الخدمة العامة في مصر: عمالة مؤقتة بلا حقوق لسد العجز الإداري

تحوّلت الخدمة العامة في مصر من برنامج تدريبي إلى أداة لسد العجز الإداري، معتمدة على عمالة مؤقتة تشكل النساء أغلبيتها بلا حقوق أو مقابل عادل.

Share
الخدمة العامة في مصر: عمالة مؤقتة بلا حقوق لسد العجز الإداري
برنامجٌ تجاوز التحديات التي نشأ في سياقها | تصميم خاص بالفراتس

في يناير 2026، وبعد حصولي على إعفاءٍ صحيٍ من أداء الخدمة العسكرية الإلزامية، اكتشفتُ أن خروجي من مسار التجنيد لم يغلق ملف التكليف. فإذا أردتُ العمل في وظيفةٍ حكوميةٍ، كان عليّ أن أسوّي موقفي من "الخدمة العامة"، التي تفرض قضاء سنةٍ من العمل داخل جهاتٍ تحددها الدولة. وحين بحثتُ عن إجراءاتها، وجدتُ أن معظم الخبرات المتداولة عنها تأتي من خريجات. أخبرتُ صديقاً بما اكتشفتُه، فمازحني قائلاً: "هل تركت الجيش لتعمل في الخدمة العامة مع النساء؟".

لم تكن مزحة صديقي لطيفةً، لكنها لم تكن أيضاً بعيدةً عن واقع البرنامج. فقد أجاز قانون الخدمة العامة رقم 76 لسنة 1973 تكليف الشباب من الجنسين مدّة سنة. لكن قرارات التكليف تشمل الخريجات جميعاً، في حين يقتصر تكليف الرجال على المعفيين من التجنيد. وبذلك أصبحت النساء الأغلبية الساحقة بين المكلفين. 

مع ذلك، اضطررتُ إلى البحث عن طريقةٍ لأداء الخدمة العامة بعدما اتضح لي من خلال المجموعات المخصصة لها على موقع فيسبوك أنّ شهادتها باتت شرطاً مشدداً للالتحاق بالوظائف التي يطرحها الجهاز المركزي للتنظيم والإدارة الحكومي. وقد تزامن هذا التشديد مع ارتفاعٍ كبيرٍ في أعداد الملتحقين بالخدمة سنوياً، من نحو خمسين ألفاً في 2014 إلى أكثر من مئةٍ وخمسين ألفاً في 2024، إلى جانب ارتفاع عدد الجهات المستعينة بهم من ستّ جهاتٍ في 2019 إلى إحدى وثلاثين جهةً في 2024، وفق إحصاءات وزارة التضامن.

قد يشير هذا التوسع السريع في برنامج الخدمة العامة في مصر إلى تحوّلٍ في فلسفته. إذ خرج عن نطاقه المفترض برنامجاً تنموياً وتدريبياً مؤقتاً، ليتحول إلى آليةٍ هيكليةٍ تدير بها الدولة عجزها الوظيفي بقوة عملٍ مؤقتةٍ، وزهيدة التكلفة، ومجردةٍ من الحقوق الوظيفية الأساس. وفي ظلّ التعيينات الرسمية وثبات الأجر القانوني المُحدد منذ السبعينيات عند أربعة جنيهات شهرياً (نحو سبعة سنتات)، أضحت الخريجات الفئة الأكثر تحملاً لأعباء هذا النظام. ويأتي ذلك وسط سجالٍ ممتدٍ مع منظمة العمل الدولية وتفاوتات جنسيةٍ وطبقيةٍ، ومسارات محسوبيةٍ تتيح لبعض المكلفين تجاوز متطلبات الحضور.  


الخدمة العامة في صورتها الحالية عبارةٌ عن سنةٍ من العمل يؤدّيها خريجو الجامعات والمعاهد العليا داخل جهاتٍ تحددها وزارة التضامن الاجتماعي، كالمدارس والنيابات والوزارات ووحدات التأمين الاجتماعي ومؤسسات الرعاية. ولا يدخل المكلف إلى الجهة موظفاً معيناً، ولا يتمتع بالوضع الوظيفي أو الأجر المقرر للعامل المنتظم، حتى عندما يؤدي مهامّ قريبةً من مهامّ الموظفين. ولكنه يلتزم الحضور والعمل تحت إشراف الجهة طوال مدة التكليف، ثم يحصل في نهايتها على شهادةٍ تثبت أداء الخدمة، والتي تعدّ من مسوغات التعيين الأساس.

وتتجسد هذه الصيغة في قرارات التكليف التي تصدرها الوزارة مع كل دفعةٍ جديدة. ففي الثالث من يناير 2026، أصدرت وزيرة التضامن الاجتماعي مايا مرسي، قرار تكليف الدفعة 106 لأداء الخدمة العامة لمدة سنةٍ، بدايةً من فبراير. شمل القرار جميع خريجات الجامعات والمعاهد العليا في الدور الثاني لسنة 2025، إلى جانب الرجال المعفيين من الخدمة العسكرية أو الزائدين على حاجة القوات المسلحة. ووصفت الوزارة الخدمة العامة بأنها إحدى آليات دعم جهاز الدولة الإداري، وفي الوقت ذاته شكلٌ من أشكال التطوع في العمل العامّ والتنموي.

بعد أقل من ستة أسابيع على هذا القرار، نشرت منظمة العمل الدولية تقريراً بعنوان "أبليكيشن أوف إنترناشونال ليبر [. . .]" (تطبيق معايير العمل الدولية 2026) أعاد طرح السؤال الذي يكشفه الجمع بين كلمتي التكليف والتطوع في حالة الخدمة العامة: هل يدخل الخريجون الخدمة العامة بإرادتهم فعلاً، أم إنّ القانون يفرضها عليهم فرضاً غير مباشر؟ ففي ملاحظةٍ اعتمدتها لجنة الخبراء المعنية بتطبيق الاتفاقيات والتوصيات، ونُشرت ضمن أعمال مؤتمر العمل الدولي لسنة 2026، طلبت اللجنة من الحكومة المصرية تعديل القانون لضمان أداء الخدمة العامة على أساسٍ طوعيٍ حصراً، دون التهديد بأيّ جزاء.

ويرجع هذا الالتباس إلى الأساس الدستوري والقانوني الذي نشأ فيه البرنامج. فقد نصّ دستور 1971 على أنه لا يجوز فرض أيّ عمل جبراً على المواطنين إلا بمقتضى قانونٍ، ولأداء خدمةٍ عامةٍ، وبمقابلٍ عادل. وبعد سنتين، صدر قانون الخدمة العامة رقم 76 لسنة 1973 في أجواء التعبئة الشاملة للدولة، إذ صدر بعد نحو ستة أعوامٍ من هزيمة يونيو 1967 وقبل حرب السادس من أكتوبر 1973 بأقلّ من شهرين. وشملت قائمة المجالات التي حددها وقت صدوره الدفاع المدني والإسعاف والإغاثة، ورعاية أسر المقاتلين والشهداء والمهجرين، والمشاركة في تعمير المساكن والمصانع والمرافق المتضررة من المعارك. وضم القانون كذلك محو الأمية وتنظيم الأسرة وتنمية المجتمعات الريفية والحضرية. 

وفيما توضح هذه القائمةُ الأعمالَ التي تَصوَّرها القانون للخدمة العامة، لكنها لا تحسم صياغتَه طبيعةَ دخول الخريجين إليها. إذ تنصّ مادته الأولى على أنه "يجوز بقرارٍ من وزير الشؤون الاجتماعية تكليف الشباب من الجنسين الذين اتمّوا المراحل التعليمية"، بما يمنح الوزير سلطة إصدار قرارات التكليف من غير أن تنصّ المادة على اشتراط موافقة الخريج. وتجيز المادة الثامنة للمكلف التقدّم إلى الوظائف، لكنها تمنعه من تسلّم العمل قبل تقديم شهادةٍ تفيد بأدائه الخدمة العامة أو إعفائه منها أو عدم صدور قرارٍ بتكليفه. وتتبع ذلك المادة التاسعة بإقرار عقوبةٍ على المسؤول الذي يسمح لمن يخضع لهذا الشرط بتسلّم العمل من دون تقديم الشهادة.

ويكمن جوهر الخلاف مع لجنة الخبراء التابعة لمنظمة العمل الدولية، في مدى اتساق القانون مع اتفاقية العمل الجبري رقم 29 التي صادقت عليها مصر سنة 1955. فالجزاء في مفهوم الاتفاقية لا يقتصر على الحبس أو الغرامة، بل قد يتمثّل في فقدان فرصة عملٍ أو تعطيل الالتحاق بها لمن يمتنع عن أداء تكليفٍ لم يتقدّم إليه طوعاً. 

مع هذا، فإن ما يحمله تقرير سنة 2026 ليس وليد اللحظة، إذ يمتد هذا السجال بين الحكومات المصرية المتعاقبة ومنظمة العمل الدولية على مدار ثلاثة عقود. ففي طلبٍ مباشرٍ اعتمدته لجنة الخبراء سنة 1990، طُلبت من الحكومة المصرية بياناتٌ عن أعداد الشباب الموجهين للخدمة العامة وطبيعة أعمالهم، ضمن مراجعةٍ لاستخدام المجندين في أعمالٍ غير عسكرية. وردّت الحكومة حينها بأنّ بعض المعلومات المطلوبة تمسّ الأمن القومي، وأنّ الخدمة العامة لا تقلّ أهميةً عن الخدمة العسكرية، لأنها تحقق المساواة بين الشبان والشابات. لكن لجنة الخبراء عدّت توجيه الشباب لمشروعات التنمية جزءاً من الخدمة العسكرية أو بديلاً عنها يتعارض مع اتفاقيات حظر العمل الجبري، ولاسيما الاتفاقية رقم 105 التي تحظر استخدام الأيدي العاملة قسراً لتحقيق مآرب اقتصادية.

تغيّرت الحجج الحكومية في السنوات اللاحقة، في حين بقي جوهر الخلاف على حاله. ففي سنة 1993، قالت الحكومة إنّ التشريعات المصرية تُراجَع بمساعدة منظمة العمل الدولية. وفي سنة 1995، دفعت بأن الأعمال التي يؤديها المكلفون تدخل ضمن "الخدمات المجتمعية البسيطة"، التي تجيزها استثناءً اتفاقية العمل الجبري. لكنّ اللجنة أوضحت أنّ هذا الاستثناء ينطبق على أعمالٍ محدودةٍ يؤديها أفراد مجتمعٍ محليٍ لمصلحته المباشرة، وليس على برنامجٍ قوميٍ شاملٍ، مع إتاحة الفرصة لهم أو لممثليهم لإبداء الرأي في الحاجة إليها.

لاحقاً، احتجت الحكومة بأنّ الخدمة طوعيةٌ لأنّ المكلف يستطيع طلب الإعفاء منها. ولعدم وجود عقوبةٍ مباشرةٍ على من لا يؤديها ردّت اللجنة في ملاحظاتها الصادرة بين سنتي 1998 و2005، بأنّ تخصيص الإعفاء لفئاتٍ محددةٍ واشتراط الشهادة للتوظيف ينفيان صفة الطوعية.

سنة 2007 ظهر مسارٌ جديدٌ باقتراح تعديل القانون، بهدف النصّ صراحةً على طبيعة طوعية الخدمة. وظلّ الاقتراح قيد المناقشة أعواماً، قبل إحالته سنة 2017 إلى لجنةٍ تشريعيةٍ تمهيداً لعرضه على مجلس النواب. ثم في سنة 2021، قدّمت الحكومة تفاصيل أوسع عن مشروع تعديلٍ جديدٍ يمنح المكلفين حقوقاً في الإجازات والرعاية الصحية والتعويض عن إصابات العمل، ومراعاة قرب مكان الخدمة من محل الإقامة وتخصص الخريج. لكنّ لجنة الخبراء لاحظت أنّ المشروع أبقى على صيغة التكليف الملزم. وفي ملاحظاتها المعتمدة سنة 2025 والمنشورة ضمن أعمال مؤتمر العمل الدولي لسنة 2026، نقلت اللجنة عن الحكومة أن تعديلاتٍ جديدةً أُعدت لعرضها على مجلس النواب، وإنها ملتزمةٌ بألا يتضمن النص الجديد مواد تلزم الخريجين بأداء الخدمة.

لم يكن المشروع قد أُقرّ حتى نشر تقرير 2026. وخلال المدة نفسها اتسع نطاق البرنامج، ليرتفع عدد المكلفين، وفق البيانات التي قدمتها الحكومة إلى اللجنة، من 115,294 شخصاً سنة 2020 إلى 134,983 شخصاً سنة 2024. ولهذا جددت اللجنة طلبها بتعديل القانون من غير إبطاءٍ، وتقديم بياناتٍ سنويةٍ عن أعداد من أدّوا الخدمة، وطلبات الإعفاء التي رُفضت، وأسباب رفضها.

هذا الالتباس في النص القانوني يجد صداه في واقع الخريجين ونظرتهم للخدمة العامة. ففي مجموعات فيسبوك الخاصة بالخدمة العامة، رصدت الفراتس تكرر التساؤل عن مدى إلزاميتها. إذ تقول نورة، وهي خريجة كلية الزراعة، في حديثٍ معنا، إنها ترى الخدمة إلزاميةً من الناحية العملية، لأنها ستضطر لأدائها حال رغبت في التقديم على الوظائف الحكومية المطروحة عبر المسابقات.

توافقها مروة، خريجة الآداب التي أدت خدمتها في إحدى المدارس، مشيرةً إلى أنّ معظم الخريجات يخضعن لها تحت وطأة العبارة المتكررة: "لن تجدي عملاً من دون شهادة الخدمة". وهو الأمر الذي يضطرهن لأدائها ولو بعد أعوامٍ من التخرج أو لمجرد الاحتياط. كذا ترى مروة أن الخدمة بصورتها الحالية "تهدر الوقت والطاقة والمال، دون استفادةٍ حقيقيةٍ أو تقديرٍ أو مقابلٍ ماديٍ عادل".


رغم استمرار الجدل القانوني، تكشف التصريحات الرسمية واتساع نطاق التكليف أنّ البرنامج يؤدي وظيفةً عمليةً داخل الجهاز الإداري، تتمثّل في توفير قوةٍ عاملةٍ تساعد على سد النقص في بعض الجهات، وهو ما يتضح داخل أروقة المؤسسات الحكومية، لاسيما في قطاع التعليم. وتوضح تجربة المكلفات كيف يعمل هذا النظام على أرض الواقع.

بعد تخرجها بدأت نورة إجراءات الالتحاق بالخدمة العامة بالذهاب إلى مديرية التضامن الاجتماعي لمعرفة المستندات المطلوبة. توجهت بعد ذلك إلى الجهة التي رغبت في أداء الخدمة بها للحصول على موافقة استقبال، قبل تسليم ملفها إلى المكتب الإداري المختص. وهناك حُدد لها موعد اجتماعٍ تعريفيٍ لشرح ضوابط الحضور والغياب، والوحدة التي ستتبعها، إلى جانب عرض الجهات المتاحة لمن لم تكن قد اختارت مكاناً بعينه.

بدأت نورة خدمتها في مركزٍ للتدريب تابعٍ لإحدى الجامعات الحكومية. لكنها قبل انقضاء العام باتت تفكر في الانسحاب بسبب ما تعانيه من ضغطٍ نفسي. تقول للفراتس إنّ الموظف المسؤول يُسند إليها مهاماً تتجاوز دورها لتخفيف العبء عن نفسه، ثمّ يحمّلها مسؤولية الأخطاء التي تقع، رغم إبلاغه مسبقاً بأنها لا تعرف بعض تفاصيل هذه المهام. وتعدّ تكرار هذه المواقف استغلالاً لوضعها مكلّفةً مؤقتةً داخل المؤسسة.

ولا تقف تجربة نورة عند حدودٍ فرديةٍ، إذ تتكرر شكاوى مشابهةٌ في مجموعاتٍ على فيسبوك من خريجاتٍ يؤدين الخدمة العامة، يُشِرن فيها إلى تكليفهنّ بأعمال الموظفين الأساسيين وشعورهن بأنّ وجودهن يُستغلّ لتخفيف الأعباء عن الكوادر الدائمة. تقول لنا سلمى، التي تقضي خدمتها في مدرسةٍ ابتدائيةٍ، إنّها متخصصةٌ في الدراسات الاجتماعية، لكنّ المدرسة تكلّفها يومياً بعددٍ كبيرٍ من الحصص خارج تخصصها، لتغطية جدول المدرسين الدائمين. وحين حاولت الانتقال إلى مدرسةٍ أخرى، اصطدمت بصعوبة إجراءات النقل، ما ألجأها إلى الإدارة التعليمية.

يتجاوز الأمر في المدارس سلوكياتِ مدرسين فرديةً، إذ يرتبط توسيع مهام مكلّفات الخدمة العامة بعجزٍ هيكليٍ واسعٍ في قطاع التعليم. ففي أغسطس 2024، أعلنت وزارة التربية والتعليم أنّ المدارس تضم 843,490 معلماً، مقابل عجزٍ بلغ 469,860 معلماً. وطرحت الوزارة حزمة إجراءاتٍ لمواجهة هذا الخلل، شملت مسابقات التعيين السنوية، والاستعانة بمدرسين بنظام الحصة، وتمديد خدمة من يبلغون سنّ التقاعد، إلى جانب الاستعانة بخريجي الخدمة العامة.

وإن جمعت الوزارة هذه الترتيبات تحت هدفٍ واحدٍ، فإن أوضاع الفئات التي تعتمد عليها تختلف قانونياً ومالياً. فالمعلم المعيّن يشغل وظيفةً عامةً بحقوقها، ومدرس الحصة يتقاضى أجراً مرتبطاً بعدد الحصص، في حين يحتفظ المعلم الذي مُدّت خدمته بصفته المهنية وحقوقه السابقة. في المقابل، تدخل مكلَّفةُ الخدمة العامة المدرسةَ بموجب قرار تكليفٍ وشروطٍ وبدلاتٍ رمزيةٍ دون عقد تدريس. وحين تسند المدرسة مهمة التدريس نفسها لهذه الفئات المتباينة، تظلّ الفروق جوهريةً في الحقوق والمسؤوليات وآليات المحاسبة. ولا توضح البيانات المنشورة طبيعة العجز الذي تُوجَّه مكلّفات الخدمة إلى تغطيته، أو أسباب تفضيل هذا المسار على الاستعانة بمدرسين بنظام الحصة، أو كيفية احتساب مساهمتهن عند إعلان انخفاض أرقام العجز.

مع ذلك، فإن الاستعانة بالخدمة العامة لسد عجز المعلمين ليست جديدةً، ولم تبدأ مع إعلان الوزارة سنة 2024. ففي 2023، تحدث وزير التربية والتعليم آنذاك رضا حجازي عن التنسيق مع وزارة التضامن للاستفادة من مكلّفي الخدمة العامة في مواجهة العجز. وتكشف أمثلةٌ محليةٌ أن توزيع المكلفات وفق احتياجات المدارس كان قائماً قبل ذلك بأعوام. ففي كفر الشيخ، صرحت وزارة التضامن سنة 2018 بأن توزيع المكلفات جرى بحسب التخصص والعجز داخل المدارس. وفي بني سويف، وُجهت خريجات كليات التربية سنة 2021 إلى مدارس القرى التي تعاني نقصاً في المدرسين، مع مراعاة محل الإقامة والتخصص.

وتقدم منشورات قطاع المعاهد الأزهرية أمثلةً أكثر تحديداً على إسناد التدريس المباشر إلى مكلّفات الخدمة العامة. ففي الشرقية، أعلن القطاع سنة 2021 عن تدريب مئتين وعشر مكلّفاتٍ من تخصصات رياض الأطفال وعلم النفس والخدمة الاجتماعية، ثم توزيعهن على قاعات رياض الأطفال التي تعاني نقصاً. وفي أسيوط، شمل إعلانٌ صدر سنة 2023 مكلّفاتٍ من ستة تخصصاتٍ للعمل في رياض الأطفال، ونصّ على صرف مكافأةٍ خلال أشهر الدراسة، ثم استكمال بقية سنة الخدمة من دون مكافأة.

أمّا النموذج الأوسع نطاقاً، فيظهر في تدريس القرآن داخل المعاهد الأزهرية. إذ كشف حصادٌ رسميٌ للسنة الدراسية 2023-2024، عن الاستعانة بعدد 5,436 من مكلّفات الخدمة العامة لسدّ العجز في معلمي القرآن. وفي السنة الدراسية 2025-2026، نشر موقع "الصفحة الأولى" المحلي والمختص في الاستقصاء الصحفي صورةً لخطاب تنسيقٍ يتضمن صرف مكافأةٍ قدرها سبعمئة جنيه شهرياً لمدة سبعة أشهرٍ فقط، على أن تستكمل المكلّفات بقية سنة الخدمة دون مكافأة.

مبدئياً، قد تمنح هذه المهام بعض المكلفات خبرةً عمليةً في التدريس وإدارة الفصل وإعداد الأنشطة والتعامل مع أولياء الأمور، لا يما عندما يتطابق التكليف مع التخصص ويقترن بإشرافٍ جادّ. لكن حتى مع اكتساب الخبرة، تظلّ التكلفة المالية عبئاً ثقيلاً. تقول نورة إنّ ضغط العمل يرافقه ضغطٌ ماليٌ، إذ تتحمل من مالها الخاص نفقات الانتقال والطعام. وتشير إلى أنّ المقابل الذي قد تحصل عليه المكلّفة لا يغطي أكثر من 1 بالمئة من مصاريفها الفعلية. وتذكر أنّ بعض زميلاتها يعجزن عن توفير تكلفة التنقل، ما يدفعهن أحياناً إلى الاقتراض للاستمرار في أداء الخدمة.

وصل هذا التفاوت وضعف المقابل إلى مناقشات لجنة الخطة والموازنة بمجلس النواب في مايو 2025. ففي مناقشة مشروع موازنة وزارة التضامن الاجتماعي، قال رئيس القطاع المالي شريف الرفاعي إن المكلفين بالخدمة العامة يتقاضون أربعة جنيهات شهرياً طبقاً للقانون، ما دفع وكيل اللجنة النائب مصطفى سالم للتعليق: "دي كارثة لما شاب يشتغل طول الشهر ويتقاضى مكافأة شهرية أربعة جنيهات". 

في المقابل، دفعت ممثلة وزارة المالية بأنّ الجهات المستقبلة تصرف مكافآتٍ إضافيةً، وأن بند الثلاثة عشر مليون جنيه محلّ المناقشة تشمل اعتماداتٍ لمتعاقدين وعاملين بنظام الاستعانة إلى جانب مكافآت الخدمة العامة. وعلى الرغم من إشارة ممثل وزارة التضامن، أيمن عبد الموجود، إلى وجود بدلات انتقالٍ بقيمة ألفي جنيه، إلا أن بيانات الاجتماع المنشورة لم توضح آلية صرفها ولا نطاق المستفيدين منها فعلياً.

تكشف هذه المناقشات عن غياب نظامٍ موحّدٍ للمقابل المالي الذي يظلّ مرهوناً بالجهة المستقبلة. إذ تذكر نورة أنّ إجماليّ ما حصلت عليه خلال ستة أشهرٍ من الخدمة لم يتجاوز خمسمئة جنيه. وتربط بين ضعف هذا الأجر وتدنّي مستويات المعاملة داخل بيئة العمل، إذ تُطالَب المكلَّفة بتحمل مسؤولياتٍ كبيرةٍ من دون تعويضٍ مناسب.

وترى أنّ وضعها المؤقّت يجعلها حائط صدٍّ سهلاً لتحميلها مسؤولية الأخطاء، فضلاً عن التعرّض لمضايقاتٍ من بعض الموظفين أو المراجعين. وتكتمل الصورة تعقيداً مع محدودية فرص النقل المقررة بمرّةٍ واحدةٍ وبجهةٍ تحددها المديرية، ما يجعل مغادرة بيئات العمل الضاغطة أمراً شديد الصعوبة، كما تقول.


أمام الالتباس القانوني والتطبيق الفعلي، تكشف البنية الإجمالية للخدمة العامة عن اختلالٍ اجتماعيٍ بيّنٍ، يضع الفتيات في صدارة البرنامج. وقد تبيّن لنا ذلك ميدانياً بدايةً بصعوبة العثور على شابٍّ يؤدي الخدمة العامة لإجراء مقابلةٍ معه. فقرارات التكليف تشمل الرجال المعفيين من الخدمة العسكرية أو الزائدين على حاجة القوات المسلحة، لكن عدد الملتحقين منهم يظلّ محدوداً. ومن هؤلاء القلائل كان  خالد، وهو خريج إدارة أعمالٍ حصل على إعفاءٍ صحيٍ من التجنيد، الذي قال للفراتس إنه لا ينوي أداء الخدمة العامة لأنها لا تؤثر في قدرته على السفر ولا يسعى إلى وظيفةٍ حكومية. كذا لا يستطيع اقتطاع سنةٍ كاملةٍ لعملٍ بلا راتبٍ، رابطاً ذلك بما يراه مسؤولياتٍ ماليةً تقع عليه رجلاً. 

مع أن شهادة خالد لا تكفي لتفسير قرارات جميع الرجال المعفيين، لكنها تدعم صورة البرنامج الإحصائية. فقد مثلت النساء 98.9 بالمئة من المكلفين سنة 2024، وفق بيانات وزارة التضامن الاجتماعي. ويتمركزن غالباً في مجالات التعليم والرعاية والخدمات الاجتماعية، وهي قطاعاتٌ ارتبط تشغيل النساء بها تاريخياً، سواءً داخل العمل الحكومي أو في التصورات الاجتماعية عن العمل المناسب لهن.

وتوضح دراسةٌ للأكاديمي المتخصص في اقتصاد العمل راجي أسعد بعنوان "ويمِنز إكونوميك إمباورمنت إن إيجيبت" (تمكين النساء الاقتصادي في مصر) صدرت سنة 2025، أن التعليم شكّل سنة 2023 نحو 49 بالمئة من وظائف النساء في القطاع العام، في حين استحوذت الصحة والخدمات الاجتماعية على 25 بالمئة. وشكلت النساء 52 بالمئة من العاملين في التعليم و63 بالمئة من العاملين في الخدمات الصحية والاجتماعية. 

ضمن هذا الإطار، بدا القطاع العام طوال عقودٍ مساراً تقليدياً للخريجات لما يوفره من استقرارٍ وتأميناتٍ ومواعيد عملٍ ملائمةٍ لمهام الرعاية. وتشير دراسة أسعد إلى أنّ تقليص التعيينات الحكومية أضرّ بالنساء خاصةً، لعدم تقديم القطاع الخاص بديلاً يستوعبهنّ بالشروط نفسها. هذا ما قد يفسّر حرص بعض الخريجات على إتمام الخدمة العامة أملاً في الوصول إلى وظيفةٍ حكوميةٍ، في ظلّ سوق عملٍ شديد التفاوت بين الجنسين. إذ بلغت مشاركة النساء في قوة العمل المصرية 18.5 بالمئة سنة 2025، مقابل 70.5 بالمئة للرجال، وفق تقديرات منظمة العمل الدولية المنشورة عبر بوابة بيانات البنك الدولي. وبحسب الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء لسنة 2025، بلغ معدل البطالة بين الشابات في الفئة العمرية من 15 إلى 29 سنة 33.8 بالمئة، مقابل 8.1 بالمئة بين الشبان. وارتفع المعدل بين الشابات الحاصلات على مؤهلاتٍ متوسطةٍ أو جامعيةٍ إلى 38.3 بالمئة، مقابل 10.1 بالمئة بين الذكور من الفئة التعليمية نفسها.

هنا يتقاطع واقع الخدمة العامة مع الإطار النظري الذي يطرحه أستاذ الاقتصاد السياسي ستيفن هيرتوغ في كتابه "لوكد آوت أوف ديفِلوبمنت" (محرومون من التنمية) المنشور سنة 2022، حول "الاقتصاد المنقسم" بين "المقربين من الدولة" من موظفين دائمين يحظون بالحماية والأجور، و"البعيدين عنها" من أصحاب العقود الهشة. تضع الخدمة العامة الإناثَ في عمق فئة "البعيدين"، إذ يتقبلن شروط العمل الهشة مرحلةً مؤقتةً أملاً في التحول إلى "مقرّبات" ونيل الاستقرار الوظيفي، في حين تحوّل الدولة هذا الوضع إلى أداةٍ دائمةٍ لسدّ العجز الإداري بأقلّ تكلفة.

وعلى علّاتها، قد تتيح الخدمة العامة لبعض الخريجات فرصةً لاكتساب خبرةٍ عمليةٍ يصعب الحصول عليها في ظل محدودية فرص العمل المتاحة. فقد خاضت منّة، خريجة التجارة، تجربتها في مصلحة التأمينات بقسم المعاشات، حيث أرادت التعامل مع الجمهور والتعرف إلى طبيعة الحياة المهنية. ومع أن المقابل المالي بألفٍ ومئتي جنيه (نحو 23 دولاراً أمريكياً) كان منخفضاً مقارنةً بحجم العمل ولم يغطِّ مصاريفها، إلا أنها تقول للفراتس إنها تعلمت كثيراً مع أنّ المهام لم تكن وثيقة الصلة بتخصصها. ولم تلحظ منّة عرضاً من الجهة التي عملت بها لأيٍّ من مكلّفات الخدمة للاستمرار موظفاتٍ بعد انتهاء العام.

ويمنح ضعف المقابل المالي التجربة بعداً إضافياً متعلقاً بالجنسين. فعندما تكون النساء 98.9 بالمئة من المكلفين، وتتركز أعمالهن في التعليم والرعاية والخدمات الاجتماعية، يأتي ذلك ضمن سياقٍ تؤثر فيه الأعراف الاجتماعية في نوع العمل الذي تُعد النساء مناسباتٍ له، وفق دراسةٍ للبنك الدولي سنة 2025 عن الأعراف الاجتماعية ومشاركة النساء في قوة العمل المصرية. وضمن هذا السياق، قد تبدو الخدمة العامة امتداداً لمهاراتٍ طبيعيةٍ أو واجباً اجتماعياً متوقعاً منهن، وليس خبرةً مهنيةً تستحق وظيفةً ثابتةً وأجراً عادلاً وحماية.

كذلك يمتد التفاوت إلى البعد الطبقي، إذ إن قدرة النساء قد تُحكم بظروف الأسرة الاقتصادية. تقول مروة للفراتس إنّ صعوباتٍ ماليةً جعلت استمرارها في الخدمة العامة أكثر مشقّةً، مشيرةً إلى أنّ كثيراً من الفتيات من الأسر محدودة الدخل يعجزن عن تحمّل مصاريف التنقل والطعام طوال عامٍ كاملٍ بمردودٍ ضعيفٍ أو صفرٍ، فيضطررن للانسحاب. وتظهر في مجموعات الخدمة العامة على فيسبوك شكاوى من هذا النوع، لتصبح القدرة على إتمام الخدمة ونيل شهادتها متوقفةً جزئياً على قدرة الأسرة على تمويل هذا العام.


تكتمل صورة غياب العدالة في برنامج الخدمة العامة مع ظهور مساراتٍ غير رسميةٍ للالتفاف على شرط الحضور. كنت أسأل صديقتي رضوى (اسم مستعار)، وهي خريجةٌ من كلية التربية، عن الجهة التي تنوي أداء خدمتها العامة فيها. وقد أخبرتني أنها تنتظر مرور سنةٍ على تخرجها لتتمكن، بمساعدة مسؤولٍ في إحدى المؤسسات، من استخراج أوراقٍ تثبت أداءها الخدمة دون حضورٍ فعليٍ، وذلك لتتوافق التواريخ رسمياً.

لم تكن حكاية رضوى استثنائيةً، إذ التقيتُ فتاتين تحدثتا للفراتس بشرط عدم ذكر اسميهما، وأكدتا أنهما أنهتا إجراءات الخدمة العامة دون حضورٍ منتظمٍ، بمساعدة والدهما الذي يتقلّد موقعاً إدارياً في مؤسسةٍ تعليمية. قالت إحداهما إنها تراجعت عن الحضور اليومي لعدم وجود عائدٍ مهنيٍ أو ماليٍ يستحق تفرغها سنةً كاملة. فاكتفت بالتسجيل الإداري، واقتصر تواصلها مع الجهة على مجموعة واتساب وكشوف حضورٍ شهريةٍ يسلّمها الوالد نيابةً عنها، باستثناء حضور ندوتين تثقيفيتين فقط.

وتكشف متابعة مجموعات الخدمة العامة على فيسبوك كذلك عن منشوراتٍ متكررةٍ تستفسر عن جهاتٍ تتيح الخدمة من دون حضورٍ، أو مقابل يومٍ واحدٍ أسبوعياً، إذ يعرض بعض الأشخاص تسهيل ذلك داخل مؤسساتهم. ومع صعوبة حصر حجم هذه الظاهرة إحصائياً، إلا أنها تشير إلى وجود مساراتٍ غير رسميةٍ تمنح أصحاب العلاقات والمحسوبية شهادة التكليف دون تحمّل الأعباء المالية والزمنية التي تُكابدها بقية المكلفات.

وليس هذا بالضرورة نهاية المسار، فتتجاوز المشكلة هنا مخالفة قواعد الحضور إلى أثرها في عدالة النظام. فبينما تنفق بعض المكلفات الوقت والمال والجهد يومياً، تستخرج أخرياتٌ الشهادة نفسها من المنازل. إلى جانب ذلك، لا تتوزع المهام والمكافآت بالتساوي بين الجهات. لذلك يكثر السؤال في مجموعات الخدمة العامة على فيسبوك عن الجهات التي تمنح مقابلاً أعلى أو يكون عبء العمل فيها أخفّ. 

تقول سلمى إنها تشعر بأنها ربما أخطأت باختيار جهةٍ كان حجم العمل فيها أكبر من جهاتٍ أخرى. وترى أن هذا التفاوت يظلم كثيراتٍ، فلا توجد تجربةٌ واحدةٌ يخوضها الجميع بالشروط نفسها. تضيف أنها كانت ستتقبل ما واجهته من عقباتٍ لو كانت القواعد مطبقةً على الجميع، لأن ذلك كان سيمنحها، بحسب تعبيرها، قدراً من "العدل في توزيع الظلم".


بعد أشهرٍ قضيتُها في البحث عن طريقةٍ لأداء الخدمة العامة، وجدتُ أنني لن أستطيع الالتزام بسنةٍ من العمل منخفض المقابل إلى حدٍّ يقترب من المجانية. كنتُ أريد بدء مساري المهني فور التخرج، في ظلّ ظروفٍ اقتصاديةٍ تجعل التخلّي عن سنةٍ كاملةٍ قراراً مكلفاً. وفي الوقت نفسه، لم يُتَح لي المسار غير الرسمي الذي أتاح لبعض من قابلتُهن استخراج الشهادة من دون حضور. اخترتُ التخلي عن التكليف، وقبلتُ أن يعني هذا القرار الابتعاد عن الوظائف الحكومية. كان الاختيار متاحاً شكلياً، لكن كلفته المهنية كانت ماثلة.

لم تكن تجربتي مجرد حالةٍ فرديةٍ، بل انعكاساً أعمق لأزمة برنامجٍ تجاوز الظروف والتحديات التي نشأ في سياقها. فبعد أكثر من نصف قرنٍ على صدور قانون الخدمة العامة سنة 1973، بقيت قاعدته القانونية ثابتةً في معظمها، في حين اتسع نطاق الاعتماد على المكلفين داخل المدارس والوزارات ومؤسسات التأمين والرعاية، حتى تحوّلوا إلى قوة عملٍ تؤدي مهام يوميةً وتسدّ جانباً من العجز الوظيفي الهيكلي. في المقابل، ظلّ المقابل المالي متفاوتاً وقد ينخفض إلى مبالغ رمزية. وتفاوتت الأعباء، ونشأت مساراتُ محسوبيةٍ تعفي البعض من الحضور، ما يطرح تساؤلاتٍ جادةً عن مدى اتساق هذا الواقع مع المادة 12 من الدستور، التي تشترط أن يكون فرض الخدمة العامة بأجلٍ محدودٍ وبمقابلٍ عادلٍ من دون إخلالٍ بالحقوق الأساس.

قد تتحول الخدمة العامة إلى جسرٍ حقيقيٍ لتأهيل الخريجين ودخولهم سوق العمل. لكن واقع البرنامج الحالي يضعه في موقعٍ مختلف. إذ يظلّ التوسّع في الخدمة العامة مجرّد آليةٍ لإدارة عجز الدولة الوظيفي عبر قوة عملٍ مؤقتةٍ ومنخفضة التكلفة، تقع معظم أعبائها على كاهل النساء.

اشترك في نشرتنا البريدية