ومع أن ذلك بدا وسيلة لتخفيف الحزن، فقد عمق الذكاء الاصطناعي تعلّق مارثا بزوجها الراحل بدل مساعدتها على تقبّل موته، وولّد لديها شعوراً بالقلق والاغتراب. فالنسخة الاصطناعية من زوجها بدت شبيهة بآش من الخارج فقط، في حين افتقرت إلى عفويته ووعيه الإنساني، ما جعل حضوره المصطنع تذكيراً مؤلماً بفقد زوجها لا بديلاً عنه.
تطورت فكرة المحاكاة تلك في الموسم السابع من المسلسل سنة 2025، في حلقة بعنوان "يولوجي" (تأبين). وفي هذه الحلقة لا تُنشئ شركة متخصصة بديلاً رقمياً للمتوفاة، بل تجمع شهادات من عرفوها وتستخدم صورها القديمة مدخلاً لاستخراج ذكرياتٍ أدق. ثم تُركِّب هذه المواد في عرضٍ تذكاري تفاعلي يُقدَّم في مراسم الوداع والتأبين. وهو المسار الذي يضعه توماش هولانيك وكاتارجينا نوفاتشيك-باسينسكا من جامعة كامبريدج ضمن ما يسمّيانه "صناعة ما بعد الحياة الرقمية"، وذلك في دراستهما المنشورة سنة 2024 "غريفبوتس، ديدبوتس، بوسمورتم أفتار [. . .]" (روبوتات الحزن وروبوتات الموت، الصور الرمزية بعد الوفاة [. . .].
اليوم تقوم "صناعة ما بعد الحياة الرقمية" على توظيف الذكاء الاصطناعي التوليدي في إنشاء محاكاة تفاعلية للراحلين اعتماداً على رسائلهم وأصواتهم وصورهم وآثارهم الرقمية، مع إمكان الاستعانة أيضاً بما يقدمه المقرَّبون من شهادات ومواد إضافية. وفي هذا لا تُستعاد الذكرى بحياد، إنما تُنتقى عناصرها وتُرتَّب من جديد داخل خدمة رقمية قد تتدرج من المحادثة النصية إلى الصوت، ثم إلى صور أكثر كثافة في الحضور والمحاكاة. ومع استمرار اتساع هذا المجال، باتت تُثار أسئلة أخلاقية تتصل بالموافقة والخصوصية بعد الوفاة وكرامة المتوفى وحدود تحويل الذكرى إلى خدمة ممكنة التسويق والاستثمار. وبالتوازي تتبلور آليات قانونية من أجل ضبط هذه التقنية وتنظيم حدود استخدامها.
وهذا "الاستثمار التجاري في الحنين" يتجاوز محاكاة الراحلين بتقنية الذكاء الاصطناعي، ليظهر أيضاً في تطبيقات معالجة الصور. تستخدم هذه التطبيقات التقنية ذاتها لتوضيح الصور القديمة وتحسينها، ثم تُستخدم النسخة المحسّنة لخطوات أخرى مثل تحريك الوجه في مقاطع فيديو. ويتيح الاشتراك المدفوع إطالة هذه المقاطع. ومع الوقت لا يكتفي المستخدم بالمحاولة الأولى، بل يريد نتيجةً أكثر طبيعية. وهو ما يتطور سلوكاً ما يفتأ يتسع بدلالة الأرقام.
فمثلاً، يذكر بيان لخدمة غوغل السحابية نشر سنة 2025، أن تطبيق "ريميني" — الذي يقوم أساساً على تحسين الصور بالذكاء الاصطناعي — شهد طفرة في صيف 2023. فقد تجاوز اثنين وعشرين مليون تنزيل على مستوى العالم خلال ثلاثين يوماً. وفي 2024 حقق التطبيق أكثر من مئة وعشرين مليون تنزيل بين يناير وأغسطس، ووصل إجمالي تنزيلاته إلى أربعمئة وخمسين مليون تنزيل بحلول أغسطس 2024.
وفي بيان صحفي منفصل نُشر في 14 نوفمبر 2025، قالت خدمة غوغل السحابية إن دمج نموذج "جيميناي فلاش إيمِج" عبر "فيرتكس" للذكاء الاصطناعي رفع التنزيلات الأسبوعية بنسبة 175 بالمئة فوصلت إلى 1.16 مليون تنزيل عالمياً في الأسبوع. كذلك ذكرت أن عدد الصور المولدة تجاوز مئة مليون خلال شهرين.
وعن كيفية تسويق الحنين من خلال تطبيقات الذكاء الاصطناعي هذه، فإنه يبدأ بتوجيه بسيط لتحريك صورة. وتشرح هذه الطريقة تدوينة موقع "ماي هيرتِج" (إرثي)، وهي منصة عالمية لحفظ صور العائلة وبناء شجرة العائلة. فالهدف من ميزة تحريك الوجوه في الصور الثابتة، المعروفة تجارياً باسم "دييب نوستالجا" (الحنين العميق)، هو جعل هذه الصورة مقطع فيديو قصير قابل للمشاركة. كذلك توضح التدوينة أن التقنية أداةٌ رُخصت من شركة "دي-آي دي" المتخصصة في "إعادة تمثيل الفيديو" باستخدام التعلّم العميق. وهذه أنظمة ذكاء اصطناعي تُدرَّب على كميات كبيرة من الصور ومقاطع الفيديو لتتعلّم أنماط حركة الوجه ثم تولّدها بصورة مُقنعة.
وعن انتشار هذه الميزة، تذكر تدوينة "ماي هيرتِج" أن أكثر من مليون صورة حُرِّكت خلال أول ثمانية وأربعين ساعة من طرح الخدمة. وهو رقم يوحي أن التجربة صُممت لتُستعمل فوراً وتُشارك فوراً. إذ يرى المستخدم مقطعاً لدى غيره، فيجرّب على صوره أو صور من رحلوا من أحبابه. ثم يعود ليجرّب مرة أخرى لأن النسخة الأولى قد لا تُقنعه أو لأن لديه صوراً أخرى يريد إحياءها. وهكذا تتشكل دورة طلب يدعمها الفضول والرغبة بالمشاركة والتكرار.
مع هذا الانتشار يظهر عامل آخر يسهم في تشكيل السوق، وهو محاكاة مظهر الأصالة. لا تزعم المنصة أن المقاطع أصلية، غير أن النتيجة البصرية تُقدَّم بطريقة تجعلها قريبة في شكلها من الصور أو الفيديوهات الأصلية. ولهذا تشير صفحة المساعدة لماي هيرتِج إلى مسؤولية أخلاقية في تمييز المقاطع المصنوعة بالتعلّم العميق عن المواد الأصلية، فتضع علامات واضحة على الصورة المتحركة، وعلامات أخرى عندما تكون الصورة قد حُسِّنت أو لُوِّنت. غير أن وجود هذه العلامات لا ينفي احتمال الالتباس، بل يؤكد أن المقطع قد يُقتطع أو يُعاد نشره خارج سياقه.
وعليه لا تبقى المسألة مجرد تحريك صورة واحدة، بل تتحول الذكرى إلى حالة وجدانية ممكنة الاستعادة. فكلما نجح الحنين في إيقاظ شعور الاتصال والدفء، غدت العودة إلى هذه الحالة أكثر جاذبية. ويجد هذا المعنى ما يسنده في دراسة نفسية نشرها الأمريكيان المختصان بعلم النفس الاجتماعي تيم وايلدشوت وكونستانتين سِديكيدِس، سنة 2023، والتي تعرض الحنين انفعالاً يربط الماضي بالحاضر والمستقبل، ويرتبط بمكاسب نفسية مثل الوصول إلى المعنى والشعور بالارتباط الاجتماعي. لذا قد يُستَحضر الماضي مورداً يُعاد إنتاجه تقنياً وتسويقياً في الفضاء الرقمي.
على ذلك، فحدود الصورة المولدة لا ينتهي عند الأقارب والأحباب. فمع توسع أدوات التوليد ظهرت فئة جديدة هي فئة المؤثرين الافتراضيين: شخصيات رقمية تُصنع بالكامل بالحاسوب وقد تُدار بحسابات على منصات التواصل الاجتماعي، وتنشر محتوى وتوقّع إعلانات مدفوعة مثل أي مؤثر بشري.
ولا يقتصر وجود هؤلاء المؤثرين على شخصيات خيالية فحسب، بل قد يمتد إلى شخصيات متوفاة لجذب جمهور جديد ويُستخدم في التسويق. فمثلاً في بيان صحفي صادر في مارس 2024، أعلنت شركة "سول ماشينز" إطلاق "مارلين الرقمية" بوصفها تجربةً تفاعليةً تجمع بين تقنية "الأشخاص الرقميين" لدى الشركة سول ماشينز وملامح الممثلة الأمريكية الراحلة مارلين مونرو المملوكة حقوقها لشركة "أوثِنْتِك براندز غروب". مع التأكيد أن الشخصية تتفاعل لحظياً وتُقدّم فرصة تواصل "مُخصّصة" لكلٍّ من المعجبين والعلامات التجارية. وهذا المنحى التسويقي استجلب حداً تنظيمياً واضحاً لاستخدام هذا المحتوى وتداوله، وهو "واجب الإفصاح".
في مصر مثلاً، يوسّع قانون حماية البيانات الشخصية نطاق الحماية ليشمل الاسم والصوت والصورة، وهو ما يجعل استنساخ هذه العناصر أو استخدامها رقمياً مسألة خاضعة للقانون. كذلك تجرّم القوانين الاعتداء على الخصوصية أو نشر الصور والمعلومات بلا موافقة أصحابها، مثل قانون حماية البيانات الشخصية رقم 151 لسنة 2020. لذلك فإن إعادة تقديم فنان راحل رقمياً تثير أيضاً أسئلة تتعلق بالخصوصية والحق في الصورة، مع بقاء الحسم النهائي مرتبطاً بظروف كل حالة وتقدير القضاء.
وهو ما برز في سياق الجدل الذي شهدته مصر في مايو 2023، عقب إعلان تجربة فنية تستخدم الذكاء الاصطناعي لمحاكاة صوت أم كلثوم في أغنية جديدة. إذ تجاوزت المسألة مجرد محاكاة تقنية للصوت، لإعادة تصنيع لرمز فني راحل داخل سياق معاصر لم يختره بنفسه، خاصةً مع تصاعد المخاوف من أن يتحول هذا المسار إلى مدخل لتشويه الرموز بدعوى التجديد.
في نفس الشهر تُدولت مقاطع مولدة بالذكاء الاصطناعي تستنسخ صوت عبد الحليم حافظ في أداء أغانٍ معاصرة، وهو ما قوبل باعتراض من أسرته وتهديد باللجوء إلى القانون.
سرعان ما عاد الجدل في مايو 2025، مع انتشار فيديو مولَّد بالذكاء الاصطناعي يُظهر أم كلثوم مرة أخرى، صوتاً وصورة، وهي تؤدّي أغنية مؤدي الراب المصري المدعو "ويجز"، ما أثار غضب أسرتها ورفضها القاطع استخدام اسمها وصورتها وصوتها بلا إذن.
ثم انتقل الجدل من الفضاء الرقمي إلى المسرح، حين برز في يونيو 2025 خلاف علني حول استخدام صورة عبد الحليم وصوته بتقنية الهولوغرام في مهرجان موازين المغربي، قبل أن يُقام الحفل فعلياً.
ولا تكشف هذه الواقعة عن استدعاء الماضي فحسب، بل عن إدخاله في دورة إنتاج وتسويق متكررة. إذ أشارت التغطيات إلى أن تقديم عبد الحليم بهذه التقنية ليس سابقة، إنّما امتداداً لسلسلة عروض سابقة تجاوزت خمسة وعشرين حفلاً، منها أربعة حفلات في مصر. بما قد يوحي أن الحنين صار مادة عرضة لإعادة الإنتاج والترويج في صورة عروض جماهيرية مدفوعة. وهو ما يفتح الباب أمام سؤال آخر يتعلق بكيفية تحويل هذه المشاعر إلى نماذج ربح وتسعير داخل المنصات الرقمية.
استراتيجيات التسعير هذه تقوم غالباً على إتاحة مدة أو مرات مجانية في البداية، أو إتاحة الخدمة مجاناً ولكن بمزايا محدودة، فيما تُفتح المميزات والتجربة الكاملة من خلال الاشتراك والدفع. وبهذا يُغرى العديد من المستخدمين نحو سلوك الشراء أو الاشتراك، وذلك بعد إدراك قيمة الخدمة ومدى توافقها مع احتياجات المستخدم.
علاوة على ذلك، تُترجم كثير من خدمات التسعير إلى "أرصدة": رصيد استخدام داخلي تُخصم منه كلفة كل عملية توليد أو تحسين. وتختلف الكلفة بحسب مدة المقطع وجودته والأداة المستخدمة. تشرح "رانواي" — منصة لتوليد الفيديو وتحريره بالذكاء الاصطناعي — مثلاً أن بعض نماذجها تُحسب بالرصيد لكل ثانية، وأن الاشتراك يمنح رصيداً شهرياً من الاعتمادات.
وبمنطق مشابه، تعرض منصة "كايبر"، وهي خدمة لتوليد فيديوهات من نصوص أو صور، اشتراكات تتضمن عدداً محدداً من عمليات توليد المحتوى الرقمي شهرياً مع إمكانية شراء عمليات توليد إضافية، فتصبح كل محاولة جديدة لإيجاد فيديو أو صورة زيادة بسيطة في دخل الشركة. أما منصة "بيكا"، وهي أداة لتوليد مقاطع فيديو قصيرة بالذكاء الاصطناعي، فتقدم رصيداً للمشتركين على شكل "اعتمادات فيديو شهرية" وتختلف الكلفة على المشترك بحسب الدقة والمدة، فيصبح طول المقطع وجودته جزءاً من قرار الدفع ومقداره.
وتدخل منصات "الوجوه الناطقة" إلى السوق من زاوية أكثر حساسية. فالخدمات تحوّل الصورة الثابتة إلى مقطع يبدو فيه الشخص وكأنه يتكلم عبر مزامنة حركة الشفاه مع صوت مُضاف. من أشهرها شركة دي-آي دي، وهي متخصصة في إنتاج فيديوهات "وجه يتكلم" بالذكاء الاصطناعي، وتعرض خيار "ابدأ مجاناً" ثم اشتراكات مدفوعة للأفراد والشركات.
بالإضافة للاستخدام الشخصي، تتيح بعض المنصات حق الاستخدام التجاري جزءاً من التسعيرة. فلا تُباع الدقائق وحدها، إنما تُباع معها شرعية النشر في سوق الإعلان. يذكر مركز المساعدة لدى منصة دي-آي دي أن حقوق استخدام الفيديو الناتج تختلف حسب الخطة. بعض الخطط تُقيّد الاستخدام ليكون شخصياً، بينما تسمح خطط أعلى باستخدام تجاري في التسويق والإعلانات، مع التأكيد أن المستخدم يجب أن يملك أصلاً حقوق الصورة والصوت والنص الذي يرفعه.
ويظهر سبب هذا النوع من التسعير عندما ننظر إلى حجم التشغيل. مثلاً صفحة الواجهة البرمجية (الخدمة التي تتيح للشركات والمطورين استخدام تقنيتها مباشرة داخل تطبيقاتهم) لدى دي-آي دي تتحدث عن توليد متزامن للفيديو من ملفات صوت بسرعة تصل إلى مئة إطار في الثانية، وعن التعامل مع عشرات آلاف الطلبات بالتوازي. مع الإشارة إلى أن عدد الفيديوهات المولَّدة تجاوز مئة وخمسين مليوناً. وعندما يصبح الإنتاج بهذا الحجم، يصير "الوقت" و"عدد المحاولات" وحدات يمكن قياسها وبيعها.
ضمن هندسة التسعير نفسها يظهر سؤال عما يبقى للمستخدم إذا توقّف عن الدفع. ويجيب مركز المساعدة لدى دي-آي دي عن ذلك بشرح ما يحدث للبيانات ورصيد المستخدم عند إلغاء الاشتراك، قائلاً أن الوصول يظل قائماً بحسب شروط الحساب ومدة الفوترة الجارية. بمعنى أن تجربة تحرير الذكرى مرتبطة بزمن الاشتراك. فما دمت داخل الدورة، فلديك رصيد وإمكانية إنتاج محتوى جديد. وما إن تنتهي هذه الدورة تصبح العودة للمحاولات الجديدة مرتبطة بإعادة الدفع ويصبح للذكرى بطاقة سعر تتدلّى على دفء الذكريات .
في حالة الصوت يصبح التسعير أدقَّ وأكثر التصاقاً بالمحاولة. تشرح خدمة توليد الأصوات بالذكاء الاصطناعي وتحويل النصوص المكتوبة لتسجيلات صوتية بأصوات بشرية "إليفن لابس" في صفحة التسعير أن إنتاج الصوت يُحسب بوحدات نصية (حروف) تُستهلك على شكل رصيد للمستخدم في المنصة. وتضيف أن كلفة الحرف تختلف حسب النموذج والخطة. وبذلك تتحول إعادة توليد الجملة نفسها بنبرة مختلفة إلى خصم جديد من الرصيد، أي إلى دفع جديد بحثاً عن صوت يشبه المطلوب أكثر.
ويتجاوز الأمر مسألة "كم تستهلك" فقط ليمتد إلى "متى تستخدم". فتبين صفحة المساعدة لدى إليفن لابس نظام الاعتمادات أو الرصيد الشهري وكيف تُمنح وتُصفَّر مع دورة الفوترة، مشيرة إلى إمكان ترحيل جزء من الرصيد غير المستخدم حتى حد معين. وهذا قد يخلق ضغطاً يدفع المستخدم إلى الإفادة من الخدمة قبل نهاية الدورة أو إلى رفع الخطة لأن الرصيد لا يكفي.
وبينما تساعد بيئة الدفع الرقمي على تثبيت هذا السلوك التكراري، تعمل قاعدة "المجاني ثم المدفوع" حلقة تتغذى على نفسها. ليتجاوز الضغط الاستهلاك العابر ليصبح دافعاً شخصياً عميقاً يجعل المستخدم مستعداً للدفع. وهي التجربة التي شاركها مع الفِراتْس بعض مستخدمي الذكاء الاصطناعي التوليدي.
وفي حالة أخرى، نجد أحمد ذا الـثمانية والعشرين عاماً من مصر، ويعمل في مجال النشر الأدبي ويهوى الموسيقى الكلاسيكية. كان يعتمد على "تشات جي بي تي" بنسخته المدفوعة لتصميم صوره بالذكاء الاصطناعي لأن نتائجه أدق من النسخة المجانية. جرّب أن يصمّم صوراً مع مغنّين راحلين مثل مايكل جاكسون وفرانك سيناترا. وفي يومٍ ما، ظهر له على إنستغرام مقطع غنائي قصير يبدو واقعياً، يجمع أصوات مغنّين راحلين يغنّون بتناغم، مثل فريدي ميركوري مع إلفيس بريسلي وأوزي أوزبورن. وقد كانوا يؤدّون أغنية "سم بادي دات آي يوز تو نو" للمغني غوتييه. بدافع الفضول سأل أحمد عن طريقة صنع هذه الفيديوهات، فأُحيل إلى دليل رقمي مدفوع من ست وأربعين صفحة بسعر سبع وأربعين دولاراً يشرح التوليد البصري المتقدم والتحريك، ومزامنة الشفاه، والصوتيات الاحترافية. إلا أنه لم يشترك كون العرض باهظ الثمن بالنسبة له.
من ناحيتها، تقول للفِراتْس فرحة ذات الخمسة والعشرين عاماً، وهي أيضاً من مصر وتهوى السينما، إنها كانت ترغب في تخيل إجرائها محادثات في مكان يجمعها مع ممثلين راحلين مثل سعاد حسني ورشدي أباظة. لذا كتبت نصاً مُعداً لمحادثة بينهما، ثم لجأت إلى موقع "إليفن لابس" لتحويل النص المكتوب لصوت يحاكي نبرة الشخصية الشهيرة وطبقتها اعتماداً على تسجيلات سابقة. وباستخدام مشاهد قديمة للممثلين، جربت فرحة نسخَ نغمة صوتهم ونبرة حديثهم عبر المنصة، فخرج صوت قريب من أصوات الممثلين. إلا أن الاستخدام على الخطة المجانية كان محدوداً من حيث السعة والجودة وبعض أدوات التحكم. هذا مقابل النسخة المدفوعة التي تمنح مزايا أوسع مثل جودة أعلى وضبط أدق للتعبير والانفعال، ومساحة استخدام أكبر.
وعلى ما تفتحه هذه التقنية من مساحة لاستحضار الماضي وإعادة بناء الحنين رقمياً، حتى في نطاق الخدمة المجانية التي تقدمها، إلا أنها تبدو متجاوزة المسألة التقنية أو الترفيهية فحسب لتكون مدخلاً إلى إشكالات قانونية تتعلق بالملكية والحقوق.
مثال على ذلك ولاية تينيسي الأمريكية، التي أُعلن فيها سنة 2024 عن توقيع قانون "ضمان الشبه والصوت والصورة" المعروف إعلامياً بِاسم "قانون إلفيس". هدف القانون حماية الصوت من إساءة استخدام الذكاء الاصطناعي، لاسيما في سياق تقليد أصوات الفنانين. يوضح هذا القانون أن السؤال لم يعد: هل هذا ممكن؟ بل، هل هو مسموح؟ وأن حدود تسليع الحنين يمكن رسمها بالقانون.
الحد الثاني يتعلق بالتباس الأصالة إذ يصبح صعباً على الجمهور التمييز بين المادة الأصلية وتلك المولدة أو المعدلة بالذكاء الاصطناعي.
هنا يظهر معيار "توثيق مصدر المحتوى وأصالته" مواصفةً تقنية لتوثيق مصدر المحتوى وتاريخ تعديلاته عبر سجل رقمي يرافق الملف. يتيح هذا السجل تتبع ما إذا كانت الصورة ملتقطة كما هي أو معدلة أو مولدة بالذكاء الاصطناعي. وتبرز قيمة هذا السجل عند إدخاله في منصات كبرى مثل تيك توك، التي أعلنت سنة 2024 عن توسيع "الوسم التلقائي" للمحتوى المولّد بالذكاء الاصطناعي عند رفعه من منصات أخرى، بالاعتماد على معلومات المحتوى المرتبطة بالملفات التي تشمل الصور والفيديو والصوت.
في المقابل، شرحت شركة "أدوبي"، المتخصصة ببرامج التصميم والمونتاج، أن دعم تيك توك لمعلومات المحتوى الرقمي جزء من سلسلة ثقة تربط الإنشاء بالاستهلاك. لأن الجمهور وفق أدوبي يحتاج إلى سياق سريع يوضح كيفية صناعة المحتوى.
مع كل هذا التقدم، فتقنيات الشفافية مثل التتبع والوسم والكشف قد تخفف المخاطر لكنها لا تضمن الثقة، بل تمنح أحياناً إحساساً زائفاً بالأمان. خصوصاً وأن المسألة تتجاوز التقني لتحويل العاطفة والذاكرة إلى مادة ممكنة الاستنساخ والتسويق. ويؤكد الواقع أن الخطر عملي، لا نظري. كما يظهر في واقعة هونغ كونغ، حين خُدع موظف مالي بمكالمة فيديو مزيفة وحوّل أكثر من خمسة وعشرين مليون دولار، أو تحذيرات مكتب التحقيقات الفيدرالي من رسائل صوتية ونصية تنتحل أصوات مسؤولين.
تتسع هذه المنظومة لتشمل البنية التحتية والقانون، بدءاً من محاولات حفظ "اعتمادات المحتوى" رغم ضياع البيانات الوصفية عند النقل والضغط، وصولاً إلى أدوات تُظهر أصل الصور. علاوةً عن تعريفات وتشريعات تفرض التزامات شفافية على التزييف العميق، مثال ما أقره برلمان الاتحاد الأوروبي في يونيو 2024.
هذه التفاصيل التقنية والقانونية مهمة لأنها تكشف أن المسألة ليست مجرد تطوير أدوات جديدة، بل تنظيم سوق كاملة يُعاد فيها تغليف الماضي وبيعه، أي تسليع الحنين نفسه.
وبين إغراء استحضار الغائبين ومخاطر تزييف الأصالة، يبرز التحدي الحقيقي في وضع ضوابط قانونية وأخلاقية تضمن الشفافية وتحمي الحقوق. لذلك فإن النقاش حول الذكاء الاصطناعي والحنين يتجاوز التقني للسؤال عن معنى الذكرى نفسها: هل تبقى تجربة إنسانية حميمة، أم تصبح مادة ممكنة التوليد والتسعير والتسويق؟

