بين التنظيم الذاتي والضبط.. القانون يُعيد تشكيل المجلس الوطني للصحافة في المغرب

قانون المجلس الوطني للصحافة قسَّم الصحفيين بدل توحيدهم، وأنهى الإجماع الذي رافق تأسيس المجلس، وفتح الباب أمام نشوء هيئات موازية وتنازعٍ على التمثيل.

Share
بين التنظيم الذاتي والضبط.. القانون يُعيد تشكيل المجلس الوطني للصحافة في المغرب
ضبط التوازن بين الشرعية المهنية والسياسية | خدمة غيتي للصور

ظهيرة الجمعة 28 نوفمبر 2025، وقف عشرات الصحفيين المغاربة أمام مقرّ وزارة الثقافة والاتصال في الرباط، واضعين شريطاً لاصقاً أحمر على أفواههم، في وقفةٍ صامتةٍ ترمز إلى تكميم الصوت. أعلن المحتجّون حينها رفضهم طريقة إدارة المجلس الوطني للصحافة، الذي أنشئ سنة 2018 هيئةً مهنيةً مستقلّةً أُنيطت بها مهامّ ضبط أخلاقيات المهنة وتنظيم الولوج إليها ومنح بطاقة الصحافة المهنية.

جاءت الوقفة بعد اختلالاتٍ كثيرةٍ كشفت عنها تجربة المجلس الوطني للصحافة، الذي كان يُفترض أن يكون وسيطاً بين الصحفيين والناشرين والمجتمع في المغرب. برزت تلك الاختلالات أوَّلاً في طريقة تعاطيه مع اعتقال صحفيين، ثم تعمَّقت مع أزماته الداخلية ومنها التمثيل والانتخابات، قبل أن تتوَّج سنة 2025 — أي بعد ثلاثة أعوامٍ من انتهاء ولايته الأولى — بتدخّلٍ حكوميٍّ تشريعيٍّ أعاد رسم تركيبته وصلاحياته. ففتح نقاشاً واسعاً عن أدواره وحدود استقلاليَّته، وعلاقته بالسلطة من جهةٍ والصحافة من جهةٍ ثانية.

لم يولد المجلس الوطني للصحافة مبادرةً حكوميةً صِرفة. فقد جاء استجابةً سياسيةً وقانونيةً لمطلبٍ مهنيٍّ تردَّد أعواماً داخل الصحافة، ولرغبةٍ في تنظيمٍ ذاتيٍّ يضع المهنة بين أيدي أهلها ويُبعدها عن منطق الوصاية الإدارية المباشرة، بنقل سلطة الضبط من وزارة الاتصال إلى الفاعلين المهنيين. غير أنَّ المسار الذي سلكه المجلس منذ تأسيسه نَقَلَ هذا المطلب من أفقٍ مهنيٍٍّ مستقلٍّ إلى سؤالٍ سياسيٍّ عن حدود الاستقلالية المؤسساتية في المغرب، وكيفية اشتغال الهيئات المستقلَّة حين تنتقل من التصوّر إلى العمل.

فبدل أن يستقرّ المجلس فضاءً مهنياً لتدبير أخلاقيات المهنة وتنظيم القطاع، وقع أسير اختلالاتٍ وأزمات. فانتهى الأمر بإعادة ضبطه تشريعياً بمسعى حكوميّ، في مشهدٍ يعكس نمطاً أوسع في علاقة السلطة بالمجالس المستقلّة. وبات المجلس، بعد إقرار قانونه الجديد، يقف بين منزلتين. لا إلغاءً صريحاً ولا صداماً مباشراً، بل احتواءً قانونياً يحافظ على الشكل المؤسسي ويعيد التحكّم في المضمون.


تجنَّب المغرب شرارة الربيع العربي بتعديلٍ دستوريٍّ أَعلن عنه الملك محمد السادس في خطاب التاسع من مارس 2011. نصَّ الدستور الجديد على ضماناتٍ لحرية الصحافة والنشر، مثل حظر الرقابة المسبقة وحق التعبير ونشر المعلومات. وهو ما فتح مشاوراتٍ موسَّعةٍ لإصلاح القانون الذي ينظم الصحافة والنشر، والذي كان قائماً على قوانين عُدّلت آخر مرّةٍ سنة 2002.

سنة 2012، أنشأت وزارةُ الاتصال اللجنةَ العلميةَ للحوار حول قانون الصحافة والنشر. وهي لجنةٌ استشارية لتأطير حوارٍ وطنيٍّ مع الفاعلين المهنيين والحقوقيين، بهدف إعداد تصوّرٍ إصلاحيٍّ لقانون الصحافة والنشر في المغرب. استقبلت اللجنة مقترحات الصحفيين والناشرين والنقابات والجمعيات، وشخَّصت ثغرات القانون القديم، ثم بدأت بلورة صيغٍ لإعداد مشروع قانونٍ جديد.

انتقل ملف قانون الصحافة من مرحلة النقاش المهني إلى مرحلة الإعداد التشريعي داخل الحكومة، ممثلةً بوزارة الاتصال. وفي يونيو 2016، صادق البرلمان على ثلاثة مشاريع قوانين مترابطةٍ، هي قانون الصحافة والنشر والقانون الأساسي للصحفيين المهنيين وقانون المجلس الوطني للصحافة. وقد ألّفت جميعها مدوَّنة الصحافة والنشر الجديدة.

لم يبصر المجلس الوطني للصحافة النور فعلياً إلا بعد عامين من صدور قانونه، بسبب صراعاتٍ على من له حق التصويت وكيفية تشكيل اللوائح. وفي يونيو 2018، نُظِّمت الانتخابات الأولى في تاريخ الصحافة المغربية لاختيار أعضاء المجلس. شهدت الانتخابات استقطاباً حادّاً بين تياراتٍ نقابيةٍ مختلفةٍ شكَّلت ثلاث لوائح، وانتهت بفوز لائحةٍ واحدةٍ سُمّيت لائحة الوحدة، وهي نتاج تحالفٍ بين النقابة الوطنية وجمعية الناشرين. وفي أكتوبر من السنة نفسها، نُصِّب أعضاء المجلس رسمياً وعددهم واحدٌ وعشرون. وكانوا سبعة صحفيين مهنيين، وسبعة ناشري صحف، وسبعة أعضاء عيّنتهم الحكومة من مؤسّساتٍ وهيئاتٍ دستورية. وقد ترأّس المجلس يونس مجاهد، ليبدأ ولايته التي حُدّدت بأربعة أعوام.

نصَّ القانون 90.13 القاضي بإنشاء المجلس الوطني للصحافة (نُشر في الجريدة الرسمية في 7 أبريل 2016) في مادته الأولى على أن يعهد للمجلس "صيانة المبادئ التي يقوم عليها شرف المهنة، وعلى التقيّد بميثاق أخلاقيات المهنة والقوانين والأنظمة المتعلقة بمزاولتها". ونصَّ على أن يسهر على "ضمان وحماية حق المواطن في إعلامٍ متعددٍ وحرٍّ وصادقٍ ومسؤولٍ ومهنيٍّ، وضمان الحق لكلِّ صحفي في الإعلام أو التعليق أو النشر مع احترام مبادئ وأخلاقيات المهنة، تطوير حرية الصحافة والنشر والعمل على الارتقاء بالقطاع، تطوير الحكامة الذاتية لقطاع الصحافة والنشر بكيفية مستقلة وعلى أسس ديمقراطية".

وقُدِّم المجلس الوطني للصحافة، عند صدور قانونه، تتويجاً لمسار تحرير القطاع مؤسّسياً، إلا أن تجربة التنظيم الذاتي المنتظرة من المجلس لم تولد مستقلّةً البتَّة. فمنذ البداية، ظلّ المجلس محكوماً بإطارٍ قانونيٍّ صاغته الحكومة، وبتركيبةٍ تمثيليةٍ حدَّدها التشريع، وباختصاصاتٍ رُسمت له بدقَّة. وأصبحت خلفياتُ بعضِ أعضاءِ المجلسِ السياسيةُ محلَّ نقاشٍ عن مدى تسييسه. فرئيسه يونس مجاهد معروفٌ بانتمائه لحزب الاتحاد الاشتراكي، وأحدُ أعضائه عبد الله البقالي كان حينئذٍ يترأس النقابة الوطنية للصحافة المغربية وارتبط اسمه بحزب الاستقلال. وهو ما جعل المجلس يحمل أثراً من ميزان القوى الحزبيّ داخل الحقل الإعلامي، خصوصاً مع وجود منتمين إلى أحزابٍ تاريخيةٍ توصَف بقربها من دوائر القرار في صفوفه.


في سنتَي 2018 و2020 لُوحِق الصحفيون توفيق بوعشرين وعمر الراضي وسليمان الريسوني وحُوكِموا، وهُم يُعدون من رموز الصحافة المستقلة في المغرب. كان ذلك أوَّل اختبارٍ للمجلس الوطني للصحافة بعد تشكيله، نظراً لما شاب القضايا الثلاث من انتهاكاتٍ، سواءً في التغطية الصحفية التي كانت مساهمةً في حملة تشهيرٍ بحق الصحفيين، أو في المحاكمات وفق منظماتٍ حقوقيةٍ دوليةٍ مثل الفريق الأمميٍّ الذي يُعنى بالاعتقال التعسّفي.       

أوقفتْ فرقةٌ أمنيةٌ من أربعين عنصراً الصحفيَ توفيق بوعشرين سنة 2018، من مقرِّ عمله في جريدة "أخبار اليوم". كان بوعشرين مؤسس الجريدة ومدير النشر فيها، وهي آخر جريدةٍ معارضةٍ في المغرب، وقد توقّفت عن الصدور سنة 2021. وُجِّهت إلى بوعشرين يومها تهمة الإتْجار بالبشر والاعتداء الجنسي على موظفاتٍ في الجريدة، وهي تُهمٌ نفاها وعدَّها ملفقةً بهدف إخراسه. غُطِّي الملف تغطيةً إعلاميةً كثيفةً انقسمت بين صحافةٍ عدَّت القضية ملفاً جنائياً بحتاً، وأخرى قرأتها في سياقٍ سياسيٍّ نظراً إلى مواقف بوعشرين المنتقدة السلطةَ.

واعتبر بوعشرين أن التغطية شابتها تجاوزاتٌ وانتهاكاتٌ عديدةٌ للمعايير المهنية. فكان بعض الإعلام، ومن بينه العمومي، جزءاً من حملة تشهيرٍ طالته وأسرته بالإضافة إلى الشاكيات في القضية قبل أن تنظر المحكمة في ملفِّه. وبدل أن يتَّخذ المجلس موقفاً مهنياً قويّاً يضع معايير واضحةً للتغطية تحفظ قرينة البراءة وتمنع التشهير وتراعي كرامة جميع الأطراف في الملف، بدا عاجزاً عن تحويل القضية إلى لحظةٍ تأسيسيةٍ لأخلاقيات تغطية الملفات الجنائية في الإعلام.

المرَّة الوحيدة التي تفاعل فيها المجلس الوطني للصحافة علناً في قضية توفيق بوعشرين كانت عندما انتقد في يناير 2023 قراراً صَوَّت عليه البرلمان الأوروبي لما عدَّه "تدهور حرية الصحافة" في المغرب. إذ طالب فيه السلطات بضمان محاكماتٍ عادلةٍ لبوعشرين والراضي والريسوني مع إطلاق سراحهم مؤقَّتاً، معتبراً أن كثيراً من حقوق الدفاع لم تُحترَم وأن مجمل المحاكمات يشوبها الظلم والانحياز. ودعا القرارُ الأوروبيُّ السلطاتِ المغربيةَ إلى الكفِّ فوراً عن المضايقات التي تطال جميع الصحفيين ومحاميهم وعائلاتهم. 

وصف المجلسُ حينها القرارَ الأوروبي بالأحادي والمنحاز وبأنّه استند إلى تقارير ومنظماتٍ أجنبيةٍ لا تُظهر الواقع المغربي، وعدَّه تدخّلاً سياسياً في الشأن الداخلي المغربي وعمل القضاء. وتجاهل المجلس ما جاء في البيان عن شوائب محاكمات الصحفيين. وبدا بموقفه قريباً من تبنِّي الرواية الرسمية في الملف التي قالت إن بوعشرين مُتابَعٌ في ملفٍ جنائيٍ لا علاقة له بعمله الصحفي. ولم يتناول المجلس في ردِّه تجاوزات التغطية الإعلامية ولا حماية قرينة البراءة بقدر ما ركَّز على رفضه القرار الأوروبي.

وكذلك تجاهل المجلس الوطني للصحافة بياناتٍ أمميةً طالبت بالإفراج عن توفيق بوعشرين، منها رأي الفريق الأممي المعني بالاحتجاز التعسّفي في مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة، الذي عبَّر عن مخاوفه بشأن ظروف المحاكمة والتغطية الإعلامية لقضية بوعشرين. ودعا الفريق إلى الإفراج عنه، واصفاً اعتقاله بالتعسّفي وبأنه يشكِّل جزءاً من "مضايقة قضائية لا تعزى إلى أيِّ شيءٍ آخر غير عمله الصحفي الاستقصائي". 

في المقابل، تمايز موقف نقابة الصحافة في المغرب إذ اعتبرت في تقريرٍ بأنّ محاكمة بوعشرين زاغت عن مسارها، وأن حملة التشهير لم تطل الصحفي وحده، بل امتدَّت أيضاً إلى المشتكيات في الملف. 

المسار نفسه تكرّر في قضيّتَي الصحفيين سليمان الريسوني الذي أصبح رئيس تحرير جريدة "أخبار اليوم" سنة 2018 بعد احتجاز بوعشرين، والصحفي الاستقصائي عمر الراضي الحائز على جائزة منظمة "مراسلون بلا حدود" لسنة 2022، واللذين أُوقِفا في سنة 2020 في قضيتين جنائيتين واتُّهِما بهتك العرض والاغتصاب إضافةً إلى تهمة التجسّس للراضي. ففي القضيّة الأولى التزم المجلس الوطني للصحافة الصمت إزاء التغطية الإعلامية التي شابتها أيضاً عديدٌ من الانتهاكات للمعايير الأخلاقية بلغت حدَّاً وصلت معه عدسة جريدةٍ إلكترونيةٍ إلى مكان الريسوني قبل وصول عناصر الأمن لتوقيفه، ووثَّقت العملية ونشرتها للعموم. وكان الأخير قبل توقيفه، قدَّم شكايةً للمجلس الوطني للصحافة وللمجلس الوطني لحقوق الإنسان، دعا فيها إلى وقف حملات السبِّ والقذف والتشهير التي طالته وأسرته. إلا أن المجلس الوطني للصحافة لم يتفاعل مع الشكاية، ولم يصدر بشأنها رداً، وفق ما أكدته زوجته خلود المختاري في منشورٍ على صفحتها في فيسبوك. أما في قضية عمر الراضي، فقد تجاهل المجلس أيضاً شكايةً تتعلق بتعقّبه وتصويره في الشارع العام دون إذنٍ، ونشر الفيديو للعموم، دون مساءلة الموقع المعنيّ أو اتخاذ أي إجراء.

وكان لنقابة الصحافة المغربية مواقف مواكبةٌ قضيَّتَي الريسوني والراضي، كما واكبت قضيةَ بوعشرين. ففي بيانٍ صدر في أبريل 2021، سجَّلت النقابة بقلقٍ "طول أمد المحاكمة في هاتين القضيتين والتي ناهزت مدتهما سنة كاملة، خصوصاً أن جميع ظروف تسريع المحاكمتين مع ضمان شروط المحاكمة العادلة متوفرة". وطالبت "بإطلاق سراح الزميلين ومتابعتهما في حالة سراح". ورفضت "الحملة الإعلامية والسياسية التي استهدفت المشتكين"، مؤكدةً أن "هدفها الرئيسي يتمثل في توفير شروط المحاكمة العادلة بعد تمتيع الزميلين بالسراح، وحفظ حقوق جميع الأطراف في هاتين النازلتين". واستنكرت حملات التشهير بالصحفيين المعتقلين.

ويختلف دور النقابة الوطنية للصحافة المغربية عن المجلس الوطني للصحافة وظيفةً واختصاصاً. فالنقابة تُعد إطاراً مهنياً ونقابياً يهدف أساساً إلى الدفاع عن حقوق الصحافيين المهنية والاجتماعية، والترافع من أجل تحسين ظروف العمل وحماية حرية الصحافة والتعبير، وتمثيل الصحافيين أمام الدولة والمؤسسات وأرباب المقاولات الإعلامية. في المقابل، أُحدث المجلس الوطني للصحافة هيئةً للتنظيم الذاتي للمهنة، تُعنى بالسهر على احترام أخلاقيات الصحافة وقواعد الممارسة المهنية، وتمنح بطاقة الصحافة المهنية، وتنظر في الشكايات عن المحتوى الصحافي والانتهاكات الأخلاقية.

يقول عمر الراضي الذي أُفرج عنه مع بوعشرين والريسوني بعفوٍ ملكيٍ صدر في يوليو 2024، في حديثٍ مع الفراتس إن "المجلس الوطني للصحافة فضَّل لعب دور الناطق الرسمي باسم الحكومة، في الوقت الذي ندَّدت فيه منظمات ومؤسسات غير حكومية تُعنى بحرية التعبير وحرية الصحفيين، وهيئات حقوقية وإعلامية دولية، بالاعتقال". 

واعتبر الراضي أن المجلس الوطني تنكَّر لقضايا الصحفيين وهرب من الدور الأساس المنوط به، وهو انتقاد الخروقات التي شابت الملفات. وطرح تساؤلاتٍ عمّا إذا كانت تلك القضايا جنائيةً أم إنها قضايا مغلَّفةٌ بطابعٍ جنائيٍ لكنها في جوهرها استهدافٌ للصحفيين.

واعتبر الصحفي المغربي رشيد البلغيتي في حديثٍ مع الفراتس أن موقف المجلس من قضايا الصحفيين الثلاثة كان سيكون مقبولاً لو امتنع عن التعليق كلّياً على قضايا ساريةٍ أمام المحاكم ولم يُبتَّ فيها بعد. لكن ما حصل أن المجلس لم يتحرَّك أو يصدر بلاغاً إلا للردِّ على قرار البرلمان الأوروبي. وهنا، حسب البلغيتي، طُرحت أسئلةٌ عن استقلالية المجلس إذ انتقد القرار الأوروبي وتجاهل ما تضمَّنه هو وبياناتٌ أمميةٌ من إشارةٍ إلى غياب شروط المحاكمة العادلة في قضايا الصحفيين. 

وأكد صمتُ المجلس عن توالي التجاوزات في حق صحفيين مهنيين حاملين بطاقةَ الصحافة عجزَه عن الدفاع عن الصحفيين وحمايتهم في وجه حملات التلفيق والتشهير التي تجاوزتهم إلى عائلاتهم. وأكد عجزَه أيضاً عن فرض احترام قرينة البراءة في ملفاتٍ جنائيةٍ يكون الصحفي أحد أطرافها، وعن اتخاذ أيّ موقفٍ من التقارير الدولية عن انتهاكاتٍ شابت محاكماتهم وظروف احتجازهم.

وتفجّرت داخل المجلس أيضاً أزماتٌ كشفت عن هشاشة بنيته. وتمثّل أحد أعقد الإشكالات في الخلاف على الإطار القانوني المنظّم للانتخابات. إذ أثار نظام التمثيل وشروط الانتخاب معارضةً واسعةً داخل الحقل الصحفي. فالتوازن العددي بين ممثلي الصحفيين والناشرين جعل المجلس يميل إلى تمثيل المصالح الاقتصادية بقدر تمثيله المصالح المهنية، ما غذَّى مخاوف من هيمنة الناشرين على قراراته. وتحوّلت شروط الترشح، خصوصاً متطلّبات الخبرة الطويلة، إلى حواجز أمام الصحفيين الشباب والمستقلين، مكرِّسةً بقاء الأسماء نفسها ومحدِّدةً إمكانات التجديد، في ظل غياب ضماناتٍ كافيةٍ لتمثيل الصحافة الجهوية والرقمية.

وبعد انتهاء الولاية الأولى سنة 2022، انقسم الفاعلون داخل المجلس إلى فريقين. فهناك من دعا إلى الانتخابات اعتماداً على القانون التأسيسي القائم، مهما كانت نواقصه، وهم النقابة الوطنية للصحافة المغربية والهيئات النقابية التابعة للاتحاد المغربي للشغل والفيدرالية المغربية لناشري الصحف وجزءٌ من الصحفيين. والفريق الثاني اعتبر أنّه يجب تعديل القانون التأسيسي قبل أيّ اقتراعٍ لأنّه غير ديمقراطيٍ ولا يضمن الإنصاف، وهم صحفيون مستقلّون وأعضاء سابقون بالمجلس ونقابيون من الجامعة الوطنية للصحافة والإعلام والنقابة الوطنية للإعلام والصحافة والكونفدرالية المغربية لناشري الصحف، إضافةً إلى فاعلين في الإعلام الإلكتروني.

في الصيغة السابقة للمجلس، كان عدد ممثلي الصحفيين يوازي عدد ممثلي الناشرين. وإذا سُلّم جدلاً بأنّ الصحفيين تحكمهم اعتباراتٌ مهنيةٌ وأخلاقيةٌ، فإنّ واقع المقاولة الإعلامية في المغرب (المؤسسة الإعلامية) يُظهر أنّ هاجس الناشرين ربحيٌ وماديٌ بالأساس. وهذا ما يفسّر، حسب الصحفي رشيد البلغيتي، تقرّب عددٍ من الناشرين طيلة السنوات الماضية من الفاعلين الحكوميين والاقتصاديين. حتى أصبحت الخطوط التحريرية لعدد من المؤسسات الممثلة داخل المجلس تعبيراً عن مصالح الحكومة وكبار الفاعلين الاقتصاديين، في ظل اعتماد الإعلانات التي تتحكم فيها الدولة والمقاولات الكبرى مورد عيشٍ شبه وحيدٍ للصحافة.

وتعمّق الانقسام بين النقابات الكبرى والمقاولات الإعلامية المركزية المتمركزة بالرباط والدار البيضاء وبين فئاتٍ واسعةٍ من الصحفيين الجهويين والمستقلين والعاملين في مؤسساتٍ صغيرة. إذ راكمت المقاولات المركزية نفوذاً مؤسساتياً داخل المجلس متحكمةً في التمثيل واللوائح الانتخابية وآليات اتخاذ القرار، في حين شعر البقية أن المجلس لا يعكس تنوّع الصحافة، بل يحمي مصالح فئةٍ محدودة. في هذا السياق، لم تعد الانتخابات تُفهم آليةً ديمقراطيةً لتجديد الهياكل، بل تحوّلت إلى معركةٍ وجوديةٍ على التمثيل والنفوذ.

وبرز خلافٌ حادٌّ على شروط التصويت، واعتماد بطاقة الصحافة المهنية شرطاً وحيداً للمشاركة في الانتخابات، وتحوّلت مسألة ضبط اللوائح الانتخابية ومن يحسم الطعون فيها إلى بؤرة توتّر. واعتبر صحفيون مستقلّون وجهويّون أنّ البطاقة استُعملت أداة إقصاءٍ، في حين دافعت النقابات الكبرى عن كونها ضمانةً للمهنية. وأثار غياب آليةٍ مستقلةٍ وشفافةٍ لحسم الطعون تساؤلاتٍ عن الجهة المخوّلة لتحديد الفئة الانتخابية، ما جعل الصراع تقنياً في ظاهره، لكنه سياسيٌ ومهنيٌ في جوهره.

كانت أزمة الانتخابات تعبيراً عن صراعٍ أوسع على من يملك حقّ تعريف الصحفي ومن يملك حقّ التمثيل واتخاذ القرار. فالمجلس الذي كان يُفترض أن يكون مؤسسة لضبط أخلاقيات المهنة وحماية حرية الصحافة، وجد نفسه أمام اختبارٍ حقيقيٍ في قدرته على تمثيل التحولات الإعلامية في المغرب، وعلى إدماج الصحفيين الجهويين والمستقلين الذين ظلوا أعواماً خارج دائرة التأثير في المؤسسة.

ومن نتائج الأزمة تفكَّك الإجماع السابق داخل صفّ الناشرين. فبعد أن شكّلت الفيدرالية المغربية لناشري الصحف الإطار الجامع في الولاية الأولى للمجلس، برزت الجمعية الوطنية للإعلام والناشرين فاعلاً أكثر حضوراً في النقاش العمومي. وهذا أفضى إلى تنازعٍ على صفة التمثيل والوزن داخل المجلس.

وإزاء التأخير في الانتخابات، صادقت لجنة التعليم والثقافة والاتصال بمجلس النواب، في 14 يونيو 2025، على مرسوم قانونٍ يمدّد للمجلس الوطني للصحافة ستة أشهرٍ ويُحدث لجنةً مؤقتةً لتسيير شؤون الصحافة والنشر. وغلب على تركيبة اللجنة المؤقتة أعضاء من الجمعية الوطنية للإعلام والناشرين، المعروفة بقرب بعض مسيّريها من السلطة وبميل منابرها إلى تبنّي الرواية الرسمية. ولم يكن هذا التدخل مجرد إجراءٍ تقنيٍ لتفادي الفراغ، بل آليةً لإعادة هندسة المجلس وفق توازناتٍ جديدةٍ، استُبدلت فيها الشرعية الانتخابية بشرعية التعيين، ما طرح أسئلةً جدِّيةً عن مستقبل استقلالية المهنة.

وفي هذه الأثناء نشر الصحفي حميد المهداوي على قناته على "يوتيوب" تسريباً لتسجيلٍ من جلسة مثوله أمام لجنة الأخلاقيات التابعة اللجنةَ المؤقتة في 20 نوفمبر 2025 وكذلك الهيئة التأديبية. كشف التسريب عن جزءٍ من المداولات التي تضمّنت إهاناتٍ للمهداوي وتنمّراً عليه ووصلت إلى حدِّ التأكيد على ضرورة سحب بطاقة الصحافة منه وتبليغ النيابة العامة بالقرار على وجه السرعة، بما يفتح الباب لمحاكمته بالقانون الجنائي بدل قانون الصحافة والنشر. واعتبر المهداوي تعليقاً على التسريب، أن المجلس لم يعد هيئةً مهنيةً مستقلةً، بل جزءاً من آلية ضغطٍ، وهو توصيفٌ أكّد الشعور المتنامي داخل الصحافة بأنّ المجلس عاجزٌ عن حماية أعضائه.


استغلَّت الحكومة أزمات المجلس الوطني للصحافة وواصلت فرض تغييراتٍ تشريعيةٍ لإعادة تعريف التنظيم الذاتي وصلاحياته. وفي الثالث من يوليو 2025، قدّم وزير الشباب والثقافة والتواصل محمد المهدي بنسعيد مشروع قانونٍ لإعادة تنظيم المجلس الوطني للصحافة، معتبراً أمام مجلس الحكومة أن المجلس يعرف وضعاً غير طبيعيٍ بسبب اشتغاله بلجنةٍ مؤقتةٍ، ومؤكداً أنّ التنظيم الذاتي لا يمكن أن يستمر في فراغٍ أو وسط صراعاتٍ تعطّل المهنة.

إلّا أنّ المشروع بدل أن يملأ هذا الفراغ بتنظيم انتخاباتٍ تُفرز مجلساً جديداً، ذهب في اتجاهٍ مغايرٍ، معيداً تعريف التمثيل المهني نفسه. وقدّم المشروع مراجعةً شاملةً لطريقة تشكيل المجلس، مزجت بين الانتخاب المباشر للصحفيين الأعضاء فيه وانتداب الناشرين وتعيين ممثلي المؤسسات، خلافاً للقانون التأسيسي لسنة 2016 الذي حصر اختيار ممثلي الصحفيين والناشرين في آلية الانتخاب وحدها.

وفيما يخصّ فئة الناشرين، وضع مشروع قانون 2025 شروطاً للانتداب عبر المنظمات المهنية، قائمةً على نظام الحصص التمثيلية، تُحتسب وفق عدد المستخدمين المصرَّح بهم ورقم المعاملات السنوي. وبموجب هذه الصيغة، يزداد وزن الناشر كلّما كبر حجمه الاقتصادي، ما يجعل المؤسسات الكبرى أقرب إلى انتزاع التمثيل داخل المجلس. ونصَّ المشروع على أن المنظمة المهنية التي تحصد أكبر عددٍ من الحصص تفوز بجميع المقاعد المخصصة لفئة الناشرين، من دون قسمةٍ نسبية. وفي حالة التعادل تُرجَّح كفّة المنظمة التي تشغّل أكبر عددٍ من المستخدمين. وصيغة "الفائز يأخذ كلّ شيء" تميل بتركيبة المجلس لصالح كبار الناشرين، وعلى رأسهم الجمعية الوطنية للإعلام والناشرين، على حساب الناشرين الصغار والمؤسسات الناشئة، التي قد تجد نفسها خارج دوائر التأثير.

وقلَّص المشروع عدد أعضاء المجلس من واحدٍ وعشرين إلى تسعة عشر عضواً، موزعين بين سبعة ممثلين عن الصحفيين وسبعةٍ عن الناشرين، وعضوين حكماء (من الناشرين القدامى يكون لهم وضعٌ اعتباريّ)، وثلاثة ممثلين عن المؤسسات والهيئات. واعتبر عبد الكبير اخشيشن، الرئيس الحالي للنقابة الوطنية للصحافة المغربية، في حديثٍ مع الفراتس أن هذه الصيغة غير مبررةٍ وتُخلّ بمبدأ التكافؤ الضروري لاتخاذ قراراتٍ عادلةٍ في مجالات التأديب والوساطة والتحكيم ومنح بطاقة الصحافة المهنية.

أما الصلاحيات، فقد منح المشروع المجلس اختصاصاتٍ ضبطيةً وتأديبيةً أوسع. ومن بين ذلك صلاحية الحجب المؤقت للمنابر الإعلامية مدّةً تصل إلى ثلاثين يوماً، بعدما كانت هذه السلطة حصراً بيد القضاء. وهو إجراءٌ قد يتحول إلى عقوبةٍ اقتصاديةٍ تشلّ المؤسسة الإعلامية، ما يجعل سلطة المجلس أقرب إلى سلطة الإيقاف منها إلى الضبط المهني. وفتح المشروع الباب لإحالة المسطرة التأديبية على القضاء، من دون توضيح ما إذا كانت المتابعة وفق قانون الصحافة والنشر أم القانون الجنائي، مع ما يحمله هذا الغموض من مخاطر.

وفيما يخصّ التحوّل الرقمي، أقرّ المشروع مقتضياتٍ لحماية الملكية الفكرية والحقوق المجاورة للمؤسسات الصحفية في مواجهة المنصات العالمية، إلى جانب تحيين شروط الولوج إلى المهنة بإحداث سجلاتٍ رقميةٍ وطنيةٍ دقيقةٍ للصحفيين والناشرين. وهي مقتضياتٌ تجعل من النصّ أداةً لتقنين المشهد الإعلامي وتطهيره من الاختلالات.

وفي 24 ديسمبر 2025، صادق البرلمان بمجلسيه (النوّاب والمستشارين) على القانون الجديد وسط انسحاباتٍ واعتراضاتٍ مهنيةً من المجلس الوطني للصحافة. وعلى خلاف ما درج عليه العمل في قطاع الصحافة، إذ تُسبق القوانين عادةً بندواتٍ تشاوريةٍ موسّعةٍ مع المهنيين وممثلي المجتمع، طُرح هذا المشروع من دون إشراك الهيئات المهنية والنقابية التي ساهمت في إعداد قوانين سابقةٍ، من بينها النقابة الوطنية للصحافة المغربية والفيدرالية المغربية لناشري الصحف.

وأمام موجة الانتقادات، لجأ الخطاب الرسمي للحكومة إلى مفردات الإصلاح وحماية المهنة. ففي يوم دراسة اقتراحات قوانين في مجلس المستشارين بتاريخ 14 أكتوبر 2025، قال وزير الشباب والثقافة والتواصل محمد المهدي بنسعيد: "لا نريد مجلساً صورياً، ولا نريد فوضى مهنيةً، نريد مجلساً قوياً يخدم الديمقراطية". إلا أن المجلس القويّ الذي يتحدث عنه الوزير "قوي" بشرعيته التشريعية التي فرضتها الحكومة لا بقبوله داخل الصحافة.

يوضح عبد الكبير اخشيشن، رئيس النقابة الوطنية للصحافة المغربية، في حديث مع الفراتس أن ديباجة القانون تفتقر إلى التنصيص الصريح على الهيئات المهنية، أي إنه لم يذكر الهيئات التي ستشارك في تشكيله مباشرة. وهو ما عدَّه إقصاءً مباشراً يضرب مبدأ التعددية الذي نصّ عليه الدستور في عدة فصول. وحمَّل الحكومةَ مسؤوليةَ الفشل السياسي في تدبير هذا الملف، الذي ظلَّ معلقاً أكثر من ثلاثة أعوامٍ بتمديداتٍ متكررةٍ، متسائلاً عن المستفيد الحقيقي من هذا التعثر والإصرار على اختياراتٍ تشريعية.

ويضيف اخشيشن أن المشروع مرَّ بسرعةٍ قياسيةٍ في مجلس النواب، مقابل تعطيله أكثر من ثلاثة أشهرٍ داخل مجلس المستشارين، في حين ظل الوزير، حسب تعبيره، رافضاً إدخال أيٍّ من التعديلات المقترحة، بل أعلن رفضه إياها صراحةً قبل إحالة المشروع على مجلس المستشارين.

وعدَّ رئيسُ النقابة تشبُّثَ الوزارة بمشروع القانون تدخّلاً مباشراً يمسّ جوهر التنظيم الذاتي للمهنة وطرح شبهة خرقٍ دستوري. وهو ما دفع الهيئات الصحفية إلى اللجوء إلى المحكمة الدستورية جداراً أخيراً للدفاع عن حرية الصحافة وضمان الأمن التشريعي، وصدّ التدخل الحكومي في التنظيم الذاتي.

وكان ستةٌ وتسعون عضواً من فرق المعارضة في مجلس النواب قدّموا في 7 يناير 2025 إحالةً إلى المحكمة الدستورية طعناً في دستورية مشروع القانون. وذكرت المعارضة في الطعن أن مشروع القانون "يكتسي حساسية دستورية بالغة، لارتباطه المباشر بالحقوق والحريات المضمونة دستورياً، ولتأثيره المباشر على وظيفة الإعلام الدستورية في الإخبار والنقد والمساءلة". وفي 22 يناير 2026، أصدرت المحكمة قرارها عن القانون، استهلّته بقبول الإحالة شكلاً لاستيفائها شروط الفصل 132 من الدستور. وأقرّت المحكمة بعدم دستورية خمس موادّ، أبرزها ما يتعلق بعدم التكافؤ بين تمثيل الصحفيين والناشرين، وطالبت بضمان المساواة بين الفئتين، مع الإبقاء في المقابل على آلية انتداب الناشرين، وهو ما أبقى جوهر إعادة هندسة التمثيل من دون مساس.

ومع وصول حكومة عزيز أخنوش، تحوّلت نسبةٌ معتبرةٌ من المؤسسات الإعلامية إلى أدواتٍ تواصليةٍ تخدم السلطة والأقطاب المالية. وظهر هذا في أداء المجلس الوطني للصحافة، الذي تحوّل مما يفترض أن يكون إطاراً للتنظيم الذاتي والدفاع عن الصحفيين، إلى أداة ضبطٍ تُستعمل لتصفية الصحفيين المستقلين، خصوصاً من لجنتي البطاقة المهنية والتأديب، وظهر جلياً في قضية حميد المهداوي.


كانت الحجة المركزية لتدخّل الحكومة هي إنقاذ التنظيم الذاتي من نفسه، بعد الصراعات التي عصفت بالمجلس. إلا أن ما جرى أظهر أن الأمر لم يكن إنقاذاً بقدر ما كان إعادة ضبط. إذ غيَّر القانون الجديد قواعد التمثيلية داخل المجلس، ووسَّع إمكانيات التدخل القانوني في عمله، وقلّص في المقابل هامش القرار المهني المستقل. وعبّر بعض فرق المعارضة البرلمانية عن هذا المعنى بوضوح. ففي بيانٍ صادرٍ بتاريخ 22 يوليو 2025، اعتبر فريق العدالة والتنمية بمجلس النواب أن المشروع ينقل المجلس من تنظيمٍ ذاتيٍ إلى مؤسسةٍ مُدارةٍ تشريعياً، ويُشكِّل مؤشراً على ما وصفه بإرادةٍ حكوميةٍ للهيمنة والتحكّم في تنظيم القطاع.

ولا تبدو أزمة المجلس الوطني للصحافة مجرّد خللٍ داخل مؤسسةٍ مهنيةٍ، بل قد تكون مؤشراً على طريقة إعادة صياغة علاقة الدولة بالهيئات الوسيطة في المغرب. فالمسألة لم تعد تدور على السيطرة المباشرة على هذه الهيئات، بقدر ما تتعلق بكيفية تنظيم استقلالها نفسه. ومع هذا التحول، لم يعد السؤال المطروح ما إذا كانت المؤسسة قائمةً أم لا، بل كيف تعمل وهي قائمة. وهنا تتجلّى تجربة المجلس الوطني للصحافة المستمر لليوم من حيث الشكل قانوناً وهياكل واختصاصاتٍ، لكنه يتحرَّك عملياً داخل حدودٍ مرسومةٍ مسبقاً. وفي هذا السياق، لم يعد إلغاء المؤسسات أو حلّها ضرورةً، ما دام بالإمكان التأثير في توازناتها الداخلية وتوجيه طريقة اشتغالها.

وبرز هذا الاختلال في التوازن في مرحلة تعثّر تجديد هياكل المجلس بعد انتهاء ولايته الأولى. فبدل ترك المؤسسة تدخل فراغاً مؤسساتياً أو إعلان نهاية تجربتها، استُعين بآليةٍ قانونيةٍ حافظت على استمرارية مهامها الأساس، لكن أعادت ضبط توازناتها الداخلية. وبذلك ظل المجلس قائماً من حيث النص والوظيفة، إلّا أنّ هامش استقلاله أُعيد تحديده عملياً بما يضمن استمرارية التنظيم المهني من دون أن يكرّس استقلال القرار، في تجسيدٍ واضحٍ لمنطق إعادة تعريف الدور بدل إلغاء المؤسسة.

وكشفت تجربة الاستقلال المتحكم فيه في المجلس الوطني للصحافة أنّ الاستقلال هنا ليس غايةً في حدّ ذاته، بل تقنية تنظيم. فالدولة قبلت وجود فضاءاتٍ مهنيةٍ مستقلةٍ بمنحها النظام المؤسسي ومظهر التعددية وتوزيع تكلفة اتخاذ القرار، وخلق وسيطٍ بين السلطة والقطاع. لكن هذا الاستقلال يظل مشروطاً بوظيفته التنظيمية، أي تنظيم المهنة وضبطها من الداخل، لا إنتاج موازين قوةٍ خارج الإطار المؤسسي.

والإشارة هنا إلى عدم عودة وزارة الاتصال إلى دورها القديم مهمّةٌ لأنّها تدل على تحوّلٍ في نمط السلطة. فسابقاً كان هناك تدخلٌ إداريٌ مباشرٌ، فيما اليوم أصبح التدخل تشريعياً وتنظيمياً. وهذا ما يمكن تسميته بالضبط القانوني المرن، إذ يصبح القانون أداةً لإعادة معايرة التوازنات بدل فرضها إدارياً، ما ينتج عنه تدخّلٌ أقلّ صداميةً وأكثر شرعيةً من حيث الشكل.

والاقتباس الذي أوردناه لوزير الشباب والثقافة والتواصل محمد المهدي بنسعيد: "لا نريد فوضى مهنية"، يكشف عن المفهومِ الحاكمِ العلاقةَ، فالأولوية ليست لتعظيم الاستقلال بل لضمان الاستقرار المؤسساتي. وهنا تظهر المفارقة، فكلما ازداد احتمال تحوّل الهيئة إلى فاعلٍ مستقلٍّ سياسياً أو مهنياً، ارتفعت احتمالات التدخّل لإعادتها إلى دورها التنظيمي. بمعنىً آخر فالاستقلال مرحَّبٌ به ما دام لا يوجد عراقيل سياسيةٌ أو مؤسساتية.


لا يُعدّ المجلس الوطني للصحافة حالةً معزولةً، بل هو جزءٌ من نمط حوكمةٍ أوسع يقوم على مأسسة القطاعات بهيئاتٍ مستقلةٍ، مع الحفاظ على قابلية التدخل عند الأزمات، وضبط التوازن بين الشرعية المهنية والشرعية السياسية. وهذا يعكس تحول الدولة من فاعلٍ مباشرٍ إلى منظِّمٍ للحقل، مع احتفاظها بدور الحكم النهائي في رسم الحدود.

اشترك في نشرتنا البريدية