فالرأسمالية لا تستطيع إعادة إنتاج نفسها بالاستقرار، لأن التراكم الذي يَهَبُها القوة هو نفسه ما يرسم حدودها الجديدة. وكلّ توسعٍ ناجحٍ قد يخلق في الوقت ذاته أشكالاً جديدةً من المنافسة والتمركز والتشبع والضغط على الربحية، بحيث يتحول كلّ حلٍّ إلى نقطة انطلاقٍ لتناقضاتٍ جديدة. ولهذا تبدو الرأسمالية مدفوعةً دوماً إلى إعادة النظر في الشروط التي صنعت نجاحها السابق، لا رغبةً في تغيير المجتمع لذاته، بل لأن الحفاظ على عملية التراكم يقتضي إعادة تنظيم تلك الشروط باستمرار.
اتخذ هذا التوسع تاريخياً أشكالاً متعددةً طالت ما بدا خارج دائرة التبادل الاقتصادي. فلم تدخل الأرض والعمل والمعرفة إلى الاقتصاد مواردَ جاهزةً بطبيعتها، وإنما تحولت تاريخياً إلى سلعٍ بإعادة تنظيم المجتمع وفق منطق السوق. وتجاوز ذلك التوسعُ الاقتصاديُ حدودَ السوق، ليعيد تشكيل مجالاتٍ كاملةٍ من الحياة الاجتماعية. في المقابل، لم يكن هذا التوسع متجانساً أو مكتملاً. فلم تتحرك الرأسمالية في جميع المجتمعات بالسرعة نفسها، ولم تدمج جميع الطبقات والقطاعات داخل آلياتها بالدرجة ذاتها، بل تفاوتت سرعته ودرجته بين المجتمعات والطبقات والقطاعات. ومن ثمّ يمكن فهم الرأسمالية الرقمية بوصفها مرحلةً جديدةً في هذه الآلية، أصبح فيها النشاط الاجتماعي نفسه مصدراً للاستخراج الاقتصادي وتوليد البيانات والمعرفة والتنبؤ، وأداةً متزايدة الأهمية لإعادة تنظيم الاقتصاد والمجتمع.
ومن هذا المنظور، فالرأسمالية الرقمية مرتبطةٌ صميمياً بتاريخ الرأسمالية، إذ جاءت نتيجةً لتحولاتٍ بدأت مع أزمة السبعينيات. حينئذٍ تباطأ النمو وتراجعت معدلات الربحية، ولم تعد الآليات التي اعتمدت عليها الاقتصادات الصناعية بعد الحرب العالمية الثانية قادرةً على إنتاج دورةٍ جديدةٍ من العمل. ففي صناعة السيارات الأمريكية، على سبيل المثال، بدأت الشركات تواجه في السبعينيات تباطؤاً في الطلب وضغوطاً متزايدةً على الربحية، في حين صعدت المنافسة اليابانية والأوروبية وارتفعت تكاليف الإنتاج. لذلك بدأ البحث عن طرقٍ جديدةٍ لإعادة تنظيم الاقتصاد والانتاج، فظهرت التحولات التي عُرفت لاحقاً بالنيوليبرالية (توسيع السوق وتقليص تدخل الدولة المباشر في الاقتصاد)، واتسعت حركة رأس المال، وأُعيدت هيكلة الإنتاج على نطاقٍ عالمي.
ضمن هذا السياق اكتسبت الثورة الرقمية أهميتها، وهي التحول الذي أحدثه انتشار الحوسبة والاتصالات الرقمية في النصف الثاني من القرن العشرين، وتسارعها منذ السبعينيات. فأصبحت التقنية قوةً اقتصاديةً إذ أتاحت إدارةَ شبكات إنتاجٍ أوسع، وتسريعَ تدفق المعلومات ورأس المال، وتعزيزَ التنسيق بين أنشطةٍ اقتصاديةٍ موزعةٍ على نطاقٍ جغرافيٍ أوسع ممّا مضى.
لم تتطور هذه التقنيات بمعزلٍ عن الدولة، فقد خرج كثيرٌ منها من المؤسسات العامة والجامعات والبرامج العسكرية، بالتوازي مع تحولاتٍ قانونيةٍ وتنظيميةٍ أعادت تشكيل العلاقة بين الدولة والسوق وفتحت مجالاتٍ جديدةً للتوسع الرأسمالي. ولهذا اكتسبت التقنية معناها الاقتصادي من الدور الذي أدّته داخل مرحلةٍ تراكميةٍ جديدةٍ، لا من خصائصها التقنية فقط. في هذه الجزئية بالذات يظهر التحول الأهم الذي يميز الرأسمالية الرقمية، فالمزيد من جزئيات الحياة اليومية أصبحت تجري داخل بيئاتٍ رقميةٍ تترك آثاراً يمكن رصدها وتسجيلها وحسابها.
ومن أكثر الأفكار انتشاراً في النقاشات المعاصرة الاعتقادُ بأن البيانات هي المورد الجديد الذي تقوم عليه الرأسمالية الرقمية. هذا التصور، مع احتوائه على جانبٍ من الحقيقة، يقلب العلاقة بين الأصل وأثره. فهو يتخذ من البيانات نقطة بدايةٍ، مع أنها الواقع الذي يكشف عن عمق الأشياء، أي النشاط الاجتماعي نفسه. يشمل هذا حركة الناس وتواصلهم وعمليات البحث والاستهلاك واللغة والعلاقات الاجتماعية وأنماط الحياة اليومية. هذه هي المادة الأولية التي تتحرك حولها الرأسمالية الرقمية وتسعى إلى التقاطها وتنظيمها وإعادة توظيفها اقتصادياً، في حين تمثل البياناتُ الأثرَ القابل للقياس الذي يخلّفه هذا النشاط عندما يصبح قابلاً للرصد والتسجيل والتحليل.
ويتضح ذلك عند مقارنة الاقتصاد الرقمي بالصناعات التقليدية. ففي الصناعات التقليدية تكون المادة الخام موجودةً قبل استخراجها. فالنفط يسبق الحفر، والفحم يسبق التعدين، والذهب في مكامنه قبل استخراجه. أما في الاقتصاد الرقمي، فالمادة الأولية لا تسبق عملية الاستخراج، بل تتولد باستمرارٍ من النشاط الاجتماعي نفسه.
هذا يعني أن عملية البحث أو استخدام التطبيق أو الشراء أو التنقل أو التواصل لا تكتفي باستخدام هذه البيانات، إنما تنتجها أيضاً. فعندما يستخدم شخصٌ تطبيقاً للملاحة، تتحول حركته واختياراته للطرق وتوقيت تنقّله إلى بياناتٍ يمكن استخدامها في تنظيم المرور أو توجيه خدمات النقل والتوصيل. والأمر نفسه يحدث عند التوقف أمام منشورٍ أو إعادة مشاهدة مقطعٍ أو التفاعل مع إعلانٍ، فتتحول هذه الأفعال إلى مؤشراتٍ على الانتباه والتفضيلات وأنماط السلوك المحتملة.
غير أن ما يمنح البيانات أهميتها ليس وجودها ولكن القدرة على جمع ملايين الآثار وربطها ببعضها وتحليلها. وهنا تبدأ العملية التي تمنح البيانات قيمتها الاقتصادية، فبعد تخزين الآثار الرقمية تعمل المنصات الرقمية على تنظيمها ومقارنتها وربطها ببعضها لاستخراج أنماطٍ متكررةٍ يمكن الاعتماد عليها. وعند هذه النقطة تتحول البيانات إلى معرفةٍ، أي إلى قدرةٍ على فهم السلوك الاجتماعي والتنبؤ باتجاهاته. ومن خلال هذه العملية تستطيع المنصات تتبع انتشار الاهتمامات وتحولات الاستهلاك والتغيرات التي تطرأ على السلوك الجماعي. وهكذا تتجاوز البيانات دورها سجلًا لما حدث، لتصبح أداةً تساعد على استشراف ما قد يحدث.
وتكتسب هذه القدرة أهميتها لأن الاقتصاد الرأسمالي يعمل دائماً في ظلّ قدرٍ من عدم اليقين. وكلما أتاحت البيانات تقديراً أدقّ لهذه المتغيرات، أصبحت المعرفة الناتجة عنها أكثر فائدةً في اتخاذ القرارات وتنسيق الأنشطة الاقتصادية على نطاقٍ واسع. كذلك تستخدم المنصات هذه المعرفة في تنسيق الأنشطة الاقتصادية على نطاقٍ واسعٍ، إذ تربط بين المنتجين والمستهلكين والمعلنين ومقدمي الخدمات اعتماداً على ما تكشفه البيانات من أنماطٍ وعلاقات.
لكن التنبؤ ليس نهاية العملية. فالقيمة الأهمّ للبيانات تظهر عندما تتحول القدرة على معرفة ما قد يحدث إلى قدرةٍ على إعادة تنظيم ما يحدث فعلاً. هنا تظهر إحدى السمات التي تميز المنصات الرقمية عن كثيرٍ من أشكال التنظيم الاقتصادي السابقة. ففي الشركات الصناعية أو التجارية التقليدية تُجمع المعلومات في مكانٍ، ويُتخذ القرار في مكانٍ ثانٍ، ثم يُنفذ في مكانٍ ثالث. أما في المنصات الرقمية فإن هذه المستويات الثلاثة يمكن أن تندمج داخل البنية نفسها. تصبح المنصة التي تجمع البيانات هي نفسها التي تعالجها، وهي نفسها التي ترتب الأولويات، وتعيد تنظيم البيئة التي يتحرك داخلها المستخدمون أو العمال أو المستهلكون.
وضمن هذا المنطق، عندما تتوقع منصةٌ للتجارة الإلكترونية، مثل أمازون، زيادة الطلب على سلعةٍ معينةٍ في منطقةٍ محددةٍ، فإن القيمة الأساس لا تكمن في معرفة ما قد يحدث فحسب، إنما في القرارات التي يمكن اتخاذها بناءً على هذا التوقع. يشمل ذلك إعادة توزيع للمخزون، وتنظيم عمليات الشحن، وتعديل أولويات العرض وتوجيه الإعلانات، وإعادة ضبط الأسعار.
ففي الاقتصاد التقليدي كان جزءٌ كبيرٌ من عملية الإنتاج يجري في ظلّ مستوياتٍ مرتفعةٍ من الارتياب. تنتج الشركات أولاً ثم تكتشف لاحقاً ما إذا كانت قد أصابت الطلب أم أخطأته، لتُدخل التعديلات في دورة إنتاجٍ جديدة. أما اليوم فقد أتاحت التدفقات المستمرة للبيانات إجراء التعديلات باستمرارٍ أثناء سير النشاط نفسه. ولا تقتصر هذه العملية على حركة السلع. فالمنصات تنسق كذلك حركة العمال والمستهلكين. ففي منصات العمل مثل أوبر، تشارك البيانات في تنظيم العمل فتحدّد مناطق الطلب المرتفع وتوجّه السائقين نحوها، وتعدّل الأسعار لحظةً بلحظة. وفي منصات التواصل الاجتماعي، تحدد الخوارزميات ما الذي يظهر أولاً وما الذي يتراجع حضوره، وما الذي يختفي وسط تدفق المحتوى. وكلما ازدادت قدرة المنصات على التنبؤ، ازدادت قدرتها على التدخل. وكلما ازدادت قدرتها على التدخل، أصبحت نتائج التنبؤ جزءاً أكبر من عملية تشكيل الواقع الاقتصادي والاجتماعي.
في المقابل، كثيراً ما يُنظر إلى البيانات كما لو كانت تنتج الاحتكار تلقائياً. إلا أن هذا التصور يتجاهل أن الاحتكار أقدم من الإنترنت، وأقدم من البيانات. فمن الممكن قراءة تاريخ الرأسمالية تاريخاً متكرراً لعمليات التمركز وتركيز القوة الاقتصادية وإعادة توزيعها. وما تضيفه الرأسمالية الرقمية ليس اختراع الاحتكار، وإنما خلق شروطٍ جديدةٍ تعزز إمكاناته وتمنحه أدوات أكثر فاعلية. فالبيانات لا تتحول إلى مصدرٍ للقوة لأنها نادرةٌ بطبيعتها. فهي تتكاثر باستمرارٍ، ويمكن نسخها بتكلفةٍ تقترب من الصفر. أما ما يصعب تكراره فهو البنية التي تسمح بجمعها وربطها وتحليلها واستخدامها على نطاقٍ واسع.
يتحول هذا التفوق إلى ميزةٍ تراكميةٍ تعيد إنتاج نفسها. فالحجم الكبير يجذب عدداً أكبر من المستخدمين، وينتج عن هذا العدد المتزايد مزيدٌ من النشاط، الذي يولّد بدوره مزيداً من البيانات. وتؤدي هذه البيانات إلى تحسين القدرة على التنبؤ والتنسيق، وهو ما ينعكس على جودة الخدمة وكفاءة المنصة، فتجذب مستخدمين جدداً وتتكرر الدورة مرةً أخرى. وهكذا تتشكل حلقةٌ تراكميةٌ تجعل دخول المنافسين أو اللحاق بالمنصة أصعب بمرور الوقت.
مع ذلك، لا تعمل جميع المنصات وفق النموذج نفسه، ولا تؤدي البيانات الوظيفة نفسها في كل القطاعات. ففي منصات الإعلان مثل غوغل وميتا، فإن الوظيفة الأساس للبيانات هي تنظيم الانتباه واستهدافه بدرجةٍ متزايدةٍ من الدقة. أما في التجارة الإلكترونية، فتستمد المنصات قوّتها من قدرتها على تنسيق سوقٍ هائلٍ يضم البائعين والمشترين والمخازن وشبكات النقل وسلاسل الإمداد. وفي منصات العمل الرقمي، مثل أوبر و"طلبات"، تدخل البيانات مباشرةً في تنظيم العمل من خلال تحديد الأسعار وتوزيع المهام وقياس الأداء وإدارة الوقت ومراقبة التنفيذ.
أما في الذكاء الاصطناعي، فتؤدي البيانات وظيفةً إضافيةً باعتبارها المادة التي تُدرَّب عليها النماذج. لكن حتى هنا لا تنبع القوة من البيانات وحدها، بل من الجمع بينها وبين القدرة الحاسوبية والخبرة التقنية والبنية التحتية اللازمة لتحويلها إلى نماذج يمكن استخدامها. وهذا الجمع يتطلب موارد تتزايد مع تطور النماذج. فقد تضاعفت القدرة الحاسوبية المستخدمة في تدريب النماذج البارزة – منها مثلاً نموذج الذكاء الاصطناعي "لاما" لدى شركة ميتا – كل خمسة أشهرٍ تقريباً، فيما تضاعفت أحجام مجموعات بيانات التدريب كل ثمانية أشهر.
بهذا فالمستخدمون أصبحوا العمال الجدد في الاقتصاد الرقمي. وفي المقابل، ظهرت اتجاهاتٌ مضادةٌ تمسكت بالفصل الصارم بين العمل المنتج من جهةٍ، والنشاط الاجتماعي الرقمي من جهةٍ أخرى، حتى بدا وكأن ما يحدث على المنصات لا يضيف شيئاً جديداً يستحق التحليل. إذ ينتقد رودريغو مورينو ماركيز، أستاذ علم المعلومات، هذا التوسع في مفهوم العمل الرقمي، ويرى أن إدراج تصفح الإنترنت واستخدام وسائل التواصل الاجتماعي ضمن العمل يطمس التمييز بين العمل والترفيه ويتجاوز مفهوم العمل المنتج عند ماركس. وذلك في دراسته "تراباليو إي فالور ناس ميديا [. . . ]" (العمل والقيمة في وسائل التواصل الاجتماعي [. . . ]) المنشورة في 2018.
كلا الموقفين يغفل جانباً أساساً من التحول الجاري. فإذا عُدّ كل نشاطٍ اجتماعيٍ عملاً منتجاً للقيمة، أصبح مفهوم العمل نفسه بلا حدودٍ واضحة. وإذا حُصرت عملية التراكم داخل موقع الإنتاج المباشر فقط، أصبح من الصعب تفسير المكانة المتزايدة التي اكتسبها الاستخراج الاجتماعي داخل الرأسمالية الرقمية. ولربما الأدق هو التمييز بين استمرار العمل أساساً لإنتاج القيمة، واتساع المجال الذي أصبحت الرأسمالية قادرةً على تنظيمه والاستفادة منه.
فالسلع لا تزال تُنتَج بالعمل، والخدمات لا تزال تعتمد على العمل، والبنية التحتية الرقمية لا توجد إلا بفضل العمل. فمراكز البيانات لا تبني نفسها، والبرمجيات لا تكتب نفسها، والخوارزميات لا تطور نفسها. كذلك فشبكات النقل والتخزين والتوصيل التي يقوم عليها الاقتصاد الرقمي لا تعمل من دون ملايين العمال المنتشرين عبر العالم. ولهذا تتجاهل كثيرٌ من الخطابات التي تتحدث عن اقتصادٍ غير ماديٍ أن العالم الرقمي يرتكز في الواقع على كمياتٍ هائلةٍ من العمل المادي والمعرفي والتنظيمي. لكن ما تغيّر هو نطاق التنظيم. ففي الرأسمالية الصناعية كان تنظيم العمل يتركز داخل المصنع أو المؤسسة. لكن اتسع هذا التنظيم في الرأسمالية الرقمية ليشمل البيئة الاقتصادية والاجتماعية التي تتحرك داخلها عملية الإنتاج والتبادل.
هذا الاتساع في نطاق التنظيم هو ما يُقصد به بالاستخراج الاجتماعي. فهو يتجاوز جمع البيانات من أنشطة الأفراد اليومية، إلى العملية التي تتحول من خلالها هذه الأنشطة والعلاقات والتفاعلات إلى موردٍ اقتصاديٍ يمكن تحليله واستخدامه. ومن هذه الزاوية، ولهذا لا يصبح المستخدم عاملاً بالمعنى التقليدي، لكنه لا يبقى أيضاً مجرد مستهلكٍ سلبي. فأنشطته اليومية من البحث والتصفح إلى الشراء والتفاعل، تدخل دخولاً غير مباشرٍ في إنتاج المعرفة التي تعتمد عليها المنصات في فهم الأسواق، وتحسين التوقع وتنسيق النشاط الاقتصادي، دون أن يحلّ ذلك محلّ العمل المنتج للسلع والخدمات.
لكن التنبؤ نفسه لم يكن سوى خطوةٍ في دربٍ أوسع. فالقدرة على توقع السلوك تفتح المجال للتأثير فيه، وإذا أصبح التأثير ممكناً منهجياً أتيحت إعادة تنظيم البيئة التي يتشكل داخلها هذا السلوك. وهنا لا تكتفي الخوارزميات بمراقبة النشاط الاجتماعي، بل تتدخل تدريجياً في شروط إنتاجه. فهي ترتب المحتوى وتحدد أولويات الظهور وتقترح الأخبار والمواد الترفيهية، وتقرر ما الذي يحتل مقدمة الشاشة وما الذي يتراجع إلى الخلف.
ضمن هذا الإطار، تختلف سلطة الخوارزميات عن كثيرٍ من أشكال السلطة التقليدية. فهي لا تعمل عبر الإكراه المباشر، ولا تعتمد على الأوامر الصريحة، ولا تطلب من الأفراد تنفيذ سلوكٍ معينٍ تحت التهديد بالعقاب أو الوعد بالمكافأة. لكنها تعمل بطريقةٍ أكثر هدوءاً وتعقيداً في الوقت نفسه. فالخوارزمية لا تقول للفرد "افعل هذا"، لكنها تجعل بعض الخيارات أكثر حضوراً من غيرها. ولا تمنعه من الوصول إلى محتوىً معينٍ، لكنها تجعل الوصول إلى محتوياتٍ أخرى أسهل وأسرع. ولا تفرض عليه إقامة علاقةٍ اجتماعيةٍ بعينها، لكنها تزيد احتمالات التفاعل مع أشخاصٍ أو موضوعاتٍ أو أماكن دون غيرها. ولهذا فهي لا تلغي حرية الاختيار مباشرةً، وتتدخل في البيئة التي تُمارس داخلها هذه الحرية. وإن لم يعنِ ذلك أن الخوارزميات تتحكم في البشر بصورةٍ كاملةٍ أو ميكانيكيةٍ، فالسلوك الاجتماعي أعقد من أن يُختزل في استجابةٍ تلقائيةٍ للتوصيات الخوارزمية.
خلال مراحل طويلةٍ من التاريخ الحديث، كانت هذه الوظيفة موزعةً بين مؤسساتٍ متعددةٍ، من بينها الصحافة ودور النشر والجامعات والمدارس والأحزاب والنقابات والجمعيات والهيئات الثقافية. وإن لم تكن هذه الوسائط محايدةً، لكنها كانت متعددةً، ولكلٍّ منها جمهوره ومنطقه الخاصّ وآليات عمله.
مع التحول الرقمي أُعيد تنظيم هذه العملية. إذ أصبح جزءٌ متزايدٌ من النشاط المعرفي والاجتماعي يمر عبر عددٍ محدودٍ من المنصات الرقمية. ومن ثمّ لم يعد الانتباه مجرد هدفٍ للإعلانات، بل أصبح نقطة العبور الأساس للوصول إلى المعرفة، وإلى المجال العام نفسه. وفي هذا السياق صار الوقت الذي يقضيه الفرد أمام الشاشة بوابةً تمرّ عبرها المعرفة والاهتمام والرغبة والتفاعل. ولا تنتج المنصاتُ الأخبارَ أو الكتب أو المعرفة بالمعنى التقليدي، كما أنها لا تملي على الناس مباشرةً ما ينبغي أن يعتقدوه. لكن تأثيرها يتجلى في تنظيم فرص الظهور والانتشار، وفي تحديد أيّ الموضوعات تكتسب حضوراً مستمراً داخل المجال العام، وأيها يتراجع إلى الهامش.
في المقابل، شهدت المؤسسات الوسيطة في أجزاءٍ واسعةٍ من العالم، أشكالاً مختلفةً من التراجع أو الضعف أو إعادة الهيكلة. إذ فقدت الأحزاب في كثيرٍ من المجتمعات تراجعاً في العضوية والارتباط التنظيمي المباشر بالجمهور، وأصبحت أقل حضوراً في الحياة اليومية لكثيرٍ من المواطنين. كذلك تراجعت أدوار النقابات في كثيرٍ من القطاعات، ففي دول منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، التي تتضمن ثمانياً وثلاثين دولةً عضواً، انخفضت نسبة العاملين المنضمين إلى النقابات من نحو 30 بالمئة في 1985 إلى نحو 17 بالمئة في 2016. وواجهت الصحافة التقليدية أزماتٍ اقتصاديةً وتنظيميةً متواصلةً، ولم تعد المكتبات العامة والمراكز الثقافية والمساحات العامة المنظمة تؤدي الوظائف نفسها التي أدّتها في مراحل سابقة. في المملكة المتحدة مثلاً أُغلقت أو نُقلت إلى إدارة متطوعين أكثر من مئةٍ وثمانين مكتبةً عامةً منذ 2016.
ومع رقمنة مصادر الأخبار ومجالات التواصل وكثيرٍ من أدوات العمل ومساحات الترفيه وسوق الاستهلاك ومساحات النقاش العام، اكتسبت المنصات في الفضاء الرقمي خصائص البنية التحتية. ولا يعني ذلك أن المنصات تحلّ محلّ المجتمع أو تستبدل العلاقات الاجتماعية القائمة، لكنها أصبحت جزءاً من البنية التي تمرّ عبرها هذه العلاقات. وكلما ازداد اعتماد المجتمع عليها، ازداد تأثيرها في شروط الوصول إلى المعرفة والتواصل والعمل والأسواق. بهذا فالخوارزمية لا تعمل في فراغٍ، إنما داخل بنيةٍ يعتمد عليها ملايين الأفراد والمؤسسات في أداء وظائف أساسيةٍ من حياتهم اليومية.
غير أن هذه السلطة لا تعمل بالطريقة نفسها على جميع الأفراد أو المؤسسات. فهم لا يدخلون إلى العالم الرقمي بالشروط نفسها، إذ تختلف أنماط استخدام المنصات والتفاعل معها باختلاف الموقع الاجتماعي والاقتصادي والتعليم والعمر، كما تختلف درجة الاعتماد عليها من شخصٍ لآخر. لذلك تتفاوت أيضاً أشكال السلطة التي تمارسها المنصات باختلاف الموقع الاجتماعي والاقتصادي والثقافي، والتعليم وطبيعة العمل والعمر والموقع الجغرافي والبنية التحتية الرقمية وأنماط الاستخدام. وهو النمط الذي أظهرته دراسةٌ نُشرت سنة 2021 عن التباينات بين مستخدمي وسائل التواصل، واعتمدت على 3.7 مليار سجلٍ لحركة الهاتف المحمول في دولةٍ أوروبية. وخلصت إلى أن أنماط استخدام الخدمات الرقمية تختلف باختلاف الدخل والتعليم والموقع الجغرافي. إذ كانت المناطق منخفضة الدخل أو التعليم أكثر استخداماً للفيديو ووسائل التواصل الاجتماعي، وأقل استخداماً للأخبار والبحث والبريد الإلكتروني.
التباين ذاته ينطبق على المؤسسات نفسها. فبعضها يستطيع بناء بدائل أو التفاوض مع المنصات، في حين تصبح مؤسساتٌ أو مجموعاتٌ أخرى أكثر اعتماداً على سياساتها وأكثر عرضةً لتغيرات خوارزمياتها. وهذا ما تشير له مثلاً دراسةٌ أعدّها المختصان بريادة الأعمال، دوناتو كوتولو ومارتن كيني، عنوانها "بلات-فورم إنتربرينور [. . .] (رواد الأعمال المعتمدون على المنصات)، صدرت سنة 2021. وتشير الدراسة أيضاً إلى أن هذا الاعتماد يمكن أن يعيد تشكيل فرص النمو نفسها، لأن نجاح النشاط التجاري يصبح مرتبطاً بقدرة المنصة على توفير الوصول إلى العملاء والأسواق، وليس بقدرة صاحب النشاط وحده على تطوير منتجه أو خدمته.
ولا تعمل المنصات خارج الدولة أو بمعزلٍ عنها. فهي تعتمد على الأطر القانونية التي تضعها الدولة، وعلى بنيتها التحتية، وعلى قدرتها في تنظيم الأسواق، وحماية الحقوق وفرض القواعد. ويظهر ذلك في السعودية مثلاً، إذ أخضع نظامُ حماية البيانات الشخصية معالجةَ البيانات من جانب الشركات والمنصات لقواعد قانونيةٍ تشرف عليها الهيئة السعودية للبيانات والذكاء الاصطناعي، بما يجعل جزءاً من النشاط الاقتصادي للمنصات مرتبطاً مباشرةً بالأطر التنظيمية التي تضعها الدولة.
في الوقت نفسه، تدخل هذه المنصات مع الدولة في علاقاتٍ متغيرةٍ من التعاون والتفاوض والصراع، بحسب توازنات كل مجتمعٍ وطبيعة كل قطاع. ولهذا قد لا يمكن فهم العلاقة بين الدولة والمنصات انتقالاً بسيطاً للسلطة من الأولى إلى الثانية، ولا علاقة هيمنةٍ كاملةٍ لأحد الطرفين على الآخر. في دبي على سبيل المثال، أنشأت هيئة الطرق والمواصلات سنة 2018 مشروعاً مشتركاً مع شركة كريم لخدمات حجز سيارات الأجرة إلكترونياً، ثم أُطلقت خدمة "هلا" في 2019، وجمعت بين البنية التقنية للمنصة وخبرة الهيئة في تنظيم قطاع النقل وإدارته. من هنا لعل الأدق أن ما يجري هو إعادة توزيعٍ للوظائف والقدرات داخل بنيةٍ تتداخل فيها السلطة السياسية مع السلطة الاقتصادية والبنى التقنية، بحيث يعاد تعريف حدود كلٍّ منها باستمرار.
ضمن هذا السياق يأتي الذكاء الاصطناعي ليعمق التشابك. فهو يعتمد على كمياتٍ هائلةٍ من البيانات التي تولدت من العمل والنشاط الاجتماعي المتراكم، وعلى بنيةٍ تحتيةٍ حاسوبيةٍ تتركز في عددٍ محدودٍ من الشركات، وعلى أطرٍ قانونيةٍ وسياسيةٍ تحدد مجالات تطويره واستخدامه. ولهذا فالذكاء الاصطناعي ليس مجرد طفرةٍ تقنيةٍ مستقلةٍ عن السياق الاقتصادي والاجتماعي الذي نشأ داخله. ففاعليته الاقتصادية ترتبط بالشروط نفسها التي قامت عليها الرأسمالية الرقمية، من تراكم البيانات وتركيز القدرة الحاسوبية واتساع المنصات، وتعاظم القدرة على تنظيم التدفقات الاقتصادية والاجتماعية.
لهذا فإن النظر إلى الرأسمالية الرقمية اقتصاداً جديداً حلّ محلّ الرأسمالية أو مجرد ثورةٍ تقنيةٍ غيرت أدوات الإنتاج فحسب، قد لا يكون دقيقاً. فهذه تبدو مرحلةً جديدةً في تاريخ الرأسمالية نفسها، اتسع فيها مجال التراكم ليشمل أجزاءً متزايدةً من الحياة الاجتماعية، وأصبحت فيها البيانات والخوارزميات والمنصات أدواتٍ لإعادة تنظيم النشاط الاجتماعي والاقتصادي، لا بدائل عن العمل أو عن قوانين التراكم الرأسمالي.

