوانة "دارك سايد أوف ذو موون" لفرقة "بينك فلويد" إلى جانب زياد الرحباني. ولا تزال أسماءٌ كثيرةٌ من مراحل سابقةٍ حاضرةً في ذاكرته. يتحدّث عن "رونغ أبروتش"، ويستعيد أسماء الموسيقيين الذين شاركهم العزف على امتداد حياته. وكأن تلك البدايات لم تغادره، بل بقيت حاضرةً في طبقةٍ خفيةٍ من ذاكرته الموسيقية.

يعترف بأنه منح الموسيقى معظم حياته. ويقول: "الحياة تمضي بسرعة، وعلى الفرد منّا أن يجد لنفسه هوايةً أو موضوع اهتمام. أنا كرّست حياتي لأمرٍ واحدٍ فحسب: الموسيقى. ربما كان عليّ أن أجد شيئاً آخر". لا يبدو كلامه تعبيراً عن ندمٍ بقدر ما هو تأملٌ متأخرٌ في مسارٍ طويلٍ أمضاه بين الاستماع والعزف والتأليف. وحين يحاكم تجربته اليوم — إن جاز التعبير — يرى أنه أمضى حياته داخل الموسيقى، لا خارجها. وهو فخورٌ بما قدّم، ويقول: "لدي الكثير من الأعمال غير المنشورة".

وعبود السعدي يفضّل الموسيقى على الكلام. هكذا، ما إن يخيّم الصمت لدقيقةٍ، حتى يتناول هاتفه ويبدأ بإسماعي مقاطع من "غايمز" و"فورسد" إلى جانب تسجيلاتٍ أحدث أَنجزَها مع موسيقيّين يشاركونه العزف في الحانات والسهرات. وعند سؤاله عن مصير هذا الأرشيف، فلا يقدّم جواباً وافياً. غير أنّ شركة الإنتاج "حبيبي فانك"، التي تنشر أعمال موسيقيّين مغمورين ومعروفين، اشترت منه حقوق عددٍ من الأعمال غير المنشورة، بينها أغنيتان من "غايمز" وأغنيتان من "فورسد"، تمهيداً لإصدارها ضمن أسطوانةٍ جديدة.

ويعيد هذا الأرشيف غير المنشور طرح أسئلةٍ أوسع تتعلق بذاكرة مرحلةٍ كاملةٍ من تاريخ الموسيقى اللبنانية، وأرشيفٍ لا يزال غير مُعلَنٍ بما يكفي. فإلى جانب أعمال عبود السعدي، لا تزال تسجيلاتٌ وتجارب عديدةٌ من ثمانينيات القرن الماضي مبعثرةً أو غير موثقةٍ كفاية. بما فيها أعمال وتجارب موسيقيّين مبدعين، مثل عازف الفلوت بسام سابا، وعازف الترمبون والعود ميشال أسعد، وعازف الترمبيت إيلي منسى. يعزو عبيدو باشا هذا القصور إلى طابع الثقافة الشفهيّ وإلى ضعف التوثيق المكتوب، في ما يشكّل برأيه خطيئةً كبرى في حق الذاكرة الجماعية.

اشترك في نشرتنا البريدية