بدا أن تناقض القاوقجي كان سمة من سمات تلك المرحلة، أي تناقض العاطفة العروبية والولاء العثماني. وقد تبين ذلك في صورة الروايات المتصارعة بين الحركة العربية وثورة الشريف حسين من جهة، وخطاب الولاء العثماني من جهة أخرى. وتعاظم هذا التناقض بعد إعدامات جمال باشا المثقفين والسياسيين العرب سنتي 1915 و1916، إلى جانب سياسات المركزية الصارمة وفرض اللغة التركية في المجال العام، وما رافق الحرب من أزمة المجاعة والغلاء والتجنيد الإجباري، والشعور المتفاقم بالظلم والتمييز. وهي التراكمات التي ساهمت في انطلاق الثورة العربية بدعم بريطاني، وتقدم القوات البريطانية في جبهة فلسطين، وعمقت بالمقابل شعوراً بتهديد الوحدة الإسلامية واقتراب الاستعمار وضرورة الحفاظ على الدولة العثمانية.
وأمام هذه الأزمة، اندفعت الإدارة العثمانية في سوريا إلى حملة لإعادة تأسيس الولاء العثماني. كان منها حشد النخب الدينية والثقافية، والدعاية اليومية. إذ نظم جمال باشا البعثة العلمية في سبتمبر 1915 بعد أول موجة من الإعدامات، مشكّلاً وفداً من المشايخ والصحفيين من الولايات السورية انطلقوا نحو جبهة الحرب في جناق قلعة. وقد جاءت الخطوة المهمة التالية بإطلاق جريدة "الشرق" في 1916 قبيل الموجة الثانية من الإعدامات، لتستمر الجريدة حتى الانسحاب العثماني من سوريا في أكتوبر 1918.
عمل خطاب الولاء العثماني ضمن هذا التناقض العام الذي عصف بالسوريين في تلك المرحلة. ففي الوقت الذي أكد فيه حماية الدولة وممانعة الاستعمار مسألةً استراتيجية لمصير المسلمين وتأسيس الشرعية بين السوريين، حاول تبرير سياسات الاتحاديين أو نقدها دون أن يمس شرعية الدولة في الوقت نفسه. مثّلت جريدة الشرق أحد أبرز منابر هذا التوجه، إذ قدّمت الأدبيات الأكثر تفصيلاً وكثافة للدفاع عن الولاء العثماني في تلك المرحلة، وجمعت في صفحاتها نخباً عربية تبنّت هذا التوجه في السنوات والأشهر الأخيرة من عمر الإدارة العثمانية في سوريا. وإن يصعب قياس تأثير الجريدة في الميدان العسكري، فإن تأثيرها الدعائي والفكري يبقى مهماً لفهم هذا التوجه في الزمن العثماني الأخير، تحديداً سنة 1918.
مع انطلاق الحرب العالمية الأولى سنة 1914، اقترح الألمان حلفاء العثمانيين إطلاق حملة دعائية للوحدة الإسلامية والجهاد، بهدف مواجهة دول الوفاق، وهي فرنسا وبريطانيا والإمبراطورية الروسية مع حلفاء انضموا لاحقاً، وحشد المسلمين ضدها. وكان أحد أهداف هذا الاقتراح تحييدَ المسلمين الخاضعين للحكم البريطاني عن المشاركة في الحرب، لكن هدفه الأوسع تحصين الجبهة الداخلية بالاعتماد على الشرعية الدينية للخلافة الإسلامية.
كان هذا جهاداً "صُنع في ألمانيا"، وفق تعبير المستشرق الهولندي كريستيان سنوك هورخرونيه في مقال نشره سنة 1915 يحمل عنوان المعنى ذاته. وهي وصمة استغلتها الحركة العربية والبريطانيون للتشكيك بخطاب الجهاد العثماني الألماني، ما أضاف عبئاً آخر على خطاب الولاء العثماني لتبرير التحالف مع الألمان وتمييزهم عن دول الوفاق.
لتنفيذ هذا المشروع، اقترح المستشرق الألماني البارون ماكس فون أوبنهايم مشروع جريدة يومية باللغة العربية تصدر في سوريا، كان ينوي تسميتها "الإسلام"، وفق المؤرخ التركي طلحة جيجك في كتابه "جمال باشاز غَفرنوريت إن سيريا" (حكم جمال باشا في سوريا) المنشور سنة 2012. لكن المسؤولين العثمانيين في سوريا عارضوا المقترح الألماني الذي اعتبروه يمسّ هيبة السلطة العثمانية ونفوذها، وفي مقدمتهم قائد الجيش الرابع العثماني وحاكم سوريا المطلق، أحمد جمال باشا، الذي رفض هذا المسعى الأجنبي المستقل وتبنّى المشروع تحت رعايته. اقتُرحت عدة تسميات للجريدة منها "البعث"، ولكن أصبح اسمها "الشرق" في اللحظة الأخيرة.
أما أهداف المشروع، فحدّدتها التقارير الدبلوماسية والأرشيف العثماني. إذ بحسب القنصل النمساوي في دمشق كان للجريدة هدفان مزدوجان، خارجياً السعي إلى الدعاية للخلافة العثمانية، وداخلياً الترويج باللغة العربية لفكرة الدولة وفق أفكار الاتحاديين. ولاحظ القنصل كذلك أن إنشاء منبر كهذا كان ضرورةً لإنقاذ سوريا من التأثيرات الأجنبية، ومواجهة نفوذ الحركة العربية في الصحافة السورية، وليكون في الوقت نفسه برهاناً على حسن نية الحكومة مع العروبة واللغة العربية.
كذلك حدّدت وثيقة من الأرشيف العسكري العثماني، ينقلها جيجك، البرنامج التأسيسي للجريدة. فقد نصّت على أن أهدافها هي النضال من أجل مصير مشترك، وتشجيع المسلمين خارج الدولة العثمانية على إيقاظ وعيهم الوطني العثماني، ومكافحة الشائعات السامة التي ينشرها الأعداء في سوريا. هذا إضافة إلى السعي إلى إيقاظ وطنية السوريين بتذكيرهم بالماضي الحضاري المجيد للمسلمين، مع حضّهم على استثمار ثروات بلادهم بدل تركها للأجانب.
تشابهت هذه الأهداف مع ما ورد في افتتاحية العدد الأول، التي كتبها شكيب أرسلان نائب حوران في مجلس النواب العثماني (مجلس المبعوثان)، وفق ما نقلها محمد أسعد طلس في كتابه "محاضرات عن الشيخ محمد عبد القادر المغربي" المنشور سنة 1958. خط أرسلان أهدافاً منها "إيجاد الاتحاد التام بين الأمم والشعوب الإسلامية، سواء أكانت من رعايا الحكومة العثمانية أم تحت إدارة أجنبية، والحث على العناية بسائر العناصر العثمانية غير المسلمة [. . .] والذبّ عن ديار دولتنا العثمانية ومقرّ الخلافة الإسلامية [. . .] وإزالة سوء التفاهم الذي يحاول الأعداء بثّه بين العناصر العثمانية". وإلى جانب ذلك أضاف هدف نشر مقالات عن سوريا وماضيها، والوسائل العملية لنهضتها، وإعلاء اللغة العربية وتمكين ملكتها في الأذهان.
ولتنفيذ هذا البرنامج، اختار جمال باشا هيئة تحرير قادرة على اجتذاب الجمهور العربي. فقد تألف الطاقم المؤسس للجريدة من شخصيات معروفة وسط المجتمع العربي والحكومة العثمانية، وكانت معروفة سلفاً بتبنّيها خطاب الوحدة الإسلامية الجامعة والولاء العثماني. وبحسب طلس، استناداً إلى ما يبدو أنه أعداد الجريدة الأولى، ضمّ الطاقم الأول خليل أفندي الأيوبي الذي مُنح امتياز الجريدة (الترخيص القانوني)، وتاج الدين ابن الشيخ المحدّث بدر الدين الحسني الذي كان المدير المسؤول، والأمير شكيب أرسلان بصفة رئيس هيئة التحرير. علاوةً على العالِم اللغوي والديني الشيخ عبد القادر المغربي بصفة مدير هيئة التحرير، والصحفي التركي علي حكمت ناهد بك بصفة المدير الإداري.
اختلفت هذه البنية الإدارية لاحقاً، وظل الولاء العثماني صفة جامعة بينهم. إلا أن آثاراً من تناقض القاوقجي انتقلت إلى بعضهم، خاصة بين المعروفين بتبني أفكار عروبية مثل أرسلان والكاتب الدمشقي محمد كرد علي، الذي تولّى في وقت لاحق رئاسة تحرير الجريدة.
ويتبين هذا التناقض فيما قاله أرسلان في مذكراته المعنونة "سيرة ذاتية" المنشورة سنة 1969، إنه وافق على منصبه بعد وساطة من وزير الحربية العثماني أنور باشا، ولكنه بقي في تحرير الجريدة أشهراً ثم استقال بسبب خلافه مع مدير الجريدة "الذي جاؤوا به من إسطنبول"، وهو حكمت ناهد بك. ويقول إنه حينذاك "قطع علاقته بالجريدة واستراح منها". برّر أرسلان أيضاً مغادرته بسبب تراجع الجريدة لاحقاً لنقص الورق والتدخل العسكري المباشر في عملية التحرير. يقول: "كنا حريصين على أن تكون جريدة حرة لا تتقيد بأهواء أولي الأمر [. . .] لكن السلطة سرعان ما مدّت يدها وأخذت تعارض بعض ما ينشر فيها، فهبطت بها عن مكانتها السابقة".
لم يكن جمال باشا نفسه راضياً تماماً عن موقع أرسلان في الجريدة، خاصة بعد إعدامات مايو 1916 التي أعلن أرسلان معارضتها وحاول ثني جمال باشا عنها، إذ عدّها سياسة إرهاب وقمع، ورأى أنها ستؤدي إلى شرخ بين العرب والترك، وفق ما يذكر في سيرته. لذلك لعل استقالة أرسلان لم تكن مجرد احتجاج على نقص الورق أو تدخل الرقابة في الشؤون التحريرية، بل محاولةً للتملص من مسؤولية سياسات جمال باشا القمعية التي بدأت الجريدة تدافع عنها علناً.
أما محمد كرد علي فيصف الجريدة في "المذكرات" المنشورة سنة 1948 أنها "جريدة دعاية تركية ألمانية"، وقد انضم إليها بناء على طلب جمال باشا الذي كان كرد علي لا يخفي خوفه منه. ويقول إنه استقال من رئاسة تحرير الجريدة بعد مغادرة جمال باشا بلاد الشام، ورفض طلب قائد الجيش الرابع بعده جمال باشا المرسيني منه العودةَ إلى المنصب. برر ذلك بالقول: "الأمر أنني استُعبدت مرة، ولا أريد أن أُستعبد ثانية [. . .] إنني أكره الاستعباد بكل أشكاله، ولستُ كفوطة الحمام تنتقل من جسد إلى جسد".
في نهاية المطاف، مع اختيار هيئة التحرير والكتّاب والإدارة، صارت الجريدة جاهزة للانطلاق، وافتتحت الجريدة في دمشق في 26 مارس 1916. وحضر حفل الافتتاح جمال باشا نفسه، ومعه السلطات العسكرية والمدنية كافة، وكبار الأعيان والرؤساء الروحيون لمختلف الطوائف، مع دعاء افتتاحي ألقاه مفتي دمشق. وبعد أيام قليلة، في الرابع من أبريل 1916 تحديداً، صدر العدد الأول من الشرق. وفي برقية أرسلها إلى وزير الداخلية العثماني طلعت باشا بعد أيام من هذا العدد، وعد جمال أنها "ستكون أوسع الجرائد انتشاراً في سوريا".
وقعت موجة الإعدامات الكبرى بعد شهر، في السادس من يونيو، حين شُنق في دمشق وبيروت واحدٌ وعشرون مثقفاً عربياً. ومع أنه يُفترض أن الجريدة غطّت هذه الإعدامات، إلا أن العدد المحدد الذي يتضمن هذه التغطية تعذّر الوصول إليه. إذ أمكن الاطلاع فقط على الأعداد التي ضمّتها مكتبة جامعة برنستون بين مطلع 1918 حتى أغسطس 1918، قبيل نحو شهرين فقط من نهاية الحكم العثماني في سوريا. ولذلك فإن دراسة هذه الأعداد بالذات توفّر موقعاً تحليلياً غنيّاً لاستكشاف أساليب الدفاع الأخير عن الولاء العثماني في غسق الإمبراطورية في الولايات العربية.
خدم هذا الخطاب غايات مترابطة، وكان من أبرز أدواته إبراز صورة الدولة العثمانية حاميةً للمسلمين ومستقبل الإسلام. إذ إن مسؤولية الدولة العثمانية لا تقف عند حدود الدولة، بل تمتد إلى الممالك الإسلامية الأخرى والشعوب المسلمة تحت الاستعمار. فقد كتب العالم اللغوي والفقيه الحلبي الشيخ بدر الدين النعساني، في يناير 1918، عن وقوف الدولة العثمانية إلى جانب دولة فارس في مواجهة أطماع روسيا وبريطانيا، مع تأكيده أن الخليفة "يحمي جميع الممالك الإسلامية". وفي مقال آخر في مارس صاغ المخطط الاستعماري الغربي بقوله إن "غاية إنكلترا سحق الدولة العثمانية وإطفاء نور الخلافة الإسلامية".
كررت الجريدة حضور الخطاب الديني والتوجه لجميع المسلمين ضمن أهدافها في افتتاحية كتبتها الجريدة عن نفسها بمناسبة دخولها عامها الثالث، في أبريل 1918. إذ لخصت رسالتها بأنها "توحيد كلمة المسلمين عامة والعثمانيين خاصة وتوثيق رابطتهم بعرش خلافتهم". واعتبرت أن في انفصام تلك الرابطة "انفصام أمرهم وضياع استقلالهم". وعلى هذا الأساس خوّنت كل تحرك انفصالي لأنه عدوانٌ على الدين قبل الدولة.
وثاني الأدوات المتكررة ضمن الخطاب الديني كان نفي تهمة العلمانية عن قادة الاتحاد والترقي، وهي التهمة التي وظفتها دعاية الشريف حسين جزءاً من شرعيتها، خاصة في خطاب جريدته "القبلة"، التي أنشأها في مكة أثناء الثورة العربية. لم تستهدف القبلة في البداية مؤسسة الخلافة مباشرة، وإنما حاولت إظهار الجانب العلماني للاتحادييين لتبرير تمرد الشريف حسين دينياً. ولذلك تجنبت القبلة أيضاً استعمال مصطلحات الخلافة العثمانية أو الإمبراطورية العثمانية، واستعملت بدلاً منها مصطلحات مثل "الحكومة الطورانية" و"تركيا".
في مواجهة هذا الخطاب، تولّى عبدالقادر المغربي العبء الأكبر لتأكيد الميل الديني لرجال الدولة ونفي تهمة العلمانية. فكتب في مايو 1918 عن جمال باشا المرسيني، خلال الحرب مع القوات الشريفية والبريطانية في عمّان، أن قائده "أفادته تربيته النفسية التي استفادها من دينه القويم وبيته الكريم". وفي مقال آخر في يونيو أشاد بحرص السلاطين العثمانيين على حضور دروس الدين واللغة العربية و"خدمة الشرع والعناية به".
وحتى التحديث التشريعي، وهو مادة خصوم الدولة العثمانية المفضلة للاستدلال على نزعتها العلمانية الجديدة، قُدّم في كسوة فقهية محافظة. وأبرز مثال على ذلك قانون حقوق العائلة الجديد. فقد دافع المغربي عن مخالفة القانون الحديث الأقوالَ السائدة في المذهب الحنفي بسبب "تبدل الزمن واقتضاء المصلحة". ودافع دينياً أيضاً عن تحديث وضع النساء وتعليمهنّ، الذي كان يبدو علمنة في السياق المحافظ، إذ أكد أن "الدين الإسلامي لا يحول بين المرأة وبين التعلم والعمل". وبهذا لم يكن الخطاب الديني بالضرورة للتبرير أو الحشد الجهادي فقط، ولكنه عبّر عن قناعات وتوجّه الكتّاب أنفسهم.
ظهر ذلك أيضاً في خطاب الجريدة عن الحرب. إذ صبغتها بصبغة مقدسة وجردت الخصوم من الغطاء الديني. ففي مقال "حضرة قائدنا الباسل العظيم جمال باشا" عن معركة عمّان، نُشر في أبريل 1918، وُصفت هزيمة المهاجمين بأنها حدثت "بنور سيف الخلافة". كذا قُدمت مجابهة الغزاة "واجباً وطنياً وفريضة دينية".
ليس هذا فحسب، فقد كان من الأدوات المهمة لنشر الخطاب الديني حشد المؤسسة الدينية وربطها الدائم بالمؤسسة الرسمية وطقوس الحرب. تحضر علاقة الدولة مع رجال الدين بالتكريم وطلب التأييد منهم إضافة إلى الارتباط المؤسسي والترقيات الوظيفية. إذ رُقّي الشيخ أسعد الشقيري، مفتي الجيش الرابع، وعُيّن "مفتشاً على الهيئات والمعاهد والمدارس العلمية وأرباب الوظائف الدينية في البلاد العربية كافة" ومُنح الوسام المجيدي.
وفي المقابل، مثلما يتبين في العدد 567 في مارس 1918، أدمجت الطقوس الدينية وخطاب الوحدة الإسلامية ضمن الحشد الجهادي والاحتفالات الرسمية التي كان العلماء الدينيون حضوراً مقدّمين فيها. فقد طُلبت قراءة المولد النبوي بالعربية والتركية في الجامع الأموي في دمشق على أرواح "شهداء أرضروم" من الجنود العثمانيين بحضور جمال باشا المرسيني والوالي. وأمر الوالي بتلاوة صحيح البخاري مرة في كل شهر ما دامت الحرب مستمرة و"التوجه إلى الله في نصر الدولة العثمانية ورفع شأن الخلافة المحمدية".
برز هذا الدور الديني المشترك بين الدولة والمؤسسة الدينية أثناء مواجهة ثورة الشريف حسين. إذ استضاف جمال باشا المرسيني وفوداً دينية وأهلية لدعم جبهة السلط وفلسطين وتأكيد الدعم الديني والمحلي إلى جانب الدولة في مواجهة "العصاة". وأعلنت الجريدة في 25 أبريل عن خطبة سيلقيها خطيب الجامع الأموي الشيخ عبد القادر الخطيب "عما شاهده في السلط وحالة الجند". وقد مثلت رمزية الجامع الأموي أهمية كبرى، فهو أهم المعالم الدينية في دمشق ومنبر الدعاية الدينية الرسمي.
وفي السياق نفسه، وُظفت سلطة العلماء في خدمة الجبهة ومنح البركة والتبرير للتطورات العسكرية والسياسية. فبعد الصلح مع روسيا، أقامت الولاية مهرجاناً احتفالياً حضره علماء الدين والمسؤولون الحكوميون والنخب والأعيان المحليون، وخطب فيه الشقيري مدافعاً عن الانسحاب من الجبهة الشرقية (شرق الأناضول) وأنه مناورة عسكرية ثبتت صوابيتها لاحقاً. ثم في ختام المهرجان مُنح الشقيري وسام إمبراطور النمسا والمجر. وحسب ما كانت الشرق نقلت عنه في عددها الصادر في 13 مارس 1918، قال إن "المسلمين يؤمنون بتدبير الله".
هدف هذا الخطاب إلى نزع الشرعية عن ثورة الشريف حسين بتصوير تحالفها مع بريطانيا طريقاً محتوماً إلى الاحتلال والتقسيم. ومن الحجج المتكررة فيه أن بريطانيا، التي تعد العرب بالحرية وتدعي حماية المسلمين، هي نفسها التي تحكم شعوباً مسلمة في الهند ومصر والعراق، ولم تمنحهم الحرية أو الاستقلال. وهكذا التقى الخطابان، الديني والمضاد الاستعمار، عند ثنائية "إما الخلافة وإما الاستعمار".
وتجلى هذا المنحى في كتابات كرد علي، الذي حمل القسط الأوفر من مناقشة شعارات الحلفاء في افتتاحياته. فقد عد في مقالته "الصلح والاشتراكيون" في الشرق في فبراير 1918، أن دعوى "حماية الأمم المظلومة" ذريعةٌ "أغوت" بها دول الحلفاء العالم، متوقعاً أن "يستريح" العالم قريباً من عبث "الدول الديموقراطية". وكان في تعليقه على فكرة "حق تقرير المصير للشعوب الأصلية"، ردّ أن بقاء هذه الشعوب ضمن الدول المركزية خير لها من التشتت في دول صغيرة منفصلة. والمقال، الذي نُشر قبل مقالة "الصلح والاشتراكيون" بنحو شهرين، وإن لم يذكر العرب صراحةً، كانت حجته حاضرة في صلب الجدل الدائر عن الانفصال العربي.
علاوةً على ذلك، استدعت الجريدة سوابق تاريخية للاستدلال على كذب الشعارات والوعود البريطانية. دافع كرد علي عن قرار دخول الحرب، الذي كان أحد عوامل الغضب العربي الرئيسة بسبب ما جرّه من غلاء وتجنيد إجباري، ناقلاً أن دولاً ائتلافية كفرنسا كانت لها أطماع قديمة في سوريا، وأن إنجلترا وفرنسا "طلبتا حماية المسيحيين العثمانيين رياءً ثم سلبوا أراضيَ عثمانية".
كانت المحاجات التاريخية والذرائعية والمنطقية حاضرة إلى جانب وصم المقتنعين بالخطاب الانفصالي، حتى لدى كاتب هادئ مثل كرد علي. فقد صوّر في مقالته "صربيا والصلح" في مارس تلاعب دول الوفاق بعقول الصرب "كالأطفال"، ما بدا تلميحاً للعرب الانفصاليين في ذلك السياق الزمني.
ركّز النعساني في مقالاته أيضاً على الخطاب المضاد الاستعمارَ، وخاصة التحذير من مخططات التقسيم. ودأب مع كتّاب الجريدة على الترويج لضعف دول الوفاق وتراجعها العسكري وميلها المستمر للصلح مع القوة الراسخة للعثمانيين والألمان. تكلّم النعساني في مقاله "مستقبل الأمم والأقوام" مطلع يوليو 1918 أيضاً عن التضحية الضخمة، ولكن الواجبة للحفاظ على الاستقلال، وهو خطاب يواجه التذمر الداخلي من كلفة الحرب ونتائجها. فمع أن الحرب "قد طال أمرها وعظم على الناس شرّها"، إلا أن نهايتها بالاستقلال تجعل كل ما بُذل قليلاً في سبيله، ولكن إن انتهت بالاستعمار "فويل للإنسان من أخيه الإنسان".
لاحظ جيجك أن مقارنة الاستعمار الأوروبي بالإدارة العثمانية كانت من أنجع وسائل الشرق في منع تعاطف السوريين مع دول الوفاق، حتى إنها صورت الشعوب التي خرجت من الحكم العثماني وقد رأت الظلم الغربي راغبةً في العودة إليه. فكان عرض ما يجري في المستعمرات القائمة وكأنه صورة مسبقة لمصير السوريين إن خرجوا من المظلة العثمانية.
تناول المغربي، في هذا السياق، وضع العراق فعدّد جرائم الإنجليز هناك وأشاد برفض العشائر تسليم أسلحتها، وخلص إلى أن "المسلمين لا يقبلون حكم الأجنبي"، داعياً سكان البلاد العربية إلى "المحافظة على ما بقي لهم تحت راية دولتهم وظل خلافتهم". واتسعت دائرة الاستشهاد بمآلات الاستعمار لتشمل أيرلندا ومصر والقدس والهند ودول المغرب العربي.
كان التحذير من هذا التهديد الاستعماري يستوجب تأكيد متانة الجبهة الداخلية والولاء العثماني بين العرب، ووصف النعساني في العدد 586 محاولة إثارة شقاق عربي تركي أنه "طمع فيما لا مطمع فيه". واستلزم ذلك تفنيد رواية "الصداقة" بين بريطانيا والعرب التي قامت عليها ثورة الشريف حسين، واعتبار الحسين وأتباعه مخدوعين.
حسب وصف النعساني، في مقاله الآخر "الظفر السياسي العظيم" الذي نُشر في نهاية يوليو، فإن دعوى زعماء "الفتنة الحجازية" تقلصت من الخلافة إلى الملك ثم إلى مجرد إمارة حجازية تابعة حكومةَ إنجلترا. وكان قد فسر في مقال سابق في أبريل، الحملة البريطانية على ولاية سوريا أنها مشروع غايته "التفريق بين المسلمين العثمانيين"، استثمر فيه الإنجليز الشريف حسين "الذي خدعته بمواعيدها الخلابة"، مضيفاً أن الغاية الأخيرة "إذلال كل المسلمين تحت الاستعمار".
ومن أجل منح مصداقية أعلى للخطاب وتوطينه في بيئة عربية مستهدفة بخطابي الانفصال أو الولاء، حرصت الجريدة أيضاً على تقديمه على لسان رموز عربية لا تركية، من غير كتّاب الجريدة. أحد أهم الأمثلة المراسلات التي نشرتها بين زعيم الحركة السنوسية في ليبيا الشيخ أحمد السنوسي والأمير شكيب أرسلان، وصدّرتها بمقدمة نهاية يوليو 1918، تضع خروج الشريف حسين في إطار "شق العصا باسم العرب" وتعريض "البقاع الإسلامية" للحماية الإنجليزية.
في نص المراسلة تساءل أرسلان: ما داموا يزعمون أنهم لا يريدون سوى تخليص العرب من الحكم التركي، "فلماذا لا يعيدون إلى العرب مصر وتونس ومراكش والجزائر؟". وأيده السنوسي واعتبر أن من يصدقون الإنجليز "يخربون بيوتهم بأيديهم". ثم ختمت الجريدة المادة بتعقيب يسمي الغاية الفعلية للتحرك البريطاني كما تراها: "تمكين الإنجليز من ناصية سوريا وإعطاء فلسطين إلى اليهود".
حذرت الجريدةُ العربَ صراحة من الاحتلال البريطاني في حال دمار الحكم العثماني، وافترضت أن الشريف حسين تحالف مع البريطانيين والفرنسيين والإيطاليين من أجل "تقسيم البلاد العربية" بينها. وقد تحقق لاحقاً جانب بيّن من تلك المخاوف، ولكن نقاش الأسباب التي أدت إليه قد تكون أعقد مما افترضته الشرق.
كان على الجريدة أن تدير مشاعر الأمل واليأس، تغذية الثقة بقرب نصر الدولة وحلفائها، وقطع الرجاء من انتصار دول الوفاق. حتى يبدو الرهان على بريطانيا، حليفة الشريف حسين، رهاناً خاسراً عسكرياً قبل أن يكون خاطئاً ديناً وسياسة. وشغلت هذه المهمة نصف مساحة الشرق تقريباً، ما بين البلاغات الرسمية العثمانية والألمانية، أو المنقول عن وكالتي الأنباء العثمانية والألمانية، أو فقرة الأخبار الخارجية، وحتى قسم الإعلانات الذي تضمّن رسائل وعقوبات من الجيش الرابع بحقّ الفارّين.
وقد لاحظ جيجك أن بث الثقة بتفوق موقف العثمانيين والألمان كان رسالة ثابتة في الجريدة منذ أعدادها الأولى، من توقع استقلال الشعوب المسلمة في روسيا إلى الاحتفاء بانهيار النظام القيصري وترقب خروج إيطاليا. ويظهر هذا الخطاب في ثلاثة تجليات رئيسة، إثبات التفوق والانتصارات العسكرية العثمانية والألمانية، إثبات ضعف الخصوم وتفككهم، والدفاع عن التحالف مع ألمانيا شرطاً للانتصار وحماية الاستقلال.
مطلع سنة 1918، السنة التي انسحبت فيها القوات العثمانية من سوريا، كتب النعساني مقالاً بعنوان "الظفر القطعي"، وقرر فيه أن انتصار الدول المركزية على الوفاق آتٍ "بلا شك"، وعاد إلى المعنى نفسه في مقالات كثيرة لاحقة. استدلت الجريدة على واقعية النصر بحجة "الاسترداد"، أي استرداد الأراضي العثمانية الذي يمثل الإثبات العملي لقوة الموقف العسكري وصوابية خيار الحرب، مثل استرداد قارص وأردهان وباطوم وأرضروم.
وفي الجبهة السورية تعاقبت البلاغات بصيغة النصر المطرد وهزيمة الخصوم المتكررة، وهم خصوم لا يظهرون إلا مهزومين ولو كانوا يتقدمون عملياً في ذلك الوقت. وفي الوقت نفسه يقرّون بالتفوق العثماني الألماني. ففي "مهرجان الصلح" - الذي أقامته الولاية في دمشق احتفالاً بمعاهدة برست ليتوفسك التي وقعتها الحكومة البلشفية مع دول المركز (الإمبراطورية الألمانية، والإمبراطورية النمساوية المجرية، والإمبراطورية العثمانية، ومملكة بلغاريا) وخرجت بموجبها من الحرب - خطب والي سوريا تحسين بك بأن العدوّ نفسه اعترف "بعظمة العثمانيين وقوة بطشهم وبسالة جندهم"، وتعتمد الحكومة في ذلك على "إخلاص أبنائها وسطوة حلفائها" أي الألمان.
كثفت الجريدة أيضاً دعايتها عن تضخيم خلافات الخصوم والتنبؤ المتكرر بتصدع تحالفهم وقرب انفكاك دول الوفاق عن الإنجليز ليبقوا وحدهم. وعلى هذا الأساس من بناء الثقة بالنصر وسياسة الأمل كُتبت تنبؤات زمنية جريئة مثل "الحرب انتهى ثلاثة أرباعها" كما يرد في مقالة كرد "الصلح والاشتراكيون". و"لم يبق للنصر إلا ثلث أخير" في مقال النعساني "قبول روسيا الصلح" المنشور في فبراير 1918. إلى جانب تنبؤ أن إنجلترا ستبقى وحيدة في الميدان تنتظر مصيرها، مثلما يورد كرد في عدد من مقالاته في تلك الفترة.
وقد بلغ الاحتفاء بهذه الخلافات أوجه في "مهرجان الصلح" . وُضعت حينها الزينة على المباني وقُدّمت أناشيد من تلامذة المدارس، وخطب الوالي والشيخ أسعد الشقيري وكرد علي، فتحوّل الحدث الدبلوماسي البعيد إلى عرس محلي يلمسه الدمشقيون في شوارع مدينتهم. ولعل من أهدافه حشد الدعم المحلي أيضاً وتحويل الولاء إلى طقس حضري جماعي.
مع ذلك، بقي التحالف مع ألمانيا ثغرة الشرعية في "الجهاد العثماني"، فكيف يعلن الخليفة الجهاد على دول مسيحية وهو حليف دولة مسيحية. استغلت هذه الثغرةَ خطاباتُ الحركة العربية وثورة الشريف حسين في تفكيك خطاب الجهاد والوحدة الإسلامية الذي تبنّته الدولة العثمانية. فقد روى الضابط العثماني في المدينة المنورة ناجي كاشف كجمان أن بدو العرب الذين كانوا يهاجمون الحامية العثمانية في المدينة المنورة كانوا يصرخون بوجه الجنود العثمانيين ويشتمونهم بلفظ "نصارى" فيردّ الأتراك برفع الأذان. وهذا وفق ما نقله المؤرخ التركي سليم درينغل في كتابه "ذا أوتومان توايلايت إن ذي أراب لاندس" (الأفول العثماني في البلاد العربية) المنشور سنة 2019. كذا اتهمت جريدة القبلة الاتحاديين بتسليم البلاد للألمان حتى كادت الدولة تصير مستعمرة ألمانية.
أمام هذا الهجوم الدعائي، استعملت الشرق حججاً مضادة. أولها إعادة تعريف الحرب نفسها، فالدولة، كما في مقال النعساني "الدولة العثمانية وألمانيا" المنشور في 12 فبراير 1918، لم تدخلها دفاعاً عن دول أوروبية بل "للحفاظ على استقلالها ومستقبلها"، فالتحالف مع ألمانيا شرط الاستقلال لا نقيضه. وثانيها التمييز بين ألمانيا وسائر الغرب، إذ أكد الشيخ المغربي أن الإمبراطور الألماني "ميال للمسلمين والعثمانيين"، واحتفت الجريدة بعيد ميلاده ونشرت أخبار مآدبه في دمشق. بل وقدّمته حامياً المسلمين وصديقاً صدوقاً للعثمانيين منذ أربعمئة عام. وثالثها التصدي السريع لكل إشاعة تمس التحالف. فحين راجت دعاية تنسب الغلاء إلى إرسال القمح للألمان، ردت الجريدة في بداية مارس بطلب نبذ هذه الأكاذيب وتجنب "مس عاطفة إخواننا في السلاح بأدنى شيء".
وقد يبدو من المفارقة وجود هذه الأخبار في صحيفة دعاية حربية، ولكنها تخدم من جهة تكريس الجريدة نفسها مرجعاً للمجتمع السوري فيما يمسّ مشاكله وحياته اليومية، وناطقاً باسمه وهمومه. ومن جهة ثانية تقدم هذا النقد من داخل الولاء للدولة لا من خارجه، حتى لا يُمثّل الصوت المنتقد من صحف الحركة العربية في القاهرة أو صحيفة القبلة في الحجاز أو الدعاية الأوروبية المعادية.
امتد هذا النقد إلى اتساخ المدينة وتقصير البلدية في حماية الصحة العامة، وانتشار الأمراض المعدية. إلى جانب مشاكل لم تتسبب بها الدولة ولكنها مطالبة بحلّها، مثل استعمال الأطفال في عربات الأجرة، وانتشار الجرب في المتسولين، حتى مشكلة الغبار التي لم تعالجها البلدية، وليس انتهاء بالمتبوّلين في الطرقات. لكن هذا النقد كان له حدود، إذ يمكن قراءة الكثير من النقد الموجه للبلدية ومديرية الصحة مثلاً، ولكن لا يُرى نقد واحد للوالي أو قائد الجيش الرابع.
وأوسع من البعد المحلي الصرف، دعت الجريدة إلى مشروع نهضوي وتحديثي متكامل، على المستوى الاقتصادي أو الثقافي أو الإداري. فقد وضع النعساني، في العدد 532 في يناير 1981، خطة للإصلاح الزراعي اعتبرها شرطاً للاستقلال العثماني بعد الحرب. ومدح في مقال آخر بعد شهر مشروع تأسيس "دار الحكمة الإسلامية" في إسطنبول، الذي كان هدفه إصلاح التعليم الديني والإفتاء الشرعي وتنظيم علماء الدين.
أما الإصلاح الاجتماعي، فقد بدا أن كتّاب الجريدة كان عليهم أن يمشوا على الخط الرفيع بين تأييد الأخلاق الإسلامية المحافظة وعدم نقد التحديث الحكومي الذي كان يذهب لتحرير المرأة وتبني قيم غربية. انتقد النعساني في العدد 543 في فبراير مثلاً ترخيص محلات الدعارة في دمشق وأيد مطلب إغلاقها، في سياق الحديث عن انتشار مرض الزهري. ولكن رأى أن السبب الأكبر هو "المدنية والمادية التي تسللت من الغرب" وليس هذه المحلات. وبدلاً من التركيز على إلغاء الترخيص الحكومي وجدت الجريدة مساراً آخر لمكافحة الظاهرة برعاية الحكومة نفسها. فقد كتب النعساني في أبريل عن إعلان تشكيل جمعية لتسهيل الزواج في إسطنبول، واعتبرها وسيلة لتقليل بيوت الدعارة ومكافحة الفساد الذي لا يتفق مع "الأخلاق الإسلامية والشرقية".
ينطبق الأمر نفسه على قضية حقوق المرأة، ذات الحساسية المضاعفة في المجتمع الديني والمحافظ. إذ كانت ضمن الدعاية الليبرالية المضادة التي ترمي الدولة العثمانية بالتخلف، خاصة من العلمانيين والمسيحيين ضمن الحركة العربية. فلم يعتبر عدد من كتّاب الجريدة أن تحديث وضع المرأة يختلف مع مقاصد الشريعة الإسلامية، بل هو ضرورة لبناء الأمة العثمانية القوية والإصلاح الاجتماعي والتعليمي فيها. وليس هذا التوجه مستغرباً من كاتب ليبرالي مثل محمد كرد علي ، ولكن كان لمقالات الشيخ المغربي مصداقية دينية أكثر في الترويج لهذا الإصلاح النسوي والتعليمي.
استعملت الدعايةُ الدينية المضادة أيضاً موضوعَ النساء في نقد التوجهات العلمانية للاتحاديين وانحلال الأخلاق المحافظة. ولذلك انتقدت الجريدةُ مظاهرَ التحرر في اللباس لكسب الدعاية الدينية وضمان انسجام الولاء العثماني في زمن الاتحاديين مع الرأسمال الرمزي الإسلامي دون تحميل الحكومة مسؤولية هذا الانحلال. وقد لخّص كرد علي، في نهاية أبريل 1918، هذه الرؤية التحديثية للدولة في أنها "لا يمكن أن تكون إلا دولة آسياوية على النسق الأوروبي لا أوروبية على النسق الآسياوي". فهناك اعتراف بالضرورة الإصلاحية التحديثية والاستفادة من التطور الأوروبي وتقليده، ولكن دون التفريط بالهوية العثمانية والإسلامية.
وأياً تكن الأسباب، فقد أدركت الشرق أن معركة رواية الجوع وجودية لشرعية خطاب الولاء العثماني، واتبعت في التعامل معها عدة أساليب. فبدأت بالاعتراف بها، ثم تفنيد الرواية المعادية، ونقد العامل المجتمعي بدلاً عن الدولة. لذلك، حين نشرت الصحافة الفرنسية خبراً عن مظاهرة جياع في سوريا فرقتها الشرطة ووقف معها ضابط عربي، خصص النعساني افتتاحية كاملة في أواخر مارس 1918 لتكذيبه. وتوضح الافتتاحية تحت عنوان "أكاذيب الائتلافيين" استثمار المجاعة في الخطاب المعادي العثمانيين للترويج لأخبار تمرد عسكري عربي ضد الأتراك المتسببين بالمجاعة.
أما مسؤولية المجاعة وفقدان البضائع والغلاء فكانت الجريدة توزع مسؤوليتها على عدة أطراف. فأعلنت الشرقُ حرباً مفتوحة على المحتكرين انسجاماً مع سياسات الولاية وتوجّهها، وساندها فتوى مفتي الولاية أبو الخير عابدين بجواز أخذ أموال المحتكرين وتوزيعها على الفقراء. وعقّب النعساني أن "الحكومة لم تدخر جهداً لأجل الفقراء" وأن قلة الأقوات سببها الموسم المطري. كذا تابعت الأخبارُ المحلية جهودَ الوالي "بمواجهة التجار المحتكرين"، حتى بشرت في يوليو 1918 بهبوط الأسعار "بعد عودة المحتكرين إلى رشدهم".
امتد هذا النقد إلى مسؤولية الأغنياء الاجتماعية والسياسية، فحملتهم الجريدة عدم المساهمة في مساعدة الفقراء وتخفيف آثار المجاعة والغلاء. وإلى جانب النقد، اتخذت خطاباً تشجيعياً للمستجيبين بتقديم التبرعات، تضمنت الإعلان عن أسماء هؤلاء المتبرعين أو نشر رسائلهم بالتعهد بالتبرعات. كذلك احتفت بممولي ملاجئ طرابلس المعدّة لإطعام الفقراء وإيوائهم، مثلما ورد في العدد 590 في أبريل 1918.
في المقابل، قدّمت الجريدةُ الحكومةَ طرفاً يساعد في حلّ أزمة الفقر وتشجيع الأغنياء على التبرع، لا طرفاً يتحمل مسؤولية عنها. وكان إبراز دور جمعية المقاصد الخيرية التابعة لجمعية الاتحاد والترقي المكرر في الجريدة أبرز مثال على ذلك. وقد رافق ذلك حشد التجار لتوجيه دعمهم إلى الجمعية، وعدّ النعساني ذلك دليلاً على "التضامن الوطني العام" وساواه بدفاع الجنود عن الوطن.
المنطق الضمني لهذا الخطاب كان أن الفقر مشكلة اجتماعية تتقاسمها الجمعيات الخيرية المدعومة من الحكومة والتجار الأغنياء، وليس مسؤولية السلطة كما كانت تروّج الدعاية العربية والأوروبية المضادة. لهذا انتقل تشجيع الأهالي على التبرع للفقراء إلى حثهم على إقراض الدولة نفسها. وقد واكبت الجريدةُ حملةَ القرض الداخلي في سبع افتتاحيات بين أبريل ومايو، ورفع النعساني الاكتتاب إلى مرتبة "المحافظة على حياتنا واستقلالنا".
وفي هذا الانتقال من التصدق على المجتمع إلى إقراض الدولة دلالة على حجم الأزمة المالية التي عاشتها الإدارة العثمانية في الأشهر الأخيرة من الحرب في سوريا. ومع تركيز الحملات الدعائية على دعم الدولة اقتصادياً، فإن طلب المساعدة الشعبية من مجتمع منهك لإثبات الولاء، لا يبدو منسجماً مع خطاب الدعاية الحربية الذي حاول تكريس فكرة قوة الدولة.
لذا كان على خطاب الولاء العثماني بين العرب ألّا يحارب الهوية والثقافة العربية، وأن يؤكد عدم وجود تناقض بين أن تكون عربياً وعثمانياً في الوقت نفسه. وألّا يسمح باحتكار الحركة العربية - المعادية العثمانيين - الحديثَ عن هذه الثقافة العربية، دون أن يقع في تناقض مع الخطاب والإجراءات الرسمية لحكومة الاتحاديين.
ولم تبد هذه المهمة تناقضاً مع قناعات كتّاب الجريدة بالضرورة، فقد بدأ كاتب مثل كرد علي رحلته من إحياء الثقافة والمجد العربي، مع ولائه العثماني سياسياً. لذلك لم تعمد الجريدة إلى إنكار الهوية العربية، بل إلى احتضانها وتجريد الحركة الشريفية من احتكار تمثيلها، أو تحويلها إلى مشروع سياسي منافس المشروعَ العثماني. فالعروبة في صفحات "الشرق" لغة وتراث وأمجاد، لا مشروع سياسي انفصالي.
وتظهر هذه العروبة الثقافية الحذرة في مقالات متفرقة تظهر فيها حامية اللغة والتراث. فحين عرض كرد علي مثلاً كتاباً عن ولاية بيروت، انتقد ألفاظاً فيه "لا تتناسب مع الفصحى". ونشرت الجريدة في فبراير 1918 قصيدة الشاعر العراقي معروف الرصافي عن ويلات الحرب، ثم شكرته على تحقيقه كتباً من التراث العربي.
كان موضوع اللغة العربية في سلك التعليم أكثر المواضيع حساسية في تلك الحقبة، في ظل اتهام الاتحاد والترقي باتباع سياسة التتريك، التي شكّلت أحد مرتكزات خطاب الحركة العربية والدعاية المضادة الولاء العثماني. وكان التعليم بالعربية في المدارس الحكومية من النقاط التي اتفق عليها المثقفون العرب مع ممثل الاتحاد والترقي في مؤتمر باريس سنة 1913. إلا أن جمال باشا بعد الحرب اتخذ تدابير تتعارض مع الوعود التي مُنحت للعرب بشأن توظيف العرب واستعمال اللغة العربية وشرع في فرض اللغة التركية على الحياة العامة. وهو ما أعاد إحياء اتهامات التتريك ومطالب التدريس باللغة العربية.
لذلك طالب كتّابُ الجريدة بالتدريس الجزئي باللغة العربية دون إلغاء تدريس المواد باللغة التركية لعدم معارضة السياسة الرسمية. منهم المغربي الذي تحدث في سلسلة مقالاته في مايو 1918 عن "مناهج التربية والتعليم" عن جعل التعليم الابتدائي باللغة العربية، وبتدريس الأطفال "تاريخ لغة وطنهم وآدابها".
يؤيد هذا التوجهُ تأكيدَ الأخوة بين العرب والأتراك ضمن رابطة عضوية تشبّهها بالعائلة الواحدة، فقد كان المغربي نفسه يكتب بصيغة "نحن معشر العرب" ويسمي الأتراك "إخواننا". وفي خطاب شكيب أرسلان في مجلس المبعوثان، حسبما أوردت الشرق في 23 أبريل، وصف المنازعات بين العرب والأتراك أنها منازعات "بين العائلة الواحدة"، تحكمها أخوة المؤمنين وقانون يساوي بين الطرفين.
على أن لهذه العروبة الثقافية حدوداً صارمة، تكشفها حادثة رواها كرد علي نفسه في مذكراته. فقد سأله جمال باشا مازحاً: "مالك لا تكتب مقالات في العرب ومجد العرب وفضل لغة العرب، كما كنت تكتب قبل الحرب"، فأجابه كرد علي بأنهم في شغل شاغل وسيعودون بعد الحرب، "فضحك استهزاءً، ولسان حاله يقول: لئن كتبت الآن هذا لأصلبنك"، وفق صياغة كرد علي.
يوازي هذا الحد الفاصل تمييز معجمي مطرد في صفحات الجريدة، فكلمة "العرب" محفوظة لسياق الأخوة والمكانة، أما البدو فاسمهم "العربان"، تتوزع عليهم صفات الصدق والعصيان بحسب الموقف من الدولة لا بحسب النسب. عزل هذا الاستعمال اسم "العرب" الجامع عن ساحة التمرد عزلاً لغوياً قبل أن يكون سياسياً، حتى لا يظفر الشريف حسين بتمثيل العرب سياسياً.
ولاستكمال الرد على الدعاية العربية المضادة، أكدت الجريدة مراراً تعريف الوطن بالوطن العثماني العابر حدود الولاية، لا الوطن بمعناه العربي أو السوري الضيق. لذلك تتكرر كلمة الواجب الوطني والتضامن الوطني وصفاً للمواطنة العثمانية. ورافق ذلك وصمُ المهاجرين إلى خارج الدولة العثمانية بضعف الوطنية أو كره وطنهم الأم، وقد يكون في ذلك تلميح إلى مثقفي الحركة العربية الذين ذهبوا إلى مصر أو أوروبا فراراً من قمع جمال باشا. إذ عدّ النعساني في العدد 652 الصادر في 12 يونيو، أن "أكثر الذين تركوا بلادنا قد نسوا أمهم التي فارقوها بسبب ضعف التربية الوطنية، وفيهم من تركت البلاد التي دخلها أثراً من الكره لوطنه الأصلي".
أدارت الشرق في صفحاتها المحلية ما يمكن وصفه بسجل الشرف اليومي للولاية، من أخبار قدوم الأعيان والمبعوثين وسفرهم، ونعوات الوجهاء وتأبينهم، وقوائم الأوسمة والرتب، ووقائع الاحتفالات والمهرجانات. تؤدي هذه الأخبار فائدة مزدوجة، فهي تظهر اتساع الدعم المجتمعي وحضور النخب وتحالفها مع الدولة في صفحات الجريدة، فتسمية شخص ضمن صحيفة الدعاية العثمانية يظهره ضمن الموالين ولو لم يكن له موقف سياسي معلن، وفي جانب آخر تمنح هؤلاء النخبَ أيضاً نوعاً من التكريم في إيراد أخبارهم للعموم. وتردّ الجريدة بذلك على دعاية انفضاض الأعيان عن دعم السلطة العثمانية، خاصة بعد إعدامات جمال باشا التي طالت أبناء عوائل الأعيان وتبعها تهجير المئات منهم.
وأدّت النعوات وظيفة تكريم الموتى وعوائلهم من الأعيان أو النخب المحلية، وإظهار عدم انقسام العوائل على الولاء العثماني. كان أحد ضحايا الإعدامات التي نفذها جمال باشا في السادس من أيار (مايو) عمر الجزائري، ابن الأمير عبد القادر الجزائري، مؤسس الجالية الجزائرية وزعيمها في دمشق الذي أصبح مع سلالته من زعماء المدينة. وتورد الجريدة بعبارات الحزن نعي شقيقه علي الجزائري. كذلك نعت الجريدة أحمد شفيق العظم، وهو من العائلة نفسها لأحد ضحايا الإعدامات، شفيق المؤيد العظم.
شكّلت الأوسمةُ والرتب الممنوحة للنخب المحلية طريقة حشد أساس أخرى في سياسة الإدارة العثمانية. إذ وُظفت لمنح رأسمال رمزي للموالين الذين يكرمهم ممثلو الدولة العثمانية أو حليفتيها ألمانيا والنمسا بالأوسمة والميداليات. ولم تكن هذه الأوسمة مجرد مكافآت تشريفية، بل شكّلت شبكة واسعة ضمت أسماء متكررة من مختلف شرائح المجتمع ونخبه الدينية والسياسية والاجتماعية والاقتصادية. واستُثمرت بكثافة إعلامياً في صفحات الشرق، خاصة أثناء الاحتفالات الرسمية أو زيارات الجبهة.
ظهرت إلى جانب ذلك "أوسمةُ الجبهة" وميداليات الحرب التي أظهرت المكافأة المباشرة على الولاء العسكري والسياسي في زمن الحرب، خاصة على الجبهة العربية ضد قوات الشريف حسين. وشملت هذه الأوسمة شخصياتٍ سياسية وإدارية من النخب السورية واللبنانية، مثل رياض الصلح وإسماعيل الرباط وسامي مردم بك وأسعد الشقيري. واستُخدم هذا التكريم لضرب الرواية الانفصالية بإبراز ولاء القبائل والأقليات. فكما يرد في العدد 611 في 25 أبريل 1918، مُنح أشراف السلط من آل طوقان وفوزي النابلسي أوسمة صريحة لقاء "إخلاصهم في قتال الإنجليز"، ورُقّي شيخ مشايخ الكرك رفيفان المجالي إلى رتبة "أمير الأمراء" لمساندته العثمانيين ضد الشريف حسين. وحظي الزعماء الدروز باحتفاء وأوسمة مشابهة منحها جمال باشا المرسيني لهم في جبهة السلط، خاصة مع تأييد قسم من الطائفة الشريف حسين.
وإلى جانب الأوسمة، وظفت الإدارة العثمانية الرتبَ العلمية أداةً لاحتواء النخب الدينية المحلية ومأسسة ولائها من خلال "الباية". وهي رتبة علمية تُمنح العلماءَ والقضاة والمفتين، وتُسبغ على صاحبها مكانة اعتراف في المؤسسة الدينية الرسمية وامتيازات رمزية ومادية.
تكتمل منظومة حشد الدعم المحلي بالاحتفالات الجماهيرية والطقوس العامة التي تُخرج مشهد الولاء من دائرة النخبة المغلقة إلى الفضاء العام. وعلى صفحات الجريدة، تحولت هذه الاحتفالات الشعبية أو النخبوية إلى آلية للتعبئة وتكريس الولاء والرابطة مع العاصمة وأخبار الدولة ومعاركها ومعاداتها وتحولاتها. لعل من أبرزها مهرجان "عيد الجلوس السلطاني" بمناسبة ذكرى تولي السلطان محمد رشاد الحكم، إذ نشرت الجريدة في عددين في أبريل قائمة المهنئين كاملة، لتشمل رئيس العسكر والأعيان والمبعوثين والعلماء، مروراً بمرخصي الجمعيات وأشراف البلدة ورجال الصحافة، وصولاً إلى الرؤساء الروحيين والقناصل. وتُعد هذه القائمة بمنزلة وثيقة اجتماعية ترسم صورة المجتمع كله مصطفاً خلف العرش. وفي رسالة الوالي إلى السلطان ضمن هذه التغطية، وُصف الأهالي بأنهم "يتسابقون في إظهار عواطف الشكر والامتنان".
بلغ هذا التفاعل ذروته عند انتقال العرش في صيف 1918، بدءاً من إعلان نعي السلطان محمد الخامس ومهرجان الحداد في دار الحكومة وخطبة الجمعة في الجامع الأموي، ثم حفلة تلاوة رسالة السلطان الجديد محمد السادس (وحيد الدين) بعنوان "المنشور السلطاني المنيف" في دمشق ونشر نصه. تضمن هذا المنشور السلطاني محاولة إصلاحية واعترافاً بأزمات ولاية سوريا وضرر السياسة السابقة لأحمد جمال باشا. كذا شمل العفو عن المجرمين السياسيين، وإلغاء الإدارة العرفية في غير المناطق الحربية، والتعهد "باتخاذ التدابير السريعة والمؤثرة لإزالة ما وقع فيه الأهلون من الضيق والعسر بسبب غلاء الأسعار".
كانت الوثيقة الافتتاحية لعهد وحيد الدين تعترف رسمياً بالأزمة المعيشية الطاحنة التي ظلت دعاية الجريدة طويلاً إما تنفيها أو تحيلها على جشع المحتكرين، وقد أومأ عفوها السياسي وإلغاء الأحكام العرفية إلى حجم الشرخ الذي خلفته سنوات القمع والتهميش. ولعلّ السلطان نفسه أدرك تناقض القاوقجي بين رعيّته، الذي حاولت الجريدة إنكاره.
وللتصدي لهذا الاختراق المحتمل، أدارت جريدة الشرق خطاً دعائياً لعرض ولاء الدروز والمسيحيين، بهدف الإيحاء بأن الجبهة الداخلية تمثل "ملة واحدة" متراصة خلف الدولة العثمانية. وتكثف ذلك في الأشهر الأخيرة من الحكم العثماني في سوريا، منذ مارس 1918، حين وصلت المعارك إلى عمّان والسلط، وبدأت قوات الشريف حسين والقوات البريطانية تقدماً انتهى بدخول دمشق في أكتوبر تلك السنة.
شكّل جبل حوران (جبل الدروز) تحدياً استثنائياً للإدارة العثمانية في الحرب العالمية الأولى، بسبب الجذور التاريخية لعلاقة الدروز المتوترة بالسلطة المركزية. وفي هذا السياق، بين احتمال التمرد الدرزي وتقدم القوات البريطانية وقوات الشريف حسين، حاولت آلة الدعاية العثمانية أن تستقطب الزعامات الدرزية الموالية، بإغداق الأوسمة والهدايا وإبراز ولائهم علناً. أو على الأقل لضمان حياد الجبل في معركة البقاء العثمانية.
وبسبب الموقع الاستراتيجي لمواقع الدروز في جنوب سوريا وبحيرة الأزرق، وكلاهما قريبان من مسرح العمليات العسكرية في شرق الأردن، صعّدت الشرق خطابها في شهري مايو ويونيو من سنة 1918. فمع اقتراب خطر "العصاة" (قوات الثورة العربية) من تخوم الجبل، أطلقت الجريدة حملة إعلامية شبه يومية لتأكيد الولاء الدرزي ولقاءات زعمائهم مع الإدارة العثمانية وإسباغ الأوسمة عليهم وشكر المسؤولين لهم.
في هذا السياق، نشرت الجريدة وثائق سياسية تؤكد مواقف الدروز الداعمة، لعلّ أهمها رسالتان في 13 مايو 1918 من زعماء الدروز. وُجهت الأولى إلى الأمير علي بن الحسين، نجل الشريف حسين، وأعلنت صراحة أن الدروز أعداءٌ له بعد خروجه "عن صداقة مولانا السلطان"، مؤكدة إخلاصهم للخليفة والسلطنة واستعدادهم لبذل الدماء دونها، مع إنذاره بالمقاومة إن لم يبتعد عن نواحي بحيرة الأزرق. أما الرسالة الثانية، فوُجهت إلى السياسي الدمشقي المؤيد الثورةَ العربية نسيب البكري، وأدانت زيارته ديار الدروز واعتبرتها سعياً "لخدمة أعداء الدولة والوطن والدين". وقالت إن "الدولة العثمانية هي الدولة الوحيدة الحافظة للوطن الإسلامي من التمزيق"، منذرةً إياه بالرحيل الفوري عن ديارهم.
وعلى المنوال نفسه، نُشرت رسالة أخرى في 27 مايو من رؤساء آل الهنيدي الدروز إلى والي سوريا، ينفون فيها الإشاعات عن ميلهم إلى العدو، ويتساءلون باستنكار: "كيف نبدل دولة معظمة الأركان بحكم فئة من العربان الذين يجعلون في الوطن فتنة ويسفكون الدماء". وتوافقت هذه الرسائل مع مفردات خطاب الولاء العثماني واستعملت أدواته في وجه الدعاية المضادة، إذ استندت إلى الدعاية الدينية والتحذير من الاستعمار وخطر تمزيق الوطن.
قد تحمل هذه الأمثلة دلالة على أن الولاء الدرزي لم يكن حقيقة صلبة مفروغاً منها، بل كان ساحة تنازع فعلي ومحموم بين الدعاية العثمانية والدعاية الشريفية والبريطانية. إذ لم تمنع هذه الحملة انضمام المقاتلين الدروز إلى قوات الشريف حسين التي دخلت سوريا.
وعلى الجانب المسيحي، كانت العلاقة تاريخية بتوتر مشابه، خاصة مع تبنّي نخب ثقافية مسيحية الدعاية للقومية العربية. ومع تزايد الامتيازات والإرساليات الغربية منذ منتصف القرن التاسع عشر، التي ركزت على شعار حماية المسيحيين. لذلك تبنت الإدارة العثمانية حملة دعائية لانتزاع ورقة المسيحيين من يد الحلفاء، وإدماج المسيحيين في المشهد الموالي الدولةَ.
ومنذ اللحظة الأولى لتأسيس الشرق، حرصت الإدارة العثمانية على إشراك "الرؤساء الروحيين من مختلف الطوائف" في حفل افتتاحها، وجعلت من أهداف الجريدة المعلنة "الحث على رعاية الطوائف العثمانية الأخرى غير المسلمة". وظل حضور هؤلاء الرؤساء ركناً ثابتاً في تغطيات الاحتفالات الرسمية، وامتد الحضور المسيحي في منبر الدعاية العثمانية إلى الشأن الاجتماعي والديني. فقد غطت أعياد الفصح الغربي والشرقي في زاوية أخبارها المحلية، وأبرزت تبرع "غني مسيحي" للفقراء، في العدد 577 في 17 مارس، إشارة لاندماجهم في جهود التكافل الوطني. كذلك أفسحت صفحاتها في تلك الفترة لأقلام مسيحية موالية، كالشاعر والأديب اللبناني فيلكس فارس، الذي تابعت الجريدة أخبار قدومه ونشرت ترجمته رسالة أدبية وردت إليها.
بالتوازي، كانت الجريدة قد عكفت على استخدام أسلوب الردع الصارم لتأكيد أن الانتماء الطائفي لا يوفر حصانة للمتمردين أو الجواسيس. ففي العاشر من يناير 1918، لم تتردد في نشر خبر إعدام جاسوسين مسيحيين من القدس والرملة في ساحة المرجة بدمشق، بعد ثبوت تجسسهما لصالح الإنجليز.
وفق جيجك، كان الشريف يمثل في نظر إسطنبول أكبر تهديد لسياستها الإسلامية في سوريا والعالم الإسلامي بأسره. ومع ذلك، كانت السياسة الرسمية من الحدث هي التعتيم أولاً ثم التحقير. في المقابل، ظلت المساحة الأكبر لبلاغات الجبهات الأوروبية والقفقاسية. بل إن حضور الحرب الألمانية وأخبارها في الجريدة كان يفوق حضور الجبهات العربية.
تعزز التقزيم بالمصطلحات المستعملة في أخبار القتال. فلم تسمِّ الجريدة الحدث "ثورة" ولا قواته "جيشاً عربياً"، المتمردون هم "العصاة"، وحركتهم "الفتنة الحجازية"، وقائدهم "حسين مكة"، وأبناؤه "زعماء الفتنة". وفي الجهة الأخرى، يقاتل "أبطال العثمانيين وجنود المسلمين" وتُحسم المعارك "بنور سيف الخلافة". فالمواجهة في لغة الجريدة ليست بين عرب وأتراك، بل بين المسلمين وعصاة خرجوا عليهم.
كذلك استعملت الجريدة مصطلح "العربان" في وصف مقاتلي الشريف حسين. وهو مصطلح يحيل إلى البدو، بدلاً من استعمال مصطلح "العرب" بدلالته السياسية التي استعملتها الحركة العربية. ولكن الجريدة استعملت المصطلح بحياد سياسي، فأطلقت الوصف أيضاً على القبائل العربية الموالية للعثمانيين مع أوصاف إيجابية بحقهم، وكان لذلك هدف سياسي في إثبات عدم اتساع تمرد الشريف حسين وعدم انضمام البدو عامة إليه. فهناك "العربان الصادقون" الذين "حضروا أفواجاً إلى ميدان الحرب" فكانت لمساعدتهم "آثار جليلة تستحق الذكر والإعجاب"، في مقابل "العربان الذين خانوا الوطن وجنوا عليه بمساعدتهم العدو وهم جاهلون بمقاصده".
اتبع خطاب الجريدة سياسة ذرائعية أخرى في إبقاء الباب مفتوحاً على تبدل ولاء "العربان". فالخيانة مسؤولية القيادة، أما الأتباع فجاهلون مخدوعون "خدعهم الإنجليز". وصرحت خطبة الوالي تحسين بك إثر نصر السلط بذلك حين قرر أن التحاق من التحق بالعدو من العربان "لم يكن عن سوء نية أو كره للحكومة وإنما سببه الجهل والغفلة" وأنهم أسرعوا بالانضمام إلى الحكومة حين رأوا جيوش العدو مدبرة، وأن "جميع قبائل العرب وغيرهم من سكان حوران قد أعطوا أكثر المواثيق" على مناصرة الحكومة والدفاع عن الوطن. وذلك وفق ما ورد في العدد 613 في أبريل 1918.
على الجهة المعاكسة، كرمت السلطة العثمانية والجريدة العربان الموالين. وكان تجهيل العربان بدل تخوينهم يبقي طريق العودة سالكاً، وينسجم مع سياسة العفو التي اعتمدتها الدولة في طورها الأخير. ومن هنا جاءت نبوءة كرد علي في العدد 640 بأن "حسين مكة سيخلد إلى الطاعة"، منسجمة مع سياسة عليا كانت تفاوض الشريف فعلاً. فقد قدمت الحكومة وعوداً جديدة إليه بعد الكشف الروسي عن سايكس بيكو، وظل فيصل يتفاوض مع جمال باشا المرسيني ومصطفى كمال حتى وقت متأخر، وفق ما وثّق المؤرخ السوري جمال باروت في كتابه "العلاقات العربية - التركية" المنشور سنة 2023.
أما المحتوى الخبري الفعلي في تلك الفترة فقد انتظم في خطين متلازمين، تأكيد الفشل العسكري للثورة وضعف قواتها وجبنها، وإظهار العشائر العربية في الصف العثماني. فهؤلاء "العصاة" دوماً في فشل وهروب وهزيمة. ولخص النعساني في 12 مايو 1918 حالهم بأنهم "مشردون يفرون من وجه إلى وجه وقد يئسوا من خير يكون لهم على يد الإنجليز كما يئس الإنجليز من خير يكون لهم على أيديهم". كذا صوّرت الجريدة البدوَ بعد هزيمة هجوم آخر أنهم "أسرعوا بالانضمام إلى جيوش دولة جمال باشا ومقاتلة أعداء الدين والوطن [. . .] وأحاطوا به كما يحيط الأولاد البررة بأبيهم المشفق".
لم تغطّ الجريدة هجومَ القوات البريطانية والشريفية في المحصلة ثورةً عربية، أو حرباً تهدد الخلافة، بل تمرداً محدوداً، قُزمت تغطيته وانجازاته ونزعت شرعيته العربية والإسلامية. وأكدت ولاء عشائر مخلصة للعثمانيين في مقابل عشائر جاهلة ومخدوعة ستعود إلى رشدها. ولكن بعد أسابيع من هذه الأخبار دخلت قوات الشريف حسين بقيادة الأمير فيصل، مدعومة بالقوات البريطانية، إلى دمشق.
وتظهر آثار هذا التداخل بين الذاكرة التاريخية والموقف السياسي في مذكرات الشيخ الدمشقي علي الطنطاوي، الذي ولد سنة 1909 وتشكل وعيه على انهيار الدولة العثمانية ثم الانتداب الفرنسي، المعنونة "ذكريات" ونُشرت سنة 1985. إذ يقول إنه في أيام الحرب الأولى كان يرى "جمال باشا هو كل شيء"، يخاف منه الكبار والصغار، ورأى بعينه منظر المشنوقين في ساحة المرجة وبكاهم وسمّاهم شهداء. ولكنه حين كبر غيّر رأيه فيهم واعتبر أكثرهم "مجرمين" و"جواسيس" و"أعواناً للإنكليز والفرنسيين". وقد كتب الطنطاوي هذه المذكرات وهو منفي في السعودية لمعارضته النظام القومي في سوريا. والمفارقة أن خال الطنطاوي هو محب الدين الخطيب، أحد أعضاء الحركة العربية الذين كانوا منفيين في مصر، ومؤسس جمعية النهضة العربية وعضو حزب اللامركزية الذي أعدم جمال باشا أعضاءه يوم "السادس من أيار" 1916.
استعادة هذا التاريخ والجدل عليه استمرت حتى الوقت الراهن. فبعد سقوط نظام الأسد ذي الخلفية البعثية القومية في سوريا في ديسمبر 2024، ظهرت تعديلات على منهاج التاريخ المدرسي أثارت جدلاً، إذ تكلمت بإيجابية عن جمال باشا وأشارت إلى ضحايا الإعدامات "متآمرين مع الإنجليز والفرنسيين". تبع ذلك إلغاء الرئيس السوري أحمد الشرع "عيد الشهداء" من قائمة الأعياد الرسمية الذي يوافق السادس من مايو، يوم إعدام الناشطين العروبيين في دمشق.
ولكن هذا التأويل اللاحق للتاريخ بتأثير السياسة الراهنة ليس سبب كل المواقف المتضاربة من الحركة العربية والدولة العثمانية، إنما مرآة لتضارب آخر كان حاضراً في زمن الحرب الأولى، مثلما أظهر القاوقجي هذا التناقض النفسي في مذكراته. وضمن هذا المناخ المضطرب، نجحت جريدة الشرق بهذه المواضيع المتشابكة في صناعة واقع دعائي متماسك ومدروس، يسعى لاحتواء المجتمع السوري في ذروة سنوات الجوع والحرب. ومع أن الانهيار العسكري أنهى هذا المشروع برمته، إلا أن الجريدة قدمت نموذجاً معقداً لآليات إنتاج الشرعية والدفاع العقدي وإدارة الخطاب السياسي في اللحظات الأخيرة لغروب الإمبراطورية العثمانية عن بلاد الشام.

