تقديم توماس برّاك أوراق اعتماده سفيراً في أنقرة، وتولّيه في الوقت نفسه مهمّة المبعوث الأمريكي إلى سوريا، لم يكن مشهداً دبلوماسياً عادياً بل نقلةً في طبيعة دور السفراء الأمريكيين في الشرق الأوسط. فالسفير يُتّخَذ في العادة موظفاً ينقل الرسائل الرسمية ويمثل الدولة ضمن حدودٍ تضبطها مهام المراسم والدبلوماسية، بعيداً عن دوائر النفوذ المالي أو القرار السياسي المباشر. لكن برّاك دخل أنقرة والمنطقة محمّلاً بخبرةِ عقودٍ من المال والاستثمار، وبشبكةِ علاقاتٍ عابرةٍ الحدود.
في مارس 2025 رشّح الرئيس الأمريكي دونالد ترامب توماس برّاك سفيراً للولايات المتحدة في تركيا. وفي 29 أبريل من السنة نفسها، وافق مجلس الشيوخ على الترشيح بأغلبية ستين صوتاً مقابل ستة وثلاثين. وبعد أسابيع قليلةٍ من تولّيه منصبه في أنقرة، أعلنت الإدارة الأمريكية تكليفه بمهمة المبعوث الخاص إلى سوريا في مايو 2025. حقيبتان ثقيلتان حَمَلهما برّاك معاً، ومنحتاه نفوذاً مباشراً عند تقاطع المال والسياسة. كشفت مهمته عن تداخل الدبلوماسية مع الصفقات المالية والاقتصادية، واستخدام شبكات رجال الأعمال أحياناً وسطاء في ملفاتٍ سياسيةٍ معقّدة.
خلافاً لكثيرٍ من سفراء الولايات المتحدة الذين سبقوه إلى المنطقة، يتصرّف توماس برّاك في سوريا بقدرٍ من النفوذ والاستقلالية والقدرة على المبادرة يجعله أقرب إلى صورة المندوب السامي في عهد الانتداب الأوروبي. فالرجل ليس دبلوماسياً تقليدياً، بقدر ما هو رجل أعمالٍ تشكّلت مكانته داخل شبكة مصالح عابرةٍ الحدود. فهو صديقٌ شخصيٌّ لترامب ووسيطٌ في العلاقات مع الخليج ومتّهمٌ سابقٌ بمحاولة التأثير في السياسة الأمريكية لصالح الإمارات. يكشف تعيين سفيرٍ بهذه الخلفية عن ملامح تحوّلٍ أوسع في دور السفراء داخل السياسة الأمريكية، من ممثلين رسميّين للدولة يلتزمون حدود المراسم إلى فاعلين بنفوذٍ خاصٍّ يتحرّكون داخل شبكاتٍ غير رسميةٍ، ويجمعون بين لغة رأس المال وأدوات التأثير السياسي.
في بداية السبعينيات احتكّ توماس ببيئات الأعمال المختلفة في لوس أنجلوس وسان دييغو. ساعده ذلك على العمل مباشرةً في مكتب هيربرت دبليو كالمباخ، المحامي الشخصي للرئيس الأمريكي حينئذٍ ريتشارد نيكسون. كلَّف المكتب برّاك بالسفر إلى المملكة العربية السعودية في السنة نفسها للعمل في "فلور"، وهي شركةٌ أمريكيةٌ عملاقةٌ في مجال الهندسة والمقاولات، كانت حينئذٍ تنفذ مشاريع بنيةٍ تحتيةٍ لصالح الحكومة السعودية.
في 17 يونيو سنة 1972 تفجرت أزمة "ووترغيت"، قضية التجسّس على مقرّ اللجنة الوطنية للحزب الديمقراطي التي تورّط فيها خمسة أشخاصٍ أثبتت التحقيقات صِلتَهم المباشرة بلجنة إعادة انتخاب الرئيس نيكسون. أراد توماس برّاك أن يبتعد عن دوائر نيكسون وعن دائرة محاميه الخاص، الذي كان يُمثله في السعودية، فترك العمل في المكتب وعاد إلى الولايات المتحدة. بعد ذلك اتجه للعمل في مجال الاستثمار العقاري. وفي سنة 1976 عُيّن رئيساً لشركة "دان انترناشونال كوربوريشن" المتخصصة في بناء المجمعات الصناعية. سنة 1982، ومع وصول الجمهوري رونالد ريغان إلى رئاسة أمريكا، شغل برّاك منصب نائب وكيل وزير الداخلية في الإدارة الجديدة التي تبنّت خطاب السوق الحرّ، وسَعَت إلى توسيع النفوذ الأمريكي خارجياً.
ارتفعت أسهم توماس برّاك حين ساعد إدوين ميس، مستشار الرئيس ريغان، في بيع منزله في كاليفورنيا. فقد أقرض المشتري سبعين ألف دولارٍ سهّلت شراءه المنزل الذي بلغت قيمته 307 ألف دولار. دفعت هذه الواقعة عدداً من الصحفيين وأعضاء الكونغرس للتساؤل عما إذا كانت الصفقة مقدِّمةً لنفوذٍ سياسيٍّ لبرّاك داخل البيت الأبيض. وما أكّد الشبهاتِ تعيينُه بعد ثلاثة أشهرٍ من إتمام بيع المنزل مساعداً لوزير الداخلية، ما أثار احتمال وجود تضاربٍ في المصالح.
بعد ضغط الرأي العام استدعى الكونغرس برّاك للاستجواب في مارس سنة 1984. جاء الاستدعاء بعد نشر صحيفة واشنطن بوست تقريراً يفيد بعدم سداد مشتري البيت المبلغَ الذي اقترضه من برّاك، وتنازل براك عن جزءٍ منه وعدّه هديةً. هذا التنازل صَوّر القرضَ منفعةً ماليةً قدّمها برّاك إلى مستشار الرئيس عبر وسيطٍ، هو مشتري البيت.
دافع برّاك في الاستجواب عن وساطته. وقال إن إقراضه المشتري لم يكن بطلبٍ من مستشار الرئيس، بل مجاملةً له. إذ كان ميس وقتها قد تعثر في سداد ديونه، فاضطر لبيع البيت. وأراد برّاك من إقراض المشتري أن تُنجَز الصفقة بسرعةٍ تُنهي متاعب ميس. نفى برّاك أن يكون هذا القرض ساهم في تعيينه مساعداً لوزير الداخلية. بعد الاستجواب لم توجَّه لبرّاك أيّ تهمةٍ جنائيةٍ، ليغادر وزارة الداخلية منتصف الثمانينيات ويعود إلى المجال الذي خبره جيداً، الاستثمار الخاص.
تأسست الشركة سنة 1991 في لوس أنجلوس عقب أزمة الادخار والقروض التي ضربت الولايات المتحدة في الثمانينيات، وتبنّت منهجيةَ اقتناص الفرص من الأزمات. فبعد أن أنشأت الحكومة الأمريكية هيئة "آر تي سي" لتصفية المؤسسات المالية المفلسة، بدأت تبيع محافظ ضخمةً من القروض العقارية المتعثِّرة والعقارات المسترجعة بأسعارٍ زهيدة. وجدت شركة توماس برّاك فرصتها، واشترت تلك الأصول بأسعارٍ منخفضةٍ ثم أعادت هيكلتها وشغّلتها.
ظهرت نتائج الخطة التي اتبعها برّاك سريعاً، فحققت "كولوني كابيتال" عوائد مرتفعةً وأرباحاً مضاعفةً، ما منحها سمعةً قويةً في سوق الأزمات وجذب إليها تدفقاتٍ ماليةً ضخمةً من رؤوس أموالٍ مؤسّسية. وبعد نحو عقدين، اندلعت الأزمة المالية العالمية سنة 2007 بسبب القروض العقارية عالية المخاطر، التي منحتها البنوك لعملاء غير قادرين على السداد. مع انهيار الأسعار وعجز الملايين عن دفع الأقساط، سقطت مؤسساتٌ ماليةٌ كبرى، مثل "ليمان براذرز"، إحدى أقدم شركات الخدمات المالية والاستثمار المصرفي وأكبرها في الولايات المتحدة. دخل الاقتصاد العالمي ركوداً عميقاً، ليجد برّاك في الانهيار فرصةً جديدة. فأسّس سنة 2009 الذراع الجديدة للشركة، "كولوني فايننشال"، التي جمعت ما يقرب من 250 مليون دولارٍ من طرحها في العام الأول، استثمرتها في القروض المتعثرة والعقارات منخفضة القيمة.
ساعدت نجاحات "كولوني فاينانشال" في توطيد علاقات توماس برّاك مع شركاء خليجيين، إذ استثمرت الصناديق الخليجية عبرها في الأصول المتعثرة. وفي سنة 2010، شاركت "كولوني كابيتال" شركة قطر القابضة في الاستحواذ على شركة "ميراكس" من ديزني، في صفقةٍ بلغت قيمتها 660 مليون دولار. وفي سنتَي 2017 و2018 ضخّت صناديق إماراتيةٌ استثماراتٍ مباشرةً في منتجات الشركة قُدّرت بنحو 374 مليون دولار.
كانت سنة 2016 محطةً بارزةً في تاريخ "كولوني كابيتال". فقد أعلن برّاك فيها عن اندماج الشركة مع شركتين عقاريتين كبيرتين، وأطلق شركةً جديدةً اسمها "كولوني نورث ستار" بأصولٍ تبلغ 58 مليار دولار. وبعد تباطؤ الأسواق العقارية اتجه للبنية التحتية الرقمية، وسمّى الشركة الجديدة "ديجيتال بريج" ليعكس هويتها الجديدة. التحوّل في كولوني لم يكن مجرد قرارٍ داخليٍّ وشكليٍّ في التسمية، بل رصدته الصحافة الاقتصادية تغييراً جذرياً في هوية الشركة. وبعد أن كانت أصولها تضمّ الفنادق والمكاتب والمستودعات وتجارة التجزئة، أصبحت مرتبطةً بالبنية التحتية الرقمية ومراكز البيانات وأبراج الاتصالات، ونقلت الشركة مقرّها الرئيس من لوس أنجلوس إلى فلوريدا.
ومع إطلاق حملة ترامب الرئاسية سنة 2015، انتقل برّاك من دور المستثمر إلى الممول والوسيط السياسي. فشارك في تأسيس لجنة "إعادة بناء أمريكا الآن"، التي جمعت اثنين وثلاثين مليون دولارٍ لصالح حملة ترامب. وفي مايو 2016، تبرع برّاك بنحو 425 ألف دولار للجنة "نصر ترامب". وبعد فوز ترامب في الانتخابات في نوفمبر، عُيّنَ برّاك رئيساً للجنة تنظيم حفل تنصيب الرئيس. وجمعت اللجنة مبلغاً غير مسبوق لتنظيم الحفل في يناير سنة 2017، بلغ نحو 107 ملايين دولار.
ومع دخول دونالد ترامب البيت الأبيض، ظهر دور توماس برّاك وسيطاً بين إدارته وحكّام الخليج. سنة 2017، أمضى برّاك أسابيع يمهّد اللقاء بين ترامب وزعماء الخليج في القمة الأمريكية العربية في الرياض. وفي القمة مدح ترامب الحكومة القطرية ووصفها بالشريك الاستراتيجي المهم. لكنّه غيّر لهجته بعد أسابيع واتهمها علناً بتمويل الإرهاب. فوجئ برّاك بهذا التبدّل السريع في الموقف ونصح الرئيس بعدم التسرّع. وهي النصيحة التي تقبّلها ترامب والتقى لاحقاً أمير قطر، وعرض الوساطة لإنهاء الأزمة التي اندلعت، بعد قطع السعودية والإمارات والبحرين ومصر علاقاتها مع قطر.
صعود دور توماس برّاك وسيطاً غير رسميٍّ في إدارة علاقات ترامب بحكّام الخليج جعله موضوعاً للتحقيقات الصحفية. فكشفت صحيفة ذا ويك سنة 2019 عن تنسيق برّاك مضمون خطاب ترامب في مؤتمر الطاقة سنة 2016 مع دول الخليج. وذكرت الصحيفة أن برّاكاً أرسل مسودة الخطاب إلى رجل الأعمال الإماراتي راشد آل مالك، الذي أخبره لاحقاً أنه نقل النص إلى مسؤولين حكوميين في كلٍّ من الإمارات والسعودية الذين اقترحوا تعديلاتٍ للإشادة بحلفاء أمريكا الخليجيين. بعد ذلك طلب برّاك من بول مانافورت، مدير حملة ترامب، إضافة العبارات التي طلبها المسؤولون الخليجيون. فأرسل مانافورت رسالة بريدٍ إلكترونيٍّ إلى برّاك يؤكد فيها تعديل الخطاب.
أثارت هذه الواقعة وغيرها شبهاتٍ عن دور توماس برّاك وتأثّره بمصالحه الاقتصادية في الخليج. فرصدت مجلة تايم تلقّي شركته "كولوني كابيتال" ما يقرب من مليارٍ ونصف مليار دولارٍ من الإمارات والسعودية في صورة استثماراتٍ أو مشتريات أصولٍ في المدة ما بين 2016 و2019، وتساءلت عن أثر هذه الأموال على مواقف برّاك، وعمّا إذا كان يمثل الإدارة الأمريكية أم المصالح الخليجية في وساطته.
تحوّلت الشبهات قضيةً علنية. في يوليو 2021 اتهمت محكمة بروكلين الفيدرالية برّاكاً ومستشارَه ماثيو غرايمز ورجلَ الأعمال الإماراتي راشد سلطان بالتآمر، والعمل وكلاء سرّيين للإمارات بين سنتَي 2016 و2018 دون إخطار وزارة العدل الأمريكية. وذلك بهدف التأثير على حملة ترامب الرئاسية ثم على سياسات حكومته، والترويج للمصالح الإماراتية لدى الرأي العام الأمريكي. وأثناء المحاكمة التي بدأت في أكتوبر سنة 2022، استند الادعاء لتلقي مشاريع "كولوني كابيتال" التابعة لبرّاك نحو 374 مليون دولارٍ من صناديق الثروة السيادية التي تسيطر عليها الإمارات. قلّل دفاع برّاك من أهمية هذه الاستثمارات في التأثير على مواقف موكّله، مؤكداً أن إجمالي المبالغ التي تلقّاها تمثل أقلّ من 1 بالمئة من ميزانية الشركة. بعد ستة أسابيع من المرافعات والمداولات، أصدرت هيئة المحلفين حُكمها في نوفمبر 2022 ببراءة توماس برّاك ومن معه.
في حوارٍ مع صحيفة ذا ناشونال الإماراتية في سبتمبر 2025، وصف برّاك السلام في الشرق الأوسط بالوهم، معتبراً أن المنطقة تعيش في صراعٍ دائمٍ حول الشرعية والهيمنة. وأضاف: "أنا لا أثق بأحدٍ في الشرق الأوسط. مصالحنا ليست متطابقةً، بما في ذلك إسرائيل. عندما نتحدث عن السلام، فذلك مجرد وهم. لم يكن هناك سلامٌ يوماً، ولن يكون، لأن الجميع يتقاتلون من أجل الشرعية".
وفي تصريحاتٍ أدلى بها للصحفيين أمام البيت الأبيض، قال إن الشرق الأوسط يُدار بالقبائل والقرى والعائلات والطوائف التي أنشأتها سايكس بيكو. مضيفاً: "من الوهم الاعتقاد بأنَّ سبعاً وعشرين دولة مختلفة، فيها مئة وعشر مجموعات إثنية مختلفة، يمكنها أن تتفق على مفاهيم سياسية".
يظهر توماس برّاك في إدارة ترامب شكلاً معاصراً لهذا المنطق. فهو يمارس السلطة خارج الأطر المؤسسية التقليدية. يقول سيث بندر، مدير المناصَرة في مركز الديمقراطية للشرق الأوسط والخبير في السياسات الخارجية الأمريكية، في حديثه مع الفِرَاتْس إنّ دور برّاك مبعوثاً إلى جانب منصبه سفيراً هو دورٌ غير معتادٍ في التقاليد الدبلوماسية الأمريكية، لكنه يعكس نمطاً معتاداً لدى إدارة ترامب. إذ يعتمد ترامب على حلفاء مقرّبين لتنفيذ السياسات بدلاً من المؤسسات التقليدية، وهو ما يعطي برّاكاً نفوذاً بحكم قربه من الرئيس. لكن هذا القرب يبقى مرهوناً بشروط. فترامب معروفٌ بتقلّباته، لذا يتعيّن على برّاك أن يبقى خاضعاً له. في الوقت نفسه ستسمح علاقاته بقادة الخليج بممارسة ضغطٍ عليه لدفعه إلى خدمة مصالحهم، ما يمنحهم نفوذاً كبيراً.
يعتقد بندر أن تعيين شخصيةٍ وُجِّهت لها تهمٌ سياسيةٌ في السابق في منصبٍ دبلوماسيٍّ مؤشرٌ على تراجع عملية صنع السياسات الجادة والموثوقة، لصالح نهجٍ فردانيٍّ قائم على الصفقات. يكشف هذا عن طبيعة الدبلوماسية الأمريكية اليوم، التي باتت أكثر فردانيةً وأقلّ اعتماداً على مؤسساتٍ راسخة. فالجمع بين دورَي رجل الأعمال والوسيط الدبلوماسي يفتح باب تضارب المصالح ويمنح الحكومات الأجنبية نفوذاً غير مبرّرٍ في المفاوضات والعلاقات. ولتَعدُّد أولويات هؤلاء الأفراد فإنهم غير قادرين على الانخراط الكامل في الدفاع عن المصالح الأمريكية.
ويرصد دوغلاس كريستين، مسؤول المناصَرة بمعهد التحرير لسياسات الشرق الأوسط، سلوكَ ترامب بإدارة كثيرٍ من علاقاته الخارجية — لاسيما في الشرق الأوسط — بمبعوثين شخصيّين مقرّبين منه. ويضيف في حديثه للفِرَاتْس أن برّاكاً ليس استثناءً. فنحن "نرى ذلك مع ستيفن ويتكوف، مورغان أورتاغوس، ومسعد بولس". يساعد في زيادة نفوذ هؤلاء إبقاءُ ترامب عدداً من المناصب العليا في وزارة الخارجية ومجلس الأمن القومي شاغرةً، وهي مناصب اعتاد شاغلوها أداء هذه الأدوار.
يضيف كريستين أنه ليس بدعاً أن يكون للمسؤولين الأمريكيين الكبار، الذين يعيّنهم الرئيس للعمل على ملفات الشرق الأوسط، خلفيةٌ وتجارب في مجال الأعمال. فقد عيّنت إداراتٌ جمهوريةٌ وديمقراطيةٌ على حدٍّ سواءٍ في مواقع دبلوماسيةٍ سفراءَ يرتبطون بعلاقاتٍ شخصيةٍ أو تجاريةٍ أو سياسيةٍ مع الرئيس، أو دعموه دعماً مباشراً. إلا أن الجديد في إدارة ترامب الثانية تولّي المقرّبين من الرئيس، لا مسؤولي وزارة الخارجية، تنفيذ أجندة الرئيس العامّة أي "عقد الصفقات".
وجهةُ نظرٍ مماثلةٌ يتبنّاها الزميل غير المقيم بمؤسسة الديمقراطية للعالم العربي معين رباني. إذ يرى أن ترامب يمنح مبعوثيه هامشاً واسعاً لوضع السياسة، طالما لم يتسببوا في أزماتٍ أو مشكلاتٍ له. أما النفوذ فيأتي من الانطباع بمدى قربه الشخصي من الرئيس. وهذا ليس جديداً. لكن ما يميّز السلك الدبلوماسي في عهد ترامب أنه يدور بالكامل حول العلاقات الشخصية، أكثر بكثيرٍ من انشغاله بالسياسة. يقول رباني في حديثه للفِرَاتْس إن أصحاب الوزن الفعلي في الإدارة الحالية هم الذين يحظون بتزكيةٍ شخصية. أما المستويات المهنية من الجهاز الحكومي، سواءً في الخارجية أو غيرها، فقد أصبحت عملياً بلا أيّ أهمية.
فالأمير بندر بن سلطان، السفير السعودي في واشنطن بين 1983 و2005، لم يكن مجرّد سفير. لقد أصبح مساهماً في صفقات السلاح والطاقة، وأقام شبكةَ علاقاتٍ في البيت الأبيض والكونغرس والإعلام. أما نبيل فهمي، السفير المصري في واشنطن في التسعينيات، فساهم في إدارة ملفات المساعدات والعلاقات الأمنية. وكذلك عمرو موسى الذي شغل منصب مندوب مصر في الأمم المتحدة، قبل أن يصبح وزيراً للخارجية. كما هو الحال مع يوسف العتيبة، السفير الإماراتي السابق في أمريكا. يتجاوز العتيبة دور السفير التقليدي. فخبرته بالمؤسسات الأمريكية وصِلاته الواسعة بصنّاع القرار جعلته قناةً مباشرةً بين القيادة الإماراتية والإدارة الأمريكية.
ويُمكن القول إن ما يقدّمه توماس برّاك ليس قطيعةً مع الماضي، بقدر ما هو إعادة إنتاجٍ للنفوذ الأمريكي بأدواتٍ أكثر مباشرة. فبينما يُقدَّم على أنه رجل أعمالٍ ووسيطٌ دبلوماسيٌّ، تبقى صِلاته الشخصية بترامب وحكّام الخليج مفتاح نفوذه. وتصبح تهم الفساد وخلفيته المثيرة الجدلَ مجرّد تفصيلةٍ إضافيةٍ، في مشهدٍ تظهر فيه الإدارة الأمريكية منظومةً قائمةً على الصفقات.

