بينما كنا جالستَيْن عند سيدة الحناء، التي تفننت في الرسم على يدي داخل محلٍ استأجرته في السوق، دخلتْ علينا "السالمة"، صديقة صاحبة المحل. بعد التحية والسؤال عن الأحوال، بدأت السالمة في سرد مستجدات قضيتها ضد طليقها الذي يرفض تسجيل أبنائهما في الدوائر الحكومية، معبِّرةً عن ضغط أهلها عليها للتراجع عن الاستمرار في الدعوى والوقوف أمام المحاكم، لما يعدّونه تعارضاً مع أعراف المجتمع. وهو ما ترفضه السالمة، متشبثةً بحقِّها وحقِّ أبنائها في أوراق ثبوت النسب والنفقة، وتحميل الأب مسؤولية التربية المشتركة.
على ذلك يُحتفى إعلامياً بصورةٍ مختلفةٍ عمَّا تواجهه السالمة وغيرها من الموريتانيات، إذ تُختزل صورة المرأة الموريتانية المطلقة في فرحةٍ ونشوةٍ ما بعد الانفصال. وتستدل على هذه الصورة من هذا السوق الشهير الذي تبيع المطلقات فيه متاعهن، معلناتٍ عن القطيعة النهائية مع تجربة الزواج المنتهية وكل ما قد يذكِّر بها. لكن هذا التعاطي مع الطلاق في موريتانيا قزَّم الأزمات الاجتماعية والاقتصادية والنفسية الحقيقية التي تُلحَق بالمرأة المطلقة وأطفالها. وتحول الطلاقَ من ظاهرةٍ تُخلف أزمةً إنسانيةً واجتماعيةً، إلى طقوسٍ تتجاهل الواقع الحقيقي لحياة الموريتانيات اللائي مررن بتلك التجربة.
عند البحث عن سوق المطلقات تصادفك تقارير وفيديوهات تتخذ منه طُرفةً، أو محلَّ فضول. تناقلت وسائل الإعلام قصة السوق وانتشر صيته عربياً، حتى أصبح محطةً شبه ثابتةٍ لطائفةٍ من زوَّار العاصمة نواكشوط. ومن أبرز المقاطع المتداولة حوله فيديو للرحَّالة الأردني المشهور جو حطّاب، إذ زاره في مايو 2024، وعنون الفيديو بوصف السوق "أغرب سوق في العالم". وهو ما فعله أيضاً صانع المحتوى السياحي، الجزائري كاسو إيست في يونيو 2024 حينما وثَّق زيارته إلى سوق المطلقات.
ولكن كما يصبح السوق في الإعلام العربي أيقونةً للغرابة الموريتانية، فإنه يمسي رمزاً للنهايات السعيدة. إذ تصفه وسائل إعلامٍ كثيرةٌ في تقاريرها بأنه "احتفاء بالطلاق"، كما فعل الصحفي عبد اللطيف بركة في مقاله لموقع "هبة برس" يونيو 2025 بعنوان "'سوق المطلقات بموريتانيا'.. نساء يحتفلن بالنهاية ويروِّجن لبدايات جديدة".
وتتعدد التقارير الصحفية التي تهوِّن من تبعات الطلاق في موريتانيا مع ارتفاع نسبته، والتي تقول وسائل إعلامٍ موريتانيةٌ إنها تزيد على 40 بالمئة من عدد الزيجات، إذ تركز التقارير التي تتلقاها الصحف ووكالات الأنباء العربية والدولية عن الطلاق في موريتانيا على ارتفاع فرص الزواج من المطلقات في موريتانيا مقارنةً بمثيلاتهن العربيات. ويُروِّج كتَّابٌ إلى أن المطلقات مرغوباتٌ دون غيرهن من النساء، حتى وإن تناولوا المصاعب التي تواجهها النساء الموريتانيات بما فيهن المطلقات، كما في تقريرٍ للصحفي محمد محمود أبو المعالي على موقع قناة العربية بعنوان "في موريتانيا.. المطلقات مرغوبات" نُشِر سنة 2004.
وعليه يُرجَع انتشار الطلاق إلى عوامل ثقافيةٍ ودينيةٍ وتاريخية. يدور جُلّ تقرير أبو المعالي نحو تبرير هذه الظاهرة، حتى إن بعض الذين حاورهم مثل محمد محمود ولد سيدي يحيى، الأمين العام لوزارة الشؤون الاجتماعية، يقولون إن الظاهرة تاريخيةٌ وثقافيةٌ تعود إلى عبد الله بن ياسين الجازولي (توفِّي سنة 1059)، الزعيم الروحي لجماعة المرابطين الذين أنشؤوا دولةً في النطاق المغاربي والأندلس. ويشير ولد سيدي يحيى إلى ما ذكره الجغرافي الأندلسي أبو عبيد البكري في كتابه "المسالك والممالك"، المحقَّق سنة 1993 إلى أن الجازولي "كاد يضرب رقماً قياسياً في الطلاق، لكثرة المرات التي طلّق فيها، بمعدلٍ بلغ أحياناً مرةً في الشهر".
الإصرار على هذا الطرح تجاوز الكتاب الموريتانيين إلى أقرانهم العرب، حتى ذهب بعضهم إلى القول بأنَّ تركيبة المجتمع الموريتاني القبلية تجعل من الطلاق ميزةً اجتماعية. وهذا ما تذكره الكاتبة العراقية هدى عبد الرحمن الجاسمي في مقالها "الطلاق الموريتاني الإيجابي" سنة 2015، بقولِها إنَّ ظاهرة الطلاق في موريتانيا "تحكمها عصبيةٌ قبليةٌ وعاداتٌ تشجع على الطلاق وجعلت منه بصمة جمالٍ تتزين بها المرأة لتثير الرجال من حولها". وأيضاً هناك من يذهب إلى القول بأنَّ طبيعة سكَّان موريتانيا من البدو الرحل الذين أَلِفوا التنقل ساعدت على سهولة أمر الطلاق. وعلى استقرار الناس في المدينة ظلَّ الترحال يبصم طباعهم وتحركاتهم داخل المجالين الجغرافي والاجتماعي. وهو ما تؤكده صحيفة "الاتحاد" الإماراتية في تقريرها سنة 2010 "الطلاق.. محل ترحيب واسع في موريتانيا"، بالقول إنَّ سببَ الطلاقِ الرئيسَ يعود "إلى أن المجتمع الموريتاني الذي تغلب عليه حياة الحل والترحال اعتاد الطلاق منذ عهودٍ قديمةٍ وشجع عليه بسبب إقبال الرجال على السفر الطويل للتجارة والغزوات وتفضيلهم عدم تعليق الزوجات وتقييد حرياتهن أثناء هذه المغامرة".
بهذا يُنمَّط الطلاق في موريتانيا ويوضع في صورةٍ احتفائيةٍ تبدأ من العادات والتقاليد، إلى سوق المطلقات وتُفرَّغ تجربة النساء مع الطلاق من بُعدها المتصل بالتداعيات الاجتماعية والاقتصادية والإنسانية. فعلى التحولات الاجتماعية والاقتصادية التي عرفها المجتمع الموريتاني المعاصر، لا تزال معدلات الطلاق مرتفعة. ولا تزال المرأة الموريتانية حائرةً بين قانون الدولة الوضعي وقانون المجتمع.
يصعب استخراج النسبة الحقيقية لحالات الطلاق من حالات الزواج من البيانات الحديثة. لكن تقريراً للصحفية خديجة الطيب لمنصة العربي الجديد سنة 2017 بعنوان "مطلقات موريتانيا يستجدين النفقة" يقول إنَّ نسبة حالات الطلاق تصل إلى 38 بالمئة كما "تقدر إحصائيات رسمية" لا تسميها الصحفية. ويجتهد باحثون ومنظماتٌ غير حكوميةٍ في كشف تطور نسبة الطلاق. إذ تقول نجوى مِنت الكتاب، أستاذة علم الاجتماع في جامعة نواكشوط والباحثة بمدرسة الدراسات العليا في العلوم الاجتماعية بباريس، في حوارٍ مع إذاعة فرنسا الدولية، إنَّ نسبة الطلاق في موريتانيا ارتفعت سنة 2025 إلى 49 بالمئة، أي إلى نحو نصف الزيجات.
وحاولت الفراتس الحصول على معطياتٍ رسميةٍ موحَّدةٍ ومحدثةٍ حول الطلاق والزواج السرِّي والنفقة. فتواصلت مع وزارة العمل الاجتماعي والطفولة والأسرة عبر البريد الإلكتروني الرسمي بتاريخ 19 أبريل 2026، وأجرت اتصالاتٍ هاتفيةً على رقم الوزارة دون تلقِّي ردّ. وفي 15 مايو 2026، حاولت الفراتس التواصل أيضاً مع مستشارة وزيرة العمل الاجتماعي والطفولة والأسرة، أم كلثوم بنت حامدينو، عبر رقمها المحمول، من دون الحصول على إجابة.
على ذلك، إذ ما نظرنا إلى الأرقام وحدها سيعسر علينا فهم طبيعة العلاقات الأسرية في موريتانيا. لكن عندما نعرف أن العادات والتقاليد الاجتماعية تتسبب في هشاشة العلاقة الزوجية، التي تنتهي غالباً بالطلاق، قد يبطل بعض العجب.
تتحكم الأسرة في اختيار الشريك لاعتباراتٍ قبليةٍ واقتصاديةٍ واجتماعية. وتُمنع المرأة من الحديث عن شروطها المادية والمعنوية قبل الزواج، ما يعرِّضها لضغوطٍ اجتماعيةٍ ونفسيةٍ قبل دخول مؤسسة الأسرة. وهو ما دعا حركة "مساواة" العالمية لحقوق النساء إلى إصدار بيانٍ موجَّهٍ إلى لجنة القضاء على التمييز ضد المرأة (سيداو) سنة 2023، جاء فيه: "لا يزال الإطار القانوني الزوجي قائماً على الحقوق التي تكون فيها المرأة خاضعةً بدلاً من الحقوق المتساوية بين الزوجين، لا يمكن للمرأة الزواج دون موافقة وليِّ أمرها ولا يزال تزويج القاصرات يمثل مشكلةً خطيرة". وهذا أيضاً ما يبيِّنه تقرير "هيومان رايتس ووتش" لسنة 2023، المرسل إلى لجنة الأمم المتحدة للقضاء على التمييز ضد المرأة، والذي عدَّ القوانين الموريتانية تمييزيةً ضد المرأة في الزواج بإعطاء القرار الكامل لوليِّ أمرها. ويقول الكاتب فريد حسن، الأستاذ السابق في علم النفس في المدرسة العليا للأساتذة في نواكشوط، في حديثه مع الفراتس إن "الأسباب الرئيسة للطلاق اختزلت سابقاً في زواج الأقارب، إذ يتزوج ابن العم من ابنة عمِّه القاصر، وغالباً ما انتهت هذه الزيجات بالطلاق نتيجة فارق السنّ، وغياب النضج وعدم معرفة الطرفين ببعضهما البعض، بلا أن يُنظر إلى ذلك حينها كإشكالٍ اجتماعي".
ويشير تقرير الخارجية الأمريكية حول الأوضاع الإنسانية في موريتانيا لسنة 2012، إلى أن السلطات الموريتانية شجعت النساء على تضمين عقود الزواج شروطاً تحمي حقوقهن في حال أقدم الزوج على التعدد، غير أن النساء اللواتي لا يثبتن شروطاً واضحةً في العقد يظللن أقلَّ حمايةً قانونياً. وفي كتاب "حالة الزواج في العالم العربي" الصادر سنة 2019 عن مؤسسة قطر ومعهد الدوحة الدولي للأسرة، يورد عالم الاجتماع المغربي مختار الهراس وباحثون آخرون في فصل "حالة الزواج في دول المغرب العربي" أن الزواج العرفي "الشرعي" يُعد الشكل الأكثر شيوعاً في موريتانيا، ويتم وفق أحكام الشريعة الإسلامية والمذهب المالكي، دون التقيد بالمبادئ أو الإجراءات أو الأحكام القانونية الرسمية. وغالباً ما يُعقد هذا الزواج خارج الأطر المؤسسية المرتبطة بالسجل المدني وتوثيق العقود، ويبقى خاضعاً في معظمه للأعراف والتقاليد الاجتماعية السائدة. وهو ما أكده الباحث فريد حسن في حديثه مع الفراتس، إذ يعدّ هذا الواقع منعكساً على استقرار الأسرة ومكانة المرأة داخلها.
تتسع الفجوة بين الحقوق التي تنصّ عليها مدونة الأحوال الشخصية الموريتانية والواقع العملي الذي تعيشه النساء بعد الطلاق. فبحسب تقريرٍ مشتركٍ لمنظمتَي "مساواة" و"وومنز فويسس" قُدِّم إلى لجنة سيداو سنة 2023، يبدو أن كثيراً من النساء يواجهن صعوباتٍ فعليةً في انتزاع هذه الحقوق أو تنفيذها على أرض الواقع، لاسيما في ظل اختلال موازين القوة الاقتصادية والاجتماعية داخل الأسرة. وأشار فريق الأمم المتحدة المعني بالتمييز ضد النساء والفتيات، عقب زيارته إلى موريتانيا في مايو 2024، إلى أن المادتين السادسة والسابعة من مدونة الأحوال الشخصية "تسمح بزواج الأطفال مع قيودٍ دنيا"، موضحاً أن الزواج "يبقى صحيحاً حتى في الحالات التي يتبين فيها أن الوليَّ وافق عليه لمصلحةٍ شخصية". وتنصّ المادة السادسة على أنَّ الأهلية تكمل بالعقل وإتمام ثماني عشرة عاماً من العمر، لكن "يصحّ لوليِّ ناقصِ الأهليةِ أن يزوّجه إذا رأى مصلحةً راجحةً في ذلك"، أما المادة السابعة فتقول: "إذا زوّج الوليُّ ناقصَ الأهلية دون مراعاة مقتضيات المادة السابقة فإنّ الزواج يقع صحيحاً". ولفت تقرير فريق الأمم المتحدة إلى أن القانون لا يضع "حداً أدنى مطلقاً لا يمكن النزول دونه" للزواج، وأن "صمت الفتاة يمكن اعتباره موافقةً ضمنية".
هذه المساحة القانونية، إلى جانب سلطة العرف، تجعل كثيراً من الحقوق التي يكفلها القانون للنساء عرضةً للتعطيل أو التأويل وفق ميزان القوة داخل الأسرة. وهو ما يظهر تحديداً فيما ذهب إليه الهراس وزملاؤه إلى أنه في مجتمع البيظان (القبائل العربية في موريتانيا) يُولى العرف والمعايير القبلية أهميةً خاصةً في عملية اختيار الزوج أو الزوجة وتأسيس الأسرة. ولا يزال النظام القبلي يمارس تأثيراً ملحوظاً في الحياة الاجتماعية وتنظيم المجتمع عموماً، إذ يُنظر إليه منظومةً تضبط السلوك التقليدي المرتكز على تراتبيةٍ اجتماعيةٍ تحدد اختيار الشريك انطلاقاً من النسب العائلي والمكانة الاجتماعية.
بهذا وعندما يحدث الضرر تجد المرأة نفسها وحيدةً، لأنَّ الرجل يحتمي بهذه الأعراف الاجتماعية. فأثناء استماعي إلى قصة السالمة، وأنا أخضب يدي بالحناء داخل سوق المطلَّقات، كنت أفكِّر لا إرادياً في حجم الضرر الذي لحق بأطفالها بعد الطلاق. حُرم أبناء السالمة من الأب قيد حياته، باعتباره معيلهم المادي والمعنوي، وحُرموا من أبسط حقوقهم، وفي مقدمتها الحق في العلاج والتعليم، نتيجة عدم تسجيلهم في الدوائر الحكومية منذ ولادتهم. وزاد الوضع تعقيداً رفضُ الأب تسوية وضعهم القانوني عند فتح باب الإحصاء المدني، وامتناعه عن تسليم والدتهم وثيقة الطلاق.
ولا تبدو قصة السالمة حالةً استثنائية. فمشكلة عدم تسجيل الأطفال في السجلات المدنية لا تزال تمثل تحدياً في موريتانيا. وتشير بيانات البنك الدولي إلى أن نسبة تسجيل الولادات بلغت نحو 44 في المئة فقط سنة 2021، في حين أكد تقريرٌ لمنظمة "هيومن رايتس ووتش" موجَّهٌ إلى اللجنة الإفريقية لخبراء حقوق الطفل ورفاهيته سنة 2017 استمرار المشكلة، مما يحرم آلاف الأطفال من وثائق الهوية ومن الوصول إلى عددٍ من الخدمات الأساسية. بل وتُحرم المرأة من أبسط حقوقها، وهو حقّ النفقة.
وذكر التقرير أن بعض مواد مدونة الأحوال الشخصية تحتوي على "ثغرات قانونية" تسمح باستمرار هيمنة الولي والرجل داخل مؤسسة الزواج، كالمادة 144 التي تنصّ أن النفقة تقدَّر "بقدرِ وسعِ المنفِق وحالِ المنفَق عليه وحال الوقت والأسعار"، في حين يعمد بعض الأزواج إلى إخفاء أوضاعهم المالية أو ممتلكاتهم الخاصة بما يعقِّد تنفيذ الأحكام المتعلقة بالنفقة. وعلى ذلك تقول مكفولة بنت إبراهيم، رئيسة منظمة "من أجل موريتانيا خضراء وديمقراطية" التي تعمل على تمكين المرأة ودعم المجتمع المدني، في حديثها إلى الفراتس إن "موريتانيا لديها قوانين كثيرةٌ لا تُطبَّق، ولذلك فإن الرجل قبل أن يطلِّق المرأة بالكاد يصرف [يُنفِق] عليها وعلى البيت، فكيف إذا طلقها". وأضافت "المرأة من حقّها بعد الطلاق الحصول على سكنٍ للأطفال ما داموا تحت سنّ الثامنة عشرة، وللأمّ الحقّ قانونياً في الرعاية، ويجب عليه تحمل مصاريف الدراسة والسكن".
لكن هذا الحق القانوني نادراً ما تحصل عليه الأمهات وأطفالهن على أرض الواقع. إذ تتحول مسؤولية الإعالة في كثيرٍ من الحالات إلى عبءٍ يوميٍ تتحمله النساء وحدهن، لاسيما أنَّ المطلقة التي تلجأ إلى المحاكم لإرغام الزوج على تحمّل مسؤولية الإنفاق على أطفاله، ينظر إليها على أنها سبَّبت "فضيحة اجتماعية، خصوصاً إذا كانت من شريحة العرب، إذ يتدخل الوسط العائلي، ويقنعها بالتنازل عن الدعوى" كما توضح خديجة الطيب في تقريرها آنف الذكر.
بهذا يُنتج غياب النفقة والإعالة أوضاعاً هشَّة. يقول الناجي، وهو تاجرٌ موريتانيٌ في منتصف العمر يعمل في مدينة نواذيبو، في حديثه معي إن عمله في التجارة أتاح له الاطلاع على قصصٍ عديدةٍ لنساءٍ يعشن أوضاعاً اقتصاديةً صعبةً بعد انتهاء زيجاتٍ سرِّية. ويضيف: "مرّت عليّ حالاتٌ كثيرةٌ لنساء يُعِلنَ أطفالهن بمفردهن بعد انتهاء علاقات زواجٍ لم تكن موثقةً بما يكفي، وبعضهن يأتين إلى المحل لشراء حاجياتٍ أساسيةٍ لأطفالهن ويحاولن التفاوض على الأسعار إلى أبعد حدٍّ بسبب ضيق أوضاعهن المادية".
وهكذا تتجه المرأة المطلقة إلى سوق المطلقات، تبيع حاجياتها لتعيل نفسها. فالسوق نفسه "يعدّ نموذجاً للتضامن النسوي في ظل ارتفاع معدلات الطلاق وتزايد معدلات البطالة في صفوف النساء الموريتانيات، وخاصةً معيلات الأسر"، كما ينقل تقريرٌ لقناة "المرابطون" التلفزية في فبراير 2026. على ذلك، لم يعُد السوق ذلك الفضاءَ "التضامني" الذي كان عليه سابقاً، إذ ينقل تقرير قناة المرابطون دخول التجّار "الكبار" إلى السوق وإزاحة النساء العاملات فيه، حتى إنّ عدد النساء البائعات فيه بدأ يتقلّص. ويشير تقرير وكالة الإحصاء المذكور إنّ 15 بالمئة من النساء المطلَّقات يعملن، وهو أكثر بكثيرٍ من نسبة العاملين من الرجال المطلَّقين الذين لا تتجاوز نسبتهم 2.7 بالمئة.
ولا تنحصر معاناة المرأة المطلَّقة في النفقة فقط، بل تشمل الاعتراف القانوني والاجتماعي بزواجِها، خاصةً إن كانت ممَّن زُوِّجن لغرض التعدد أو سرّاً. إذ إن انتشار الزواج العرفي غير المسجل قانونياً الذي يمكن التنصل منه وعدم الاعتراف به، يسهِّل تهرّبَ الرجال من النفقة.
تمتد خطورة هذا النوع من الزواج إلى صعوبة إثباته، وما يترتب على ذلك من مشكلاتٍ تتعلق بالنفقة والوثائق الإدارية وحقوق الأطفال. ويقول تقرير وكالة الإحصاء: "تنص المادة 10 من القانون 2011-003 على أن جميع الأحداث المدنية التي تحدث في موريتانيا يجب تسجيلها [. . .] ولكنه في الواقع، لا يتم الإعلان عن المواليد، وبنسبةٍ أقلّ عن حالات الزواج". وفي المقابل "نادراً ما يتمّ الإعلان عن الطلاق". ومما يزيد الطينَ بِلَّةً رفضُ أقسام النزاعات الأسرية التابعة لوزارات شؤون المرأة، في كثيرٍ من الحالات، الاعترافَ بالزوجات اللائي تزوَّجن من دون عقودٍ رسميةٍ، ورفضُ أزواجهن الاعترافَ والتسجيل، ما يُلقي بهنَّ في دوامةٍ من المشكلات المرتبطة بإثبات الزواج، والحصول على النفقة، واستخراج الوثائق الإدارية، وضمان حقوق الأطفال.
ويلفت المؤلفون في كتاب "حالة الزواج في العالم العربي" إلى أن "الزوجات السرّيات" يواجهن صعوباتٍ كبيرةً في إثبات الزواج قانونياً والحصول على النفقة والوثائق الإدارية وضمان حقوق الأطفال، بسبب الطابع السرِّي الذي يطغى على هذا النوع من الارتباطات. وفي تصريحٍ صحفيٍ متلفزٍ نشرته منصة "أصداء" الإخبارية بتاريخ 3 يوليو 2025، قالت وزيرة العمل الاجتماعي والطفولة والأسرة صفية بنت انتهاه إن "هناك نساءً كثيراتٍ ضحايا للزواج السرّي، وكذلك أطفالاً كثيرين، وهناك مناطق برمّتها فيها جيلٌ كاملٌ سيكون غداً بلا أوراقٍ مدنيةٍ لأنه نتيجة زواجٍ سرّيٍ يختفي فيه الأب بعد الطلاق ويصعب العثور عليه". وأضافت الوزيرة أن الوزارة لا تتحدث في قضيةٍ ما، إلا حين تبلغ مستوىً يصعب التعامل معه عبر المساطر القانونية وحدها، مشيرةً إلى أن الوزارة تستقبل يومياً شكاوى تتعلق بالنفقة والطلاق واختفاء الأزواج فجأةً وترك النساء والأطفال دون إعالة.
تحدثتُ مع فرحة، وهو اسمٌ مستعارٌ لشابةٍ تبلغ تسعة عشر عاماً. كانت فرحة في الرابعة عشرة حين زوَّجها أهلها زواجاً عرفياً (غير مسجل) لرجلٍ متزوجٍ يكبرها بعقودٍ، وله أبناءٌ وأحفاد. وبحسب روايات مقربين من الأسرة، فإن والديها اعتقدا أن تزويجها لهذا الرجل عملٌ يؤجران عليه، لكونه ينحدر من أسرةٍ تُنسب إلى آل بيت النبيّ. وعلى ذلك تم الزواج بعيداً عن الأضواء، قبل أن تنجب فرحة طفلاً وتنتهي العلاقة بالطلاق بعد مدةٍ قصيرة. وبقيت زوجة الرجل الأولى على علمٍ بالعلاقة دون اعتراضٍ علنيٍّ، مفضلةً الحفاظ على أسرتها رغم تكرار زيجات زوجها. فيما بقيت فرحة في وضعٍ هشٍّ لأن زواجها سرِّيٌ وغير موثقٍ قانونياً.
قصة فرحة تكشف عن آليةٍ اجتماعيةٍ تتقاطع فيها الهشاشة الاقتصادية مع سلطة الأسرة والاعتقاد الديني ومكانة الرجل الرمزية. وفي مثل هذه الحالات لا يكون الزواج قراراً فردياً حرّاً، بقدر ما يصبح نتيجة شبكةٍ من الضغوط العائلية والاجتماعية التي تتحرك بِاسم المصلحة أو البركة أو الستر. وتساعد بعض مقاربات علم الاجتماع على فهم هذه الحالات دون إسقاطها آلياً على الواقع الموريتاني كلياً. إذ يرى عالم الاجتماع الفرنسي بيير بورديو في كتابه "الهيمنة الذكورية"، المُعرَّب سنة 2009، أن النساء قد يُرَيْن داخل بعض البنى الاجتماعية التقليدية حاملاتٍ لرأسمالٍ رمزيٍّ يرتبط بالشرف والمكانة والعلاقات بين الأسر. وبهذا لا يصبح الزواج علاقةً ثنائيةً بين رجلٍ وامرأةٍ فقط، بل جزءاً من شبكةٍ أوسع من الاعتبارات العائلية والاجتماعية التي قد تتراجع أمامها إرادة الفتاة أو المرأة. فيستمر تأثير البنى القبلية ومعايير النسب والمكانة الاجتماعية، كما يوضح الهراس والباحثون في كتاب "حالة الزواج في العالم العربي"، كيف يمكن أن تتداخل خيارات الزواج مع اعتباراتٍ تتجاوز الرغبة الفردية لتشمل حسابات الأسرة والجماعة ومكانتهما داخل المجتمع.
ففي مجتمعٍ لا تزال فيه بعض النساء يشعرن بضرورة إخفاء مشاعرهن بعد الانفصال، يتحول الحزن أحياناً إلى عبءٍ إضافيٍ يُطلب من المرأة تحمّله بصمت. تقول عيشة – اسمٌ مستعارٌ لمطلقةٍ قبلت الحديث معي – إن أكثر ما أتعبها لم يكن طلاقها من زوجها الذي كذب في شرط العقد الشرعي بألا يعدِّد عليها، بقدر ما كان شعورها بأنها مطالَبةٌ بعد الطلاق بإظهار التماسك أمام محيطها العائلي. وتضيف: "حاولتُ جاهدةً الظهورَ متماسكةً أمام أمي وعماتي حتى لا يطلَق عليَّ لقب "مسلوبة" (من سلبَ الحبّ الضائع عقلها)، مع أن قلبي كان يعتصر ألماً وكنتُ بحاجةٍ إلى كتفٍ أستند إليه وأتحدث معه عمّا أشعر به". وتتابع القول: "لم يكن الأمر مجرد حزنٍ على انتهاء زواجي، مع أني أحببت طليقي، بل كانت خيبة اكتشاف كذبه وخيانته لي". بهذا تنقض شهادةُ عائلةٍ تلك الصورةَ الاحتفائية في الإعلام العربي.
ومن بين الكم الكبير من المحتوى الإعلامي الذي نُشر حول "سوق المطلّقات" في موريتانيا، حصد مقطع الجزائري "كاسو إيست" انتشاراً واسعاً. ففي أثناء تجوله داخل السوق الشهير، توقف للحديث مع بعض النساء، ومن بينهن سيدةٌ مطلقةٌ متقدمةٌ في السنِّ اختزلت في عبارةٍ واحدةٍ جانباً من نظرة المجتمع إلى الطلاق وما بعده: "الرجل طلّق وانتهى" مشيرةً إلى توافد النساء على السوق لبيع أثاثهن لتدبير احتياجاتٍ أساسيةٍ لهن ولأبنائهن.
بدت الجملة بعيدةً عن الاحتفاء بالطلاق بقدر ما كانت تعبيراً عن نزعةٍ عمليةٍ للتعامل مع ما بعده. فلا حديث عن الانتصار، ولا عن التحرر، ولا عن الصورة المتداولة للمطلقة المرغوبة التي راجت في كثيرٍ من المواد الإعلامية. إنَّما بدا حديثها أقرب إلى حياةٍ تستمر رغم الخسارة، وأبناءٍ ينبغي إعالتهم، وأثاثٍ يُباع لتدبير مصاريف الدراسة والسكن ومتطلبات العيش.
ربما لهذا السبب تحديداً لا يقتصر الحضور في السوق على المطلَّقات وحدهن. فمن بين البائعات والمتسوقات تحضر نساءٌ متزوجاتٌ اعتدن ارتياد السوق حتى أصبحن جزءاً منه، بينهن عزيزة. انتقلت عزيزة بين المرحلتين، من مراقبة عالم المطلَّقات إلى العيش داخله. وهي مفارقةٌ تبدو كاشفةً في مجتمعٍ تتداول نساؤه أمثالاً شعبيةً شفويةً تشبِّه الرجال بالأساور التي ترتديها امرأةٌ برهةً ثم تنتقل إلى أخرى. ويعكس المثل إدراكاً شعبياً قديماً لهشاشة العلاقة الزوجية وإمكان انتهائها، فهي احتمالٌ قائمٌ في مسار الحياة لا حدثٌ مستحيل الوقوع. ويجد هذا التصور بعض تفسيره فيما يسميه محمد محمود ولد سيدي يحيى في كتابه "المجتمع الفضفاض" الصادر سنة 2002 "العائلة مركزية الأم"، وهو نمطٌ اجتماعيٌ يمنح الأولوية لعلاقة الأم بأبنائها وبشبكة أقاربها، مقابل علاقةٍ زوجيةٍ يُنتظر منها قدرٌ أقلّ من الثبات مقارنةً بما هو سائدٌ في نماذج أسريةٍ أخرى.
ليست حكايات النساء في سوق المطلَّقات استثناءاتٍ فرديةً، لكنها شواهد حيَّةٌ على بنيةٍ اجتماعيةٍ تجعل من الطلاق تجربةً غير متكافئة الأعباء، وتفرض على النساء تماسكاً قسرياً يخلِّف هشاشةً نفسيةً عميقةً ويخفيها. لذا فإعادة النظر ليست ترفاً أو دعوةً عابرةً، بل هي دعوةٌ لتفكيك الخطاب السائد والإنصات إلى الأصوات الكامنة خلف ضجيج الطلاق في الإعلام والنظر إلى السوق مرآةً عاكسةً لاختلالاتٍ أوسع في الأسرة والمجتمع الموريتانيين، وإيجاد إجاباتٍ للأسئلة الملحَّة حول العدالة الاجتماعية والدعم النفسي، وحقوق النساء بعد الطلاق.

