فتحت العملية باب جدلٍ سياسيٍ وقانونيٍ واسعٍ داخل الولايات المتحدة. دافعت الإدارةُ عن اعتقالها رئيسَ دولةٍ أخرى بالإشارة لوقائع سابقة. ففي ديسمبر سنة 1989، غزت القوات الأمريكية أراضي بنما بأمرٍ من الرئيس جورج بوش الأب لاعتقال الرئيس مانويل نورييغا وتقديمه للمحاكمة في الولايات المتحدة. وهي العملية التي أدانتها الجمعية العامة للأمم المتحدة في القرار رقم 44/240 بخمسةٍ وسبعين صوتاً مؤيداً مقابل عشرين معارضاً. وسوّغت إدارة ترامب عمليةَ كاراكاس بضرورات الأمن القومي التي تفرض هيمنة الولايات المتحدة على الأمريكتين، على النحو الذي أشارت إليه استراتيجية الأمن القومي الصادرة في نوفمبر 2025.
التحرك الأمريكي ضد فنزويلا جاء مدفوعاً بإحياء ترامب "مبدأ مونرو" المنسوب لجيمس مونرو رئيس الولايات المتحدة بين سنتي 1817 و1825. ينصّ المبدأ الذي أُعلن سنة 1823 على الحماية الأمريكية الأحادية لنصف الكرة الأرضية الغربي، وعدم تدخل القوى الأوروبية فيه، مقابل امتناع الولايات المتحدة عن التدخل في الشؤون الأوروبية. ومع تقادم الزمن فُسّرت على أنها تجعل الأمريكتين مجال نفوذٍ حصريٍ للولايات المتحدة، بحيث يُعَدّ أيّ تدخلٍ فيهما تهديداً لأمنها القومي. ويسعى ترامب لتجاوز "مونرو" واعتماد ما وصفه "مبدأ دونرو" المشتق من اسمه لفرض مزيدٍ من الهيمنة على القارتين. إذ حملت تصريحاته عقب القبض على مادورو تهديداتٍ لرؤساء كولومبيا وكوبا والمكسيك بمصيرٍ مماثلٍ ما لم تتغير سياساتهم.
لجأ ترامب إلى إحياء مبدأ مونرو أداةً سياسيةً لتمرير تدخلٍ عسكريٍ مباشرٍ دون الاصطدام العلني بشعار "أمريكا أولاً". فمن تصوير فنزويلا جزءاً من المجال الحيوي للأمن القومي الأمريكي، يُعاد تعريف التدخل إجراءً دفاعياً لحماية الداخل لا انخراطاً خارجياً في حربٍ بعيدة. فتح هذا باب الخلاف داخل تيار "ميك أميريكا غريت أغين" (لنجعل أمريكا عظيمةً مجدداً) المعروف اختصاراً بِاسم "ماغا" المساند ترامب. وبينما دعم البعض التدخل العسكري استناداً لتماشي أهدافه مع مبادئ "أمريكا أولاً" في تأكيد أولوية المصالح الأمريكية، رفضه آخرون لمخالفته هذه المبادئ، وعلى رأسها عدم الانخراط في حروبٍ خارجية.
قصد مونرو بهذا فرض هيمنة بلاده على الأمريكتين. كانت غالبية بلدان أمريكا اللاتينية وقتئذٍ قد استقلّت عن إسبانيا أو البرتغال. واعترفت الولايات المتحدة بخمس جمهورياتٍ جديدةٍ هي الأرجنتين وتشيلي وكولومبيا والمكسيك وبيرو. وخشيت الإدارة الأمريكية أن تحاول القوى الأوروبية إعادة استعمار دول المنطقة، فأكدت أن نصف الكرة الأرضية الغربي لم يعد متاحاً للاستعمار الأوروبي.
توسع نطاق عمل "مبدأ مونرو" عبر الزمن. في منتصف القرن، أعاد الرئيس جيمس كيه بولك توظيفه بإضافة مضمونٍ توسعيّ. لم يعد المبدأ يُفهم محاولةً لمنع التدخل الأوروبي في القارة والسعي لإعادة استعمارها تهديداً استراتيجياً فحسب. بل صارت تُفهم رفضاً لأيّ تدخلٍ أوروبيٍ يمنع توسعاً محتملاً للولايات المتحدة ونفوذها في الأمريكتين. ومنذئذٍ صار "مبدأ مونرو" حجةً تُستخدم لتسويغ التدخل الأمريكي في نصف الكرة الغربي.
لفهم دلالات "مبدأ مونرو" استحضر الكاتب فريد زكريا، في مقالٍ نشرته صحيفة "واشنطن بوست" في ديسمبر 2025، السياقَ التاريخي الذي أُعلنت فيه. كانت الولايات المتحدة حينئذٍ جمهوريةً زراعيةً محدودة الحجم، لا يتجاوز عدد سكانها عشرة ملايين نسمة وتضم أربعةً وعشرين ولاية. ولم تكن حصّتها من الناتج المحلي الإجمالي العالمي تتجاوز 2.6 بالمئة، أي ما يقارب عُشر حصّتها الحالية. وكانت قواتها المسلحة صغيرةً إلى حدّ أنها لم تكن ضمن أكبر خمس عشرة دولةً عالمياً في عدد الأفراد العسكريين. في هذا الإطار جاء إعلان مونرو اعترافاً باستقلال عددٍ من دول أمريكا اللاتينية التي كانت تحررت حديثاً من الحكمين الإسباني والبرتغالي، وتحذيراً للقوى الأوروبية الكبرى من محاولة إعادة استعمارها. كان المبدأ في جوهره تعبيراً عن موقفٍ يناهض الاستعمارَ والتدخل الخارجي.
يقول زكريا إن تبنّي الولايات المتحدة اليوم هذا المنظور يبدو غير واقعيٍ، في ظلّ صيرورتها قوةً دوليةً كبرى تمتد مصالحها إلى مختلف أنحاء العالم. وإيلاء الاهتمام المطلق بأمريكا اللاتينية التي وصفها ترامب بفناء البيت الأبيض الخلفي يوجّه تركيز واشنطن نحو واحدةٍ من أقل المناطق أهميةً اقتصادياً على المستوى العالمي. إذ بلغ حجم التجارة الأمريكية مع دول أمريكا اللاتينية كافةً – باستثناء المكسيك – نحو أربعمئةٍ وخمسين مليار دولار سنة 2024، مقارنةً بأكثر من تريليون ونصف دولار من التجارة مع الاتحاد الأوروبي، وما يزيد على تريليوني دولار مع آسيا. أما كندا والمكسيك، فمع ارتباطهما التجاري الواسع بالولايات المتحدة، باتت الاقتصادات الثلاثة متداخلةً إلى حدٍّ يمكن معه اعتبارها من وجوهٍ كثيرةٍ اقتصاداً واحداً في أمريكا الشمالية.
النسخة التي يتبناها ترامب ليست نسخة مونرو الأصلية. بل أعاد توظيف المبدأ لتُنصّب بموجبه الولايات المتحدة نفسها قوةً شُرطيةً تتدخل في أي بلدٍ في المنطقة. وثيقة استراتيجية الأمن القومي التي نُشرت في نوفمبر 2025 تحدثت صراحةً عن "مبدأ مونرو" لاستعادة التفوق الأمريكي في نصف الكرة الغربي. ويسمي ترامب ذلك "مبدأ دونرو"، وبحسب تعبيره، فإنها ستكون "أكبر وأفضل" من كلّ ما سبقها.
صوَّر ترامب التدخلَ العسكريَ امتداداً مباشراً لمبادئ السياسة الخارجية الأمريكية. وقال في تصريحاته عقب العملية إن حيازة نظام مادورو أسلحةً هجوميةً يهدد المصالح والأرواح الأمريكية. وأكد ترامب أن التدخل يندرج ضمن مبدأ حماية مصالح الولايات المتحدة في الأمريكتين فهو مِن أُسس السياسة الأمريكية الجوهرية.
أعلن ترامب في المؤتمر الذي عقده في ولاية فلوريدا عقب العملية العسكرية في فنزويلا نيّته في تولّي إدارة فنزويلا. وقال: "سندير البلاد إلى أن يحين الوقت الذي نتمكن فيه من إجراء انتقالٍ آمنٍ وسليمٍ وحكيمٍ [للسلطة]". في المقابل سعى وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو إلى تضييق نطاق هذا الطرح، مؤكداً وفقاً لتقريرٍ نشره موقع "سي بي إس نيوز" أن الولايات المتحدة لا تعتزم حكم فنزويلا مباشرةً، بل ستكتفي بالضغط عليها بفرض حصارٍ نفطي. وضوح تصريحات روبيو مقارنةً بالتصريحات واسعة الدلالة التي أدلى بها ترامب جاءت رداً على المخاوف التي عبّرت عنها قطاعاتٌ من أنصار الرئيس الأمريكي من انزلاق الولايات المتحدة إلى صراعٍ جديد. وعدّ روبيو الحصار النفطي شكلاً عملياً من الحكم الذي قصده الرئيس.
يستند ترامب في تبريره الهجومَ إلى ما ورد في استراتيجية الأمن القومي الصادرة في نوفمبر 2025، التي أعادت إحياء مبدأ مونرو ووضعت نصف الكرة الغربي في صدارة أولويات السياسة الأمريكية تحت شعار "أمريكا أولاً". فوفق الاستراتيجية تعتزم الولايات المتحدة إعادة تأكيد هذا المبدأ وإنفاذه لاستعادة صدارتها، ومنع أيّ وجودٍ أجنبيٍ مُعادٍ. لذا يقدّم ترامب التدخل في فنزويلا جزءاً من نصوص الاستراتيجية في حماية المجال الحيوي والأمن القومي للولايات المتحدة.
تضع استراتيجية الأمنِ القوميِ نصفَ الكرةِ الغربيَ على رأس أولويات الولايات المتحدة، في تحولٍ واضحٍ عن السنوات الأخيرة التي تصدرت فيها آسيا جدول الاهتمامات بسبب صعود الصين منافساً قريباً. يقدَّم هذا التحول تنفيذاً لمبادئ "أمريكا أولاً"، التي تروّج لسياساتٍ خارجيةٍ تحفظ مصالح الولايات المتحدة المباشرة، حتى لو عدّها بعضهم تدخلاً غير مشروعٍ في شؤون الآخرين، أو تراجعاً غير ضروريٍ عن النفوذ في مناطق أخرى. وتبرر الوثيقة هذا التركيز أمنياً: فالجريمة المنظمة في نصف الكرة الغربي تحصد أرواحاً أمريكيةً أكثر من أيّ تهديدٍ أمنيٍ آخَر.
ووفقاً لتقريرٍ نشره "سي إف آر" في أكتوبر 2025 فإن العجز عن السيطرة على الحدود الجنوبية يضغط على السياسة الداخلية للإدارة الأمريكية. وإلى جانب ذلك تُبرز الوثيقة أهمية الموارد الطبيعية في المنطقة ودورها المحتمل في سلاسل الإمداد الحيوية، مع التحذير من توسع النفوذ الصيني عبر التجارة والبنية التحتية الرقمية، ما يعزز النظر إلى المنطقة ساحة تنافسٍ سياسيٍ جغرافيٍ مباشر. ولا يصاغ هذا الاهتمام بلغة الشراكة والتنمية، بل وفق منظورٍ تهديديٍ يرى أمريكا اللاتينية مصدر مخاطر قبل أن تكون فضاء فرص.
في مقابل المبررات التي ساقتها الإدارة الأمريكية للتدخل العسكري، اعترض نوابٌ بالكونغرس على الهجمات التي لم تستند إلى أيّ تفويضٍ صريحٍ من السلطة التشريعية باستخدام القوة العسكرية. قال جيم هايمز، أبرز الديمقراطيين في لجنة الاستخبارات بمجلس النواب، لوكالة "أسوشيتد برس" في 3 يناير 2025، إنه لم يطّلع على أيّ أدلةٍ تبرّر إقدام ترامب على العملية بلا طلب موافقة الكونغرس. وطالب هايمز الإدارة بإحاطةٍ فوريةٍ توضح خطّتها لضمان الاستقرار الإقليمي والأساس القانوني الذي استندت إليه في اتخاذ هذا القرار.
وقبل تنفيذ العملية في فنزويلا، أعلن الرئيس دونالد ترامب أنه لن يُخطر الكونغرس قبل أي عملياتٍ محتملةٍ، مبرراً ذلك بخوفه من تسريب المعلومات. وعقب العملية وردود الفعل على تجاهل الكونغرس، قال وزير الخارجية ماركو روبيو إن طبيعتها لم تسمح بإخطار الكونغرس مسبقاً لأن توقيتها تحدّد بناءً على مهمةٍ قائمةٍ على محفزاتٍ وشروطٍ متغيرة. وكان من شأن الإخطار المسبق أن يعرّضها للخطر. وشدد روبيو على أن العملية اعتقالٌ لهاربين من العدالة الأمريكية، نفذتها وزارة العدل بدعمٍ من وزارة الدفاع.
وفي داخل المعسكر الجمهوري لم يكن الدعم مطلقاً. إذ شكّك عددٌ محدودٌ من النواب الجمهوريين في مجلس النواب في أساس العملية الدستوري وتداعياتها السياسية. قال النائب توماس ماسي إن سلامة الإجراء دستورياً كانت ستُغني الإدارة عن إعلان اعتقال رئيس دولةٍ ذات سيادةٍ وزوجته بموجب قانون أسلحةٍ أمريكيٍ يعود إلى سنة 1934. وحذّر النائب دون بايكن من أن التحرك قد يفتح الباب أمام قوىً دوليةٍ مثل روسيا والصين لتدخلاتٍ عسكريةٍ غير قانونيةٍ في أوكرانيا وتايوان. وتساءلت النائبة مارغوري تايلور غرين عن منطق ربط العملية بحماية الأمريكيين من المخدرات، في ظل انعدام أي تحركٍ موازٍ ضد عصابات المخدرات المكسيكية، معتبرةً أن ما جرى يتناقض مع وعود إنهاء الحروب الخارجية التي تبنّاها تيار "ماغا" الذي يناصر الرئيس ترامب.
تتجاوز دوافع ترامب من الهجوم على فنزويلا اتهامات الإتْجار بالمخدرات التي وُجهت للرئيس الفنزويلي إلى النفط والنفوذ الجغرافي والسياسي. فبعد ساعاتٍ من القبض على مادورو، كشف ترامب عن خططه لقطاع الطاقة الفنزويلي، وقال إن شركات نفطٍ أمريكيةً ستدخل لإصلاح البنية التحتية المنهارة. وأضاف إن عائدات بيع النفط ستستخدم لتمويل إدارة البلاد.
في فنزويلا أكبرُ احتياطيات النفط الخام في العالم، إذ تُقدر بنحو ثلاثمئةٍ وثلاثة مليارات برميلٍ، أي نحو خُمس الاحتياطيات العالمية. وقال ترامب إن فنزويلا ستسلّم نفطاً قيمته نحو 2.8 مليار دولار، تُستخدم عوائد بيعه لصالح فنزويلا والولايات المتحدة. وطرح فكرة تولّي الولايات المتحدة الإشراف على شركة النفط الوطنية الفنزويلية "بيديفيسا". وذكر تقريرٌ نشره موقع "غلوبال ويتنس" في 16 يناير 2026 عزم واشنطن التحكم في عائدات مبيعات النفط المستقبلية، على أن تحوّل إلى فنزويلا وفقاً لتقدير الولايات المتحدة، بحسب مصدرٍ مجهولٍ نقلت عنه شبكة قنوات "سي إن بي سي".
تضغط إدارة ترامب لإعادة إدخال شركات النفط الأمريكية الكبرى إلى السوق الفنزويلية. ودخلت شركة "شيفرون"، التي واصلت العمل في البلاد أثناء حكم مادورو، في مفاوضاتٍ مع الحكومة الأمريكية لتوسيع صادراتها. بينما استضاف ترامب شركات نفطٍ في البيت الأبيض بعد أقلّ من أسبوعٍ على الهجوم، لتشجيعها على الاستثمار في فنزويلا.
وبجانب النفط تشير تقديرات الخبراء إلى امتلاك فنزويلا معادن نادرةً، وهي ضروريةٌ لقطاعاتٍ حيويةٍ في صناعات الدفاع والتقنية المتقدمة. أكدت الإدارة الأمريكية أهمية هذه الموارد عنصراً أساساً في معادلة الأمن القومي. غير أن الخبراء، وفقاً لما نشره موقع "سي إن إن" في يناير 2026، حذَّروا من أن تأمين هذه الموارد يمثل تحدياً بالغ الصعوبة، وأنه حتى في حال نجاحه لن يُحدث أثراً كبيراً في حجم النفوذ الأمريكي. فحجم الموارد المعدنية في فنزويلا وجدواها الاقتصادية لا يزالان موضع شكٍّ، في حين تواجه الشركات مخاطر أمنيةً مرتفعةً في ظل غياب ضماناتٍ مستدامةٍ للعمل في قطاع التعدين.
ويشير الخبراء إلى أن العديد من المناطق الغنية بهذه الموارد تشهد وجود جماعاتٍ مسلحةٍ وعناصر من حروب العصابات متورطةٍ في أنشطة تعدينٍ غير قانونيةٍ، خصوصاً في قطاع الذهب. فضلاً عن المخاطر البيئية من استخراج المعادن النادرة باستهلاكٍ كبيرٍ للطاقة. وتتضاعف هذه التحديات بسبب طبيعة سلسلة التوريد العالمية، إذ لا يمثل استخراج المعادن من الأرض سوى مرحلةٍ أولى، ترسل هذه المواد بعدها عادةً إلى الصين لتكريرها. ووفقاً لبيانات وكالة الطاقة الدولية، استحوذت الصين على أكثر من 90 بالمئة من عمليات تكرير المعادن النادرة عالمياً سنة 2024، محتفظةً باحتكارٍ فعليٍّ لمعالجة هذه المواد.
تصنف الولايات المتحدة عبر هيئة المسح الأرضي الأمريكية نحو ستين معدناً مهماً للأمنين الاقتصادي والوطني. لا تُدرج الهيئة فنزويلا على قائمة الدول التي تمتلك عناصر أرضيةً نادرةً، وهي قائمةٌ تضم بلداناً مثل الصين والبرازيل وجزيرة غرينلاند. استبعاد فنزويلا من هذه القائمة لا ينفي وجود معادن فيها، ففي سنة 2009 أعلن الرئيس الفنزويلي الراحل هوغو شافيز عن اكتشاف احتياطيٍّ كبيرٍ من معدن الكولتان وفق ما نقلته وكالة "رويترز". وفي سنة 2016، قال نيكولاس مادورو إن فنزويلا أبرمت صفقات تعدينٍ بقيمة أربعة مليارات ونصف دولار مع شركاتٍ أجنبيةٍ ومحليةٍ، في كندا وجنوب إفريقيا والولايات المتحدة. ويعزو الخبراء عدم إدراج فنزويلا في القائمة رغم هذه الاكتشافات لصعوبة الحصول على معلوماتٍ دقيقةٍ والتوثق منها في ظلّ طبيعة نظام الحكم فيها.
في المقابل تشدد وثيقة الأمن القومي على ضرورة مواجهة الوجود الصيني متعدد الأبعاد في أمريكا اللاتينية، بما يشمل الدفع إلى إخراجه من الموانئ والبنى التحتية الحيوية والحدّ من انخراطه الاقتصادي في المنطقة. مع إقرارٍ محدودٍ فقط بأن لدول أمريكا اللاتينية رأياً في هذه السياسات. لا تذكر الاستراتيجية الصينَ بالاسم عند تناولها نصف الكرة الغربي، غير أن الإشارة إلى منافسين من خارج نصف الكرة يُراد إبعادهم عن المنطقة، تُفهم على نطاقٍ واسعٍ موجَّهةً إلى الصين، وفقاً لتحليل مؤسسة "بروكينغر" يناير 2026.
تروّج شركات النفط مصالحها الاقتصادية كما لو أنها مصالح وطنية. في كتابه "كاربون ديموكراسي" (ديمقراطية الكربون) الصادر سنة 2011، يحاجّ تيموثي ميتشل، أستاذ دراسات الشرق الأوسط بجامعة كولومبيا، بأن سيطرة الولايات المتحدة على النفط في الشرق الأوسط سُوّغت تاريخياً بأطرٍ خطابيةٍ مثل التنمية والتوزيع المنصف، وهي صيغٌ سمحت بتجاوز أسئلة السيادة الوطنية وحقوق الملكية وتصوير التحكم في الموارد باعتباره إدارةً تخدم الجميع. يوضح ميتشل أن صياغة مسألة الوصول إلى مصادر الطاقة بوصفها قضية أمنٍ قوميٍ لا مجرد شأنٍ اقتصاديٍ أو تجاريٍ، سمح بدمج مصالح الشركات في سياسات الدولة. وأصبحت حماية تدفقات الطاقة واستقرارها مبرراً لتدخل الدولة المباشر سواءً داخلياً أو خارجياً. ويشير ميتشل إلى أن خطاب الأمن والطاقة استخدم لتقييد قدرة العمال على ممارسة الضغط السياسي من مواقع الإنتاج داخلياً. وخارجياً وُظِّف المفهوم ذاته لتسويغ التدخل في شؤون دولٍ أخرى تضمن استمرار تدفق الطاقة.
لا يقدَّم التدخل العسكري في فنزويلا في صورة حدثٍ عسكريٍ، بل امتداداً لمبدأٍ يرى السيطرة على مصادر الطاقة جزءاً من الأمن القومي الأمريكي. في هذا الإطار تعاد صياغة مصالح شركات النفط بوصفها مصالح الولايات المتحدة نفسها، ويبدو الدفاع عنها دفاعاً عن الاستقرار الوطني.
في المقابل يساهم خطاب استدعاء مبدأ مونرو وصياغة التدخل دفاعاً عن المصالح الأمريكية، في خلق علاقةٍ ملتبسةٍ بين شركات النفط الأمريكية والجمهور العام. ويتعزز هذا الإحساس عبر مؤشراتٍ استهلاكيةٍ سريعة التأثير، مثل انخفاضٍ طفيفٍ ومؤقتٍ في أسعار الوقود تقدم ضمنياً دليلاً على تحقق المصلحة الوطنية، حتى في غياب نقاشٍ واضحٍ عن توزيع المكاسب الفعلية أو التكلفة السياسية والاقتصادية الأوسع لهذا التدخل.
بهذا المعنى، لا تكمن خطورة استدعاء مبدأ مونرو في طابعه الاستعماري القديم، بل في قدرته على إنتاج توافقٍ داخليٍ قائمٍ على مؤشراتٍ سريعةٍ ومكاسب رمزية. وهو ما يجعل "أمريكا أولاً" شعاراً قابلاً للاستخدام في اتجاهاتٍ متعارضة.

