هاني شنودة.. نصف قرن من الموسيقى وتحولات المجتمع المصري  

عاش المؤلف الموسيقي الراحل هاني شنودة عمراً من الموسيقى وسط موجات تحول سياسي واجتماعي جارفة اكتنفت المجتمع المصري. فكان حضوره في المشهد الموسيقي وتواريه عنه حتى الرحيل، موازياً لتلك الموجات مداً وجزراً.

Share
هاني شنودة.. نصف قرن من الموسيقى وتحولات المجتمع المصري  
هاني شنودة يظل حاضراً بأعمال تجاوزت زمنها | تصميم خاص بالفراتس

"الشوارع حواديت.. حوداية الحب فيها وحوداية عفاريت.. اسمعي يا حلوة لما اضحكك.. الشارع دا كنا ساكنين فيه زمان.. كل يوم يضيق زيادة عن ما كان. اصبح الآن بعد ما كبرنا عليه.. زي بطن الأم مالناش فيه مكان".

في يوليو 2020 قابلتُ هاني شنودة لتسجيل لقاء مصور. كان يتحدث عن الموسيقى والمشروعات القادمة بحماس، وكأن أمامه متسعاً طويلاً لكل ما يريد أن يفعله. بعد ست سنوات وفي يوليو 2026، رحل المؤلف الموسيقي ومؤسس فرقة "المصريين" وأحد أوائل من جعلوا من الموزع الموسيقي صانعاً أساساً في الأغنية العربية.

وأنا أستعد لكتابة هذا النص بعد رحيله، عدت إلى تسجيل اللقاء. وسط الحديث، توقفت عند جملة قالها بابتسامة مطمئنة ووجه ممتلئ بالصحة والأمل: "أنا دلوقتي 79 سنة، والسنة الجاية حتم الثمانين، لي 5 سنين بصحة والباقي بقى زي ما ربنا يريد". وقتها بدت الجملة عابرة وسط حديث رجل منشغل بمشروعات فنية كثيرة قادمة. أما الآن بعد رحيله، بدا وقعها مختلفاً.

كان هاني شنودة واحداً من الأصوات التي منحت موسيقى السبعينيات والثمانينيات والتسعينيات ألوانها الخاصة، ورافقت أجيالاً تخبطت وحلمت وأُحبطت كثيراً. موسيقاه لم تبقَ بعيدة عن تفاصيل الحياة اليومية ما جعلها قابلة للاستعادة حتى من أجيال لم تعش المراحل الزمنية التي سكنت موسيقاه. 

استعاد من كتبوا عن هاني شنودة بعد وفاته سيرته منطلقين من أهمية فرقته "المصريين" وسجلِّها الغنائي والموسيقي المتميز الذي وقف وراءه شنودة. بينما ركز آخرون على موسيقاه تأليفاً وتوزيعاً التي غيرت من صوت بعض كبار المطربين وحضورهم أمثال نجاة الصغيرة وأحمد عدوية. عرفت مصر قبل فرقة المصريين فرقاً موسيقية أخرى تقدم أغانيها الخاصة ذات المزاج الشرقي، مثل فرقة "النهار" لمحمد نوح سنة 1974 وفرقة "نجوم مصرية" لأحمد صبرة. لكن لموسيقى شنودة وحضوره بُعداً آخر، تكاد الموسيقى تصنعه بمعزلٍ عن صاحبها المهذب الخجول خفيض الصوت بادي التواضع. فعلى مدار ستين عاماً من العطاء الفني، ظل هاني شنودة وموسيقاه يحضران ويتواريان عن دائرة الضوء بحضور صوت التغيير الاجتماعي وغيابه في مصر. كأن موسيقاه رسمت – بلا قصد منه – سيرة تغيرات وتناقضات المجتمع المصري في ستة عقود من التقلبات.  


لم تكن مصر التي ولد بها هاني شنودة سنة 1943 تشبه مصر الآن، مع أنها كانت تعيش أجواء الحرب العالمية الثانية. إذ كانت مصر حينها تستعد لتحول غيَّر من شكل الحكم والمجتمع وتركبيتهما في أقل من عقد، لكن الحركة الفكرية والأدبية والموسيقية لم تتباطأ ولم يصبها الركود.

في النصف الأول من القرن العشرين، شهدت مصرُ تنوعاً ثقافياً نتيجة عقود من استقبال الهجرات عربية وأجنبية، مدفوعة باضطرابات سياسية واجتماعية شهدتها المنطقة العربية وأوروبا منذ بدايات القرن.  واشتركت تلك الهجرات مع التحولات السياسية الكبرى التي شهدتها المنطقة، بداية من حرب فلسطين 1948 ثم ثورة يوليو في مصر 1952 وأزمة السويس 1956 وصولاً إلى سياسات التأميم في الستينيات، في صناعة حركة سياسية واجتماعية صبغت مصر في منتصف القرن العشرين.

في هذه البيئة الاجتماعية نشأ هاني شنودة ابناً لطبقة وسطى تنمو وتتسع قاعدتها وتطمح إلى التعليم والترقي الاجتماعي. وُلد لأب صيدلي وأم تجيد الغناء والعزف على البيانو والعود، والتحق بمدارس حكومية ظل يتحدث عنها بعد عقود باعتزاز في لقاءاته التلفزيونية والإذاعية. إذ يرى أن المدرسة لم تمنحه المعرفة وحدها، وإنما دربته على الملاحظة والتحليل والتفكيك وإعادة إنتاج المعرفة والتفكير. وكان شنودة المسيحي يستعيد في لقاءاته أحاديث نبوية وحكايات من التاريخ الإسلامي بصورة تكشف عن طبيعة البيئة الثقافية التي نشأ داخلها. بيئة كانت الشعائر والعادات الشعبية فيها تتجاوز في كثير من الأحيان أديان أصحابها، ويجمع التبرك بآل البيت والسيدة العذراء، وتتداخل في الذاكرة المصرية أصوات التواشيح مع التراتيل والترانيم.

شكلتْ طنطا حيث وُلد ونشأ المؤلف الموسيقي الراحل، وقتئذ مركزاً لتجارة القطن وصناعته ومحطة مهمة على خط السكك الحديدية بين القاهرة والإسكندرية. جذبتْ أهميتها الاقتصادية جالياتٍ أجنبية مختلفة من اليونانيين والإيطاليين وأبناء منطقة الهلال الخصيب، ممن ارتبطوا بالنشاط التجاري في المدينة. ولأن طنطا مستقر مسجد القطب الصوفي السيد أحمد البدوي وضريحه، تستضيف سنوياً احتفال مولده الشهير. ولذلك أحيطت طفولة شنودة بعالم الإنشاد والاحتفالات الشعبية التي كانت تستقطب فناني الموسيقى الشعبية والإنشاد الصوفي من مختلف أقاليم مصر. فشكلت جانباً من الذائقة الموسيقية لهاني شنودة.

في الفترة عينها، شكلت الإذاعة المصرية منبراً لنشر الموسيقى وألوان من الفنون العربية التي كانت تصل إلى كثير من البيوت المصرية، لاسيما بيوت الطبقة الوسطى التي امتلك أبناؤها أجهزة المذياع.  وذكر لي هاني شنودة في لقائي معه أن وجود بيانو وعود في بيت أسرته لم يكن أمراً استثنائياً، بل ملمحاً حرصت عليه كثير من الأسر في محيطه. وكانت حجرة البيانو مكانه المفضل حيث كان يجلس إلى جوار أمه ويتلقى دروسه الأولى في الموسيقى، ومنها انتقل إليه حب الموسيقى والعزف. أما الغناء فلم تشجعه عليه كثيراً، فقد كانت - بحسب ما ظل يروي ساخراً - تصف صوته بأنه "نشاز". تزامنت تلك المرحلة في حياته مع عقد الخمسينيات الذي شهد تعزيز إمكانات الطبقة الوسطى بسبب قرارات اجتماعية واقتصادية اتخذتها السلطة الجديدة التي تولت الحكم بعد سنة 1952. إذ لم تكن الهجرات الواسعة للأجانب في أعقاب حركة يوليو قد بدأت بعد. وكانت التغيرات الطبقية بين المصريين بغير معزل عن الحياة الثقافية والاجتماعية التي ظلت تتمتع بالتعددية وقتئذ.

في تسجيله معي سنة 2019، تحدث هاني شنودة عن أثر ما كان يشهده مجتمعه الصغير في طنطا في الخمسينيات من تعددية ثقافية واجتماعية، وكذلك ما كانت تبثه الإذاعة المصرية وقتئذ، في تكوينه الموسيقي. فبين الاستماع إلى أغاني أم كلثوم التي تعزفها وتغنيها والدته، والأغاني الغربية التي كانت تستمع إليها شقيقته في إذاعة البرنامج الأوروبي في الإذاعة، وأغاني المنشدين في الموالد وعزف الفرق اليونانية في نوادي السهر تكوّن مخزونه الموسيقي الأوليّ. وقد ظهرت آثاره لاحقاً فيما كانت تعزفه فرقته الموسيقية الأولى التي شكلها مع عدد من زملاء مدرسته الثانوية. إذ قدموا عروضهم بلا مقابل في أندية طنطا الاجتماعية وكانت تلك التجارب المبكرة خطوة في انتقال الموسيقى عنده من هواية إلى مسار أراد احترافه. وهذا ما دفعه إلى الإصرار على الالتحاق بالمعهد العالي للتربية الموسيقية في القاهرة سنة 1961، قبل أن يصبح لاحقاً كلية التربية الموسيقية. ومن طنطا إلى القاهرة، كان شنودة يقطع الرحلة يومياً بالقطار بتذكرة مجانية، في بداية عقد كانت مصر فيه على أبواب تحول سياسي واجتماعي جديد. 

وقد تحدث هاني شنودة في لقائي معه عن  أبناء جيله، وشعورهم بالاغتراب. لذا لم يكن غريباً أن يزداد نزوع الفرق الموسيقية الشابة وقتئذ للموسيقى الغربية خاصة أن ذلك الميل تزامن مع صعود فرقة "البيتلز" الإنجليزية وتأثر الفرق المصرية بموسيقى "روك آند رول". فأصبح تكسير القوالب حاضراً لدى المثقفين والفنانين. وفي هذا المناخ، كانت فرقة "لي بيتي شاه" تخطو خطواتها الأولى في صيف 1967، قبل حرب يونيو بأيام. 

تخصصت فرقة "لي بيتي شاه" في عزف الأغاني الأجنبية التي حققت نجاحاً وشهرة عالمية، سواء كانت إنجليزية أو فرنسية أو إيطالية أو إسبانية، حتى الأغاني الإفريقية. التحق هاني شنودة بالفرقة في البداية بديلاً للفنان عزت أبو عوف، الذي ابتعد عنها في ذلك الوقت مؤقتاً لأداء امتحانات كلية الطب. ومن "لي بيتي شاه" تعرف شنودة على خالد وحكيم، نجلي الرئيس الأسبق جمال عبد الناصر، اللذين كانا يترددان للاستماع إلى الفرق التي تقدم الموسيقى الأجنبية. وكان لخالد وحكيم عبد الناصر أثر كبير في تجربة صديقهما هاني شنودة، إذ أمدّاه بالإسطوانات الأجنبية التي لم تمسسها أيدي رقابة الدولة. وجد شنودة أمامه بذلك مادة موسيقية مختلفة، فبدأ يفكك الألحان ويحلل الكلمات، ومع صعود "لي بيتي شاه"، طالت سهام النجومية هاني شنودة كما طالت عدداً من أفراد الفرقة من بينهم جورج لوكاس وعزت أبو عوف وفريدي رزق وتيمور قوطة ونينو فارس وعمر خيرت وصادق قليني، إلى جانب مؤسسها وجدي فرنسيس.

هذه التجربة الموسيقية لم تتشكل بمعزل عن التحولات التي كان يعيشها المجتمع المصري نفسه. فبينما كان شنودة وأبناء جيله يوسّعون مصادرهم الموسيقية، كانت مصر تدخل مرحلة مختلفة أعادت ترتيب مزاجها العام وما تنتظره من الفن. ودفعت سنوات ما بعد هزيمة 1967 جيلاً كاملاً إلى التساؤل والبحث عن صوت وهوية. 


حسم انتصار سنة 1973 مرحلة البحث عن الهوية، وأعاد نصر أكتوبر الثقة إلى المجتمع المصري بعد آثار الهزيمة والتخبط، بحسب شهادة شنودة في لقائي معه. وبأثرٍ من انفتاح سياسي محدود صاحب التغير في المزاج الاجتماعي، برزت في الأدب والموسيقى والسينما موضوعات البطولة والتضحية واستعادة الكرامة الوطنية. وتكونت فرق موسيقية جديدة ذات ألوان موسيقية حاولت التقريب بين المزاج الغربي والألوان الموسيقية والشعبية، مثل فرقة "النهار" لمحمد نوح سنة 1974. 

وساهم عددٌ من الشعراء أمثال عبد الرحمن الأبنودي وسيد حجاب وصلاح جاهين، في إعادة صياغة لغة الأغنية المصرية. فنقلوا التحولات السياسية والاجتماعية إلى كلمات أقرب إلى حياة الناس ومزاجهم، من الهزيمة والحرب واستعادة الثقة إلى تفاصيل الحياة اليومية، خاصة قبل التحولات التي صاحبت الانفتاح الاقتصادي في النصف الثاني من السبعينيات.  

والتفت كثير من الأدباء والصحفيين إلى أهمية رصد اللحظة الراهنة في أعمالهم، فعمل جمال الغيطاني مراسلاً حربياً وكتب نصوصاً مستوحاة من تجربته. وتناول نجيب محفوظ في أعماله تحولات المجتمع المصري بعد الحرب والانفتاح الاقتصادي أكثر من تناوله الحرب نفسها.

وكان هاني شنودة في قلب تلك التحولات. فمنذ أواخر الستينيات خاض تجربة العزف ضمن الفرق التي تخصصت في تقديم الأغاني الأجنبية ونجحت في جذب قطاع واسع من الشباب. ثم حدثت قصتان دفعتا شنودة للتفكير في تقديم أغنية مصرية حديثة تحتفظ بلغة وهوية محلية، وتحمل في الوقت نفسه روح الفرق الجديدة وتخرج من قالب الأغنية الطويلة السائد.

القصة الأولى عندما دار حوار بينه وبين نجيب محفوظ في حفل قدمته فرقة "لي بيتي شاه" في الإسكندرية. يذكر هاني شنودة في حوار مع أخبار اليوم نشر في ديسمبر 2019، أن نجيب محفوظ لم يعجب بما تقدمه الفرقة، ووصفه وزملاءه أنهم "زوبعة في فنجان"، فرد عليه منفعلاً بانتقادات للأغنية الشرقية الطويلة السائدة. لكن نجيب محفوظ تركه مع جملة ظل صداها يتردد في أذنه: "لا تستبدل شهوة العمل بشهوة الكلام". كان المعنى واضحاً لشنودة، بدلاً من الاكتفاء بانتقاد شكل الأغنية السائدة، عليه أن يقدم البديل بنفسه.

أما القصة الثانية فكانت مع عبد الحليم حافظ الذي كان يبحث عن صيغة موسيقية جديدة، يستطيع بها الوصول إلى شريحة الشباب التي انجذبت إلى الفرق الموسيقية وابتعدت عن القوالب الغنائية التقليدية. يحكي لي في لقائنا أن عبد الحليم بدأ يتردد على حفلات لي بيتي شاه، ثم دعا شنودة عبدَ الحليم إلى منزله في الزمالك وأطلعه على أحدث الأجهزة الموسيقية التي كانت تمثل آنذاك صيحة في عالم الموسيقى. وهناك عرض عبد الحليم على شنودة فكرة تكوين فرقة موسيقية صغيرة ترافقه بأسفاره، وتعيد توزيع أغانيه وألحانه بصورة حديثة. لكن القدر لم يمهله للعمل مع الفرقة الصغيرة التي كونها شنودة. ظلت الفكرة عالقة في ذهن شنودة، فرقة صغيرة وصوت موسيقي حديث وأغنية مصرية تستطيع مخاطبة الجيل الجديد ومشاكله الاجتماعية. وهنا التقت نصيحة نجيب محفوظ بتجربة عبد الحليم في مشروع واحد ليؤسس شنودة سنة 1977 فرقة "المصريين"، بأعضائها هاني الأزهري وتحسين ألمظ، ثم أضاف إليهما الشاعر صلاح جاهين مع صوت إيمان يونس ومحمود قاسم.

وبداية من النصف الثاني من السبعينيات، وتحديداً مع إصدار "ورقة أكتوبر" التي طرح فيها السادات رؤيته للتحول الاقتصادي، وبدء سياسات الانفتاح، دخل المجتمع المصري مرحلة جديدة اتسعت معها الفجوة بين الطبقات الاجتماعية، وظهرت طبقات جديدة من التجار المتنفذين. وتجلّت تلك التغيرات الاجتماعية في تغير أنماط الاستهلاك ومعايير الصعود الاجتماعي، فتغيرت معها أنماط تلقي الفن ومن ثم صناعته. فظهرت آثار الانفتاح على الحياة الثقافية مع اتساع دور القطاع الخاص في الإنتاج السينمائي والمسرحي والغنائي، وبروز موضوعات مثل الثراء السريع والهجرة إلى دول الخليج. وفي قلب هذه التحولات، انتشر شريط التسجيل وسيطاً جديداً في الشوارع والبيوت والسيارات، فاتحاً طريقاً مختلفاً عن الوسائط التقليدية التي خضعت لهيمنة الدولة في الستينيات، وفي مقدمتها الإذاعة والتلفزيون. 

ومع شريط التسجيل، انحسرت تلك الهيمنة ووجدَت أصواتٌ جديدة وسيلةً للوصول إلى الجمهور وسوقاً خارج مؤسسات الإنتاج والبث التقليدية. وهنا تلاقت تجربة هاني شنودة الموسيقية مع مجموعة من شعراء العامية المصرية، أمثال عبد الرحيم منصور وعصام عبدالله ومجدي كامل وشوقي حجاب وسيد حجاب ومحمد حمزة وأحمد فؤاد نجم وصلاح جاهين. وكان جاهين الأكثر تبنياً لتجربة فرقة المصريين وكتب أكثر أغانيها وأشهرها، من بينها "متحسبوش يا بنات" و"ماشية السنيورة" و"ولد وبنت"، و"ماما ستو" و"الشوارع حواديت". وبهؤلاء الشعراء وهذه الأغاني، أصبح هاني شنودة ومعه فرقة "المصريين" صوتاً يلتقط قضايا المجتمع المصري وتحولاته، وكان من بينها تنامي حضور المرأة في الحياة العامة. 

حرص هاني شنودة على أن يكون للمرأة صوت داخل أغاني الفرقة يطرح قضاياها. يقول لي: "إحنا بقى من تحت لتحت دافعنا عن المرأة، ليه؟ إصلاح المرأة في الدول العربية هو إصلاح للوطن، إصلاح أحوال المرأة هو إصلاح لمصر". ولذلك قدمت الفرقة أغانيَ عدة من بينها "حرية"، فصنعت فرقة "المصريين" لنفسها لوناً مختلفاً عن غيرها من الفرق التي نشأت بعدها. من تلك الفرق، فرقة "فور إم" لعزت أبو عوف وأخواته الأربع، وفرقة "الأصدقاء" لعمار الشريعي وسيد حجاب، وفرقة "طيبة" لمودي وحسين الإمام. 

وسط وهج الفرقة ونجاحها الكبير، انهال الطلب على هاني شنودة ملحناً وموزعاً ومؤلفاً للموسيقى التصويرية من عدد من الفنانين الناجحين. إذ أراد الفنانون الظهور بحلة جديدة تناسب العصر ومزاج جمهور شاب نهم لأشرطة التسجيل والألحان السريعة. ولم يبتعد شنودة في أعماله الجديدة عن اهتمامه بالتقاط ما يجري في الشارع والمجتمع. فعندما طلب منه صديق مراهقته في طنطا عاطف منتصر، صاحب شركة "صوت الحب" المنتجة أغاني الفرقة، التلحين لأحمد عدوية اختار أغنية "زحمة يا دنيا زحمة" من كلمات حسن عتمان. والسبب أنه كان يؤمن بأن الأغنية تعالج مشكلة اجتماعية حاضرة في الشارع المصري، بما فيه من زحام وعشوائية. ويروي شنودة في حديثه مع مصطفى حمدي في مذكراته "مذكرات عراب الموسيقي هاني شنودة" أثر الأغنية في الشارع: "كان سائقو التاكسي يرفعون صوت الأغنية في (كاسيتات) سياراتهم وهم يمرون أمام عساكر المرور والضباط في الإشارات، ويستفزونهم وهم يغنون (مولد وصاحبه غايب)". ويرى أن الجملة نفسها كانت أشبه بصفعة على وجه صاحب المولد "الغايب" عن أداء دوره.

ويواصل روايته بأن الأمر تجاوز نجاح الأغنية وانتشارها. فبعد أسبوعين فقط من طرح الشريط في الأسواق بحسب روايته، وصلت تقارير إلى الرئيس السادات بما يحدث في الشارع. فأعلن السادات إعادة الانضباط إلى الشارع المصري وأمر بنزول حملات مرورية في شوارع العاصمة لضبط حركة المرور وإيقاف السائقين المخالفين. وكثفت وزارة الداخلية الحملاتِ الأمنية لمواجهة السرقة والنشل في المواصلات العامة. ويقرأ شنودة تلك القرارات رداً سياسياً غير مباشر على ما كانت تقوله الأغنية، ويقول "كان السادات بهذه القرارات يعلن على الملأ أن المولد صاحبه حاضر ولم يغب، كأنه يرد على صرخة عدوية التي لم تغب".

وبالتوازي مع تجربته في الأغنية والفرق الموسيقية، فُتح أمام هاني شنودة منذ نهاية السبعينيات مسار آخر في الموسيقى التصويرية للسينما والتليفزيون. ويسترجع شنودة في تسجيله: "سنة 1979 أنا كنت قاعد في حالي لا بيا ولا عليا، لقيت المخرج هنري بركات كلمني ـ هنري بركات بنفسه ـ وقال لي: تونة عايزاك تعمل الفيلم الجديد بتاعها (لا عزاء للسيدات). قلت له: تونة مين؟ أنا مواليد طنطا ما أعرفش الدلع والحاجة دي. قال لي: فاتن يا أخي. قلت له: طيب قول فاتن". ذهب شنودة لأخذ "مقاسات" الفيلم (أي تحديد المشاهد التي تحتاج إلى موسيقى وتوقيت دخولها وخروجها بما يتوافق مع الصورة)، لكنه كان أمام تجربته الأولى في الموسيقى التصويرية. فسأل بركات عن سبب اختيار فاتن حمامة إياه مع أنه لم يضع موسيقى فيلم من قبل. وجاءه الرد بأنها سمعت شريط فرقة "المصريين"، وتأثرت بأغنيات منها "الشوارع حواديت" و"ماما ستو" و"متحسبوش يا بنات"، ورأت بحسب رواية شنودة أن "الواد ده دراماتورجي بيدخل الحياة في الأغنية".

بعدها استمر هاني شنودة في وضع الموسيقى التصويرية وموسيقى المقدمات للعديد من المسلسلات والأفلام السينمائية، في مسيرة قاربت مئة وخمسين عملاً. وكعادته، ظل يقرأ نجاح إنتاجه بعيون الناس ومشاعرهم، لا بحكمه الشخصي عليه. يقول لي: "الحقيقة المقياس الناس مش أنا. يعني لما يعملوا من [لحن] شمس الزناتي إعلان [. . .]، ده نجاح. لما بقت دي النهاردة أشهر تيمة أو موتيفة في الوطن العربي كله، هي شمس الزناتي. فأنا رأيي إن الجمهور هو المتذوق الأول والوحيد. سيبكوا بقى من رأي الفنان، لأن إحنا بنعمل اللي نقدر عليه واللي ربنا بيفتحها علينا فيه، لكن غير كده أظن إن الجمهور هو الحكم الأول والوحيد".

ولم يتوقف دور هاني شنودة عند صناعة تجربته الخاصة مع فرقة "المصريين" أو انتقاله للموسيقى التصويرية، فقد ارتبط اسمه أيضاً باكتشاف أصوات أصبحت لاحقاً من أبرز نجوم الأغنية المصرية، وفي مقدمتهم محمد منير وعمرو دياب. جاءت علاقته بمنير عن طريق الشاعر عبد الرحيم منصور الذي عرّفه إلى المطرب الشاب، فوجد شنودة فيه الموهبة التي كان يبحث عنها. وفي تجربتهما الأولى، مزج فرقته الموسيقية بالدفوف والإيقاعات النوبية، وقدم منير في مجموعته الغنائية الأولى "علموني عينيكي" سنة 1977 ولحن له أربع أغانٍ وتولى توزيع المجموعة كاملة. ولم يحقق الشريط الأول الانتشار الذي كانا ينتظرانه، وهو ما أرجعه شنودة إلى محدودية انتشار أجهزة التسجيل في ذلك الوقت، قبل أن يعود للعمل مع منير في مجموعة "بنتولد" ولحن له ثماني أغانٍ ليحقق نجاحاً أوسع.

أما عمرو دياب، فبدأت حكايته مع شنودة من حفل لفرقة "المصريين" في بورسعيد. تقدم دياب، وكان لا يزال في بداية طريقه، إلى شنودة بعد انتهاء الحفل وطلب منه أن يستمع إليه. وبعد أن غنى أمامه، رأى شنودة أن لديه صوتاً جيداً وحضوراً مناسباً، لكنه اعتبر أن أمامَه عقبتان، لهجتُه البورسعيدية وبقاؤه في بورسعيد بعيداً عن مركز صناعة الموسيقى في القاهرة. نصحه بالانتقال إلى العاصمة إذا كان جاداً في احتراف الغناء، ليفاجأ به في اليوم التالي وقد قرر تنفيذ النصيحة والذهاب إلى القاهرة. وساعده شنودة بعد ذلك في طريقه إلى دراسة الموسيقى، وظل يتابع خطواته في بداياته.

كانت نهاية السبعينيات وبداية الثمانينيات فترة تأرجح اجتماعي واقتصادي لكل فئات المجتمع، ترافقت مع صعود التيارات الإسلامية، وقبضة الدولة التعسفية وحملات الاعتقالات التي انتهت باغتيال الرئيس السادات بعد شهر من اعتقالات سبتمبر 1981. وبدأ ركود التسعينيات يلوح مع ملامح الأزمة الاقتصادية والاجتماعية الخانقة التي شهدتها مصر في ذلك الوقت. ومعه بدأت مشروعات شنودة الفنية تتجه للخمول والتراجع.  


بحلول نهاية الثمانينيات، ومع ضغوط الديون الخارجية المتراكمة وارتفاع معدلات التضخم داخلياً، تراجعت الحياة الثقافية وتباطأ الإنتاج الفني في مصر. فقل عدد الأفلام السينمائية المُنتجة وراجت "سينما المقاولات" منخفضة التكلفة فقيرة النصوص والعناصر الفنية، فتراجع حضور هاني شنودة وغيره من المؤلفين الموسيقيين في السينما. في الوقت عينه، كانت فرقة "المصريين" تفقد تدريجياً عدداً من مشاركيها الذين قامت عليهم تجربتها. 

 ويروي شنودة أن أول غياب جاء بعد المجموعة الغنائية الثالثة وأثناء الإعداد للمجموعة الرابعة، عندما قررت إيمان يونس الزواج وكان زوجها يرفض استمرارها في الغناء. حاولت الفرقة تجاوز غيابها بالاستعانة بتلميذتها راندا، التي أكملت المجموعة الغنائية التي بدأتها إيمان، لكن الفرقة توقفت بعدها فترة. ثم حاول شنودة إعادة التجربة مرة أخرى مع منى عزيز، صاحبة أغنية "ماشية السنيورة"، قبل أن تتزوج أيضاً وتهاجر إلى سويسرا، لتتوقف الفرقة للمرة الثانية.

ولم تكن مغادرة الأصوات النسائية الخسارة الوحيدة. فقد توفي تحسين يلمظ أحد العناصر الأساس في الفرقة، وكذلك صلاح جاهين وعبد الرحيم منصور في عقد الثمانينيات، وهما من الشعراء الذين ارتبطوا بتجربة الفرقة الغنائية. ويستعيد شنودة هذه الخسارات أحدَ أسباب عدم استمرار الفرقة، قائلاً إنه شعر بعدها بأن "جزءاً كبيراً [من أثر الفرقة] مات"، وفضل ترك نجاح الفرقة كما تحقق، مرتبطاً بأسماء الذين صنعوه، بدلاً من محاولة إعادة إنتاج التجربة بتكوين مختلف.

وفي المقابل استقبلت الساحة الموسيقية أسماء جديدة أبرزها حميد الشاعري. قدم الشاعري نفسه بأنه صاحب تصور مختلف لشكل الأغنية. كان يصف نفسه بأنه مؤدٍ يعتمد على الأجهزة الموسيقية الحديثة لصنع موسيقى مختلفة عما سبقها. وتحول إلى ملحن وموزع. التشابه بين تجربتي شنودة والشاعري في استخدام الآلات الإلكترونية وتغيير شكل الأغنية يخفي اختلافاً في المشروع الذي انطلق منه كل منهما. فلم يكن التجديد الموسيقي عند شنودة منفصلاً عن البحث عن أغنية تعبّر عن التحولات التي يعيشها المجتمع وعن لغة جيل جديد. فارتبط اختلاف الصوت الموسيقي باختلاف الموضوعات والكلمات والشخصيات التي دخلت الأغنية. أما حميد الشاعري فظهر في لحظة مختلفة، وكان مشروعه أكثر انشغالاً بتغيير الصوت الموسيقي نفسه، معطياً الأولوية للإيقاع والتوزيع والأجهزة الإلكترونية وطريقة أداء الأغنية وإنتاجها.

وهنا تكمن المفارقة بين الرجلين. شنودة كان من أصحاب المحاولات المبكرة لتغيير شكل الأغنية المصرية باستخدام الآلات الإلكترونية والخروج من القالب الغنائي الطويل. وعندما أصبحت هذه الرغبة في التجديد جزءاً من سوق جماهيري واسع في الثمانينيات والتسعينيات، برز حميد الشاعري لتصدرها. ولم يكن صعود حميد الشاعري منافسة على الموقع نفسه. إذ يمكن قراءة العلاقة بين التجربتين تعاقباً أكثر منها منافسة. فشنودة كان واحداً ممن فتحوا الطريق أمام تحديث شكل الأغنية المصرية وجاء حميد الشاعري في مرحلة أصبح فيها هذا النوع من التجديد قادراً على التوسع داخل سوق أشرطة التسجيل وصناعة الأغنية نفسها.

في المقابل، لم يعنِ ابتعاد فرقة المصريين عن المشهد نهاية تجربتها. فقد نشأت الفرقةُ وتطورت في قلب التحولات الاجتماعية التي عاشتها مصر منذ السبعينيات، لذا وجدت طريقها إلى الظهور من جديد كلما تغير المجتمع وظهرت أجيال تبحث عن أشكال مختلفة للتعبير عن نفسها. 


جاءت الألفية الجديدة بتحولاتها السياسية والثقافية لتفتح مساحة أخرى لعودة الفرقة وأغنياتها، ولكن هذه المرة أمام جمهور مختلف وفي سياق مختلف عن ذلك الذي صنع نجاحها الأول. ويتذكر هاني شنودة في حواري معه مكالمة تلقاها من أولى مطربات الفرقة إيمان يونس سنة 2009، عرضت فيها العودة للغناء مع الفرقة، بعدما قدمت "المصريين" عدة حفلات في ساحة ساقية الصاوي. وبعد الاتفاق مع إيمان يونس على العودة عقدا عدة جلسات لوضع ملامح المرحلة الجديدة، وقررا البدء بالأغنيات القديمة التي لا يزال الجمهور يتذكرها، ثم تقديم الأعمال الجديدة تدريجياً لإعادة الصلة بين الفرقة وجمهورها. 

لكن المؤلف الموسيقي الراحل استوعب الدرس سريعاً، فالآذان الجديدة وإن أحبت الأغاني القديمة للفرقة ووجدوها لا تزال صالحة للتعبير عنهم، لكنها لم تستقبل محاولات استعادة التشكيل القديم بالحماس نفسه. فاتجه شنودة وإيمان إلى تكوين الفرقة من جديد بأصوات شابة. انضم أيمن وفادي اللذان تعرفا إليهما من دورات للصوت والغناء، ثم لحقت بهما عفاف. ولم يكن تغيير الأعضاء وحده كافياً لشنودة، فأراد تغير الصوت الموسيقي نفسه حتى لا تبدو الفرقة "من الزمن القديم". أعاد التفكير في دور الوتريات وإدخال آلات جديدة واستخدامها بطرق مختلفة، والتغيير في المقدمات الموسيقية وانتقاء الكلمات، بحثاً عن صيغة تجمع اللون الذي عُرفت به الفرقة مع التطورات الجديدة في سوق الغناء.

ووضع شنودة الجمهور في قلب هذه المحاولة، حتى إنه تحدث عن استطلاعات لمعرفة آراء جمهور الفرقة فيما تقدمه، معتبراً أن الحفاظ على لون "المصريين" القديم لا يتعارض مع مزجه بالموسيقى الحديثة، وأن الاستعانة بأصوات شابة يمكن أن تحقق ما وصفه بتواصل الأجيال. وبدا له أن التجربة نجحت في اختبارها الأول، إذ فوجئ في حفل ساقية الصاوي في 2010 باستقبال الشباب والكبار للأغنيات التي قدمتها إيمان يونس، ومنها أعمال تراثية لنجاة وعبد الحليم حافظ أعادت الفرقة تقديمها بأسلوبها الخاص. وفي المقابل، كان شنودة واعياً بأن الفرقة التي عادت لم تعد الفرقة نفسها التي غابت. كان رحيل صلاح جاهين تحديداً يمثل خسارة تتجاوز غياب كاتب أغنيات. فقد وصفه شنودة بالشخص الذي كان يعود إليه باستمرار ويعتز برأيه في الموسيقى والفن، وقال إن الفرقة من دونه "بلا طعم".

لم تنته محاولة إعادة "المصريين" التي بدأت في 2009 و2010 سريعاً، لكنها لم تستعد أيضاً شكل الفرقة التي عرفها جمهور السبعينيات والثمانينيات. وواصلت الفرقة تقديم حفلات متفرقة في السنوات التالية، وظهرت في ساقية الصاوي مجدداً في 2013، قبل أن تشارك في 2015 في عدد من حفلات مبادرة "صيف ولادنا" التابعة لوزارة الثقافة في الأقصر وشرم الشيخ وبورسعيد، إلى جانب مشاركتها بنفس العام في مهرجان الأوبرا الصيفي. 

واتجه شنودة إلى تجديد أعضاء الفرقة. وبحلول 2017 بالذكرى الأربعين لتأسيسها، ظهرت في بعض حفلات الأوبرا تحت اسم "فرقة المصريين ونجوم المستقبل". شارك فيها عدد من المطربين الشباب لتتحول تدريجياً من فرقة تقوم على مجموعة ثابتة من الأعضاء، إلى مشروع موسيقي يحتفظ باسمه ورصيده ويستوعب أصواتاً من أجيال جديدة. ومع تجديد الأعضاء لم يصاحب هذا إنتاج جديد بالحجم الذي عرفته الفرقة في مرحلتها الأولى، فظلت أغان مثل "الشوارع حواديت" و"ماشية السنيورة" و"متحسبوش يا بنات"، تتصدر برامج الحفلات. ومع نهاية العقد الثاني من الألفية  بدأ حضور الفرقة يميل أكثر إلى استعادة رصيدها وتاريخها. ففي 2018 ظلت الفرقة تقدم حفلات تحت اسم "المصريين ونجوم المستقبل"، لكن أغنياتها القديمة بقيت العمود الأساس لبرنامجها. وفي السنوات التالية، خفت نشاط الفرقة في تقديم حفلات بانتظام، بينما استمر حضور هاني شنودة وأعمال الفرقة في الحفلات والتكريمات التي تستعيد مشواره ورصيد الفرقة. 


في لقائي مع هاني شنودة سنة 2019، كان موعده مع استعادة مختلفة لم يتوقعها. بثت شبكة "هولو" الأمريكية مسلسلاً جديداً كتبه وقاد بطولته شاب أمريكي مصري الأصل يدعى رامي يوسف. حمل المسلسل اسمه "رامي" وحملت موسيقى نهاية الحلقة ظهوراً مفاجئاً للحن "لونجا 79" (ومعناها مقطوعة موسيقية قصيرة ذات طابع سريع) لهاني شنودة، الصادر في ألبوم "حرية لفرقة المصريين سنة 1979، ليعطي المسلسل حياة جديدة وجمهوراً جديداً لموسيقى هاني شنودة التي اختارها رامي يوسف لتكون جسراً بينه وبين مصر التي تركها طفلاً. 

يشهد الاختيار على أن هاني شنودة يظل حاضراً بأعمال تجاوزت زمنها، لم تكتفِ بتسجيل صوت جيله. والتقطت محاولاته للعثور على لغة تخصه وسط مجتمع يتغير. من "الشوارع حواديت" التي خرجت من تحولات السبعينيات والثمانينيات، إلى أجيال موسيقية لاحقة عادت إلى الشارع نفسه لتبحث فيه عن حكاياتها وأسئلتها ومخاوفها.

وبعد عقود، تغني فرقة الروك المصرية كايروكي في ألبوم "ختام" 2026 "بنسيب مكان ونروح مكان" عن "نفس الشوارع، نفس المباني"، وعن شخص يمشي بينها بسماعاته، يستعيد أغنية قديمة وذكريات زمن مضى، ويتساءل إن كانت الشوارع لم تعد تتذكره أم أنه هو الذي أصبح شخصاً آخر. وبين الشارعين مسافة زمنية طويلة، تغيرت فيها مصر وتغيرت أجيالها ووسائط موسيقاها وأسئلتها. لكن بقيت الأغنية تفعل شيئاً قريباً مما فعله شنودة و"المصريين" في لحظتهما. تلتقط ما يجري خارجها ثم تعيده إلينا موسيقى نستطيع بها أن نرى أنفسنا. وربما لهذا ظلت أغنيات هاني شنودة قابلة لأن يعثر عليها جيل بعد آخر، لأنها لم تكن مجرد صوت لزمن مضى، وإنما حكايات مجتمع حاول في كل مرحلة، أن يجد صوته وسط شوارع تتغير، حتى وإن بدت أحياناً هي الشوارع نفسها.

اشترك في نشرتنا البريدية