تأسيس الدرس الفلسفي في المغرب.. تحوّلات الضبط بين المنع والاحتواء

ارتبط الدرس الفلسفي في المغرب، منذ لحظة تأسيسه داخل الجامعة الحديثة، برهان إنتاج عقل نقدي وتحديث الذهنيات، قبل أن يتحول إلى موضوع توتر سياسي ومحافظ ومحاولات متكررة للتضييق وإعادة التوجيه.

Share
تأسيس الدرس الفلسفي في المغرب.. تحوّلات الضبط بين المنع والاحتواء
الدرس الفلسفي المغربي يتحرك داخل توتر دائم | تصميم خاص بالفراتس

صيف سنة 2002، مباشرةً بعد حصولي على شهادة البكالوريا، سألني والدي عن التخصص الذي أنوي دراسته في الجامعة. كان سؤالاً بسيطاً في ظاهره، لكنه حمل قلق الانتقال الأول من البيت إلى المجهول. أجبته دون تردد: شعبة الفلسفة بجامعة محمد الخامس بالرباط.

استوقفَت والدي في البداية المسافة التي تفصل مدينة الناظور عن الرباط. سرعان ما تراجع هذا القلق من السفر والدراسة بعيداً عن الأهل أمام قلق من نوع آخر. بعد يومين أو ثلاثة عاد إليّ والدي بسؤال مختلف، هذه المرة بنبرة حذرة: هل صحيح أن الفلسفة تغيّر أفكار الشباب؟ لم يكن السؤال بريئاً. فقد نقل إليه أحدهم أن دراسة الفلسفة قد تقود إلى انحراف فكري يضع الطالب في مسافة مع الدين ويجعله في مواجهة مع السلطة. عندها أدركت أن اختياري لم يكن مجرد قرار دراسي، بل دخولاً غير معلن إلى مجال مثقل بالتمثلات المسبقة والريبة.

أظهرت مخاوف والدي نظرة رافقت دراسة الفلسفة في المغرب منذ دخولها الحديث إلى المدرسة والجامعة. إذ أحاطت بها ريبة مزدوجة، ريبة اجتماعية تخشى أثرها على الدين والقيم، وريبة سياسية تتحسس من قدرتها على إنتاج وعي نقدي يتجاوز حدود المألوف. لذلك ارتبط الحديث عن الفلسفة في أحيان كثيرة بأسئلة تتجاوز المعرفة نفسها، إلى موقعها داخل المجتمع وحدود ما يسمح به التفكير. 

يكشف تاريخ الدرس الفلسفي في المغرب عن علاقة متوترة بين التفكير النقدي وأسئلة العقل والتحرر والحداثة، وبين المحاولات المتكررة لضبط هذا المشروع وإعادة توجيهه أو احتوائه. ويمكن قراءة هذا التاريخ صراعاً متواصلاً بين مشروع يسعى لبناء عقل نقدي مستقل، وقوى اجتماعية وسياسية تسعى لتحديد مجاله ومنعه من التأثير. 


ارتبط تأسيس الدرس الفلسفي في المغرب بمشروع بناء الجامعة الحديثة بعد الاستقلال. إذ لم تُطرح الفلسفة مادةً جامعيةً إضافية، بل جزءاً من تصور جعل المعرفة أداةً لبناء الإنسان والمجتمع والدولة. وفي هذا السياق، أسس المغرب سنة 1957 جامعة محمد الخامس بالرباط، لتكون المركز الرئيس لتكوين الأطر وإنتاج النخب الفكرية وبناء العلوم الإنسانية الحديثة. ومن داخلها استؤنف القول الفلسفي في المغرب بعد نهاية عهد الحماية.

اكتسب مشروع بناء الدرس الفلسفي بعداً مؤسسياً مع تأسيس شعبة الفلسفة بالجامعة في نهاية ستينيات القرن العشرين. إذ وفر هذا التأسيس إطاراً أكاديمياً مستقراً لتدريس الفلسفة وإنتاج المعرفة الفلسفية داخل الجامعة. ولعب محمد عزيز الحبابي دوراً محورياً في هذا المسار، من خلال التعريف بالفلسفات المعاصرة ونقلها إلى المجال الجامعي المغربي، والعمل على تعريبها وإعادة صياغتها بما يسهم في ترسيخ الدرس الفلسفي الجامعي.

كان الحبابي الشخصية المؤسسة للدرس الفلسفي في المغرب في مرحلة ما بعد الاستقلال. إذ جمع بين التدريس والتأليف والمساهمة في بناء المجال الفلسفي الناشئ داخل الجامعة المغربية. لذلك يصفه كمال عبد اللطيف، أستاذ الفلسفة السياسية والفكر العربي المعاصر بجامعة محمد الخامس، في كتابه "أسئلة الفكر الفلسفي في المغرب" الصادر سنة 2003، بصاحب "الفعل المؤسس" في الفلسفة المغربية، ويرى في تجربته ومؤلفاته التعبير الأبرز عن "لحظة استئناف القول الفلسفي في الفكر المغربي".

أسهم إنتاج الحبابي الفكري في تشكل الحقل الفلسفي المغربي. ووفرت مؤلفاته منذ أواخر خمسينيات القرن العشرين الأدوات المعرفية والتعليمية اللازمة لبناء الدرس الفلسفي داخل الجامعة المغربية، في مرحلة ارتبط فيها ترسيخ الفلسفة بترسيخ تعليمها باللغة العربية. لذلك يرى محمد وقيدي، أستاذ الفلسفة بجامعة محمد الخامس، في كتابه "جرأة الموقف الفلسفي" الصادر سنة 1999، أن كتابات الحبابي لبّت "الحاجات التربوية للتعليم الفلسفي"، وأسهمت في إرساء دعائم هذا التعليم في سنواته الأولى.

حمل الدرس الفلسفي منذ بداياته طموحاً تجاوز تدريس الفلسفة أو توفير مقررات جامعية لها. فسعى الجيل المؤسس إلى ترسيخ تصور جديد للإنسان ودوره في المجتمع، وجعل الفلسفة جزءاً من مشروع أوسع لتحديث المغرب ونشر ثقافة السؤال والنقد داخل الجامعة الناشئة. وكان محمد عزيز الحبابي من أبرز الوجوه التي منحت هذا المشروع مضمونه الفكري، عبر ربط التفكير الفلسفي بسؤال التحرر وبناء الإنسان.

ربط الحبابي الفلسفة بسؤال الإنسان والتحرر، ولم يتعامل معها تأملاً ذهنياً معزولاً عن الواقع. رأى التفكير الفلسفي ممارسةً تهدف إلى بناء إنسان واعٍ بذاته وقادر على مساءلة شروط وجوده التاريخية والاجتماعية. لذلك يرى كمال عبد اللطيف أن الحبابي لم يكن بعيداً عن أسئلة المشروع الإصلاحي للمغرب المعاصر، بل انخرط فيها بطريقته الخاصة، وسعى إلى تطوير أدواته الفلسفية انطلاقاً من أسئلة المشروع الثقافي الوطني في أبعاده التحررية.

انطلق الحبابي في بناء مشروعه الفكري من الفلسفة الشخصانية. تضع هذه الفلسفة الإنسان، بما له من كرامة وقيمة، في مركز التفكير الفلسفي. ولا تقتصر على تصوره فرداً اقتصادياً أو أداةً داخل المجتمع. ولم يكتفِ الحبابي باستعارة الشخصانية الأوروبية، بل أعاد صياغتها بما يلائم السياق المغربي والعربي، وجعل منها أفقاً للتفكير في التحرر.

مر المشروع الفكري للحبابي بعدة مراحل، دون أن يتخلى عن ربط الفلسفة بسؤال الإنسان والتحرر. فانتقل أولاً إلى ما سماه الشخصانية الواقعية، بتكييف الشخصانية الفرنسية مع الواقع المغربي وأسئلة الاستقلال. ثم اتجه نحو الشخصانية الإسلامية، محاولاً ربط قيمة الإنسان وكرامته بالمرجعية الإسلامية. وفي مرحلة لاحقة، طور ما عُرف بالفلسفة الغدية، التي انتقل فيها من التفكير في الشخص إلى التفكير في ما يمكن أن يصير إليه الإنسان والمجتمع في المستقبل.

جعل الحبابي من التحرر محوراً لمشروعه الشخصاني. فميز بين الحرية مفهوماً فردياً مجرداً والتحرر حصيلةَ حرياتٍ متعددةٍ تتكامل في الواقع. وأكد في كتابه "من الحريات إلى التحرر" الصادر سنة 1976 أن حرية الشخصانية الواقعية ليست حرية فردية مجردة، بل حريات "تتكامل داخل حركة ديالكتيكية 'جدلية' لتحقيق التحرر". وفي هذا المعنى، يرى يوسف بن عدي، في كتابه "محمد عزيز الحبابي وتأسيس الفلسفة الشخصانية الواقعية" الصادر سنة 2016، أن مشروع الحبابي انطبع بأسئلة لحظته التاريخية واتجه إلى بناء تصور فلسفي يتطلع إلى "أفق التحرر".

هكذا ربط الحبابي بين الفلسفة والعمل في الواقع، ورفض أن يتحول التفكير الفلسفي إلى تأمل معزول عن قضايا المجتمع. إذ رأى أن الفلسفة لا تؤدي دورها إلا حين تنخرط في أسئلة عصرها وتسهم في مواجهة تحدياته. لذلك رفض فكرة الحياد المطلق للفيلسوف، معتبراً أن الفلسفات التي تنفصل عن واقعها تغرق في التجريد. وفي هذا السياق، يؤكد أن الفلسفة التي لا تكون "جزءاً ملتحماً [. . .] بحركة الفكر والفعل لزمنها" تبقى "على هامش الحياة"، ولا تستطيع أن تدعي العمل من أجل التحرر الإنساني.


امتد الأثر الذي تركه الجيل المؤسس للدرس الفلسفي في المغرب إلى أجيال جديدة من الباحثين والمفكرين الذين تخرجوا من شعبة الفلسفة بجامعة محمد الخامس، قبل أن يتحول بعضهم إلى أساتذة داخل المؤسسة نفسها. ولم يقتصر أثر الشعبة على تكوين طلبة في الفلسفة، بل أسهم في نشوء حقل فكري جديد تعددت داخله أسئلة التراث والعقل والحداثة والدين والسياسة.

ومن داخل هذا الحقل برزت أسماء طبعت مسار الفلسفة المغربية المعاصرة، مثل محمد عابد الجابري وطه عبدالرحمن ومحمد سبيلا ومحمد قبلي وعلي أومليل. وعلى اختلاف منطلقاتهم الفكرية، اشترك هؤلاء في جعل الفلسفة أداة لفهم التحولات الاجتماعية والثقافية ومساءلة قضايا الواقع، لا مجرد معرفة أكاديمية معزولة عن المجتمع. ويرى كمال عبد اللطيف أن ما جمع هذه المشاريع هو انفتاحها على الفكر الإنساني المعاصر من دون الاكتفاء بنقله أو شرحه. إذ اتجه أصحابها إلى محاورة التيارات الفلسفية الحديثة وإعادة توظيفها في معالجة أسئلة التاريخ والمجتمع والثقافة في المغرب والعالم العربي

برز محمد عابد الجابري، أحد أوائل المتخرجين من قسم الفلسفة بجامعة محمد الخامس، وأحد الوجوه التي أعادت توجيه الدرس الفلسفي المغربي نحو مساءلة التراث العربي الإسلامي من منظور نقدي. ولم يتعامل مع التراث ماضياً ينبغي تمجيده أو استعادته، بل مدخلاً أساساً لفهم أزمات الحاضر المغربي والعربي. فلم ير سؤال النهضة أو التعثر السياسي والثقافي سؤالاً معاصراً خالصاً، بل ربطه بالبنية الفكرية التي تشكّل فيها العقل العربي تاريخياً.

ارتبط مشروع الجابري في نقد التراث بجهود تعريب الدرس الفلسفي داخل الجامعة المغربية. كان حضور الفرنسية تقلص داخل التدريس الجامعي ابتداء من الموسم الدراسي 1973 و1974. فانخرط الجابري في بناء لغة فلسفية عربية حديثة، قادرة على استيعاب المفاهيم المعاصرة وإنتاج النقاش الفلسفي داخل الجامعة المغربية والعالم العربي. إذ رأى أن التفكير الفلسفي لا يمكن أن يترسخ اجتماعياً وثقافياً إذا ظل حبيس لغة أجنبية أو منفصلاً عن المجال الثقافي المحلي. 

تمحور المشروع الفكري لمحمد عابد الجابري حول مساءلة التراث العربي الإسلامي من منظور نقدي. فحاجّ بضرورة تجاوز تمجيد التراث والقطيعة معه، وإحلال إعادة القراءة بأدوات عقلانية حديثة محل هذين النهجين. لذلك دعا في كتابه "المسألة الثقافية في الوطن العربي" الصادر سنة 1999 إلى إعادة كتابة التاريخ الثقافي العربي "بصورة عقلانية وبروح نقدية"، معتبراً أن التعامل العقلاني مع التراث يقتضي توظيف المناهج العلمية المعاصرة، بما يسمح بتدشين ما سماه "عصر تدوين جديد" يعيد بناء المستقبل الثقافي العربي.

ودعا الجابري إلى مساءلة أنماط المعرفة وآليات اشتغال العقل العربي. وحاجج أن النقد اللاهوتي المعاصر لا يستطيع تجاوز الصورة التي اتخذها علم الكلام قديماً، ولذا فليس ثمة فائدة من إعادة إحياء السجالات اللاهوتية القديمة. فلم يكن مشروعه مجرد دفاع عن التراث أو قطيعة معه، بل سعياً إلى مساءلته وإعادة بنائه في ضوء أسئلة العصر.

استند الجابري في بناء مشروعه النقدي إلى عدد من المناهج الفلسفية المعاصرة، خاصة المعرفة العلمية ونقد العقل وتاريخ الأفكار. غير أنه لم ير هذه المناهج نماذج جاهزة للتطبيق، بل أعاد توظيفها في معالجة القضايا التي طرحها الواقع المغربي والعربي. ويرى محمد وقيدي، في كتابه "جرأة الموقف الفلسفي" الصادر سنة 1991، أن الجابري انطلق من رغبة في التجديد، اقترنت بالانفتاح على آفاق فكرية متعددة والسعي إلى بناء منهج ملائم لأسئلة مجتمعه. فلم يتحول التراث عند الجابري إلى موضوع للتمجيد أو الاستعادة، بل إلى مجال للنقد وإعادة البناء. إذ سعى إلى قراءته داخل أفق عقلاني يجعل من الفلسفة أداة لفهم الحاضر ومساءلة شروط التقدم والتحديث في المجتمع العربي.


تعددت المشاريع الفلسفية التي خرجت من رحم الدرس الفلسفي الجامعي بالمغرب في السبعينيات والثمانينيات. لم يعد الرهان مقتصراً في هذه الفترة على تدريس الفلسفة أو تعريب مفاهيمها، بل اتجه عدد من الباحثين والأساتذة إلى بناء تصورات مختلفة عن التراث والعقل والحداثة والدين والمجتمع. ومن هذا المسار تحولت الجامعة إلى فضاء لإنتاج مشاريع فكرية متمايزة أعادت التفكير في أسئلة الواقع المغربي والعربي.

اتجه طه عبدالرحمن إلى إعادة التفكير في الحداثة من داخل المرجعية الإسلامية. وارتكز مشروعه الفكري على بناء فلسفة إسلامية معاصرة قادرة على الانخراط في أسئلة العصر من دون الارتهان الكامل للنماذج الفكرية الغربية. وفي هذا السياق، ميَّز بين روح الحداثة باعتبارها قيماً تقوم على الإبداع والنقد والاستقلال، وبين التجربة التاريخية التي تجسدت منها الحداثة في الغرب. ورفض التعامل مع الحداثة نموذجاً جاهزاً قابلاً للاستيراد، ودافع عن إمكانية بناء حداثة ذات مرجعية أخلاقية وروحية تنطلق من خصوصيات المجتمعات الإسلامية. وفي مقدمة كتابه "روح الحداثة" الصادر سنة 2006، رأى أن الحداثة لا تمثل نموذجاً واحداً ثابتاً، بل "إمكانات متعددة" تتخذ أشكالاً مختلفة باختلاف المجتمعات والتجارب التاريخية. ومن هذا المنطلق، اعتبر أن المجتمعات الإسلامية قادرة على بناء حداثتها الخاصة انطلاقاً من قيمها ومسارها التاريخي، لا باستنساخ التجربة الغربية.

جعل طه عبدالرحمن من المرجعية الإسلامية مجالاً لإنتاج مفاهيم فلسفية جديدة، لا مجرد مستودع لأجوبة جاهزة. ومن هذا المنطلق، طوَّر مفاهيم مثل "الائتمان"، واشتغل على قضايا الأخلاق والحوار ساعياً إلى بناء أدوات فلسفية تنطلق من أسئلة المجتمعات الإسلامية وتجاربها التاريخية. فلم يدعُ إلى القطيعة مع الفلسفات الغربية الحديثة، بل إلى تجاوز الاكتفاء بتقليدها بإنتاج تفكير فلسفي قادر على بناء مفاهيمه الخاصة وإعادة التفكير في الحداثة من داخله.

وإذا كان طه قد أعاد التفكير في الحداثة من داخل أفق أخلاقي وروحي يستند إلى المرجعية الإسلامية، فإنَّ محمد سبيلا جعل من الحداثة نفسها موضوعاً مركزياً للتفكير الفلسفي. وانشغل بدراسة التحولات الاجتماعية والثقافية والسياسية التي فرضها الزمن الحديث، وعلى رأسها أسئلة العقلانية والتقنية والزمن والهوية، ودرس آثار العنف الرمزي والفردانية والتحولات العالمية على المجتمع المغربي والعربي. ومن هذا المسار، حاول فهم التوتر القائم بين التقليد والحداثة داخل مجتمعات تعيش انتقالاً غير مكتمل نحو العالم الحديث. وفي كتابه "مدارات الحداثة" الصادر سنة 2009، يؤكد أن الحداثة ليست مجرد تغير في الوسائل والتقنيات، بل تحول في أنماط التفكير والعيش والقيم، وهو ما يجعلها مصدراً دائماً للتوترات والتحولات الاجتماعية.

وجعل سبيلا من الفلسفة أداة لتفسير التغيرات التي فرضها الزمن الحديث في المجتمع المغربي. فلم ينظر إلى  الحداثة مجرد تغير في البنيات المادية، بل تحولاً يمس الذهنيات وأنماط العيش والإحساس بالزمن. لذلك انشغل بدراسة آثارها الاجتماعية والثقافية.

جمع محمد سبيلا بين الإسهام الفكري والمشاركة في بناء المؤسسات التي احتضنت الدرس الفلسفي بالمغرب. فاشتغل أستاذاً بكلية الآداب بالرباط، وتولى رئاسة شعبة الفلسفة وعلم الاجتماع وعلم النفس بكلية الآداب بفاس بين سنتي 1972 و1980، قبل أن يترأس الجمعية الفلسفية المغربية بين 1994 و2006. وأسهمت هذه المواقع في تأطير أجيال من الطلبة وترسيخ حضور النقاش الفلسفي داخل الجامعة المغربية.

ترجم ترسخ الدرس الفلسفي داخل الجامعة المغربية نفسه إلى توسع في الإقبال الطلابي في السبعينيات. فلم يقتصر أثر شعبة الفلسفة على إنتاج أسماء فكرية بارزة، بل امتد إلى استقطاب أعداد متزايدة من الطلبة. فبعدما ظل عدد الحاصلين على الإجازة في القسمين العربي والفرنسي في مرحلة التأسيس محدوداً، ولم يتجاوز نحو مئة وخمسين طالباً، شهد النصف الثاني من عقد السبعينات ارتفاعاً كبيراً في أعداد المسجلين. وبلغ هذا التوسع ذروته مع نهاية العقد، حين أصبحت شعبتا الفلسفة في كليتي الآداب بالرباط وفاس تستقبلان ما يقارب ألفي طالب سنوياً، نحو ألفٍ وأربعمئة طالب بالرباط وستمئة بفاس.

تحول الدرس الفلسفي داخل الجامعة المغربية من مشروع تأسيسي محدود إلى حقل فكري تعددت داخله الأسئلة والاتجاهات. ولم يؤد تأسيس شعبة الفلسفة إلى إدخال تخصص معرفي جديد فحسب، بل أطلق مشاريع فكرية متباينة سعت إلى الإجابة عن أسئلة المجتمع المغربي والعربي. فربط الحبابي الفلسفة بسؤال الإنسان والتحرر، واتجه الجابري إلى مساءلة التراث وآليات اشتغال العقل العربي، وأعاد طه التفكير في الحداثة من منظور أخلاقي وروحي، وجعل سبيلا الحداثة وتحولاتها الاجتماعية موضوعاً للتفكير والنقد.


جعل الطابع النقدي للدرس الفلسفي منه موضوعاً للتوجس السياسي داخل المؤسسة التعليمية. لأن الفلسفة ارتبطت بإنتاج وعي قادر على مساءلة المسلمات الاجتماعية والسياسية، أكثر من ارتباطها بتلقين معرفة أكاديمية محايدة. فدخلت في علاقة متوترة مع السلطة، خاصة مع تصاعد الحركات الطلابية وصعود التيارات اليسارية داخل الجامعة المغربية في السبعينيات.

تجلى هذا التوتر في الكيفية التي نُظِر بها إلى الفلسفة داخل الجامعة وخارجها. إذ بدت بما تفتحه من آفاق للمساءلة والنقد والشك المنهجي نقيضاً للتصور الذي سعت الدولة إلى ترسيخه عن وظيفة المؤسسة التعليمية وحدود أدوارها. وتشكل تدريجياً توجه رسمي لإعادة ترتيب الحقل المعرفي داخل المدرسة والجامعة، بما يعيد ضبط التوازنات الفكرية والثقافية.

تُرجم هذا التوجه إلى محاولات لإعادة تشكيل التوازنات الفكرية داخل الجامعة المغربية في نهاية السبعينيات وبداية الثمانينيات. وتزامن تأسيس شعبة الدراسات الإسلامية سنة 1980 مع نقاشات متصلة بموقع الفلسفة داخل التعليم. ويورد الباحث يوسف الخلاعي، في مقاله "تدريس الفلسفة بالمغرب: من المنع إلى التعميم" المنشور بمجلة "أفكار" سنة 2016، أن الملك الحسن الثاني جمع في أواخر السبعينيات عدداً من المتخصصين في العلوم الدينية، ودعاهم إلى الإسهام في تحصين الهوية السياسية المغربية. ويرى الخلاعي أن هذا المناخ أسهم لاحقاً في إنشاء شعبة الدراسات الإسلامية داخل الجامعة الحديثة.

تجاوزت محاولات إعادة ترتيب الحقل المعرفي إنشاء شعبة الدراسات الإسلامية إلى طرح مقترحات مسَّت موقع الفلسفة نفسه داخل التعليم. مثلاً، بعث وزير التربية الوطنية آنذاك عز الدين العراقي بمذكرةٍ إلى عمادة جامعة محمد الخامس تدعو إلى فتح شعبة الدراسات الإسلامية، بالتوازي مع مقترح لإلغاء شعبة الفلسفة من برامج التعليم. غير أن هذا التوجه لم يحظ بإجماع حتى بين الفاعلين المرتبطين بالدراسات الإسلامية. فقد أوضح محمد بلبشير، مؤسس شعبة الدراسات الإسلامية بالجامعة المغربية، أن مشروعه لم يُطرح أصلاً بديلاً للفلسفة. وأكد في حديث مع جريدة "أخبار اليوم"، أنه لم يكن يعلم بأن مذكرة الوزير تضمنت أيضاً قرار إغلاق شعبة الفلسفة، مضيفاً: "لم أكن أعلمه ولم أكن لأوافق عليه".

تكشف هذه الشهادة أن التوتر لم يكن موجهاً إلى الفلسفة مادةً تعليميةً، بل إلى ما مثلته من إمكانية بناء وعيٍ نقدي داخل الجامعة. فهذه النقاشات تزامنت مع صعود اليسار داخل الحرم الجامعي. لذلك أصبح النقاش عن مضمون التعليم وتوازناته الفكرية جزءاً من رهانات الضبط السياسي والثقافي للمجال العام.

امتد التوتر الذي أحاط بالفلسفة إلى ما هو أبعد من المجال السياسي، ليشمل بعض النزعات المحافظة داخل المجتمع. نظرت هذه الأوساط بريبة إلى أنماط التفكير النقدي القادرة على مساءلة الموروثات والأفكار السائدة. وفي هذا السياق، يرى كمال عبد اللطيف أن معارضة الدرس الفلسفي استندت إلى تصور مسبق ينظر إلى القول الفلسفي ممارسةً نقدية تهدف إلى تجاوز حدود التقليد التراثي المهيمن.

مضى الجيل المؤسس للدرس الفلسفي في ترسيخ لغة فلسفية جديدة داخل الثقافة المغربية. وواجهت تجربة تعريب دراسة الفلسفة صعوبات مادية ورمزية، خاصة في المراحل الأولى. ويشيد كمال عبد اللطيف بجرأة المؤسسين قائلاً:  "لم يكن هذا الأمر سهلا ولا متيَسِّراً بل إنه تعرض لضغوط وصعوبات مادية ورمزية عنيفة، ضغوط يعرفها الذين عاصروا المراحل الأولى لتعريب درس الفلسفة في المدرسة الثانوية في بداية السبعينات". استهدفت هذه المناهضة أيضاً مشاريع تجديد تعليم الفلسفة وتحديث مضامينه. ويلاحظ عبد اللطيف أن الاعتراض لم يكن موجهاً إلى تدريس الفلسفة في حد ذاته، بل إلى البرامج التي سعت إلى وصل التلاميذ المغاربة بأسئلة الفلسفة المعاصرة ومكاسبها المعرفية، بما تحمله من نزعة نقدية ترفض الاستكانة للبداهات والأفكار الموروثة.

بهذا تجاوز الجدل عن الفلسفة حدود الخلاف التربوي بشأن مادة دراسية أو تخصص جامعي. إذ تحولت الفلسفة إلى جزء من صراع أوسع على معنى المعرفة وحدود التفكير النقدي ووظيفة التعليم داخل المدرسة والجامعة. وفي مجتمع كان يعيد بعد الاستقلال رسم توازناته السياسية والثقافية، أصبح النقاش عن الفلسفة جزءاً من نقاش طبيعة المجتمع نفسه وحدود التغيير الممكن داخله.


تبدلت أشكال التوتر التي أحاطت بالدرس الفلسفي في المغرب مع تغير السياقات السياسية والثقافية. فاتسمت السبعينيات والثمانينيات بمحاولات مباشرة لإعادة ضبط موقع الفلسفة داخل المدرسة والجامعة، وشهدت العقود اللاحقة انتقالاً إلى أساليب أهدأ في التأثير عليها. فحل منطق الاحتواء وإعادة التوجيه التربوي تدريجياً محل منطق التضييق والمواجهة المباشرة، من دون أن يعني ذلك تراجع أثره في تشكيل موقع الفلسفة داخل المنظومة التعليمية.

ويبرز هذا التحول في مسار تدريس الفلسفة داخل التعليم الثانوي المغربي. شهدت المادة منذ أوائل السبعينيات سلسلة من التعديلات التي أظهرت تداخل التوجهات التربوية بالاعتبارات السياسية والموجهة. ويشير أستاذ الفلسفة بسلك التعليم الثانوي عثمان عشيبة في حديثه مع الفراتس أن الموسم الدراسي 1971 و1972 عرف ظهور مقرر جديد للفلسفة إلى جانب مقرر الفكر الإسلامي، قبل أن يُحسم خيار تعريب تدريس الفلسفة نهائياً سنة 1973، مع توحيد المقرر على المستوى الوطني. إلا أن هذا التعريب "لم يكن مجرد إجراء لغوي، بل جاء في سياق سياسي أو إيديولوجي أوسع، اتسم بتصاعد التوتر بين السلطة والحركات اليسارية التلاميذية والطلابية". مشيراً إلى البرنامج الذي اعتُمد في الموسم الدراسي 1976 و1977 وحاول أن يمنح الفلسفة بعداً نقدياً وتحررياً، غير أن هذا المسار لم يستمر طويلاً.

عرف الدرس الفلسفي في منتصف السبعينيات انفتاحاً أكبر على الأسئلة النقدية والتحررية. مثلاً، يشير عثمان عشيبة إلى محاولة البرنامج المعتمد منح الفلسفة بعداً نقدياً أوضح في الموسم الدراسي 1976 و1977. غير أن هذا التوجه لم يدم طويلاً. فابتداء من أواخر السبعينيات وفي الثمانينيات، دخلت الفلسفة مرحلة جديدة من إعادة التوجيه، تجلت في دمجها مع الفكر الإسلامي داخل كتاب مدرسي واحد، قبل أن يتعزز حضور الفكر الإسلامي أكثر عقب تقرير اللجنة التي كُلِّفت سنة 1983 بمراجعة البرامج والمناهج التعليمي. وأدى هذا المسار إلى تراجع استقلال الفلسفة تدريجياً وانحسار موقعها داخل المدرسة المغربية.

ارتبطت هذه المرحلة أيضاً بمحاولات أوسع لإعادة ترتيب التوازنات الفكرية داخل المنظومة التعليمية. ويشير عثمان عشيبة إلى أن وزير التعليم آنذاك عز الدين العراقي استدعى لجنة مصرية ضمت أربعة مفتشين، من بينهم ممثلان عن جامعة الأزهر، لإعداد تقرير عن التعليم. ويرى عشيبة أن هذا التقرير وفر لاحقاً أرضية لتعزيز حضور الفكر الإسلامي وتقليص موقع الفلسفة. خاصة مع اتجاه عز الدين العراقي، أثناء توليه مناصب حكومية لاحقة، إلى منح الدراسات الإسلامية دوراً أكبر داخل المنظومة التعليمية.

انتقل التعامل مع الفلسفة تدريجياً من منطق المواجهة إلى منطق الاحتواء. لم يعد المطلوب في هذا السياق إقصاء الدرس الفلسفي أو الحد من حضوره، بقدر ما أصبح ممكناً إعادة تشكيله من داخل المؤسسة التعليمية نفسها. ومع تراجع التوتر الموجه المباشر، برز تحول تربوي في تدريس المادة، نقلها تدريجياً من أفقها النقدي والتحرري إلى منطق أقرب إلى المعيرة والامتحان والتقنيات المدرسية.

ترسخ هذا التحول مع الإصلاحات التعليمية التي تعاقبت منذ تسعينيات القرن العشرين، ثم ازداد وضوحاً مع إصلاحات بداية الألفية الثالثة. فقد أعادت المقاربة بالكفايات وتعدد الكتب المدرسية وهيمنة الامتحان الوطني الموحد تشكيل طريقة تدريس الفلسفة داخل المدرسة المغربية. وعلى اقتران هذه الإصلاحات بخطاب يدعو إلى تجديد الدرس الفلسفي، فإنها دفعت تدريجياً نحو جعل المعرفة الفلسفية موضوعاً للقياس والمعيرة لا بناءً لمَلكات الوعي النقدي.

أصبح إخضاع الفلسفة لمنطق المؤسسة التعليمية أحد أبرز موضوعات النقاش داخل الحقل الفلسفي المغربي. فيرى يوسف الكلاخي، في مقال "تدريس الفلسفة بالمغرب"، أن التحدي لم يعد يقتصر على موقع الفلسفة داخل المناهج، بل يشمل أيضاً طبيعة علاقتها بالتربية المدرسية نفسها. فمحاولة التعامل معها مادةً قابلة للتدريس والتقويم وفق المعايير نفسها التي تخضع لها باقي المواد تثير، في نظر كثير من المشتغلين بالفلسفة، سؤالاً عن قدرتها على الاحتفاظ بوظيفتها النقدية داخل المؤسسة التعليمية.

ترسخ هذا التحول مع الإصلاحات المتوالية منذ تسعينيات القرن الماضي، ثم تعمَّق مع إصلاحات بداية الألفية الجديدة. فقد ساهم اعتماد المقاربة بالكفايات، وتعدد الكتب المدرسية، وهيمنة الامتحان الوطني الموحد، في إعادة تشكيل طريقة تدريس الفلسفة داخل المدرسة المغربية. وأعاد هذا المسار تعريف موقع الفلسفة داخل المؤسسة التعليمية. فبعد أن ارتبطت لعقود بإنتاج وعي نقدي، خضعت لمنطق الضبط التربوي والامتحاني. ويشير عثمان عشيبة إلى أن هذا التحول تغذيه عوامل متعددة، من بينها ثقل الامتحان الوطني، وضغط الأسر والتلاميذ من أجل الدرجة، وكثافة البرامج، وضعف زمن النقاش داخل الفصل، وأحياناً اختزال التكوين الفلسفي في قوالب جاهزة للإنشاء.

أفضى هذا التحول إلى شكل جديد من الضبط لا يقوم على المنع أو التضييق المباشر، بل على إعادة تعريف الفلسفة داخل المؤسسة التعليمية. إذ أصبحت تُعامَل مادة مدرسية قابلة للقياس والتقويم. ويشير عشيبة إلى أن المطلوب من التلميذ أن ينجح في الفلسفة أكثر من أن يتفلسف. لذلك يظل ثمة توتر بين طبيعة "الفلسفة، بما هي تمرين على السؤال والدهشة والمجادلة وبناء الحكم" ومنطق "الاختبار المعياري والزمن المدرسي الضيق والتنقيط العددي".

ومع ذلك ظل الدرس الفلسفي محتفظاً بجزء من وظيفته النقدية والتنويرية. فبرأي عثمان عشيبة، ما يزال يعيش توتراً واضحاً "بين إمكانه الفلسفي وتدجينه المدرسي"، محتفظاً بقدرته على إيقاظ السؤال وتفكيك البداهات ومساءلة السلطة والمعرفة والقيم. لذلك يظل الدرس الفلسفي المغربي معلقاً بين خطرين متقابلين، أن يتحول إلى مادة مدرسية تُنتج إنشاءً ناجحاً بلا فكر، أو أن يظل فضاءً صغيراً للمقاومة داخل المؤسسة التعليمية نفسها.

لا تكمن المشكلة، في نظر عشيبة، في اعتماد  المنهجية في تدريس الفلسفة، بل في تحولها إلى غاية مستقلة. إذ يبدأ الخطر حين تصبح قواعد الكتابة والامتحان هدفاً، ويصبح التفكير الفلسفي مجرد وصفة جاهزة للحصول على الدرجة، بدل أن يكون تكويناً للقدرة على الفهم والنقد والحكم. ويضيف عشيبة، أن "اندراج الفلسفة داخل مؤسسة تعليمية محكومة بالبرنامج والزمن المدرسي والامتحان الوطني والدرجة، حولَّه في حالات كثيرة إلى تدريب منهجي على إنتاج مقال مضبوط أكثر من كونه تمريناً حياً على التفكير".


نجحت الفلسفة في ترسيخ حضورها داخل المدرسة والجامعة المغربيتين، لكنها لم تنجح بالقدر نفسه في التخلص من الريبة التي رافقتها منذ بداياتها الحديثة. فإذا كانت ارتبطت في السبعينيات بالخوف من الانحراف الموجَّه وإنتاج الوعي النقدي، فإنه ما تزال يُنظر إليها تخصصاً مقلقاً يتجاوز حدود المعرفة الأكاديمية العادية.

أنتجت التجربة الفلسفية المغربية مع ذلك واحداً من أكثر المسارات الفكرية العربية حيوية منذ منتصف القرن العشرين. إذ لم يكتف عدد من المفكرين المغاربة باستيعاب منجزات الفلسفة الحديثة والمعاصرة أو نقلها، بل أعادوا توظيفها في معالجة أسئلة التاريخ والمجتمع والثقافة في المغرب والعالم العربي. ومن هذا المسار برزت مشاريع فكرية متمايزة. سعى الدرس الفلسفي المغربي منذ تأسيسه للإسهام في إعادة تشكيل الوعي الاجتماعي والثقافي، لا إلى تكوين المختصين في الفلسفة فحسب. إلا أن هذا الرهان ظل محدود الأثر خارج المدرسة والجامعة، ولم يواكبه تفاعل مماثل داخل الفضاء العمومي والإعلامي والبنيات الحزبية والمدنية القادرة على تحويل التفكير الفلسفي إلى قوة مجتمعية مؤثرة.

لهذا ظل الدرس الفلسفي المغربي يتحرك داخل توتر دائم بين الرغبة في بناء عقل نقدي تحرري، ومحاولات متكررة لتطويقه أو تدجينه أو اختزاله في مادة مدرسية محكومة بمنطق الامتحان. وربما لهذا السبب بالذات ظل مزعجاً للسلطة والعقل المحافظ معاً، لأنه لا يكتفي بتقديم الأجوبة، بل يعلِّم كيفية مساءلة ما يبدو بدهياً ونهائياً.

اشترك في نشرتنا البريدية