تحوَّلت تلك الصالة، سينما شهرزاد التي سُمِّيت لاحقاً المسرح الوطني اللبناني، إلى واحدةٍ من أكثر الفضاءات حضوراً في ذاكرة المدينة الثقافية. هناك، وقف حسن علاء الدين، المعروف بِاسمه الفنِّي شوشو، أمام جمهورٍ يعود إليه كلَّ يومٍ تقريباً ليقدِّم نوعاً من الكوميديا غير المألوفة في المسرح اللبناني. أصبح المسرح جزءاً من إيقاع الحياة اليومية في بيروت. وكان شوشو، بشخصياته الساخرة القريبة من الناس، واحداً من الأصوات القليلة التي جعلت الضحك لغةً يوميةً للتعليق على السياسة والاقتصاد وتحولات المجتمع.
بخلاف صورته الشائعة ومحاولة حصره ممثلاً كوميدياً شعبياً، تكشف تجربة شوشو المسرحية عن لحظةٍ خاصةٍ في تاريخ المسرح العربي. هي لحظةٌ حاول فيها المسرح أن يصبح مساحةً اجتماعيةً مفتوحةً، وأن يقترب من الجمهور خارج المؤسسات الثقافية التقليدية. فالمسرح اليومي الذي أسَّسه ارتقى من تجربةٍ إنتاجيةٍ مختلفةٍ ليصبح طريقةً في التفكير بوظيفة الكوميديا وبقدرتها على تحويل هموم الناس اليومية إلى مادةٍ فنية.
قدَّم شوشو نموذجاً مبكراً من المسرح الاجتماعي الشعبي. إذ اتخذ من الضحك وسيلة مساءلةٍ، ومن الجمهور شريكاً يومياً في صناعة العرض. وتؤكد التجربة أنه "يساري بالفطرة"، انشغل بالجمهور وأسهم في ترسيخ مسارٍ أكثر شعبيةً في المسرح اللبناني، نقله من فضاءٍ نخبويٍ محدودٍ إلى تجربةٍ أقرب إلى الحياة اليومية، المتفرِّج فيها جزءٌ من الفعل المسرحي لا محض متلقٍّ له. مهَّدت هذه المقاربة لأشكالٍ لاحقةٍ من الكوميديا المسرحية التي تُزاوج بين النقد الاجتماعي واللغة الشعبية في التعبير عن الواقع.
أسهمت ممارسة شوشو التمثيل مبكراً في تشكيل أدواته الفنية وشخصيته. فيذكر الحلواني أنه واصل في الخفاء عن عائلته تقديم وصلاتٍ فكاهيةٍ وابتكار شخصياتٍ جديدةٍ على خشبة مسرح فاروق، وهو لم يزَل في سنٍّ مبكرةٍ يطوِّر فيها أدواته تلقائياً بالاحتكاك المباشر بالجمهور. ويُرجع حلواني إلى هذه المرحلة التأسيسية جذور نجاح شوشو في الإذاعة والتلفزيون والمسرح، إذ أتاحت له اختبار الارتجال والحركة وبناء الشخصية الكوميدية قبل تبلور مشروعه المسرحي لاحقاً.
تأثر حسن علاء الدين في بداياته ببشارة واكيم وإسماعيل يس وشارلي شابلن، وتعلَّم منهم طرائق بناء الشخصية الفكاهية. لكن أدواره في الإذاعة والتلفزيون والمسرح لا توحي بأنه اتجه إلى تقليدهم، كما يشرح حلواني. ويضيف: "المهمّ في الأمر أنّ حسن علاء الدين تابع بإصرارٍ بناء شخصيته الفكاهية المستقلة حتى طلع علينا بشوشو. شخصية فريدة من نوعها، لا أعرف ولا أنتم تعرفون شخصيةً تشبهها أو حتى قريبةً منها".
واجه المسرح الحديث في لبنان، إلى جانب أزمة النص، مشكلة الفضاء المسرحي. فالمسارح الموجودة في بيروت، مثل "تياترو الكبير" و"مسرح فاروق"، ارتبطت منذ أواخر الأربعينيات بالعروض الترفيهية والاستعراضية، ما دفع منير أبو دبس إلى الابتعاد عنها في البداية سعياً إلى تأكيد القطيعة مع أنماط المسرح القديم وإبراز الطابع الحداثي لمشروعه المسرحي. واتجهت بعض العروض نتيجة ذلك إلى مواقع أثريةٍ مثل قلعة بعلبك وغيرها من الفضاءات التاريخية خارج المدينة، من أجل إضفاء بعدٍ احتفاليٍ وتاريخيٍ على العرض المسرحي. لكن هذا الخيار واجه تحدياتٍ عمليةً، إذ حدَّ بُعد هذه المواقع عن العاصمة من قدرة المسرح على استقطاب جمهورٍ واسعٍ ومتنوِّع.
ظل التحدي الأكبر أمام المسرح الحديث في لبنان مرتبطاً بالجمهور نفسه. فالعروض كانت موجهةً أساساً إلى نخبةٍ ثقافيةٍ محدودةٍ، واعتمدت لغةً فنيةً قريبةً من النموذج المسرحي الأوروبي، ما حدَّ من قدرتها على جذب جمهورٍ شعبيٍّ واسع. ولم تكن النخبة الثقافية واثقةً من إمكانية قيام مسرحٍ عربيٍّ حديثٍ باللغة العربية، إذ تأرجحت صورة المسرح في الذاكرة الجماعية بين المسرح المدرسي التعليمي الجامد والمسرح الاستعراضي الخفيف الذي ساد منذ أواخر الأربعينيات، كما يوضح نقولا طعمة في مقاله "المسرح اللبناني من الريادة إلى التراجع"، المنشور سنة 2012 في موقع الجزيرة نت.
كانت بيروت، في هذا المناخ المسرحي المعقَّد، تبحث عن صيغة مسرحٍ مختلفةٍ، تجمع بين الفن والجمهور وبين اللغة اليومية والهموم الاجتماعية. وفي هذا السياق برزت تجربة شوشو محاولةً مختلفةً عن المسارات المسرحية السائدة آنذاك.
استمر علاء الدين نجماً مسرحياً في بيروت طيلة أعوامٍ، قبل أن يتوفى سنة 1975 عن عمرٍ ناهز ستة وثلاثين عاماً. لم تكن أمراض الرئة والكلية التي عانى منها في حياته سبب وفاته، بل توفي بنوبةٍ قلبيةٍ مفاجئة بعد سنواتٍ من الضغط والعمل المتواصل في إدارة مسرحٍ مثقلٍ بالديون، وعروضٍ يوميةٍ لا تتوقف، والتزاماتٍ فاقت طاقة شابٍ في عقده الرابع.
رسَّخ شوشو في أقلِّ من عقدٍ نموذجاً مختلفاً من الكوميديا المسرحية، جمع بين العرض اليومي والتفاعل المباشر مع الجمهور والنقد الاجتماعي. وأعاد هذا النموذج تشكيل علاقة المسرح بالمدينة، إذ أصبح الذهاب إلى المسرح جزءاً من الحياة الثقافية اليومية في بيروت الستينيات.
تتجلى الصلة بين كوميديا شوشو والنقد الاجتماعي والسياسي في عددٍ من مسرحياته البارزة. ففي مسرحية "آخ يا بلدنا" سنة 1973، التي أخرجها روجيه عساف وكتبها فارس يواكيم، تتحرك الشخصيات داخل عالمٍ من الفقر والتهميش، إذ يلتقي الشحاذون واللصوص في صورةٍ تعكس اضطراب البنية الاجتماعية وعلاقة السلطة بالشعب. وأثار شوشو جدلاً بعد إطلاق الأغنية الخاصة بالمسرحية، فداهم رجال الأمن مكتبه وصادروا مئةً وخمساً وثلاثين أسطوانةً، وطالبوا بسحب الأسطوانات من الأسواق، قبل أن تستدعيه النيابة العامة للتحقيق.
تتضح جرأة شوشو السياسية أكثر في مسرحية "خيمة كراكوز" التي عُرضت سنة 1974. إذ قدَّمت نقداً لاذعاً للسلطة عبر فضاءٍ استعراضيٍّ قريبٍ من الفرجة الشعبية. وطرحت المسرحية التي كتبها فارس يواكيم قضايا سياسيةً واجتماعيةً بلهجةٍ ساخرةٍ ومباشرة. وفي خطاب الختام يسترسل شوشو في تعداد مظاهر الانقسام والازدواج داخل المجتمع والدولة، قائلاً: "اتنين اتنين متل كل شي بهالبلد، كل واحد بيعملوه اتنين، بتقول له مرحبا بيقول لك مرحبتين، أهلاً بتصير أهلين وسهلين، والبونجور بونجورين، والدخان تنين: ريجي وتهريب، والكهربا تنين: اشتراك ودولة، كأنو في دولة! والميّ ميتين: ميّة الشركة وميّة سيتيرن [صهريج] ميتَين ونحن ميتين من العطش! العيد عيدين: عند الموارنة وعند الروم، وعند الشيعة وعند السنّة [. . .] البنوكي تنين: ليرة ودولار، والدولار تنين: رسمي وسوق سودا [. . .] والسودة تنين: غنم ومعزة!".
ويواصل شوشو، في مسرحية "البخيل" المقتبسة عن موليير، توظيف الكوميديا للاقتراب من الواقع الاجتماعي اليومي. إذ يعيد تقديم النص التقليدي بروحٍ محليةٍ تحوِّل الجشع من فكرةٍ مجردةٍ إلى حكايةٍ قريبةٍ من تجربة الجمهور اللبناني. وتظهر الملامح نفسها في أعمالٍ مثل "جوّا وبرّا" و"وصلت للتسعة وتسعين"، التي انطلقت من تفاصيل الحياة اليومية وحولت تناقضات المجتمع إلى مادةٍ مسرحيةٍ مباشرةٍ على الخشبة.
أسَّس شوشو علاقةً مباشرةً مع الجمهور في وقتٍ اتجه فيه المسرح النخبوي إلى بناء مشروعٍ فنيٍّ يستلهم النماذج الأوروبية. وانطلقت هذه العلاقة من الضحك، قبل أن يتحول تدريجياً إلى وسيلةٍ لطرح قضايا اجتماعيةٍ وسياسيةٍ تمسّ الحياة اليومية للناس. وبرز هذا التحول منذ منتصف الستينيات، حين بدأ مسرح شوشو يرسِّخ في بيروت نموذجاً قائماً على العروض اليومية والكوميديا الشعبية والتواصل المباشر مع الجمهور.
بتأسيس شوشو مسرحاً يومياً دائماً حدث تحولٌ غير مسبوقٍ في الحياة المسرحية اللبنانية. إذ تروي رحاب ضاهر، في مقالها "شوشو: أيقونة المسرح اللبناني الذي غلبه المرض والديون [. . .]" المنشور سنة 2025، أن شوشو أسَّس مسرحاً يقدِّم عروضاً منتظمةً ستة أيامٍ في الأسبوع، في حين اعتاد الجمهور العروض الموسمية أو المرتبطة بالمهرجانات. وينقل كلود أبو شقرا، في مقاله "قلَّد المليجي وإسماعيل ياسين فتفوق عليه [. . .]" المنشور سنة 1999، عن الفنان وجيه رضوان روايةً تفصيليةً عن بدايات هذه التجربة. ويرى رضوان أن مسرح شوشو مثَّل أول مسرحٍ يوميٍّ دائمٍ في لبنان، على خلاف المسرحيات السائدة آنذاك التي قُدِّمت موسمياً أو متقطعة العروض. ويضيف أن المشروع بدأ "فكرةً مجنونةً" خطرت لحسن علاء الدين في حين لم يكن يملك السعة المادية لتأسيس مشروعٍ مسرحيٍّ بهذا الحجم.
لم يكن اختيار شوشو موقع المسرح صدفةً، بحسب شهادة وجيه رضوان. إذ اختار صالة سينما "شهرزاد" في بداية شارع بشارة الخوري في بيروت، وهي صالةٌ تابعةٌ سينما "دنيا". ووافق مدير الصالة على تحويلها إلى مسرحٍ بعد تراجع الإقبال على عروضها السينمائية، واقتراب جمهورها تدريجياً من جمهور المسارح الشعبية آنذاك. ووافق مالك الصالتين، المهندس هنري شقير، على هذه الخطوة التي بدت حينئذٍ مغامرةً عند كثيرين.
أدرك شوشو أن تحويل الفكرة إلى مشروعٍ مسرحيٍّ يوميٍّ يحتاج إلى فريقٍ قادرٍ على بناء تجربةٍ متكاملة. لذلك طرح سؤالاً عن الشخص الثالث الذي يمكن أن يشارك في هذه المغامرة، فجاء الجواب بِاسم المخرج نزار ميقاتي. وينقل وجيه رضوان في المقالة نفسها أن ميقاتي كان من الفنانين القلائل الذين جمعوا آنذاك بين الخبرة المسرحية والثقافة الفنية. إذ أسَّس مع الصحافي سعيد فريحة "فرقة الأنوار"، وتولَّى فيها الإخراج وكتابة السيناريو، إلى جانب مشاركاته في مهرجانات بعلبك وتجارب سينمائيةٍ وإذاعيةٍ متعددة. ويشير رضوان إلى أن هذه الخلفية هيَّأت ميقاتي لخوض تجربةٍ مسرحيةٍ جديدةٍ من هذا النوع، في حين ظلَّت النظرة السائدة إلى شوشو تختزله في صورة الممثل الكوميدي البسيط.
تكشف هذه الشهادة التفات بعض المسرحيين مبكراً إلى الإمكانات الكوميدية التي امتلكها شوشو. إذ يروي وجيه رضوان أن أحدهم قال له أثناء مشاهدة برنامجٍ متلفزٍ لشوشو: "تأمل هذا الفتى جيداً، ستفاجأ إذا قلت لك إنه يملك خاصيةً كوميديةً خطيرةً، وينقصه فقط بعض التعديل في شكله". وتشير هذه الملاحظة إلى أن النظرة إلى شوشو تجاوزت بمرِّ الأيام صورة الممثل الذي يثير الضحك، ليظهر صاحب موهبةٍ قادرةٍ على بناء تجربةٍ مسرحيةٍ متكاملة.
أدخل مسرح شوشو إيقاعاً جديداً إلى العلاقة بين المسرح والمدينة. فبعدما كان العرض المسرحي حدثاً استثنائياً يُنتظر في مناسباتٍ محدودة، صار جزءاً من الحياة الأسبوعية في بيروت. وتصف رحاب ضاهر هذه التجربة بأنها "مسرح الناس اليومي"، إذ اكتسبت الخشبة وظيفةً اجتماعيةً مستمرةً، وارتبطت الكوميديا بإيقاع الحياة الحضرية المتسارع في بيروت الستينيات. ولم يظهر هذا النموذج المسرحي معزولاً عن السياق الثقافي الذي سبقه. فاستعادة اسم شوشو في الذاكرة المسرحية اللبنانية مرتبطٌ بممثلٍ كوميديٍّ نجح في إضحاك الجمهور، كما هو ظاهرةٌ ثقافيةٌ مرتبطةٌ بتحول علاقة المسرح بالمجتمع. إذ سبق هذا المسرح الشعبي اليومي مسارٌ آخر سعى فيه عددٌ من المسرحيين إلى تأسيس مسرحٍ حديثٍ يقوم على معايير جماليةٍ وفكريةٍ مستمدةٍ من التجربة الأوروبية، وهو ما يمهِّد لفهم التحولات اللاحقة في المسرح اللبناني الحديث وسياقه الاجتماعي والثقافي.
يتطلب فهم تجربة شوشو النظر أولاً إلى موقعه الاجتماعي وعلاقته بالجمهور. ويرى يواكيم أن الخلفية الشعبية لشوشو لم تؤثر مباشرةً في بداياته على اختياراته الفنية ولغته المسرحية. لأن نزار ميقاتي تولَّى جانب الإخراج وإعداد النصوص. لكنه يربط نجاح شوشو بعلاقته اليومية مع جمهوره، التي قامت على "الحب المشترك والاحترام التام".
ويفسِّر يواكيم وصف شوشو بأنه "يساريّ بالفطرة" بارتباط هذا الميل بتفاصيل حياته اليومية ومعاناته ومشاركته هموم الناس من حوله. ويرى أن هذا الإحساس الفطري تبلور، في المرحلة اللاحقة من تجربته، إلى موقفٍ يستند إلى وعيٍ اجتماعيٍّ أوضح. لكنه يؤكد أن هذا الانحياز لم يرتبط بانتماءٍ حزبيٍّ مباشر، إذ كان شوشو مقتنعاً بأن الفنان يستطيع الالتزام بقضايا الناس من دون الانتماء إلى حزبٍ، وأن يجعل المسرح منبراً لهمومهم المشتركة. وظهر هذا الميل في المسرحيات، سواءً في الموضوعات والحوار أو في أساليب الإخراج، وبلغ ذروته في مسرحيتَيْ "آخ يا بلدنا" و"خيمة كراكوز".
ويشير يواكيم إلى تطور النقاش حول مضمون العروض وآلية اتخاذ القرار داخل المسرح تدريجياً مع تطور التجربة. إذ بدأ النقاش من القضايا الاجتماعية مع تداخلها مع السياسة، واقتصر على شوشو والمخرج وكاتب النص. وتمحورت المرحلة الأولى حول الشراكة بين شوشو وميقاتي، واستمرت نحو خمسة أعوامٍ، أي نصف عمر المسرح الذي امتدًّ بين سنتي 1965 و1975. وظلَّ شوشو في المرحلة اللاحقة الشريك الأساس في اتخاذ القرار بالتعاون مع المخرجين والكتَّاب.
ويؤكد يواكيم أن شوشو ظلَّ في المقام الأول ممثلاً كوميدياً اعتمد على الضحك أداةً أساساً في التعبير عن نفسه وبناء علاقته بالجمهور. ويرى أن نجاحه في استقطاب جمهورٍ واسعٍ لم يرتبط بلبنان وحده، بل بطبيعة الكوميديا. إذ يحظى نجومها عادةً بأوسع حضورٍ شعبي. ويضيف أن هذا النجاح منح شوشو، في المراحل اللاحقة من تجربته المسرحية، قدرةً أكبر على تمرير الأفكار الاجتماعية والسياسية إلى جمهوره، الذي بات أكثر استعداداً لتلقيها عبر الكوميديا.
ينفي يواكيم تعرض شوشو لضغوطٍ للانضمام إلى جهةٍ سياسيةٍ بعينها، إذ لم يكن يقبل هذا النوع من الضغوط. لكنه يتوقف عند أثر الرقابة على التجربة المسرحية، مستعيداً ما جرى بعد عرض مسرحية "آخ يا بلدنا". صادرت الرقابة أسطوانات أغنية "شحادين يا بلدنا"، لكنها سمحت بأدائها داخل العرض المسرحي. ثم تصاعدت المواجهة في "خيمة كراكوز"، حين صادرت الرقابة أسطوانات أغنية "المظاهرة"، وأصدرت قراراً بمنع أدائها على الخشبة مع التهديد بإغلاق المسرح. ويشير يواكيم، الذي كتب المسرحيتين وعمل مستشاراً لشوشو، إلى أن هذه الأزمة فجَّرت خلافاً بين شوشو والمخرج روجيه عساف، الذي اقترح مواجهة القرار بعرض المسرحية في الشارع وسط الجمهور. لكن شوشو، مع اقتناعه بصواب هذا الموقف، لم يكن قادراً على تحمّل تبعات إغلاق المسرح في ظل أزماته المالية والديون المتراكمة عليه.
ويقرأ يواكيم من خلال تلك التجربة طبيعة العلاقة بين الكوميديا والسلطة في لبنان قبل الحرب. إذ يرى أن السلطة سمحت بهامشٍ من الحرية، مع إبقاء حدودٍ واضحةٍ له. ويضيف أنها، مع تشدّدها الذي لم ينسجم مع مبادئ الديمقراطية، بدت أقلَّ قسوةً من سلطاتٍ كثيرةٍ في بلدانٍ عربيةٍ أخرى.
يستعيد يواكيم عند حديثه عن كتابة "آخ يا بلدنا" الظروفَ التي دفعت المسرح إلى الانتقال من النقد الاجتماعي إلى التعبير السياسي المباشر. ويرى أن الرغبة في التعبير عن غضبٍ عامٍّ كانت بحدِّ ذاتها موقفاً سياسياً واعياً، وأن تجربة مسرح شوشو بلغت آنذاك مرحلةً سمحت بتطوير مضمون المسرحيات. ويشير إلى أن أعمالاً سابقةً، مثل "جوّا وبرّا" و"وصلت للتسعة والتسعين" و"طربوش بالقاووش"، تناولت أوضاعاً اجتماعيةً، لكن التعاقد مع روجيه عساف للإخراج دفع نحو تقديم عملٍ مختلفٍ يشكل "قفزةً إلى الأمام". وساعدت شعبية مسرح شوشو الواسعة على تقديم مسرحيةٍ تتناول الوضع السياسي صراحةً، لا مجرد حالاتٍ اجتماعية. ويضيف يواكيم أن المسرحية انطلقت من الإحساس بأن المجتمع يتجه نحو الانفجار في ظل واقعٍ قائمٍ على "الحرامية والشحادين"، وهي الفكرة التي لخَّصتها النجوى الأخيرة وأغنية "شحادين يا بلدنا، نشالين يا بلدنا".
يرى يواكيم أن "آخ يا بلدنا" "مسرحيةٌ من النوع العابر للزمن"، خاصةً في ظلِّ غياب تغييراتٍ جذريةٍ في بنية المجتمع اللبناني وطريقة تعامله مع المستقبل. ويضيف أنه لو أعاد كتابتها اليوم فلن يغيِّر فيها إلا تفاصيل طفيفةً تمسّ الواقع الراهن. ويختتم حديثه بتخيّل موقع شوشو في لبنان اليوم، مرجحاً أنه كان "سيظل حريصاً على أن يعبّر عن صوت الناس"، وأن يواصل مواكبة هموم المجتمع عبر الكوميديا. ويرى يواكيم أن المسرح اللبناني ما يزال قادراً على الاستمرار، في ظل كثرة المواهب في مجالات الكتابة والإخراج والتمثيل.
يمكن تلمّس أثر تجربة شوشو في شهادات فنانين عايشوا امتداد إرثه على الخشبة. وفي هذا السياق، تحدثت الفراتس مع الممثلة اللبنانية ميراي بانوسيان، التي شاركت في أعمالٍ ارتبطت بإرث شوشو، واستعادت بعض ملامح تأثيره في الكوميديا اللبنانية المعاصرة. وعُرفت بانوسيان بشخصية "أمّ طعّان"، التي ظهرت أول مرةٍ في مسرحية "وزارة للهوارة" سنة 1993 مع منير كسرواني، قبل أن تنتقل إلى التلفزيون في برنامجَي "تقرير" و"بسمات وطن".
تؤكد بانوسيان قيام هذا النوع من الكوميديا على القرب من الناس. وتستعيد تجربتها في العمل مع خضر علاء الدين، نجل شوشو، مشيرةً إلى أن اسم شوشو لم يشكّل "ظلاً ثقيلاً" على العمل، بل ارتبط عندها بإحساسٍ بالتكريم. وتضيف أن حضور شوشو ظلّ مرافقاً للتجربة حاضراً في كلّ لحظةٍ، كونه شخصيةً محبوبةً ومؤثرةً في الذاكرة المسرحية اللبنانية.
ترى بانوسيان أن خضر علاء الدين لم يسعَ إلى تقليد تجربة والده حرفياً، بل حافظ على إرثه مع محاولة بناء تجربته الخاصة. وتؤكد أن الفن لا يقوم على "وراثة مباشرة"، إذ يخلق كلّ فنانٍ عالمه وشخصياته وفق رؤيته الخاصة. ومن هذا المنطلق، ترى أن التجارب الفنية الكبرى لا تنتقل من جيلٍ إلى آخر بصورتها، لأنها ترتبط بزمنها وبشخصية صانعها. لذلك يظل تأثيرها قائماً في بعض العناصر والأساليب، فيما يطوِّر الفنانون اللاحقون مساراتهم المختلفة. وتشير إلى أن هذا ما حدث أيضاً في المسرح اللبناني، مستشهدةً بتجربة زياد الرحباني المسرحية المختلفة عن تجربة عاصي ومنصور الرحباني.
ترى بانوسيان أن أعمال شوشو ما تزال قادرةً على مخاطبة جمهورٍ يتجاوز السياق البيروتي الذي نشأت فيه. وتربط ذلك بطبيعة القضايا التي تناولها، إذ لم تقتصر على الواقع المحلي الضيق، بل انشغلت بموضوعاتٍ مثل الظلم الاجتماعي والفساد، وهي قضايا حاضرةٌ في المجتمعات العربية. لذلك تعتقد أن الجمهور اللبناني والعربي سيرحب بإعادة تقديم أعمال شوشو.
تقارن بانوسيان، عند حديثها عن الكوميديا الشعبية التي مثَّلها شوشو، بينها وبين تجربتها في شخصية "أم طعان" التي اشتهرت بها في أعمالها المسرحية. وترى أن الشخصيتين تنتميان إلى الكوميديا الشعبية المنطلقة من حياة الناس وهمومهم اليومية، إذ تتناولان قضايا اجتماعيةً وتحاولان "وضع الإصبع على الجرح" ودفع الجمهور إلى التساؤل عمَّا يجري حوله.
تختم بانوسيان حديثها بالإشارة إلى أن الكوميديا اللبنانية مرَّت بتحولاتٍ مختلفةٍ من دون أن تفقد قدرتها على النقد الاجتماعي. وترى أن بعض المراحل اتجهت إلى النكات السطحية أو الإثارة، لكن ذلك لم يُلغِ حضور الكوميديا المرتبطة بالقضايا الاجتماعية. وتشير إلى وجود محاولاتٍ جديدةٍ لإعادة الكوميديا إلى "دورها الحقيقي" في المسرح والتلفزيون، انطلاقاً من حاجة الجمهور إلى الضحك والكوميديا التي تحمل في الوقت نفسه فكرةً وقضيةً.
توفِّي خضر علاء الدين سنة 2022، "مسكوناً بشخصية أبيه"، بحسب التعبير الذي استخدمته جوزيفين حبشي في مقالها المنشور في العام نفسه في "نداء الوطن". وتشير حبشي إلى أن خضر حاول إحياء إرث والده المسرحي عبر إعادة تقديم بعض أعماله، أبرزها مسرحية "جوّا وبرّا" سنة 1993. لكن تأثير شوشو الأب ظل طاغياً على مسيرته، إذ سعى خضر إلى متابعة مشروع والده المسرحي واستكمال نصوصٍ لم تُعرض سابقاً، من دون أن تنجح هذه المحاولات في تأسيس تجربةٍ مستقلةٍ عنه، بفعل الأزمات المتواصلة التي واجهها المسرح اللبناني وغياب الدعم.
رسَّخ شوشو، قبل وفاته سنة 1975، نموذجاً لشخصيةٍ شعبيةٍ تنتمي إلى الشارع وتعبّر عن هموم الفئات المهمشة من دون الارتباط بخطابٍ عقائديٍّ صريح. وتبدو تجربته في هذا السياق تمهيداً لتحولٍ لاحقٍ وجد تعبيره الأوضح في مسرح زياد الرحباني، الذي بدأ يفرض حضوره منذ أوائل السبعينيات بأعمالٍ مفصليةٍ مثل "نزل السرور" سنة 1974، قبل أن تتبلور تجربته بوضوحٍ أكثر في أواخر العقد نفسه، ولا سيما مع "بالنسبة لبكرا شو؟" سنة 1978.
تكشف المقارنة بين التجربتين تقاطعاتٍ لافتةً، أبرزها الالتصاق بالواقع والانشغال بقضايا الناس اليومية. لكن الاختلاف الجوهري بينهما يظهر في طبيعة المقاربة. فقد قدّم شوشو نقداً اجتماعياً ساخراً بمرجعيةٍ مفتوحةٍ ومن دون التزامٍ حزبيٍّ واضح، في حين اتجه زياد الرحباني إلى مسرحٍ أكثر حدّةً في مرجعيته السياسية، مستنداً إلى خلفيةٍ يساريةٍ معلنةٍ، تتحول فيها الخشبة إلى مساحةٍ مباشرةٍ لمساءلة البنى السياسية والاقتصادية. لذلك لا تبدو تجربة شوشو نقيضاً لتجربة زياد، بقدر ما تظهر تمهيداً للتحول الذي عرفه المسرح اللبناني من الكوميديا الشعبية إلى السخرية السياسية المؤدلجة.
لا يرتبط الاختلاف بين تجربتي شوشو وزياد الرحباني باختلاف المرجعيات السياسية وحده، بل أيضاً بتغيّر وظيفة الشخصيات وبنية الفضاء المسرحي نفسه. فمسرح شوشو قام على تثبيت الشخصية الشعبية مركزاً للمعنى الكوميدي والاجتماعي، في حين تراجعت هذه المركزية عند زياد الرحباني لصالح توزيع الفعل الدرامي على شبكة شخصياتٍ داخل فضاءاتٍ مغلقةٍ أو شبه مغلقة. ففي "نزل السرور"، التي عُرضت أول مرةٍ سنة 1974، يُختزل المجتمع داخل نزلٍ تعيش طبقته توتر الانتظار وإمكان الثورة. أمّا في "بالنسبة لبكرا شو؟" التي عُرضت أول مرة سنة 1978، فتتحول الحانة إلى فضاءٍ للعمل والاستغلال والتبادل الطبقي المعقد. وعند هذا المستوى، يتحول الضحك من وظيفةٍ قائمةٍ بذاتها كما في الكوميديا الشعبية، ويدخل ضمن توترٍ سرديٍّ يكشف عن تداخل العمل والحب والاغتراب. ويظهر ذلك مثلاً في وعي زكريا –الشخصية الرئيسة– لعبارة "عم بستغلونا"، وفي اختزال ثريا –زوجة زكريا– علاقتها بالجسد ضمن شروط السوق. وهكذا تبدو تجربة زياد الرحباني إعادةَ تفكيكٍ للبنية التي أسَّس لها المسرح الشعبي عند شوشو أكثر من كونها قطيعةً معها، إذ ينتقل مركز الثقل من الشخصية نفسها إلى البنية الاجتماعية التي تنتجها وتحدّها في الوقت نفسه.
تكشف الشهادات والقراءات اللاحقة لتجربة شوشو عن عدم اقتصار أثرها على زمنها. فالكوميديا الشعبية التي رسّخها، والقائمة على القرب من الجمهور والتقاط همومه اليومية، ظلَّت مرجعاً غير معلنٍ لجزءٍ كبيرٍ من الكوميديا اللبنانية اللاحقة، في المسرح والتلفزيون والأداء الكوميدي المعاصر. بل صارت تقليداً فنياً يقوم على حساسيةٍ اجتماعيةٍ أكثر من اعتماده على تقنياتٍ مسرحيةٍ صرفة. ويمكن تلمّس بعض امتدادات هذا الإرث في تجربة "مترو المدينة"، الذي أسَّسه هشام جابر سنة 2012 فضاءً هجيناً يجمع بين الحانة والمسرح والملهى الليلي ويعيد تعريف علاقة الجمهور بالمكان. ومع اختلاف هذا النموذج عن المسرح اليومي الذي أسَّسه شوشو، فإنه يلتقي معه في محاولة كسر الرسمية وإعادة المسرح إلى الحياة اليومية. وفي هذا السياق، جسَّد الفنان منذر بعلبكي شخصية شوشو في عرض "بار فاروق"، مؤدياً أغنية "ألف باء بوباية قلم رصاصة ومحاية"، التي لاقت حضوراً واسعاً بين جمهور العرض وعلى مواقع التواصل الاجتماعي.
يظهر إرث شوشو اليوم جزءاً من سؤالٍ أوسع حول موقع الكوميديا في مجتمعٍ يعيش تحولاتٍ سياسيةً واقتصاديةً متواصلة. فكل عودةٍ إلى هذه التجربة تعيد طرح النقاش حول علاقة المسرح بالناس، وحول قدرة الضحك على ملامسة الواقع اليومي والتعليق عليه. ومن هذا الموقع تستمر تجربة المسرح اليومي في إضاءة تاريخٍ اجتماعيٍّ للكوميديا في لبنان، وفي التذكير بأن الضحك، حين يخرج من قلب الحياة اليومية، يبقى إحدى أكثر اللغات قدرةً على قراءة المجتمع وفهم تحولاته.

