المسلمون في فرنسا.. تنافس الجزائر والمغرب على المرجعية الدينية

حاولت فرنسا منذ بداية التسعينيات ضبط الشأن الديني الإسلامي بإنشاء تمثيل رسمي للمسلمين، إلا أن ارتباط هذا التمثيل بجهات خارجية، دفع فرنسا لتدخُّل إداري مباشر.

Share
المسلمون في فرنسا.. تنافس الجزائر والمغرب على المرجعية الدينية
هل يمكن بناء تمثيل مستقل للمسلمين؟ | خدمة غيتي للصور

اتصلتُ ليلة الأربعاء 18 فبراير سنة 2026، بأقاربي في فرنسا لتهنئتهم بدخول شهر رمضان. أخبرني قريبي الأول الذي يقطن باريس أنَّ أوَّل أيام الصيام هو الأربعاء، وفق ما أعلنه مسجد باريس الكبير. في المقابل، أكد قريبي الثاني المقيم في ستراسبورغ أن بداية الصيام ستكون في اليوم الذي يليه، حسب الحسابات الفلكية للمجلس الفرنسي للديانة الإسلامية.إسلا

بدا الأمر في الأول خلافاً فقهياً عابراً على إثبات دخول شهر رمضان بين منهجين، الرؤية البصرية للهلال والحساب الفلكي. إلا أن الأزمة لا تبدو محصورة في الاختلاف التقني، بقدر ما هي تجلٍّ لأزمة الشرعية في تمثيل المسلمين داخل الجمهورية الفرنسية. الدولة التي تُدار فيها شؤون أتباع الديانة الإسلامية ضمن إطار مؤسسي غير كنسي وغير مركزي، على خلاف الكاثوليكية والبروتستانتية.

وعلى ما يبدو، لا يتوقف الأمر عند هذا الخلاف الظاهري. فلم تكن هذه الأزمة دينية بقدر ما هي نتيجة تراكم توازنات سياسية ودبلوماسية بين ثلاث كتلٍ خارجية، في مقدمتها الجزائر والمغرب ثم تركيا بدرجة أقل. فقد حافظت الجزائر تاريخياً على نفوذها في المسجد الكبير في باريس، مدعومة بتمويل رسمي من وزارة الشؤون الدينية الجزائرية. صعدت في المقابل شبكات وشخصيات ذات مرجعية مغربية إلى قيادة المجلس الفرنسي للديانة الإسلامية، ما عمَّق الانقسام الداخلي وأدَّى في النهاية إلى انسحاب المسجد الكبير وتفكك المجلس. وظل الحضور التركي محدوداً داخل شبكات تنظيمية وجمعيات دينية وإرسال أئمة دون ثقل مؤسسي مماثل.

كشف الخلاف على أول أيام رمضان عن أزمة ممتدة وأكثر عمقاً بين الدولة الفرنسية وتمثيل المسلمين منذ نهاية الثمانينيات. ففي الوقت الذي سعت فيه فرنسا إلى البحث عن ممثل رسمي للديانة الإسلامية مع بروز الإسلام في الفضاء العام، وجدت الدولة نفسها أمام تعدد هيئاتٍ مرتبطة بدولٍ خارجيةٍ، وانتقال التنافس المغربي الجزائري من المجال المغاربي إلى الفضاء الديني الأوروبي. وأمام هذا الوضع أعادت فرنسا ضبط الحقل الديني بمقاربة إدارية وأدوات متعاقبة انتهت بإنشائها منتدى الإسلام في فرنسا. وتكشف هذه التحولات في إدارة الحضور الديني الإسلامي عن أزمة تأسيسية مستمرة، إذ تُغيَّب القاعدة الشعبية الحقيقية لمسلمي فرنسا في مقابل تراتبية تُفرض من أعلى.


يتنوع الحضور الإسلامي في فرنسا في أصول معتنقيه من المهاجرين، وفي المرجعيات الدينية والمؤسسية. ويثير هذا التنوع مواقف مختلفة من بعض القضايا، ويبعد عن تشكيل صوت موحد يمكن للدولة مخاطبته في الأزمات. شرعت فرنسا في محاولات لضبط الشأن الديني الإسلامي منذ ثمانينات القرن العشرين تزامناً مع بروز الإسلام في الفضاء العام. إذ برزت قضايا مثل الحجاب المدرسي ونقاشات حرية التعبير في الإسلام، فواجهت محاولات فرنسا مشكلة تأسيسية في طبيعة تمثيل المسلمين. 

سنة 1990 ظهرت فكرة إنشاء هيئة موحدة تُخاطِب منها الدولة الفرنسية المسلمين فوق أراضيها. وقد تولدت الفكرة بعد خروج عشرات الآلاف من المحتجين، في فبراير ومارس سنة 1989، تضامناً مع فتوى المرشد الإيراني آية الله الخميني بإعدام الأديب البريطاني سلمان رشدي بعد نشره رواية "آيات شيطانية"، التي نُظر لها أنها مسيئة للدين الإسلامي. ورافق هذه الموجةَ نقاشاتٌ عن حرية التعبير وحدود المقدس. ثم في سبتمبر من السنة نفسها، طُردت ثلاث طالبات محجبات من ثانوية في ضواحي باريس بسبب لباسهن. وقد أثار الملف جدلاً إعلامياً وسياسياً عُرف بأزمة الحجاب، وشكل لاحقاً أول اختبار فعلي لمبادئ العلمانية الفرنسية.

حينها، وسط تراكم الأحداث، صرَّح وزير الداخلية بيير جوكس بأنه لم يجد مخاطباً يُساعد في احتواء الأزمة، قائلاً: "رفعت السماعة للتواصل مع ممثل عن المسلمين لاحتواء التوتر، فلم أعثر على رقمٍ أتصل به". وكان في هذا إيحاءً إلى غياب مخاطبٍ مؤسساتي موحد لمسلمي فرنسا.

في هذا السياق، واجهت الدولة الفرنسية طيفاً من الهيئات الإسلامية موزعةً بين شبكات وجمعياتٍ ذات مرجعيات مرتبطةٍ ببلدان خارجية. فكانت الفدرالية الوطنية لمسلمي فرنسا التي تأسست سنة 1985، جناحاً يُمثل النفوذ المغربي. ومسجد باريس الكبير، القائم منذ 1926 مقرب من الجزائر. واتحاد المنظمات الإسلامية في فرنسا مقرب من شبكة الإخوان المسلمين منذ تأسيسه سنة 1983. بالإضافة إلى بروز شبكات تركية مرتبطة برئاسة الشؤون الدينية التركية، التي تدير عدداً من المساجد وتوفد الأئمة وتؤطر الجالية ذات الأصل التركي ضمن قنوات مؤسساتية شبه رسمية.

ولمواجهة هذا الانقسام، قرر وزير الداخلية بيير جوكس في نوفمبر 1989 تعيين ست شخصيات مسلمة شكَّل بها "مجلس الحكماء" لتنظيم شؤون الديانة الإسلامية. تطور هذا المجلس في مارس 1990 إلى "مجلس التفكير في إسلام فرنسا"، وهو هيئة ذات طابع استشاري. توقفت الهيئة عن النشاط بعد مغادرة الوزير بيير جوكس منصبه سنة 1991 ضمن تعديل وزاري في حكومة ميشيل روكار. وبالتالي لم تبحث فرنسا عن تمثيلٍ قائمٍ، بل أنتجت مخاطبها بنفسها من ضمن شخصيات دينية انتقتها بلا أي مسار انتخابي.

ومع تعاقب وزراء الداخلية في التسعينيات، تكررت محاولة إرساء هيئةٍ موحدةٍ تُخاطب منها فرنسا المسلمين. فمن "المجلس التمثيلي للمؤسسات المسلمة" الذي أطلقه جان لوي دوبريه سنة 1995 إلى مسار الاستشارة الذي أطلقه جون بيير شوفينمان سنة 1997، الذي عُرف باسم "مسار شوفينمان للحوار" وسعى إلى تنظيم مشاورات غير ملزمة مع ممثلي الجاليات المسلمة عن قضايا التنظيم الديني. ومن هذه المبادرات إلى إعلان "مبادئ ممارسة الشعائر الإسلامية في فرنسا"، الذي وقعت عليها خمس فدراليات وخمسة مساجد كبرى وست شخصيات التزاماً صريحاً بمبادئ الجمهورية. ومن هذه المبادئ علمانية الدولة وإطارها القانوني القائم على حياد الدولة مع الأديان وضبط ممارسة الشعائر داخل الفضاء العام. وقد أدارت وزارة الداخلية هذه المسارات، محددةً أطراف التفاوض ومعالم التمثيل، بما جعلها فاعلاً في صياغة بنية هذه الهيئات لا مجرد جهة منظمة. فبدت هذه الصيغة أقرب إلى جهاز إداري منه إلى تمثيل ديني فعلي.

مثَّل هذا المسار، الذي استمر حوالي ثلاثة عشر سنة، اللبنة الأساس لتأسيس مجلس الديانة الإسلامية في فرنسا. ومع تولي نيكولا ساركوزي وزارة الداخلية سنة 2002، أُعلن رسمياً تأسيس المجلس ممثلاً رسمياً أمام الدولة في ما يتعلق بتنظيم الشعائر الإسلامية، على غرار تمثيل الطوائف اليهودية والكاثوليكية والبروتستانتية. إلا أن منهجية التأسيس قامت على بناءٍ مفروض من الأعلى بدل الانبثاق من القاعدة. فقد أعلن نيكولا ساركوزي في مايو ذلك العام أن رئاسة المجلس ستؤول لعميد مسجد باريس الكبير، عبد الله بوزيان آنذاك، بصرف النظر عن نتائج الاقتراع الداخلي، في سياق سعي الوزارة إلى ضمان توازن بين الفدراليات الرئيسة قبل إطلاق المسار الانتخابي.

وعند أول انتخابات في أبريل سنة 2003، حصلت الفدرالية الأكبر (الاتحاد الفرنسي للمنظمات الإسلامية) على المرتبة الأولى في عدد المندوبين والمقاعد، بينما جاء مسجد باريس الكبير في المرتبة الثانية. ومع ذلك فقد سمحت الترتيبات السياسية التي سبقت العملية الانتخابية لمسجد باريس بالاحتفاظ برئاسة المجلس رغم نتائج التصويت.

هذا الخلل التأسيسي يفسره الباحثان المتخصصان في العلاقات الدولية والإسلام في أوروبا، جوناثان لورانس وجوستان فايس، في كتابهما "إنتركغرايتين إسلام" (دمج الإسلام: التحديات السياسية والدينية في فرنسا المعاصرة) المنشور سنة 2006. يقول الباحثان إن "المجلس لم يكن وليد إرادة مجتمعية، بل صُنع بدفع من الدولة ووزارة الداخلية، مما جعله هيكلاً رسمياً  يفتقر إلى قاعدةٍ شعبيةٍ حقيقيةٍ، بل يمثِّل التنظيمات الكبرى المرتبطة بدول أجنبية كالمغرب والجزائر وتركيا أكثر مما يمثِّل المسلمين الفرنسيين أنفسهم".

وقد أسفرت نتائج الانتخابات عن تقاسم المقاعد بين القوى الرئيسة، الاتحاد الوطني للمسلمين الفرنسيين، والاتحاد الفرنسي للمنظمات الإسلامية، والمسجد الكبير في باريس، إضافة إلى لجنة تنسيق المسلمين الأتراك. وجاء هذا التوزيع في سياق آلية انتخابية اعتمدت "مساحة المساجد" معياراً أساساً للتمثيل داخل المجلس. إذ حظيت الهيئات التي تشرف على مساحات أكبر من المساجد بنفوذ أكبر.

تقول مليسا تدافي، الباحثة المتخصصة في العلاقات الفرنسية، في حديثها مع الفراتس إن "هذا المعيار القائم على متر المسجد رجح كفة الاتحادات الكبرى المرتبطة بدول أجنبية مثل المسجد الكبير واتحاد مسلمي فرنسا والاتحاد الوطني لمسلمي فرنسا. وذلك على حساب الجمعيات المحلية الصغيرة الأكثر انغراساً في واقع الضواحي الفرنسية. فجاء التمثيل الناجم عن هذه الآلية معبِّراً عن موازين القوى بين الدول الأجنبية، لا عن التنوع الفعلي للمشهد الإسلامي في فرنسا".

استمر مجلس الديانة الإسلامية في عمله سنتين، غير أن مرحلة ما بعد 2005 شهدت أزمة التمثيل والصراعات بين مكوناته، خاصة بين الفيدراليات المرتبطة بالمغرب والجزائر. وهي صراعات استمرت إلى حدود سنة 2010 وأدت إلى شلل متكرر في عمله. 

ومع بداية العقد الثاني من الألفية، تحديداً سنة 2010، برزت أزمة الفعالية، إذ عجز المجلس عن إدارة الملفات الأساس التي أُنشئ من أجلها. على رأس الملفات تنظيم المساجد وتعيين الأئمة وتطويرهم والإشراف على شؤون الحلال والحج وتمثيل المسلمين أمام الدولة. وكانت النتيجة ولادة مجلس يعاني من نقصين، غياب الشرعية الشعبية بسبب آلية الانتخابات، وهيمنة المرجعيات الخارجية على توجهاته.

كان الناتج في سنة 2012 حين امتنعت قرابة نصف مساجد فرنسا عن المشاركة في انتخابات المجلس. وهو ما جعل نتائج تلك الانتخابات تُقرأ تعبيراً عن خلل أكثر من كونها تنافساً انتخابياً عادياً. لم يقتصر الإشكال على منهجية التأسيس من الأعلى، بل امتد إلى طبيعة الفاعلين الذين شكلوا قاعدة هذا البناء. فالاتحادات والمساجد الكبرى التي تفاوضت معها الدولة لم تكن محايدة، بل ارتبطت بمرجعيات خارجية. ما جعل المجلس منذ نشأته مجالاً لتقاطع نفوذ دول الأصل، في مقدمتها المغرب والجزائر. فيما بدا استمراراً للتنافس المغربي الجزائري خارج حدود الدولتين.


منذ استقلال المغرب سنة 1956 والجزائر سنة 1962، سعت كلا الدولتين إلى ترسيخ حضورهم المؤسسي الديني داخل فرنسا، يسندهما ثقل الجاليات المغربية والجزائرية في هذا البلد.

وتتجسد آلية النفوذ الجزائري داخل الحقل الديني الفرنسي بعمادة مسجد باريس الكبير، التي تُمثل قناة مؤسساتية تجمع بين الرمزي والسياسي. فمنذ سنة 1982، تعزز حضور الجزائر في إدارة المسجد، الذي سيطرت عليه بتثبيت موقعها داخل بنيته الإدارية والدينية. وقد استندت إلى إرث تاريخي يعود إلى مرحلة قدور بن غبريط، مؤسس المسجد وأحد الشخصيات الجزائرية البارزة في الإدارة الاستعمارية الفرنسية. ومنذ ذلك الحين، ظلَّت عمادة المسجد بيد شخصيات ذات صلة بالدولة الجزائرية.

بهذا تجاوز النفوذ الجزائري البعد الرمزي، وتعزز بدعم مالي مباشر. ففي جلسة استماعٍ أمام مجلس الشيوخ الفرنسي سنة 2016، كشف عمار بن جمعة، السفير الجزائري الأسبق في فرنسا، أن بلاده تُقدم دعماً مالياً للمسجد في إطار اتفاق يعود إلى 1981. وبلغ الدعم الجزائري للمسجد الكبير، حسب تصريح السفير، حوالي مليوني يورو سنوياً. يُموِّل هذا الدعم إدارة المؤسسة وأنشطتها التدريبية والتوعوية. 

ويظهر الارتباط بين الجزائر والمسجد الكبير في طبيعة القرار الديني داخل المؤسسة. فمثلاً أعلن المسجد الكبير دخول شهر رمضان 2016 في توقيت مخالفٍ موقفَ المجلس الفرنسي للديانة الإسلامية المحسوب على المغرب.  وقد تزامن الإعلان الرسمي مع أول أيام الصيام في الجزائر. واعتبر المجلس الفرنسي للديانة الإسلامية هذا القرار مرتبطاً بقرارات خارجية.

وقد تجاوز هذا الارتباط المواقف والقرارات الرمزية إلى أدوات مؤسساتية أكثر استدامة عززت الحضور الجزائري داخل الشبكات الدينية ذات الصلة بالمسجد الكبير. ويبرز هذا النفوذ بمنهجية الأئمة المنتدبين، إذ ترسل وزارة الشؤون الدينية الجزائرية أئمةً يُعيَّنون داخل المساجد التابعة لفدرالية باريس، وتُدفع رواتبهم من القنوات الجزائرية الدبلوماسية وقد يستمرون أربع سنوات. وكان السفير عمار بن جمعة قد أكد أمام مجلس الشيوخ أن الجزائر توفد سنوياً حوالي مئة إمام لمساجد في أنحاء فرنسا، تُديرها في الغالب جمعيات جزائرية تابعة لمسجد باريس الكبير.

في المقابل، اعتمد المغرب استراتيجية القوة الناعمة في بسط نفوذه على الفضاء الإسلامي الفرنسي. وتكفلت المغرب، منذ افتتاح معهد محمد السادس لتكوين الأئمة في الرباط سنة 2015، بتكوين الأئمة الفرنسيين من الموازنة العامة. وفي هذا السياق، يرسل المغرب سنوياً أئمة وبعثات في شهر رمضان إلى مساجد مرتبطة بالمملكة المغربية. هذا التحرك وصفه تقرير مجلس الشيوخ الفرنسي بعبارة "الإسلام القنصلي"، الذي يُشكِّل تحدياً لمبدأ الجمهورية في فصل الشأن الديني عن الشأن الأجنبي.

يمول المغرب المجالَ الديني في فرنسا عن طريق القنصلية. إذ كشف السفير المغربي الأسبق في باريس شكيب بن موسى أن المغرب يُساهم باستمرار في تقديم دعمٍ مالي، قُدرت قيمته سنة 2016 بستة ملايين يورو في السنة. تُصرفُ الأموال لتمويل بناء المساجد، ودفع رواتب الأئمة العاملين في فرنسا، ودعم بعض المساجد التي تواجه صعوبات إدارية.

وتبين هذه التمويلات نمطاً أوسعَ من حضور دول أجنبية داخل الحقل الديني الفرنسي. وهو ما كشف عنه أيضاً تقرير مجلس الشيوخ الفرنسي، الذي اعتبرَ أنَّ التمويل الأجنبي للإسلام في فرنسا حوَّل المساجد إلى أدوات نفوذٍ سياسية لا مجرد فضاءات دينية. وأصبح الإسلام تحت وصاية ثلاث دول أجنبية، هي المغرب والجزائر وتركيا التي تموِّل المساجد وتوفد الأئمة وتؤثر في الخطاب الديني. 

هذا التداخل بين شبكات النفوذ المرتبطة بدول أجنبية لم يبقَ محصوراً في تمويل المساجد والأئمة، بل امتد إلى بنية التمثيل نفسها داخل المجلس الفرنسي للديانة الإسلامية. وقد ظهر هذا التنافس في رئاسة المجلس وتوزيع مناصبه وتعطِّل اجتماعاته، وصعوبة توحيد المواقف في ملفات أساس مثل تحديد المناسبات الدينية أو تعيين الأئمة. ومع اعتماد نظام انتخابي يقوم على وزن المساجد ومساحتها، تعزَّز نفوذ الشبكات المدعومة خارجياً، مقابل ضعف المبادرات المحلية. وهذا ما جعل المجلس عاجزاً عن إنتاج قيادة مستقرة أو قرار موحَّد.

أمام هذا الوضع، لم يعد الخلل مقتصراً على بنية التمثيل أو التنافس بين الدول الأجنبية، بل تزامن مع سلسلة من الأحداث الأمنية والسياسية التي وضعت علاقة الدولة بالإسلام في فرنسا تحت ضغط متزايد. ومع تصاعد الجدل عن التطرف والعنف باسم الدين في العقد الثاني من الألفية، بدأت تتكشف حدود النموذج التمثيلي الذي جسَّده المجلس الفرنسي للديانة الإسلامية. وهو مسار انتهى مع وصول إيمانويل ماكرون إلى الرئاسة في مايو 2017 وتبعه إعادة النظر في طريقة إدارة الشأن الديني الإسلامي.


أظهر الهجوم الذي تبناه تنظيم القاعدة على مجلة شارلي إيبدو في باريس سنة 2015 مسفراً عن مقتل اثني عشر شخصاً، محدودية قدرة المجلس الفرنسي للديانة الإسلامية. فبينما كان حاضراً رمزياً في إدانة الهجمات بالبيانات، عجز المجلس عن توحيد خطاب المسلمين أو أداء دور الوسيط بينهم وبين الدولة. حينها بدأت الدولة في سحب عدد من الوظائف التي كانت ضمن اختصاص المجلس.

وكانت أول هذه الوظائف تعيين الأئمة. إذ أعلن الرئيس الفرنسي ماكرون في خطاب في فبراير 2020 أن فرنسا تُنهي نظام الأئمة الموفدين من المغرب والجزائر وتركيا. وقال الرئيس إن "هذه الخطوة لمكافحة الانفصالية الإسلامية". وأنهى ماكرون عادة استضافة نحو ثلاثمئة قارئ ديني سنوياً في شهر رمضان. 

لم يكن إنهاء الاعتماد على الأئمة الموفدين إلا جانباً من مسعى أوسع للحد من تأثير الدول الأجنبية  داخل الحقل الديني الإسلامي في فرنسا. إذ انتقل التركيز بعد ذلك إلى ملف التمويل الأجنبي للمساجد والجمعيات الدينية. ففي سنة 2021، أقرت فرنسا قانون "تعزيز مبادئ الجمهورية"، الذي شكَّل الإطار القانوني لإعادة ضبط تمويل الحقل الديني، وعلى رأسه تمويل المساجد. وبموجب القانون، تحول التمويل الأجنبي إلى موضوع خاضع لرقابة الدولة، بإلزام الجمعيات الدينية بالتصريح بأي تمويل أجنبي يتجاوز سقفاً محدداً. وقد منح هذا الإجراءُ الإدارةَ الفرنسية صلاحيات أوسع للتدقيق في مصدر الأموال ووجهتها. وأصبح بإمكان السلطات تعليق الجمعيات وحلها في حال ثبت ارتباط تمويلها بأعمال تُخالف مبادئ الجمهورية.

ومع تضييق قنوات النفوذ الخارجي، انتقلت الدولة في السنة التالية إلى إعادة صياغة آليات تمثيل المسلمين أنفسهم. فلجأت سنة 2022 للخيار الإداري مواجِهةً انهيار تدبير الشأن الديني في فرنسا. إذ أعلن وزير الداخلية جيرالد دارمانان تأسيس "منتدى الإسلام في فرنسا"، الذي ضم ستين عضواً من أئمة ومسؤولين وممثلي المجتمع المدني اختارتهم وزارة الداخلية وعُينوا بصفتهم الشخصية لا بانتمائهم لتنظيمات. ويتمحور عمل المنتدى في ست قضايا، تكوين الأئمة وضمان كفاءتهم اللغوية والقانونية، وتنظيم الخدمات الدينية في السجون والمستشفيات والجيش. وكذلك التصدي لخطاب الكراهية وتأمين دور العبادة، ومراقبة التمويل الخارجي وتوفير الدفن وفق الطقوس الإسلامية.

وقد وصف الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون نفسه هذا التحول في خطابه أمام المنتدى سنة 2023 باعتباره قطيعةً مع نموذج "الإسلام القنصلي". وأقر أن الدولة حاورت في السابق دولاً أجنبيةً لا ممثلين حقيقيين للمسلمين الفرنسيين. 

هذا الإعلان، على أهميته السياسية، جاء بعد أكثر من ثلاثة عقود من محاولات متتالية لإنتاج مخاطب ديني واحد، انتهت جميعها إلى إعادة إنتاج التعدد نفسه بصيغ مؤسسية مختلفة.


لا يكشف تفكك تمثيل المسلمين في فرنسا عن أزمة ظرفية أو خلاف فقهي عابر، بل عن حدود نموذجٍ بُني منذ البداية على توازنات خارجية وتدبير إداري من الأعلى. فقد أنتجت الدولة، على مدى عقود، مخاطباً رسمياً للديانة الإسلامية بقنوات مرتبطة بدول أجنبية. ثم عادت اليوم لتفكيك هذا النموذج نفسه واستبداله بآليات مباشرة في الإشراف. لا يحسم الانتقالُ من الإسلام القنصلي إلى إدارة الدولة المباشرة سؤال الشرعية، بل يعيد صياغته. هل يمكن بناء تمثيل مستقل للمسلمين خارج منطق النفوذ الخارجي، ومن دون وصاية إدارية. أم أن الحقل الديني سيظل محكوماً بتوازنات تتجاوز المجتمع الذي يفترض أن تمثِّله.

اشترك في نشرتنا البريدية