بتر الأطراف في سوريا.. رحلة كفاح نساءٍ مصاباتٍ من العزلة إلى الاستقلال والاندماج

صباح وشيماء وهند، ثلاث نساءٍ وجدن أنفسهن على هامش الحياة بعدما تسبّب القدر والحرب في بتر أطرافهن.

Share
بتر الأطراف في سوريا.. رحلة كفاح نساءٍ مصاباتٍ من العزلة إلى الاستقلال والاندماج
المرأة السورية مبتورة الطرف تكافح للعيش بكرامة | تصميم خاص بالفراتس

سنة 2023 شنَّ النظام السوري السابق سلسلةً من الغارات الجوية على مدينة إدلب استهدفت مجموعةً من المنشآت والمنازل، وكان من بينها منزل صباح. مزّقت الغارة أطراف صباح السفلية وبترت ساق ابنها الأصغر، فيما قُتل ابناها الآخران. منذئذٍ انقلبت حياة الأم التي كانت تكدح لتأمين معيشة أطفالها مساندةً زوجها في الذي أصيب في عموده الفقري سنة 2016 ما أضعف قدرته على العمل وتأمين متطلبات الحياة الضرورية. وإلى جانب الفاجعة الجسدية والاجتماعية، خلّفت إصابة صباح أزمةً نفسيةً عميقةً قسّمت حياتها إلى ما قبل الإصابة وما بعدها. فبعدما كانت تعتمد على نفسها، أصبحت اليوم بحاجةٍ إلى المساعدة في أبسط تنقّلاتها وأنشطتها اليومية. وهو حال آلاف السوريات مبتورات الأطراف، اللاتي وجدن أنفسهن فجأةً خارج دائرة المجتمع.

تغيب الإحصائيات الرسمية والمدنية التفصيلية عن النساء مبتورات الأطراف في سوريا، لكن المشهد اليومي يكشف عن حضورهن. ففي كثير من أحياء سوريا تجد امرأة فقدت طرفاً بسبب الحرب أو الألغام التي ما زالت منتشرةً أو جراء حادثٍ تعرّضت له أو لأنها وُلدت بإعاقةٍ.

ولا يقتصر البتر على الجسد. فقد وجدت كثيراتٌ منهن أنفسهن معزولاتٍ في معركةٍ يوميةٍ مع احتياجات الحياة، من الحركة والتنقّل إلى رعاية الأطفال ومتابعة الدراسة والعمل، ومحاولة التكيّف مع واقعٍ جديدٍ فرضته سنواتٌ من العنف والإهمال. ويزيد الطين بلّةً كونهن في بلدٍ ينهار فيها النظام الصحي منذ أكثر من عقدٍ، وتغيب فيه الرعاية القادرة على تأهيلهن بالقدر الكافي وإعادة إدماجهن في المجتمع فرادى فاعلاتٍ، سواءً بتوفير أطرافٍ اصطناعيةٍ مناسبةٍ أو بخلق البنية التحتية الملائمة أو بتوفير الدعم النفسي.


حسب إحصائيات منظمة الصحة العالمية سنة 2020، يعاني نحو ستةٍ وثمانين ألف شخصٍ من أصل مليونٍ ونصف مليون مصابٍ سوريٍّ من بترٍ في أطرافهم. ويشكّل المدنيون نسبةً كبيرةً من مبتوري الأطراف، وتندرج النساء ضمن هذه الفئة. وتشير دراسةٌ منشورةٌ في "المجلة التركية للطب الفيزيائي وإعادة التأهيل" إلى أن القصفَ سبب البترِ الرئيس بنسبةٍ بلغت 89 بالمئة. تركزت 74 بالمئة من الإصابات في الأطراف السفلية، وكان البتر تحت الركبة وفوق الركبة الأشيع. وكشفت الدراسة، التي حلّلت ثلاثمئةٍ وسبع حالات بترٍ لدى سوريين في تركيا في الفترة بين 2017 و2019، أن نسبة النساء من المجموع الكلّي لمبتوري الأطراف 13.4 بالمئة.

وبحسب تقرير وكالة رويترز في ديسمبر 2025، تُعدّ أزمة الألغام والذخائر غير المنفجرة سبباً بارزاً آخر لحالات البتر في سوريا. فقد تسببت الألغام، منذ سقوط نظام بشار الأسد في ديسمبر 2024، بمقتل قرابة ألفَي شخصٍ وإصابة أكثر من أربعة آلافٍ آخرين. وهو أعلى إجماليٍّ سنويٍّ يُسجَّل منذ سنة 2020.

وفي السياق ذاته يقدِّر مركز كارتر لتعزيز حقوق الإنسان أن ما بين 10 إلى 30 بالمئة من الذخائر المُستخدمة في الحرب لم تنفجر. يُضاف إلى ذلك انتشار الألغام الأرضية والعبوات الناسفة حتى بعد تراجع العمليات العسكرية. ويقدِّر المركز أن هذه الألغام تعرِّض حياة حوالي أربعة عشر مليون مدنيٍّ في سوريا لخطرٍ دائم.

تواصلت الفراتس مع وزارة الصحة السورية للحصول على أرقامٍ حديثةٍ ومضبوطةٍ عن عدد حالات البتر التي تعرّضت لها السوريات في العقد الأخير. فردت الوزارة بأنها لا تملك إحصائياتٍ تفصيليةً عن أعداد مصابي الحرب أو حالات بتر الأطراف، ولا نسبة النساء ضمن هذه الحالات. وعرضت الوزارة للفراتس ملفاتٍ مختصرةً لمصابين في الحرب مسجّلين لديها بغرض تلقّي المساعدة الطبية، بلا إتاحة بياناتٍ شاملةٍ تبرز حجم الظاهرة أو أبعادها السكانية.

وسواءً وُجدت تفاصيل دقيقةٌ أم لا، فهذا لا يمنع ملاحظة ظاهرة السوريات مبتورات الأطراف، مع تفاقم المعاناة في بلدٍ انهار فيه نظام الرعاية الصحية وتراجع الدعم الإنساني الأممي والدولي، وما سبّبه كلّ هذا من عرقلة جهود إعادة التأهيل.


تقضي صباح أيامها في انتظارٍ طويلٍ لطرفٍ اصطناعيٍّ ذكيٍّ يعتمد على تقنيات الاستشعار وأحياناً الذكاء الاصطناعي لمطابقة الحركة الطبيعية، في ظلّ غياب نظامٍ صحيٍّ فاعل. ومع تقلّص الدعم الإنساني تَحوَّل طريق إعادة التأهيل إلى متاهةٍ سلَكَتها مراراً، لتكتشف في كلّ مرةٍ أنه لا طائل منه. وأمام هذا العجز بات زوجُها، الذي يعاني صعوباتٍ بدنيةً جرّاء إصابته، سندَها الوحيد. يعمل الزوج ساعاتٍ طويلةً خارج المنزل مقابل 135 دولاراً شهرياً ثم يعود ليمارس دور الزوج والأب ومسؤوليات بيتٍ خالٍ من الراحة، حيث تتقاسم الأسرة الفقر والإرهاق والألم.

تقول صباح في حديثها للفراتس: "أرى الإرهاق على وجه زوجي. راتبه بالكاد يكفي للطعام والإيجار وتكاليف المواصلات الباهظة التي تفرضها حالة ابننا. لا أتحدث عن أحلامٍ كبيرة. كلّ ما أريده هو حقي البسيط في أن أسير إلى الباب بلا مساعدةٍ، أن أختار ملابسي، وأن أغادر المنزل بلا أن يحملني زوجي. أريد أن أخرج متى أشاء وأشارك في الحياة، وأن أرتدي ملابس جميلة وأشعر بالانتماء إلى مكانٍ ما".

جديرٌ بالذكر أن تدهور الوضعَين الاجتماعي والاقتصادي نتيجة الحرب دفع كثيراً من النساء إلى البحث عن عملٍ موازٍ لتقاسم الأعباء مع الزوج. وبعضهن انخرطت في أنشطةٍ مهنيةٍ، مثل الخياطة والتجارة الصغيرة والأعمال المنزلية المأجورة. وهي أعمالٌ يصعب على المرأة عملها بلا أطرافٍ اصطناعيةٍ، ما يدخلها في دائرة العجز الجسدي والاجتماعي. ولا تتجاوز نسبة البالغين الذين يعانون من صعوباتٍ في الحركة، الملتحقين بسوق العمل، 32 بالمئة. فيما تواجه النساء ذوات الإعاقة الحركية عبئاً مزدوجاً يحدّ من وصولهن إلى فرص كسب العيش، إذ تبلغ نسبة عمالة الإناث ذوات الإعاقة 12 بالمئة فقط.

تقول صباح إن الدعم الملموس الوحيد الذي وصلها جاء من مجموعة "هذه حياتي" الشبابية الخيرية، التي بَنَت لها غرفةً بسيطةً ومرافق في منطقةٍ نائية. إذ أصبح العيش في منزل عائلة زوجها مستحيلاً، بسبب صعوبة دخوله. فقد كان يضطر زوجها في كلّ مرةٍ إلى حملها على ظهره للدخول والخروج.

لدى صباح اعتقادٌ بأن تسليط الضوء الإعلامي على قصّتها سيسهّل عملية استفادتها من أطرافٍ اصطناعيةٍ، وأن انتشار قصّتها على وسائل التواصل الاجتماعي يوصل معاناتها إلى المتبرّعين والمنظمات الإنسانية. مردّ ذلك الاعتقاد أسلوبٌ انتهجته فرقٌ تطوعيةٌ، ومؤثّرون على وسائل التواصل الاجتماعي، يصورون الحالات الإنسانية لإثارة التفاعل ثم العودة لاحقاً بالمساعدة. غير أن هذا النمط يخلّف وعوداً غير مكتملة في الغالب.

تروي صباح أن زوجها اضطرّ مرّةً إلى الاستدانة للسفر إلى مدينةٍ أخرى، بعد تلقّي وعدٍ من منظمةٍ دوليةٍ بأخذ قياساتها للحصول على طرفٍ اصطناعيّ. لكنه عاد بخفّي حنين، ما زاد من شعورها باليأس واستنزف قدرتها على الانتظار.

في المقابل لا تزال الحكومة السورية عاجزةً عن تقديم خدماتٍ صحيةٍ أساسٍ أو بالقدر الكافي، ناهيك عن توفير أطرافٍ اصطناعيةٍ للمبتورين وإعادة تأهيلهم.


حسب تقريرٍ صادرٍ بالإنجليزية عن مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية في ديسمبر 2025 عن أولويات الاستجابة الإنسانية في سوريا، فإن 57 بالمئة فقط من المستشفيات و37 بالمئة من مراكز الرعاية الصحية الأولية تعمل بكامل طاقتها. بينما تواجه 452 منشأةً صحيةً خطر الإغلاق الوشيك بسبب نقص التمويل، ما يهدّد نحو خمسة ملايين شخصٍ بفقدان الرعاية الصحية.

ويشير التقرير إلى أن عدد المحتاجين المساعدةَ الصحية فاق خمسة عشر مليون شخصٍ، والمقصود بالمساعدات الخدمات الطارئة فقط. أما الرعاية الصحية المتخصصة، فلا تزال شبه غائبةٍ في ظلّ تزايد خطر انتشار الأمراض المعدية وتدهور خدمات رعاية الأمهات والمواليد، إذ لا تتوفر خدمات طوارئ التوليد إلا في 78 بالمئة من المرافق الصحية. وتسهم الأمراض غير المعدية في 50 إلى 70 بالمئة من الوفيات، مع صعوباتٍ كبيرةٍ في الوصول إلى خدمات غسيل الكلى وعلاج الأورام. ويعاني القطاع من نقصٍ حادٍّ في الأدوية والمتخصصين، بالإضافة إلى هجرة ما بين 50 و70 بالمئة من الأطباء. وبناءً على ذلك، وَصَفَ التقرير القطاعَ الصحيَّ في سوريا بأنه منهار.

ضمن هذا الواقع المتردّي تبقى خدمات تركيب الأطراف الاصطناعية محدودةً، وتقتصر على مراكزَ قليلةٍ داخل سوريا ودول الجوار تعمل بدعمٍ متقطّع. وقد رصدت الفراتس اثني عشر مركزاً داخل سوريا تقدِّم خدماتٍ مجانيةً لتركيب الأطراف الاصطناعية، لكنها غير قادرةٍ على تلبية حجم الاحتياج، وتعاني من انقطاعاتٍ متكررةٍ في التمويل.

يبلغ سعر أبسط طرفٍ اصطناعيٍّ لبترٍ أسفل الركبة ثلاثمئة دولارٍ، ويرتفع إلى ألف دولارٍ في حالات البتر فوق الركبة. بينما تصل كلفة الأطراف عالية الجودة أو الذكية إلى آلاف الدولارات، يتحمّل المصاب تأمينها واستيرادها من خارج البلاد.

حسام مهنا، طبيب مختص بالأطراف الاصطناعية وأحد مدرّسي المعهد التقني للأطراف الاصطناعية والأجهزة التقويمية، يقول للفراتس إن سوريا تعاني نقصاً حاداً في المؤسسات المتخصصة بتركيب الأطراف الاصطناعية. ويشير إلى أن البرامج المتاحة تتركّز في حمص وطرطوس ودمشق، ما يجعل هذا التخصص محدود الانتشار مقارنةً بحجم الحاجة. يؤكد مهنا أن شمال سوريا تحديداً يحتاج مركزاً متقدّماً يقدّم خدماتٍ متكاملةً نظراً لارتفاع عدد المصابين وغياب البنية الصحية المتخصصة، ما يضاعف معاناتهم ويؤخر تأهيلهم.

ويوضح مهنا أن المرضى يقيمون وفق نظامٍ عالميٍّ يتدرج من صفر إلى أربعة. وبناءً عليه، يحدَّد نوع الطرف الاصطناعي المناسب، وليس وفق رغبة المريض وحدها. منوّهاً إلى أن الأطراف الذكية باهظة الثمن، وتكون غالباً فوق قدرة المنظمات الإنسانية لتوفيرها مجاناً.

يقول مهنا إن المرضى يطلبون طرفاً ذكياً فقط لأنهم شاهدوا تجربةً أخرى، مع أنه لا يناسب حالتهم. ويضيف: "الأطراف التقليدية ليست سيئةً، وقد تكون الأنسب والأكثر أماناً في بعض الحالات. ومصاب البتر يحتاج رحلةً علاجيةً متكاملةً، تشمل العلاج النفسي والعلاج الفيزيائي والعلاج التقني عبر الطرف الاصطناعي أو الجهاز التقويمي. فالعلاج لا يبدأ بوضع طرف، ولا ينتهي به".

هذا القصور في الرعاية الصحية والدعم يمتدّ ليشمل سورياتٍ عانَيْن، وما زِلْن، من بتر الأطراف قبل سنوات الحرب. لا بسبب القصف والألغام، إنما لإعاقاتٍ رافقتهنَّ منذ الولادة. شيماء هلال إحداهنّ، وقد قدمت إلى الحياة بلا عظم الفخذ الأيمن، في حالةٍ طبيةٍ نادرةٍ، لتجد نفسها منذ عمر الثالثة تتعلّم المشي بالعكازات قبل أن تتعلّم أبجدية الكلام.


كانت رحلة شيماء مع الأطراف الاصطناعية طويلةً ومرهِقة. جُرِّبت لها نماذج متعددةٌ، لكنها لم تستطع التكيّف معها في طفولتها، فبعضها كان ثقيلاً وبعضها لم يمنحها الاتزان المطلوب. ومع ذلك لم تنقطع محاولاتها. واليوم، بعد سنواتٍ من التجربة، هي في طور الحصول على طرفٍ متقدّمٍ تقنياً، ربما يكون الأقرب إلى شكل الحركة الطبيعية الذي انتظرته طويلاً.

ولربما ما منحها الفرصة هو لفتها الانتباه يوم صعدت إلى منصة تقديم فعالية "الوفاء لإدلب" نهاية سبتمبر 2025. انطلقت الفعالية في إدلب لجمع التبرعات لدعم إعادة إعمار المحافظة وتأهيل بنيتها التحتية. كان الحدث مهماً والجمهور كبيراً، وردود الفعل غير عادية. أبدى الحضور إعجابهم بأداء شيماء الخطابي، وأثنوا على جرأة المنظمين الذين كسروا الصورة النمطية القديمة التي تربط المهارة بالشكل الخارجي وتضع للظهور الإعلامي مقاييس متشددةً لا يقترب منها إلا من يحظون بكمالٍ شكليّ.

لم تكن تلك الأمسية أول ظهورٍ لشيماء، فقد سبق أن قدّمت مسابقاتٍ ومهرجاناتٍ وأنشطةً متنوعةً، وكلّ تجربةٍ منها دفعت بها خطوةً إلى الأمام ووسّعت مساحة ثقتها بنفسها.

تحدثت شيماء للفراتس عن تلك اللحظات بصوتٍ يمتلئ فخراً وامتناناً، وكأنها تستعيد مع كل تجربةٍ صغيرةٍ حقَّها في أن تكون حاضرةً ومرئيةً وفاعلة. تقول شيماء إن "الإعاقة الأكبر التي تواجه ذوي الاحتياجات الخاصة ليست في الجسد، بل في الطريقة التي ينظر بها الناس إلينا. فالمجتمع، بنظراته وأحكامه، يفرض على المرأة خصوصاً عبئاً مضاعفاً، وتتحول فكرة الزواج إلى اختبارٍ قاسٍ". وتضيف: "كثيرٌ من الشابات يتلقين عروض زواجٍ حقيقيةً من رجالٍ يُبدون تقبلاً لوضعهن، لكن المجتمع يُسقط هذه الفرص قبل أن تبدأ".

بعد سنواتٍ من الانقطاع، عادت شيماء إلى مقاعد الدراسة واختارت الالتحاق بكلية التربية الخاصة. لم يكن سبب اختيارها أكاديمياً فقط، بل رغبتها في المعرفة وتعلم الأدوات اللازمة لخدمة مجالٍ أصبحت جزءاً منه، والدفاع عن حقوق الأشخاص ذوي الإعاقة من موقع قوةٍ ومصداقية.

وإن استطاعت شيماء تجاوز إعاقتها وفرضت نفسها مهنياً متسلحةً بتعليمها، فإن مئات السوريات وربما الآلاف ممن تعرّضن لحوادث بترٍ غير قادراتٍ على مواجهة مجتمعٍ يربط نجاح المرأة بشكل جسدها ونسبة جمالها. فالمرأة المبتورة الطرف تُقصى اجتماعياً في الغالب، ويصعب عليها تأسيس أسرةٍ وإنجاب أطفال، باستثناء حالاتٍ نادرة. وتتضاعف عزلة ذوات التعليم المحدود اجتماعياً وتضيق خياراتهن المتاحة للعمل والكسب، مقارنةً بنساءٍ متعلماتٍ استطعن ولو جزئياً تحويل التعليم أداةً للتكيّف والمقاومة وفرض الحضور في الفضاء العام. وشيماء خير مثال.

وإن اعتبرت شيماء التعليم مَخرجاً، فإنه لا يحمل دوماً ضماناتٍ على فعاليته وسط بيئةٍ معقدةٍ بحق مبتورات الأطراف. فحتى لو كانت ثمة مساحة أفضل للتغلّب على الإعاقة والالتحاق بسوق العمل والدراسة وأنشطةٍ أخرى في الفضاء العام، فالبنية التحتية ووسائل المواصلات في سوريا لا تزال غير مؤهلةٍ ولا تساعد على تسهيل ذلك. تغيب مثلاً الطرق المعبدة، والجسور التي تشمل الأدراج، والممرات المجهزة لذوي الإعاقة الجسدية.

أشار لذلك التقرير الصادر عن برنامج الأمم المتحدة لتقييم الاحتياجات الإنسانية سنة 2021 في سوريا، بعنوان "ديسابيلِتي إن سيريا" (الإعاقة في سوريا). وفق التقرير فإن 13 بالمئة فقط من الأسر التي تضمّ فرداً أو أكثر من مبتوري الأطراف قادرةٌ على استخدام شبكة الطرق. وينعكس ذلك في قطاع التعليم أيضاً، إذ يواجه الأطفال ذوو الإعاقة تهميشاً كبيراً. ففي شمال غرب سوريا مثلاً، لا تتجاوز نسبة التحاقهم بالتعليم 52 بالمئة. ويعود ذلك إلى افتقار المعلّمين للتدريب اللازم، وعدم مواءمة المدارس لاحتياجاتهم المادية.

بالإضافة للصعوبات الفنية والإدارية، من عملٍ ورعايةٍ صحيةٍ وتنقّلٍ، يظلّ القصور في التأهيل النفسيّ عائقاً إضافياً — وإنْ بنسبٍ متباينةٍ — أمام دمج مبتوري الأطراف في المجتمع وتكيفهم النفسي.


تفقد بعض الأسر قدرتها على استيعاب الصدمة بعد حوادث البتر، في حين يتجاوزها آخَرون بسرعةٍ. يرتبط ذلك بعدة عوامل من بينها العمر حين حدوث الإصابة. فالبتر في الطفولة مثلاً يتيح مساحةً زمنيةً أطول للتكيّف، ويخفف من احتمالات المقارنة واستعادة صورة الحياة حين كان الطرف سليماً. فالتفاوت كبير بين الأفراد في مقاومة الصدمات والتكيف النفسي.

تقول صباح إنها دُعمت دعماً نفسياً مرةً واحدةً فقط في مركز "هِمم" المتخصص في إعادة التأهيل ودمج الأشخاص ذوي الإعاقة في إدلب. زارتها أحياناً نساءٌ يعملن في مجال الصحة النفسية لعقد جلسةٍ واحدةٍ، ثم اختفين. ومع كلّ زيارةٍ يندفع الأمل في داخلها ليعود وينهار بقسوة. من هنا وافقت صباح على سرد قصتها إعلامياً، أملاً بأن يفتح ذلك باباً لمساعدتها في الحصول على أطرافٍ اصطناعية.

تقول الاختصاصية النفسية نور المحمد للفراتس إن "الاستجابة للعلاج النفسي لدى المصابات بالبتر تختلف على حسب مجموعةٍ من العوامل مرتبطةٍ بالسن، وطبيعة الحادث المسبب ومواصفاته". ووفق نور، تستجيب كلّ مصابةٍ حسب "نوع البتر ودرجة الإعاقة الحاصلة وفهم طبيعتها والرعاية الصحية المناسبة والدعم النفسي والاجتماعي، بالإضافة إلى المرونة النفسية".

وتوضّح أن درجة الصعوبات النفسية ترتبط توازياً مع المراحل العمرية. فالطفل المولود وعنده بترٌ يتعلّم التكيّف أسرع من الكبار، ويتكيّف مع الطرف الاصطناعي أفضل. في حين يُعدّ البتر في مرحلة المراهقة خطراً على الصحة النفسية، لأنه يتقاطع مع تشكّل الهوية، بما فيها الهوية الجنسية.

تعرضت هند لبترٍ جزئيٍّ في يدها إثر حادثٍ منزليٍّ في طفولتها، ما دفعها لاحقاً إلى التسجيل في المعهد التقني للأطراف الاصطناعية والأجهزة التقويمية الحديث في إدلب. لم يخطر ببالها أن تدرس هذا المجال بعد الانقطاع القسري عن التعليم، غير أن تجربتها الشخصية وتجربة نساءٍ كثيراتٍ من حولها دفعتها إلى استئناف الدراسة ضمن مسارٍ أكاديميٍّ مختلف.

تعاملت هند مع إصابتها منذ الطفولة. ومع مرور الوقت، أصبحت جزءاً من هويتها لدرجة أنها لم تقبل طرفاً تجميلياً، ولم تشعر يوماً بالحاجة إلى ما يغطي إعاقتها. هذا التصالح المبكر منحها مرونةً نفسيةً وسهّل عليها التكيّف.

تقول هند للفراتس: "علمياً، يُعتبر أني تعرّضتُ لبتر. لكنني عندما أرى حالاتٍ فقدت أطرافها بالكامل، أخجل من مقارنة تجربتي بمعاناتها. هذا الإحساس جعلني أشعر بقربٍ خاصٍّ من كل حالةٍ أتعامل معها. وإصابتي تمنحني قدرةً أكبر على فهم ما يمرّ به مبتورو الأطراف".

تعلّق الاختصاصية النفسية نور المحمد أن كثيراً من مبتوري الأطراف يشعرون وكأن حياتهم انقسمت إلى شطرين، ما قبل البتر وما بعده. ويختبرون إحساساً بموت الذات القديمة أثناء التعرّض للحادث الذي تسبّب بالبتر، سواءً كان قصفاً أو انفجاراً أو حادثاً. يشعر المصاب بأنه مات فعلاً في تلك اللحظة، ثم عاد إلى الحياة شخصاً يجد صعوبةً في التعرّف إلى هويته الجديدة واحتياجاته المختلفة.

وتشرح نور أن البتر يحمل في ذاته مواصفات الحدث الصادم، لأنه يمسّ الفرد في تكامله الجسدي ويُخلّ بتوازنه النفسي نتيجة التغيّرات العنيفة والعميقة التي يُحدثها في واقعه الخارجي، مثل الإعاقة والتحديات المرافقة لها، وتبدّل الأنشطة اليومية والمهنية والحياة الاجتماعية. وكذلك في واقعه النفسي، عبر إصابة صورة الجسد التي تشكّلت منذ الطفولة المبكرة، وما يرافق ذلك من إشكالاتٍ في الهوية الجديدة وشعور القيمة بالذات.

وعن الدعم لمبتوري الأطراف، تقول الاختصاصية النفسية إن الوالدين يشكّلان المصدر الأساس للدعم الاجتماعي والنفسي، خصوصاً للأطفال والمراهقين. بينما يُعدّ الشريك، عند المتزوجين، المصدر الأهم للدعم. وتضيف نور: "وتؤثر الحالة المادية للفرد ومستوى الدعم الاقتصادي المتوفر له مباشرةً على جودة حياته وقدرته على إعادة التأهيل والاندماج في المجتمع".

من هذا المنطلق ترى نور أنه لا يمكن التعاطي مع قضية مبتورات الأطراف السوريات حدثاً صحياً عابراً يعالَج بمنطق الإغاثة السريعة أو التعاطف الموسمي. بل هي مسألةٌ تتطلب استجابةً اجتماعيةً واقتصاديةً وصحيةً طويلةَ الأمد تختبر قدرة الحكومة السورية، والمجتمع معاً، على إدماج قضيتهن في مسار العدالة بعد الحرب. هذا بالتوازي مع سَنّ قوانين خاصةٍ بذوي الإعاقة وتطبيقها.

وتعود نور لتؤكد أن الاستقلالية والعيش الكريم لا يتحققان بالمساعدات المؤقتة، بل بسياساتٍ مستدامةٍ تعترف بحقّ هؤلاء في الحياة والمشاركة والانتماء.

وللهدف ذاته، ترصد نور المحمد تعليقات المتعاملين مع المنظمات الطبية التي تقدّم خدماتٍ مجانيةً لمبتوري الأطراف. يعبّر بعض المستفيدين عن استيائهم من نوعية الطرف الاصطناعي أو عدم ملاءمته، لتكتفي المنظمات في كثيرٍ من الأحيان بالردّ بتقديم رابطٍ لملء نموذج شكوى، بلا متابعةٍ معلنةٍ لنتائجها.


صباح وشيماء وهند، ثلاث نساءٍ يشكّلن مرآةً لآلاف السوريات اللواتي وجدن أنفسهن على هامش الحياة بعدما تسبّب القدر والحرب في بتر أطرافهن. نساءٌ أُقصين اجتماعياً واقتصادياً، لا لأنهن فقدن جزءاً من أجسادهن، بل لأن المجتمع والنظام معاً عجزا عن استيعاب اختلافهن وحَرَمَهن من حقّهن في الدراسة والعمل وتأسيس حياةٍ مستقلةٍ بلا اتكال.

وما فاقم معاناة السوريات مبتورات الأطراف نظامٌ صحيٌّ متهالكٌ عاجزٌ عن توفير الحق في العلاج، أو توفير أطرافٍ بديلةٍ تُعيد الحياة لأجسادٍ نجت من الموت. وسط ظروفٍ صعبةٍ، حتى بعد الحرب وسقوط نظام الأسد، فإن المرأة السورية التي بُتر أحد أطرافها تقاوم للعيش بكرامةٍ مع جسدٍ كاملٍ — ولو اصطناعياً — علّها تعود إلى الحياة لتَسنِد، لا أن تُسنَد.

اشترك في نشرتنا البريدية