كشف تقريرٌ نشره معهد "بي آر آر آي" في يناير سنة 2024 بعنوان "آ بوليتيكال آند كلتشرال غليمبس إنتو أميركاز فيوتشر" (نظرة سياسية وثقافية على مستقبل أمريكا) عن تصورات "جيل زد" تجاه السياسة والاقتصاد والعلاقات بين الأجيال. واعتمد التقرير على استطلاع رأيٍ وعشر مجموعات نقاشٍ افتراضيةٍ ضمت شباباً من خلفياتٍ متنوعةٍ في أنحاء الولايات المتحدة، لفهم تجاربهم وتصوراتهم على نحوٍ أعمق.
أعاد "جيل زد" إدخال السياسة الخارجية الأمريكية إلى صلب الاهتمام الداخلي. ولم يأتِ ذلك من توافقٍ سياسيٍّ داخل الجيل، بل من انقسامه. فمن جهةٍ، برز تيارٌ يتبنى مقاربةً أخلاقيةً وحقوقيةً يرى في قضايا مثل الحرب على غزة وإيران امتداداً لمعارك العدالة داخل المجتمع الأمريكي. ومن جهةٍ أخرى، يتجه قطاعٌ من الجيل نفسه إلى خطابٍ محافظٍ متقاطعٍ مع حركة "ماغا" (فلنجعل أمريكا عظيمةً مجدداً)، يرى هو الآخر في انخراط الولايات المتحدة في حروبٍ خارجيةٍ مخالفةً لمبدأ "أمريكا أولاً" الذي تعتمده الحركة. ومع هذا التحول، لم تعد السياسة الخارجية قضيةً هامشيةً كما بدت لدى أجيالٍ سابقةٍ، بل غدت جزءاً من اهتمام الناخب الأمريكي. وفرض ذلك ضغوطاً متزايدةً على المؤسسات السياسية لإعادة صياغة قراراتها وخطابها الخارجي.
أنتج التعاقب السريع والمتناقض في القيادة الأمريكية جيلاً أكثر انقساماً في تصوراته السياسية والاجتماعية. إذ نشأ أبناء "جيل زد" خلال رئاسة باراك أوباما، أول رئيسٍ أسود للولايات المتحدة. ثم انتقلوا إلى خطاب دونالد ترامب، مروراً بفترة جو بايدن، قبل عودة ترامب مجدداً. وترك هذا التبدل المتسارع في أنماط القيادة والخطاب العام أثراً مباشراً على تصوراتهم السياسية والاجتماعية. فارتبطت سنوات أوباما بخطابٍ أميل إلى التنوع والانفتاح، بينما حملت ولايتا ترامب درجةً أعلى من الاستقطاب السياسي والإعلامي والانخراط في الحروب. ومع هذا التحول، تبلورت انقساماتٌ داخل الجيل نفسه. فتبنى بعضه قيماً أقرب إلى الانفتاح والمشاركة المدنية، واتجه آخرون إلى مواقف أكثر تشككاً وانقساماً، متأثرين بطبيعة الخطاب السائد في كلِّ مرحلة.
أعاد الفضاء الرقمي ووسائل التواصل الاجتماعي تشكيل علاقة "جيل زد" بالعالم وبالعمل السياسي والاجتماعي. وُلد أبناء هذا الجيل في ذروة التحولات التقنية والنفاذ الفوري إلى المعلومات، حتى غدت وسائل التواصل الاجتماعي جزءاً من الحياة اليومية. وأتاح هذا السياق لهم الوصول السريع إلى المعرفة والموارد، وحوَّل المنصات الرقمية إلى مساحاتٍ للدعم الاجتماعي وصياغة الخطاب والانخراط في النقاشات العامة. وانتقلت هذا المنصات من وسيلةٍ للترفيه أو قضاء الوقت إلى فضاءٍ للتعبير عن الذات وبناء العلاقات وتبادل المعلومات. وبخلاف "جيل الألفية"، الذي رأى هذه التقنيات مساحةً لعرض اللحظات المميزة، فإن "جيل زد" يستخدمها امتداداً مباشراً لتفكيره وتجربته اليومية. وترتبط ممارساته الرقمية بقضايا الشمولية والتمكين والنشاط الاجتماعي، ويوظف هذه الوسائل لإطلاق النقاشات والدفاع عن القضايا التي يعدّها جوهرية.
أصبحت المنصات والفضاءات الرقمية جزءاً أساساً من حياة "جيل زد" اليومية. ويتصدر "يوتيوب" و"إنستغرام" قائمة المنصات المفضلة لديه لما يتيحانه من مساحاتٍ للتعبير عن الذات والتواصل والوصول إلى محتوىً متنوع. وتبرز أيضاً منصاتٌ مثل "تيك توك" و"سناب شات" بين التطبيقات الأكثر حضوراً في حياته اليومية. ولا يقتصر استخدام هذا الجيل على تطبيقات التواصل الاجتماعي التقليدية، بل يمتد إلى ما يعرف بالميتافيرس، أي الفضاءات الرقمية التي تحاكي العالم الحقيقي. وتتركز أبرز أنشطته داخل هذه البيئات في التواصل مع الأصدقاء والألعاب الإلكترونية، وفقاً لتقرير "جين زي سوشال ميديا [. . .]" (التواصل الاجتماعي لجيل زد: أنماط الاستخدام وتفضيلات المحتوى) الذي نشره موقع "ذا شيلف" المتخصص في تحليل اتجاهات منصات التواصل الاجتماعي سنة 2025.
يتزايد شعور "جيل زد" بفقدان الثقة في النظامين الاقتصادي والسياسي داخل الولايات المتحدة. إذ كشف استطلاعٌ أجراه معهد السياسة في كلية كينيدي بجامعة هارفارد في ديسمبر سنة 2025 عن معاناة أبناء هذا الجيل، ممن تتراوح أعمارهم بين 18 و29 سنة، من عدم الاستقرار المالي والسياسي. وأظهر الاستطلاع أن 13 بالمئة فقط يثقون في النظام الأمريكي القائم، في حين ترى النسبة الأكبر وسائلَ الإعلام والأحزاب السياسية تهديداً. ويتجنب كثيرٌ من الشباب المحادثات السياسية، ويخشون التعرض للأحكام بسبب التعبير عن آرائهم، ويشككون في أن أصحاب المواقف السياسية المخالفة يريدون ما هو أفضل للبلاد. وفي المقابل، يرفض أغلبهم العنف السياسي، وإن أبدت أقليةٌ قدراً من القبول المشروط به، مدفوعةً بالضغوط الاقتصادية وفقدان الثقة والشعور بالعزلة.
يطغى على "جيل زد" ميلٌ إلى التعامل مع السياسة من منظورٍ أخلاقيٍّ وحقوقيّ. إذ يتبنَّى، في الجملة، مواقفَ أقربَ إلى اليسار مقارنةً بالأجيال السابقة، وإن تقاطع مع "جيل الألفية" في عددٍ من القضايا. ويظهر ذلك حتى بين المنتمين إلى الحزب الجمهوري، ويتجلى في المواقف من القضايا الاجتماعية ودعم حقوق الأقليات، مثل الاعتراف بوجود تمييز ضد الأمريكيين السود وتأييد دورٍ أكبر للحكومة في مواجهة الأزمات، ومنها قضايا المناخ. ويرى أبناء "جيل زد" حروب غزة وإيران قضايا أخلاقيةً وحقوقيةً، لا مجرد صراعاتٍ بين دول. وترتبط هذه النزاعات، في نظرهم، بأسئلة العدالة والحقوق الإنسانية، وتُقاس المواقف منها وفق معايير أخلاقيةٍ تتجاوز الحسابات السياسية التقليدية.
وتحتل الحرب على غزة موقعاً مركزياً في هذا التصور. تناولت صحفٌ عديدةٌ التحولات في مواقف أبناء هذا الجيل تجاه الصراع الإسرائيلي الفلسطيني. وحسب نتائج استطلاع رأيٍ مشتركٍ أجراه مركز الدراسات السياسية الأمريكية بجامعة هارفارد بالتعاون مع مؤسسة هاريس لاستطلاعات الرأي سنة 2025، ونقلته صحيفة "القدس"، ظهر تحولٌ ملحوظٌ في مواقف الشباب الأمريكي تجاه الصراع الإسرائيلي الفلسطيني. إذ أظهر أن 60 بالمئة من أبناء "جيل زد" يفضلون حركة المقاومة الإسلامية "حماس" على إسرائيل، مقابل 40 بالمئة أعربوا عن دعمهم تل أبيب. فمع تدفق الصور والروايات المستمر من قلب الحرب منذ بدايتها في أكتوبر سنة 2023، اتجه قطاعٌ كبيرٌ من أبناء هذا الجيل إلى التفاعل معها من منظورٍ أخلاقيٍّ، لا مجرد صراعٍ بين دولتين. ودفع ذلك كثيرين منهم إلى التشكيك في السرديات السائدة والتعامل نقدياً مع الخطاب الإعلامي والسياسي.
امتد هذا التفاعل إلى الجامعات. فشهدت جامعاتٌ عديدةٌ في أنحاء الولايات المتحدة موجةً واسعةً من الاحتجاجات التي تؤيد الفلسطينيين، طالبت خلالها الحركات الطلابية إدارات الجامعات بقطع علاقاتها المالية والاستثمارية مع إسرائيل، ونظَّم طلابٌ آخرون اعتصاماتٍ داخل الحرم الجامعي. وواجهت إدارات الجامعات هذه الاحتجاجات بحملة اعتقالاتٍ واسعة. ووفقاً لصحيفة "نيويورك تايمز" اعتقلت السلطات قرابة ثلاثة آلافٍ ومئة شخصٍ من الطلاب وأعضاء هيئة التدريس خلال سنة 2024، في أكثر من سبعين جامعةً عبر ثلاثين ولايةً على الأقل.
أبرز موجات هذا الحراك كانت الاحتجاجات الطلابية في جامعة كولومبيا، إحدى أغنى الجامعات في الولايات المتحدة. إذ أقام الطلاب معسكراً للتضامن مع غزة داخل الحرم الجامعي في منتصف أبريل سنة 2024، ونصبوا خياماً وطالبوا الجامعة بسحب استثماراتها من الشركات المرتبطة بإسرائيل. ومع رفض الإدارة هذه المطالب، تصاعدت المواجهة. واستدعت مينوش شفيق، رئيسة الجامعة آنذاك، شرطةَ نيويورك التي اعتقلت أكثر من مئة طالبٍ لرفضهم إنهاء الاعتصام. وبرَّرَت قرار فضِّ الاعتصام بأنه يعرقل الحياة الجامعية ويهدد سلامة الطلاب.
أثارت الاحتجاجات في جامعة كولومبيا وتعامل الإدارة معها موجةً من الانتقادات داخل الجامعة وخارجها. قبل يومٍ واحدٍ من حملة الاعتقالات، مثلت مينوش شفيق أمام الكونغرس في جلسة استماعٍ ناقشت تعامل الجامعة مع اتهامات معاداة السامية داخل الحرم الجامعي، وشهدت مواجهاتٍ حادةً بين الجمهوريين والديمقراطيين. وأقرت شفيق خلال الجلسة بأن الجامعة واجهت ضغطاً شديداً، وأن أنظمتها لم تكن مهيأةً للتعامل مع هذا التصعيد. وأضافت أن الإدارة اتخذت إجراءاتٍ تأديبيةً بحق عددٍ من الطلاب المشاركين في الاحتجاجات، وطلبت تدخل شرطة نيويورك للمرة الأولى منذ نحو خمسين سنةً للسيطرة على الوضع داخل الحرم الجامعي. وبعد تدخل الشرطة، عبَّر عددٌ من الأساتذة عن صدمتهم مما وصفوه فشل الإدارة في الدفاع عن حرية البحث والنقاش، واتهموا رئيسة الجامعة بالخضوع لضغوطٍ سياسيةٍ من مشرِّعين في الكونغرس سعوا إلى التدخل في شؤون الجامعة. ولم تتراجع الحركة الاحتجاجية مع حملات الفض الأمني واعتقال مئات الطلاب، بل واصلت تصعيدها داخل الحرم الجامعي وخارجه، مدعومةً بزخمٍ إعلاميٍّ وضغطٍ أكاديميٍّ وسياسيٍّ متواصل، حتى استقالت شفيق في أغسطس سنة 2024.
تجاوزت تداعياتُ الاحتجاجات الحرمَ الجامعيَّ، وامتدت إلى المجالين السياسي والاقتصادي. ودفعت الاحتجاجات مسؤولين أمريكيين إلى إعلان مواقف حاولت الموازنة بين دعم حرية التعبير ورفض الفوضى والعنف. فقال الرئيس الأمريكي آنذاك جو بايدن إن الاحتجاج السلمي جزءٌ أصيلٌ من التقاليد الأمريكية، مؤكداً ضرورة الالتزام بالقانون وعدم تحويل الاحتجاجات إلى فوضى. وشارك أبناء "جيل زد" أيضاً في حملات المقاطعة التي استهدفت الشركات والعلامات التجارية الداعمة إسرائيلَ. وأظهر استطلاعٌ أجرته "ليندنغ تري" ونشرته صحيفة "نيوزويك" سنة 2025، أن 37 بالمئة من الشباب بين 18 و28 سنة شاركوا في حملات المقاطعة. وقال 59 بالمئة منهم إنهم يبحثون في مواقف الشركات وقيمها قبل اتخاذ قرارات الشراء أو التعامل مع علاماتٍ تجاريةٍ كبرى مثل "ستاربكس" و"أمازون".
لم تحظَ الحرب على إيران بالحضور نفسه الذي حظيت به غزة في تفاعل "جيل زد" مع السياسة الخارجية. ويعود هذا التباين إلى اختلاف الصورة الأخلاقية والسياسية التي تُقدَّم بها كلّ قضية. فالقضية الفلسطينية تُصوَّر قضيةَ شعبٍ تحت الاحتلال، وهو ما يمنحها بعداً أخلاقياً مباشراً يسهِّل توليد التعاطف الإنساني حوله. وفلسطين ارتبطت بحركات تضامنٍ دوليةٍ وحقوقيةٍ تَصاعَد حضورها في الجامعات الأمريكية خلال العقدين الأخيرين، مما وفَّر بنيةً سياسيةً وثقافيةً جاهزةً للحشد والتفاعل عند اندلاع الحرب على غزة. وتُعزِّز التغطية الإعلامية والمحتوى المتداولُ على وسائل التواصل الاجتماعي هذا التضامنَ بتركيزها على صور الضحايا والدمار التي تجعل التفاعل مباشراً وعاطفياً. أما إيران فتظهر غالباً في الإعلام ملفاً سياسياً وأمنياً معقداً، في ظل محدودية التغطية الإنسانية المباشرة للحرب مع التعتيم الذي يحيط بكثيرٍ من تفاصيلها. ويضاف إلى ذلك أن صورة إيران في الولايات المتحدة تشكلت تاريخياً من خلال العداء السياسي المباشر منذ أزمة الرهائن سنة 1979، ثم تعززت لاحقاً عبر تصوير النظام الإيراني تهديداً للأمن العالمي بسبب برنامجه النووي وسياساته الإقليمية. لذلك، لا تُتلقَّى الحرب على إيران ضمن الإطار الأخلاقي نفسه الذي تُتلقَّى به غزة، بل تُقرأ غالباً من خلال اعتبارات الأمن والصراع السياسي على الأرض. ومع ذلك، تبقى إيران حاضرةً في اهتمام "جيل زد" ضمن نقدٍ أوسع للحروب والتدخلات والسياسة الخارجية الأمريكية، وإن كان ذلك بدرجةٍ مختلفةٍ عن الحالة الفلسطينية.
لا ينفصل حراك "جيل زد" عن علاقته بالحزب الديمقراطي. فالطرفان يلتقيان في قضايا العدالة الاجتماعية والحقوق المدنية ومناهضة التمييز، لكنهما لا يتطابقان، ولاسيما في ملف السياسة الخارجية. وتكشف المواقف من الحروب والتدخلات الأمريكية عن تبايناتٍ بين خطاب الحزب ومواقف قطاعٍ من أبناء هذا الجيل. وفي المقابل يميل نفرٌ من الجيل مع الحزب الجمهوري من منظوره الخاص ويعيد صياغة الخطاب المحافظ.
يرتبط تقاطع "جيل زد" مع الحزب الديمقراطي بالفضاءات الاجتماعية والتعليمية التي يتكون فيها وعيه السياسي. وخلصت دينا شحاتة، الخبيرة بمركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، في ورقةٍ نشرتها في أبريل سنة 2026 بعنوان "كيف يعيد جيل زد تشكيل السياسة الأمريكية"، إلى أن هذا التقارب يظهر بين الشابات وقطاعاتٍ من الشباب غير البيض، ويتجلى في قضايا أخلاقيةٍ مثل الحقوق الإنجابية والعدالة العرقية وتغير المناخ. ويرتبط هذا التقارب برؤية هؤلاء الشباب الحزبَ الديمقراطي الإطارَ الأكثر استعداداً لاستيعاب اهتماماتهم وإدراجها ضمن خطابه السياسي. ويترسخ هذا الميل في الفضاءات التي يتشكل فيها وعي هؤلاء الشباب. فكلما ازداد احتكاكهم بالجامعات أو بشبكات التنظيم الطلابي أو بخطابات الحقوق والعدالة الاجتماعية، ازدادت احتمالات اقترابهم من الحزب الديمقراطي أو من أطرافه الأكثر تقدمية.
لا يعني تقاطع "جيل زد" مع الحزب الديمقراطي في عددٍ من القضايا تبنّيه سياسات الحزب أو خطابه السياسي. فأبناء هذا الجيل يميلون، وفقاً لدينا شحاتة، إلى السياسيين الأكثر وضوحاً في قضايا العدالة، والذين يربطون بين الأوضاع المعيشية والحقوق، ويتحدثون بلغةٍ مباشرةٍ قريبةٍ من الجمهور، خاصةً عبر وسائل التواصل الاجتماعي. وينجذبون إلى الشخصيات الأبعد عن الخطاب الديمقراطي التقليدي والأكثر صراحةً في مواقفها. ويتجاوز الخلافُ مع الحزب الديمقراطي بعضَ المواقف السياسية إلى طريقة التعامل مع القضايا نفسها. إذ يرى أبناء "جيل زد" ملفاتٍ مثل المناخ والعدالة وتكلفة المعيشة وغزة قضايا ملحّةً وأخلاقيةً تتطلب مواقف سريعةً وواضحةً، في حين يظهر الديمقراطيون أبطأ وأكثر حذراً في الاستجابة.
في المقابل، يميل قطاعٌ من أبناء "جيل زد" إلى الحزب الجمهوري، لكنهم يعيدون صياغة الخطاب المحافظ بما ينسجم مع تجربتهم السياسية والاجتماعية. فيتقاطع هؤلاء مع الجمهوريين في التخوف من توسع دور الدولة والدفاع عن السوق الحرة، من غير أن يركزوا بالقدر نفسه على القضايا المحافظة التقليدية مثل قيم الأسرة والتدين. وبحسب دينا شحاتة، يميل أبناء هذا الجيل، بدلاً من ذلك، إلى خطابٍ يركز على الاستقلال الفردي والاعتماد على الذات. ويظهر هذا الميل بين بعض الذكور وقطاعاتٍ من الشباب البيض، وكذلك بين الأقل ارتباطاً بالبيئات الجامعية والخطابات التقدمية السائدة.
تكشف الانقسامات داخل "جيل زد" عن تبايناتٍ سياسيةٍ بين الفئات العمرية الأصغر والأكبر. فثمّة بياناتٌ صادرةٌ عن استطلاعٍ لشباب جامعة "ييل" أظهرت ميل المشاركين الذين تراوحت أعمارهم بين 18 و21 سنة إلى الجمهوريين في انتخابات سنة 2026، بفارقٍ يقارب اثنتي عشرة نقطة، مقابل ميل من تراوحت أعمارهم بين 22 و29 سنة إلى الديمقراطيين بفارق نحو ستّ نقاط. وتتحدى هذه النتائج الفكرة الشائعة بميل الأجيال الأصغر سناً إلى المواقف التحررية. وترى رايتشل جانفازا، في تقريرٍ نشره موقع "بوليتيكو" سنة 2025، أن هذا الانقسام يعكس مساراً تشكَّل خلال السنوات الأخيرة، مع تبلور تيارين أو تجربتين مختلفتين نسبياً داخل التكوين السياسي للجيل.
تشكّل وعي "جيل زد" السياسي في سياقين مختلفين داخل الجيل نفسه. فوفقاً لرايتشل جانفازا، أظهرت جلسات النقاش والاستماع التي أُجريت بعد انتخابات التجديد النصفي سنة 2022 فروقاً داخليةً بين تيارين أو نسختين من الجيل، لكلٍ منهما تجربته السياسية الخاصة. وشملت هذه الجلسات مدارس ثانويةً وجامعاتٍ ومراكز مجتمعيةً في مناطق متعددةٍ داخل الولايات المتحدة، من أجل فهم طريقة تفكير أبناء الجيل في السياسة وتكوّن مواقفهم. وكشفت هذه الحوارات أن النسخة الأولى من "جيل زد" عاشت قدراً من الاستقرار قبل جائحة كورونا، وتزامن تشكّل وعيها السياسي مع ولاية دونالد ترامب الأولى وصعود حركاتٍ معارضةٍ له ركزت على قضايا العدالة والمساواة الجنسانية. أما النسخة الثانية، فتشكّل وعيها مع حلول سنة 2020 في سياقٍ ارتبط بجائحة كورونا وتداعياتها. وأثرت الجائحة في تجربتهم التعليمية من المدرسة حتى الجامعة، إذ انتقل كثيرٌ منهم إلى الدراسة عبر الإنترنت أو إلى بيئاتٍ جامعيةٍ مختلفةٍ عما سبق الجائحة. وتغير السياق السياسي أيضاً مع وصول جو بايدن إلى الحكم وصعود حركة "ماغا" التي جذبت عدداً من الشباب نحو مواقف يمينيةٍ، خاصةً بين الذكور.
أدّى النوع الاجتماعي دوراً في تشكيل سلوك التصويت داخل "جيل زد" خلال انتخابات سنة 2024. إذ أظهر تحليلٌ أجرته "بلو روز ريسيرتش" فجوةً بلغت عشرين نقطةً في دعم الديمقراطيين بين الرجال والنساء دون سنّ الخامسة والعشرين. وذكرت مديرة الأبحاث في المؤسسة أن الفارق المعتاد بين الرجال والنساء في الفئة العمرية نفسها يكون في حدود خمس نقاطٍ إلى عشر. ولا تفسّر هذه الفجوةُ الجنسانيةُ التحولَ السياسيَّ داخل الجيل. فبينما كان للذكور دورٌ في تعزيز نتائج دونالد ترامب، أظهر استطلاع جامعة "ييل" عدم اقتصار الميل نحو اليمين عليهم. إذ تنقسم نساء الفئة العمرية بين 18 و21 سنة بين تأييدٍ ومعارضةٍ متقاربين لترامب، بينما تنظر نساء الفئة بين 22 و29 سنة إليه نظرةً سلبية.
يشكل "جيل زد" كتلةً انتخابيةً صاعدةً تدفع الساسة الأمريكيين إلى إعادة النظر في خطابهم تجاه السياسة الخارجية. فمع تزايد معدلات مشاركة أبناء هذا الجيل في التصويت، يصبح تجاهل قضايا مثل حقوق الإنسان وتغير المناخ أكثر تكلفةً انتخابياً، خاصةً في الولايات المتأرجحة. ويدفع ذلك المرشحين إلى إعادة ضبط خطابهم ومواقفهم الخارجية بما ينسجم مع حساسيات هذا الجيل، حتى ولو لم ينعكس دائماً في تغييراتٍ جذريةٍ على مستوى السياسات الفعلية.
حاول جو بايدن تعزيز حضوره بين الشباب بإدماج الاهتمام بتوجهاتهم داخل حملته وخطابه السياسي. فاستعان بخبراء مختصين بدراسة مواقف الشباب، مثل مدير استطلاعات الرأي في معهد السياسة التابع لكلية كينيدي بجامعة هارفارد جون ديلا فولبي، الذي ضُمَّ إلى الدائرة الاستشارية العليا للحملة لضمان حضور صوت هذه الفئة داخل عملية صنع القرار السياسي. وواجه بايدن، على مستوى الخطاب الانتخابي، منافسةً مباشرةً من بيرني ساندرز، الذي حظي بدعمٍ واسعٍ بين الشباب بفضل أجندته التقدمية المرتبطة بأولوياتهم، مثل تخفيف ديون القروض الطلابية أو إلغائها، وتوسيع الرعاية الصحية، والتعامل بحزمٍ أكبر مع تغير المناخ. ودفعه هذا إلى تبنِّي بعض هذه الطروحات في خطابه ووعوده السياسية، سعياً لاستيعاب هذا التيار الشبابي.
وحرصت كامالا هاريس، خلال حملتها في الانتخابات الرئاسية سنة 2024، على التقرب من "جيل زد" ومخاطبة أولوياته السياسية والاجتماعية. فعند سؤالها عن رؤيتها للمرحلة المقبلة، في حال وصولها إلى الرئاسة، أجابت بالدعوة إلى طيِّ صفحة الاستقطاب السياسي الحادِّ والعمل على استعادة روح الطموح لدى الأمريكيين. وركزت على ضرورة إعادة النظر في معايير التأهيل المهني، وألا تبقى الشهادات الجامعية المسار الوحيد أمام الشباب، مع فتح المجال أمام التدريب المهني والخبرة العملية. وأشادت بوعي "جيل زد" السياسي وتجربته الاجتماعية، ووصفت أبناءه بالقادة الذين يمتلكون رؤيةً واضحةً تشكلت في سياقٍ مختلفٍ عن الأجيال السابقة. وربطت هذا الوعي بأزماتٍ مثل تغير المناخ واعتياد تهديدات العنف المسلح داخل المدارس. واعتبرت "عدم الصبر" المميز لهذا الجيل سمةً إيجابيةً تعكس استعدادهم للمشاركة في التغيير بدل الاكتفاء بالمراقبة. ودعت إلى الاستثمار في قدراتهم وتوسيع إشراكهم في الحياة العامة. وأظهر استطلاعٌ أجرته شبكة "إن بي سي" في سبتمبر سنة 2024 حصول هاريس على تأييد 50 بالمئة من ناخبي هذا الجيل، مقابل 34 بالمئة لمنافسها ترامب.
امتد استهداف "جيل زد" من الانتخابات الرئاسية إلى السباقات المحلية في المدن الأمريكية. وتُعد حملة زهران ممداني في انتخابات رئاسة بلدية نيويورك من أبرز أمثلة هذا التحول. إذ اعتمدت على إشراك الناخبين الشباب بحضور فعالياتهم والاستماع إليهم والتقاط الصور معهم، ما انعكس في ارتفاع معدلات التسجيل والتصويت بينهم، وحصوله على دعمٍ واسعٍ بلغ نحو 75 بالمئة من أصواتهم. وركزت الحملة أيضاً على قضايا تمسّ أولويات هذه الفئة، خاصةً الأوضاع الاقتصادية، مع توظيف وسائل التواصل الاجتماعي والعمل الميداني واسع النطاق للتواصل معهم. وظهر الإدراك نفسه في انتخابات رئاسة بلدية بوسطن، إذ تعاملت ميشيل وو وأنيسة إسايبي جورج مع الشباب كتلةً قادرةً على ترجيح الكفة، في ظل ارتفاع مشاركة طلاب الجامعات والناخبين الشباب، ووجَّهتا خطابهما الانتخابي تجاه استقطاب أصواتهم.
تناولت النقاشات الأمريكية أثر تحول "جيل زد" إلى كتلةٍ انتخابيةٍ صاعدةٍ في إعادة تشكيل المواقف من السياسة الخارجية. إذ استضاف معهد كاتو كلاًّ من كريستوفر تشيفيس ولورين مورغانبسر من مؤسسة كارنيغي للسلام الدولي، في نقاشٍ حول مواقف هذا الجيل من السياسة الخارجية الأمريكية والعلاقة بين الرأي العام وصنع القرار. وأكد المشاركون أن "جيل زد" لا يتبنى التصورات التقليدية عن السياسة الخارجية التي سادت لدى الأجيال السابقة، بل ينظر إلى العالم من زاويةٍ تشكلت في سياق نشأته وتجربته السياسية. وأشاروا إلى أن التأثير غير المباشر لهذا الجيل في الرأي العام يزداد مع الوقت، خاصةً مع تحوله إلى كتلةٍ انتخابيةٍ أكبر وأكثر مشاركة.
ورأى المشاركون أن "جيل زد" لا يرفض الانخراط الدولي البتَّة، لكنه يعيد تعريفه. فهو أقل حماساً لفكرة "الهيمنة الأمريكية"، وأكثر ميلاً إلى الشراكات الدولية وتقاسم الأعباء. ويبدو أكثر تشككاً في فعالية القوة العسكرية أداةً لحلِّ النزاعات، ويرى أن أدواتٍ مثل الدبلوماسية والتعاون متعدد الأطراف والسياسات الاقتصادية قد تكون أكثر فاعليةً. ولا يفصل أبناء هذا الجيل بين السياسة الداخلية والخارجية، بل يرون القضايا مترابطةً، فيربطون ما يحدث داخل الولايات المتحدة بدورها في العالم. وخلص النقاش إلى أن هذا التحول لا يعني تغييراً فورياً في السياسة الخارجية، لكنه يشير إلى اتجاهٍ طويل المدى سيؤثر خلاله هذا الجيل تدريجياً في شكل السياسات مع دخوله إلى مواقع التأثير، سواءً عبر التصويت أو عبر العمل داخل مؤسسات الدولة.

