أثناء الحرب حاول الجيش الإسرائيلي تكريس رواية أن حربه ضد حزب الله حصراً، مركِّزاً ضرباته على ثلاث مناطق رئيسةٍ للحزب فيها نفوذٌ كبيرٌ، هي الجنوب والبقاع والضاحية. وبعد توقيع وقف إطلاق النار في 27 نوفمبر 2024 استمرت الهجمات الإسرائيلية على تلك المناطق وسُجّل أكثر من عشرة آلاف انتهاكٍ إسرائيليٍ جويٍ وبريٍ داخل الأراضي اللبنانية حتى نوفمبر 2025، بحسب قوة الأمم المتحدة المؤقتة في جنوب لبنان "اليونيفيل". كذا سُجِّلت ثلاثة إنذاراتٍ وأربع عمليات استهدافٍ في الضاحية الجنوبية، إضافةً إلى تحليق الطائرات المسيّرة الإسرائيلية في سمائها باستمرار.
أدى التمدد العمراني والسكاني إلى اندماج الضاحية الجنوبية في نسيج بيروت العامّ، فبات صعباً تعيين الحدود الفاصلة بينهما. وقد حاولت إسرائيل إعادة رسم هذه الحدود قسرياً بالقصف والتدمير، لترسم ما يبدو واقعاً يقسّم المدينة إلى مناطق تُعدّ خطرةً تشمل الضاحية الجنوبية، وأخرى آمَن وتضم باقي أحياء العاصمة. القلق في الضاحية من احتمال تجدّد الحرب، مضافاً إلى تلافي أهالي المناطق المتاخمة الدخولَ إليها، ظهر ضرره على حياة سكانها اليومية من ناحيةٍ، وعلى الحركة الاقتصادية والتجارية من ناحيةٍ أخرى. وهو ما يتبين في شهاداتٍ ميدانيةٍ وتجارب بعض من يعيشون في الضاحية وعلى أطرافها اليوم، بعد ما يزيد على عامٍ من توقيع وقف إطلاق النار بين حزب الله وإسرائيل.
النقلة الكبيرة في تاريخ ضاحية بيروت السياسي كانت في صيف 1982 عند التصدّي لتقدّم الجيش الإسرائيلي من محلّة الأوزاعي الليلكي مع تشكيل تنظيم المقاومة الإسلامية المعروف اليوم بِاسم "حزب الله". ومنذئذٍ بدأت فصول العلاقة الإستراتيجية بين حزب الله والضاحية لتصبح معقلاً سياسياً وأمنياً وثقافياً له. وهو ما جعلها هدفاً للهجمات الإسرائيلية لاسيما في حرب تموز 2006 وظهور ما يسمى "عقيدة الضاحية" التي سعت إسرائيل بها لتدمير البنية المدنية لضرب حاضنة حزب الله الشعبية. ثم تكررت الهجمات الإسرائيلية في حرب الإسناد بعد السابع من أكتوبر 2023 وتكثفت في نهاية 2024. وما تلا ذلك من استمرار للهجمات الإسرائيلية بعد توقيع اتفاق وقف إطلاق النار بين الحزب وإسرائيل نهاية نوفمبر 2024.
ومنذئذٍ بدا أن إسرائيل تحاول فرض حدودٍ فاصلةٍ "بالنار" بين الضاحية ومحيطها. حدود تفصل بين الخوف والقلق من ناحيةٍ والطمأنينة والأمان من ناحيةٍ أخرى، مع أن المسافة بينهما قد لا تتجاوز عشرات الأمتار. هي الفاصل بين أبناء الضاحية الذين يشعرون بالقلق والذعر لحظة وقوع الاعتداءات الإسرائيلية وبين من هم خارجها، الذين يعتقدون أن الاستهداف لن يطالهم.
ففي 23 نوفمبر 2025، استهدفت إسرائيل شقّةً سكنيّةً في حارة حريك ما أدّى إلى مقتل خمسة أشخاصٍ وإصابة ثمانيةٍ وعشرين آخرين وتدمير ثلاثة طوابق كاملةً. فضلاً عن أضرار لحقت بخمسة مبانٍ مجاورةٍ وبعددٍ من المحالّ التجارية والسيارات. حينئذٍ كانت نرمين الحركة تُطعم ابنها وما لبثت أن ضمّته مسرعةً عندما سمعت صوت الصاروخ إذ توقّعَت أن انفجاراً سيقع. تستذكر في حديثها مع الفِراتْس أن "الصوت كان قوياً جداً وتملّكني شعور الخوف من أن يصيب عائلتي أيّ مكروه".
في الوقت عينه كانت نيللي الخوري تجلس مع أصدقائها في أحد المقاهي في منطقة الحازمية غير البعيدة عن الضاحية، وبدأت تردها أخبار الاعتداء الإسرائيلي لكنها لم تغادر مكانها. تقول للفِراتْس: "عند توارد أخبار غارةٍ إسرائيليةٍ، توقعنا جميعاً أن يكون المكان المستهدف داخل الضاحية، فالأمر ليس بجديدٍ، وهذا ما دفعنا إلى البقاء حيث كنّا".
ولم تُبدِ ميرا عيراني التي تقطن في منطقة عين الرمانة رغبةً بمغادرة منزلها أثناء الحرب مع أنه لا يبعد سوى مئات الأمتار عن منطقة الشياح (الواقعة في الضاحية الجنوبية) التي طالتها كثيرٌ من الضربات الإسرائيلية. وتشير عيراني إلى أنه "في ذلك الوقت كنا نسمع الضربات ولكننا شعرنا بنوعٍ من الأمان". فإسرائيل، حسبما ترى، تقول إنها لا تستهدف جميع اللبنانيين وإنما حزب الله فقط، مستدركةً أن هذا لا يعني أن إسرائيل صادقةٌ في ادعائها. وتلفت إلى أن هذا الشعور ما زال مستمراً بعد انتهاء الحرب، "فعندما نسمع صوت المسيرات على علوٍّ منخفضٍ نتساءل عن المنطقة التي سيستهدفها الجيش الإسرائيلي في الضاحية ونشعر بنوعٍ من الأمان في منازلنا".
دفعت هذه الحدود المستجدة كثيراً من المواطنين من المناطق المتاخمة إلى تجنب زيارة الضاحية إلا للضرورة. يقول محمود الأسمر الذي يقطن في منطقة الحدث المحاذيةِ الضاحيةَ أن "التاريخ يعيد نفسه ولكن بأسبابٍ مختلفة".
يستذكر أنه أثناء "فترة الانفجارات التي كانت تستهدف الضاحية بين سنتي 2013 و2015، بعد انخراط حزب الله في الحرب السورية إلى جانب النظام السوري السابق، وُضعت حواجز للجيش اللبناني والأمن العام على مداخل الضاحية الجنوبية، وكنّا نتجنب الدخول اليها. وبعد انتهاء هذه الفترة عدنا إلى ممارسة حياتنا الطبيعية وزيارتها كلما دعت الحاجة، فمنطقتنا ملاصقةٌ للضاحية ومن الطبيعي أن نتردد عليها سواءً لزيارة صديقٍ أو لقضاء أي أمرٍ آخر". إلا أنه يضيف: "بعد حرب سبتمبر 2024 وما تلاها من اعتداءاتٍ إسرائيليةٍ مُستمرةٍ بتنا نحاول تجنب الدخول للضاحية قدر الإمكان خصوصاً عند تصاعد وتيرة التهديدات الإسرائيلية".
هذه السياسة الإسرائيلية كان لها الأثر الأكبر على طبيعة الحياة اليومية لأهل الضاحية، النازحين منها والباقين فيها، وقد باتت ضاحيتهم تعيش حالةً مستمرةً من بين الحرب والسلم.
تقول: "استأجرتُ منزلاً واشتريتُ المواد الأساسية التي أحتاجها، وكنا ننتظر انتهاء الحرب بفارغ الصبر للعودة إلى منزلنا، ولكن في ظل استمرار الاعتداءات الإسرائيلية يبدو أن نزوحنا سيستمر طويلاً". وتتساءل: "كيف يمكن أن نعود إلى الضاحية وهناك احتمال وقوع غارةٍ في أيّ وقتٍ وأيّ مكان؟".
تشعر لمياء بأنها "مثل السمك الذي خرج من البحر، فالضاحية ليست مُجرد منطقةٍ نقطن بها، وإنما جيران وأقارب وأصدقاء أمضينا سنوات عمرنا سوياً، والتأقلم على الابتعاد عن الضاحية ليس أمراً سهلاً كما اعتقدنا".
هذا الحنين للضاحية عبّر عنه بعض المواطنين الذين قرروا الانتقال إلى خارجها ولكن مع زيارتها من حينٍ لآخر. منهم صالح الزين الذي انتقل من بئر العبد إلى منطقة الحازمية. يقول للفِراتْس إنه يشعر بالاشتياق للتفاصيل اليومية للحياة في الضاحية، ويضيف "تقبلتُ شعور الاشتياق لصالح الحصول على شعور الأمان".
ويلفت إلى أنه يزور الضاحية كلما سنحت له الفرصة، "إلا أن الضاحية اليوم لم تعد تلك التي كانت عليها قبل الحرب، فالجميع يترقب ما يحمله المستقبل، والحديث عن مسار الاعتداءات الاسرائيلية يأخذ الحيز الأكبر من أي نقاش، والضاحية التي كانت تنبض بالحياة باتت تفتقر إلى شعور الاستقرار الذي كانت تنعم به".
لكن ذلك الحنين كان عند بعضهم مصدراً لمعاناةٍ إضافيةٍ مع تكرر متاعبهم. فكثيرٌ من أهالي الضاحية الجنوبية الذين اعتقدوا أن انتهاء الحرب سيُنهي الأعمال العدائية وستكون منطقتهم مستقرةً على غرار فترة ما بعد حرب تموز 2006، وجدوا أن التجربة الحالية كانت مختلفة. كان منهم عباس نصّار الذي عاد إلى منزله المتضرر في الحرب في حي الجاموس داخل الضاحية، وسرعان ما شرع في ترميمه. إلا أن هذا الترميم لم يكن الأخير كما كان يعتقد. ففي إحدى الغارات بعد توقيع وقف إطلاق النار سنة 2024 تضرر منزله مُجدداً ليرممه مرةً أخرى. وأمام هذا الواقع قرر نصّار عرض أرضٍ كان قد ورثها من أهله في الجنوب للبيع من أجل شراء منزلٍ خارج الضاحية الجنوبية والانتقال إليه.
وعلى عدم وجود إحصاءٍ رسميٍ لعدد الأسر التي قررت الانتقال إلى خارج الضاحية، إلا أنها ظاهرةٌ مرصودةٌ من بعض المؤشرات يشرحها الوسيط العقاري حسين غملوش الذي التقته الفِراتْس. إذ يقول: "المناطق المحيطة بالضاحية الجنوبية شهدت ارتفاعاً ملحوظاً بالإيجارات وصلت إلى الضعف تقريباً منذ بدء الحرب، وهذا الارتفاع ما زال مستمراً. ويعود ذلك إلى الطلب المرتفع على هذه المنازل من أبناء الضاحية الذين قرروا الخروج منها ولكنهم يفضّلون البقاء بمحيطها". ويوضح أنه "عند وقوع اعتداء إسرائيلي أو ارتفاع الحديث عن تجدد الحرب يزداد الطلب على هذه المنازل".
وعن أسعار الشقق في الضاحية الجنوبية، يُشير إلى "غياب أيّ حركة شراءٍ أو بيعٍ لافتةٍ، فالطلب على هذه المنازل قليلٌ والشخص الذي يُريد بيع منزله سيضطر إلى خفض سعره بنسبةٍ كبيرة". وأخبرنا أن أحد الأشخاص تواصل معه لعرض منزله في منطقة الشياح للبيع بسعر مئتين وعشرين ألف دولار. وبينما تمسّك صاحب المنزل بهذا السعر "لم أستطع إيجاد زبونٍ له رغم أن المنزل يستأهل هذا المبلغ من حيث المساحة والموقع، ولو أننا في فترة قبل الحرب لكان تهافت عليه المشترون".
وما يجعل هذا الواقع الإسكاني أكثر تعقيداً ومأساويةً هو أن الضاحية صارت بعد بدء حرب الإسناد في الثامن من أكتوبر 2023 وجهةً لكثيرٍ من عائلات القرى الحدودية، بفعل التوزع السكاني والطائفي في لبنان. فنحو 50 بالمئة من سكان الضاحية ينحدرون من مناطق الجنوب، وفقاً لآخِر مسحٍ لدائرة الإحصاء المركزية في لبنان سنة 2007. إلا أن هؤلاء النازحين وجدوا أنفسهم بعد انتهاء الحرب في مكانٍ لا يقلّ خطورةً عن بلداتهم الحدودية.
بعد أشهرٍ قليلةٍ من بدء حرب الإسناد، قرر المواطن حسين عواضة أن ينتقل مع عائلته من بلدته الناقورة الحدودية إلى الضاحية الجنوبية لبيروت. إذ استمرت الحرب محصورةً في تلك المناطق الحدودية واقتصرت على رشقاتٍ صاروخيةٍ من حزب الله على شمال إسرائيل وغاراتٍ إسرائيليةٍ كثيفةٍ على البلدات والقرى اللبنانية الجنوبية.
يشير عواضة إلى أنه استقر مع عائلته في منطقة برج البراجنة في الضاحية وافتتح محلاً لبيع الخضار، وبقي الحال هكذا إلى حين توسع الحرب في سبتمبر 2024. يعلق بالقول: "اضطررت للنزوح مجدداً إلى محافظة عكار في شمال لبنان. وبعد انتهاء الحرب عدنا إلى الضاحية الجنوبية بانتظار انتهاء مهلة الستين يوماً التي حُددت لانسحاب الجيش الإسرائيلي من بلدتنا. ولكن الجيش استغل هذه الفترة ودمّر معظم منازل البلدة ومن بينها منزلنا".
وفق تحقيقٍ لصحيفة واشنطن بوست، دمرت إسرائيلُ ثمانيةً وعشرين مبنىً يومياً في جنوبي لبنان من 5 ديسمبر 2024 – بعد توقيع الهدنة – حتى منتصف يناير 2025. وهو ما يتجاوز معدل الدمار الذي أحدثته أثناء حربها مع حزب الله في المدة ما بين 8 أكتوبر 2023 و4 أكتوبر 2024.
يقول حسين عواضة: "الخطر الذي كان يلاحقنا في بلدتنا الحدودية بات اليوم يلاحقنا كذلك في الضاحية الجنوبية. فالاعتداءات الإسرائيلية تطال الضاحية كما تطال الناقورة وإن كانت بوتيرةٍ أقلّ، ولكن الشعور بفقدان الأمان بقي هو نفسه".
يرى بعض سكان الضاحية كذلك أن ما يزيد الطين بلّةً غيابُ خطط إعادة الإعمار، لاسيما وأن شبح تجدّد الحرب ما زال ماثلاً في ظل تهديد إسرائيل المتكرر بشنّها، تحت حجج عدم جمع سلاح حزب الله وإعادة الحزب تسليح نفسه. يشرح علي منصور، الذي دُمّر منزله إبان الحرب في منطقة برج البراجنة، أن "غياب إعادة الإعمار لا يشجعنا على العودة، فنحن متروكون لمصيرنا والدولة لم تُقدِم على أي خطوةٍ من شأنها مساعدتنا على استعادة عافيتنا". ويلفت إلى أن "غياب إعادة الإعمار يحمل رسالةً واضحةً بأن الحرب قد تعود. وهذا أكثر ما يساهم في زيادة الضغط علينا".
ويرتكز هذا القلق على حقائق قلّما باتت تظهر منذ وقف إطلاق النار. ففي نهاية 2025 أبلغ الموفدون الدوليون المسؤولين اللبنانيين أن عملية دعم إعادة الإعمار مرتبطةٌ بالإصلاحات المالية في الدولة اللبنانية، ولم يُخفوا أن المهمة أيضاً مشروطةٌ بإنجاز حصر السلاح من حزب الله. وقد أقرّت الدولة اللبنانية في موازنة 2026 تمويلاً أولياً لإعادة إعمار الضاحية ببيروت والجنوب اللبناني بقيمة تسعين مليون دولارٍ أمريكيٍ، وهي نسبةٌ قليلة مقارنةً بالتكلفة الإجمالية للإعمار والتعافي، التي تتجاوز أحد عشر مليار دولارٍ، وفقاً للبنك الدولي في مارس 2025.
في مقابل توجسات نازحي الضاحية وقلقهم من المستقبل وتجدد الحرب، رصدنا في جولتنا الميدانية كثيراً من أهالي الضاحية الذين قرروا البقاء في منازلهم رغم الاعتداءات الإسرائيلية، كلٌ له أسبابه ودوافعه.
غير أن البقاء في الضاحية ليس خياراً لكثيرٍ من المواطنين بل أمراً واقعاً سببه الوضع الاقتصادي وغلاء الإيجارات. يقول عماد سيف الدين، القاطن في الصفير في الضاحية، إن "تأجير منزلي واستئجار منزلٍ خارج الضاحية سيرتب عليّ تكاليف ماليةً أنا غير قادرٍ على إيفائها، فضلاً عن أن مكان عملي قريبٌ من منزلي ولا يمكنني تكبّد تكاليف المواصلات يومياً".
ويضيف سيف الدين أن معاناةً أخرى تصيب أهالي الضاحية مرتبطةٌ بالإرهاق النفسي الناجم عن غياب الشعور بالأمان، "فصوت المسيّرات الإسرائيلية الذي كثيراً ما يغطي سماء الضاحية وحده كفيلٌ بتذكيرنا أن الحرب لم تنتهِ بعد وأننا ما زلنا وعائلاتنا في دائرة الخطر".
الشعور بانعدام الاستقرار هذا بين ساكني الضاحية قاد كثيراً منهم إلى اعتماد سلوكٍ جديدٍ متمثلٍ بحقيبة النزوح التي تحتوي على الأوراق الثبوتية وبعض الأغراض الثمينة والمهمة. تقول ياسمين (اسم مستعار)، القاطنة في حيّ السلم في الضاحية، إن "عائلتها فضّلت البقاء في الضاحية، فالحياة عادت إلى طبيعتها إلى حدٍّ بعيدٍ، ولكن قمنا بتحضير حقيبةٍ للنزوح تحتوي على حاجاتنا الأساسية لاختصار الوقت في حال حدوث أيّ تصعيدٍ عسكري".
وتُشير ياسمين إلى أن العائلة "استخدمت هذه الحقيبة مرتين إلى اليوم، حيث نزحتُ لعدّة أيامٍ عند أحد الأقارب بعد وقوع اعتداءاتٍ إسرائيليةٍ، ولكننا اليوم بِتنا نتريث قليلاً قبل النزوح إذ أننا أصبحنا نعلم أن ليس كلّ اعتداءٍ يعني أن الحرب قد وقعت".
ترى مها لطف، مديرة قسم الدراسات الإنمائية في المركز الاستشاري للدراسات والتوثيق (وهو مركزٌ مقربٌ من حزب الله) أن "تأثير الاعتداءات الاسرائيلية على الحياة اليومية في الضاحية الجنوبية نسبيٌّ، بمعنى أنه لا يمكن القول إن التأثير حادٌّ من ناحيةٍ ولا يعني أنه غير موجودٍ من ناحيةٍ أخرى". وتردف: "بالرغم من وجود مسيّراتٍ في السماء في كثيرٍ من الأوقات إلا أن المواطنين يمارسون حياتهم الطبيعية، فيذهب التلاميذ إلى المدارس والمواطنون إلى أعمالهم، والأسواق التجارية مفتوحة. وفي المقابل فإن هؤلاء أنفسهم يأخذون حذرهم بحيث يضع كلٌّ منهم خطةً بديلةً في حال حدوث حرب. أي أننا بحالةٍ برزخيةٍ، لا موت ولا حياة".
ولم يقتصر استمرار الاعتداءات الإسرائيلية على الضاحية الجنوبية على تغييرٍ في مناحي الحياة اليومية فحسب، بل حملت في طياتها بُعداً اقتصادياً لا يقلّ أهميةً أرخى بظلاله على كثيرٍ من مؤسسات الضاحية التجارية وفرض أمراً واقعاً جديداً.
وقد شجَّع النشاط الاقتصادي في الضاحية المصارفَ اللبنانية على فتح نحو مئة فرعٍ فيها. وباتت كذلك المهن والمتاجر الصغيرة والمتوسطة عماد الأسواق الشعبية الرئيسة فيها. وعلى عشوائيتها، شكلت هذه الأسواق مقصداً للناس من المناطق المتاخمة والبعيدة نظراً إلى الأسعار الأقل مقارنةً بمناطق أخرى. وقد تجاوز عدد المؤسسات التجارية والصناعية والاقتصادية في الضاحية المسجلة في غرفة التجارة اثني عشر ألفاً، وفق تقريرٍ لموقع "ليب إيكونومي" الاقتصادي في 23 أكتوبر 2024، نقلاً عن مستشار اتحاد غرف التجارة والصناعة في لبنان روجيه خياط.
أثناء الحرب وبعدها انعكس الوضع الأمني على الحركة التجارية في الضاحية ما أدّى إلى تنوع خيارات التجار. فئةٌ من هؤلاء قررت إعادة التموضع داخل الضاحية الجنوبية ظناً منها أن المنطقة ستدخل مرحلةً طويلةً من الاستقرار على غرار ما تلا حرب تموز 2006.
التقت الفِراتْس بصاحب محلّ "كذاترونكس" للأجهزة الالكترونية المنزلية، أحمد سويدان، الذي أشار إلى أنه كان يستأجر محلاً في منطقة طريق المطار التابعة للضاحية الجنوبية. ولكن بعد انتهاء عقد الإيجار في مارس 2025، قرر صاحب المحل رفع قيمته إلى ستة آلاف دولار لأن "الكثير من المحالّ دُمرت خلال الحرب مما زاد الطلب على المحالّ التي لم تُدمر، وهذا ما أدّى إلى رفع الإيجارات بشكلٍ مبالغٍ به".
قرر سويدان نقل متجره إلى منطقة الرويس في الضاحية. يقول:"هذه المنطقة تعجّ بالمواطنين، وظننا أن الوضع سيكون شبيهاً بالفترة التي أعقبت حرب 2006. فعند انتهاء الحرب آنذاك سرعان ما بدأ الإعمار ودفع المساعدات وشهدنا استقراراً أمنياً استمر لنحو سبعة عشر عاماً. في حين أن ما تلا هذه الحرب كان مغايراً كلياً".
يشرح سويدان أن الاعتداءات الإسرائيلية المستمرة ترمي بثقلها على الحركة الاقتصادية والتجارية داخل أسواق الضاحية، "تراجع المبيعات يعود بشكلٍ رئيسٍ إلى الحالة الأمنية التي تخيف المواطنين وتدفعهم إلى الحفاظ على مدخراتهم قدر الإمكان وعدم الشراء عموماً، وخصوصاً الأجهزة الإلكترونية المنزلية، نظراً لسعرها المرتفع في وقت يعيش الجميع حالةً من الترقب وخوفٍ من عودة التهجير مجدداً".
ويضيف أن هذا التراجع الاقتصادي قد يدفعه إلى إغلاق متجره بعد شهرين أو ثلاثةٍ في حال بقاء الأمور على هذا النحو، "ما أعيشه من ضيقٍ تجاريٍ هو مسألةٌ عامةٌ، فهناك مؤسساتٌ تعود لخمسين أو ستين عاماً وتُعاني اليوم من هذا الوضع".
هذا الرأي يتلاقى مع رأي مها لطف التي تؤكد أنه "عند وقوع اعتداءٍ اسرائيليٍ، وفي ظل ضخٍ إعلاميٍ هائلٍ حول اقتراب موعد الحرب الموسعة، يحاول المواطنون قدر الإمكان شراء الأولويات والمحافظة على أكبر قدرٍ من الأموال النقدية معهم خصوصاً أنهم اختبروا مصاريف الحرب والنزوح". وتحذر أن "هذا الضخ الإعلامي المقصود يهدف إلى إخافة المواطنين وزعزعة بيئة المقاومة وتقليب الرأي العام عليها ومحاولة دفع المواطنين لمغادرة الضاحية".
نجحت الفِراتْس بالتواصل عبر الهاتف مع نقيب أصحاب المحلات والمؤسسات التجارية في الضاحية وجبل لبنان، سليم ضيا، بعد عدة محاولاتٍ انقطع فيها الاتصال بسبب وجود مسيّراتٍ إسرائيلية. ودار الحديث معه عن حجم الأضرار الناجمة عن الحرب.
أوضح ضيا أن "الضاحية الجنوبية تضم ألفاً وثمانمئة مؤسسةٍ تجاريةٍ، تدمّر منها خمسمئة مؤسسةٍ كلياً معظمها في منطقة برج البراجنة، وأربعمئة مؤسسةٍ دُمّرت جزئياً. كما أن باقي المؤسسات والمحلات تعرضت لأضرارٍ خفيفةٍ لاسيما على مستوى تكسّر واجهاتها الزجاجية".
وينظر ضيا بتشاؤمٍ إلى القطاع التجاري في الضاحية في الوقت الحالي ويصفه بأنه "عند مستوى الصفر". فمنذ حرب الإسناد إلى اليوم، حسب قوله، الأوضاع سيئةٌ جداً والتجار سئموا خصوصاً في الضاحية، "حجم الشغل تراجع نحو 60 بالمئة بالمقارنة بين ما قبل حرب الإسناد واليوم".
وبما أن الأذى وغياب الاستقرار الأمني طال التجار والعاملين بالضاحية، فهو أيضاً امتد للزبائن والمتسوقين. إذ بات كثيرٌ منهم يتجنبون أسواق الضاحية لشراء حاجياتهم – على تدنّي أسعارها مقارنةً بالمناطق المتاخمة – واللجوء لأسواقٍ خارجها.
حسن علاء الدين، صاحب محلٍّ لبيع الهواتف، يقول للفِراتْس:"كان لديّ الكثير من الزبائن الذين يقصدوننا من خارج الضاحية، ولكن الاعتداءات الإسرائيلية تدفع النسبة الأكبر منهم إلى تجنب دخول الضاحية خصوصاً من ينتمون إلى بيئاتٍ طائفيةٍ غير شيعية". ويلفت إلى أن "هناك عامل آخر ساهم بتراجع الحركة التجارية متمثل في أن جزءاً كبيراً من الطبقة الميسورة من أبناء الضاحية فضّلت الخروج منها في الوقت الراهن واستئجار منازل خارجها".
لجأ بعض التجار إلى مواجهة هذه المشكلة بتعزيز العمل عن بُعدٍ مما يمكّن زبائنهم من الشراء من دون الدخول إلى الضاحية.
تشرح فاطمة نحلة، صاحبة محل متخصص ببيع المستحضرات التجميلية وأدوات النظافة الشخصية، أن زبائنها من خارج الضاحية "انقسموا بين من استمر بقصدنا والشراء من محلنا، والبعض الآخر لجأ إلى الطلب عبر التوصيل". وتشرح: "هذا الأمر دفعنا إلى تعزيز عملنا على الإنترنت، وأنشأنا موقعاً إلكترونياً لعرض منتجاتنا بطريقةٍ احترافيةٍ مما يمكّن زبائننا من الاطلاع باستمرارٍ على البضائع الجديدة". وتؤكد نحلة كذلك أن الظروف الاقتصادية صعبةٌ على الجميع، "ولكن ما يُسعفُنا أننا نبيع احتياجاتٍ أساسيةً للمواطنين لا يمكن الاستغناء عنها".
في موضعٍ آخر يشرح التاجر السبعيني يوسف قعيق، صاحب محلٍّ لبيع الأقمشة منذ سنة 1990، أن "أهالي الضاحية يترقبون مسار الأمور، وعند وقوع أيّ استهدافٍ نشهد جموداً في حركة الأسواق، وهذا أمرٌ طبيعي". ويوضح قعيق الذي تضرر محله في حرب سبتمبر 2024 وأعاد ترميمه بمبلغٍ قارَبَ خمسة آلاف دولار أن "المواطنين يحاولون شراء الأولويات فقط في حين أن ما نبيعه يُعتبر من الكماليات".
إلى جانب ذلك فإن الأوضاع الحالية تدفع التجار إلى عدم ضخّ أي رأسمالٍ جديدٍ في مصالحهم التجارية، تحاشياً لخسارةٍ متوقعةٍ في ظلّ وضعٍ أمنيٍ هشٍّ ومستقبلٍ غير واضح.
التقينا في جولتنا بحسين زعيتر، صاحب محلٍّ لبيع الأثاث المنزلي، وقد أخبرنا أن "انعدام الاستقرار الناجم عن تكرار الاعتداءات لا يؤدي فقط إلى تراجع الحركة التجارية وإنما كذلك يدفعنا إلى صرف النظر عن استثمار أيّ مبلغٍ إضافيٍ في تجارتنا". زعيتر وغيره من التجار الآخرين لا يمكنهم معرفة ما يحدث في اليوم التالي، فمن غير المنطقي برأيه توسيع تجارتهم أو حتّى ضخّ أموالٍ جديدةٍ فيها في ظل هذا الوضع.
وهذا ما يتقاطع مع حديث ضيا الذي أكد لنا أن "المواطنين يعيشون بقلقٍ والتجار خائفون من تطوير مصالحهم".
ويقول ضيا: "على سبيل المثال، نحن اليوم بداية شهر رمضان، وعادةً ما يبدأ التجار بهذه الفترة بتحضير البضائع للشهر الفضيل، إلا أن الوضع الأمني لا يسمح لهم بذلك، فهناك خوفٌ لديهم من استثمار أموالهم ببضائع ومن ثم اندلاع الحرب التي قد تحدث في أي لحظة". وينوّه إلى أن "التاجر الذي كان يُفترض أن يشتري بضائع بعشرين ألف دولار يُفضّل اليوم الشراء بخمسة آلاف وإبقاء خمسة عشر ألف دولار نقداً تحسباً لأيّ طارئ".
هذا الارتياب الاقتصادي فرض "معادلة توازن" على بعض التجار، ومنهم عدنان شومان، صاحب محلٍّ لبيع الألبسة. يشرح شومان أن "الوضع الراهن يفرض علينا [التجار] أن نوازن بين الحفاظ على استمرار تجارتنا من خلال عرض ألبسةٍ جديدةٍ وبين مُحاولة الحدّ من الخسائر في حال عودة الحرب بشكلها الواسع". فعند "اندلاع حرب سبتمبر 2024 سارعنا إلى مغادرة الضاحية خوفاً من الغارات الإسرائيلية، ولكن مع تكثيف الغارات على الأبنية السكنية وتدمير المحال التجارية، شعرنا أننا يمكن أن نفقد محلاتنا التي تحتوي على جنى عمرنا".
ويُضيف أنه حينها تواصل مع شخصٍ لينقل الألبسة من داخل المحل إلى خارج الضاحية مقابل ألف دولار.
وأمام هذا الواقع ظل أهالي الضاحية عالقين بين الخروج القسري أو البقاء القَلِق. وانقسموا بين من اختار المغادرة طلباً للأمان، ومن أصرّ على البقاء دفاعاً عن نمط حياةٍ وروابط اجتماعيةٍ يصعب التخلي عنها. فالوضع القائم اليوم أشبه بالعيش ضمن المساحة الرمادية بين الحرب والسلم. تسير الحياة فيها شكلياً لكنها محكومةٌ بالخوف والترقب في انتظار أفقٍ سياسيٍ وأمنيٍ لا يزال غامضاً. ويزيده اليوم غموضاً ما تشهده المنطقة من تطوراتٍ في المسار الإيراني الأمريكي وما قد يحمله من انعكاساتٍ على لبنان حرباً أو سلماً.

