الدفاع عن المسيحية ستاراً للسياسات النفطية الأمريكية

يلوّح ترامب بتدخل عسكري سريع في نيجيريا بذريعة حماية المسيحيين، مدفوعاً بمصالح اقتصادية خفية.

Share
الدفاع عن المسيحية ستاراً للسياسات النفطية الأمريكية
المحرك الأساس مزيج من المصالح| تصميم خاص بالفراتس

نشر الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في مطلع شهر نوفمبر 2025 رسالةً قصيرةً على منصة "تروث سوشيال" أعلن فيها طلبه من وزارة الدفاع الاستعداد لـعملٍ عسكريٍ سريعٍ في نيجيريا "إذا لم تتحرك حكومتها لوقف قتل المسيحيين". لم يُظهر الرئيس الأمريكي دلائل ولم يورد تفاصيل، واكتفى بوصف نيجيريا بأنها "دولة مخزية".

بعد شهرين تقريباً على هذا التصريح، ضرب الجيش الأمريكي فنزويلا واحتجز رئيسها وزوجته في عمل عسكري خاطف. بررت الإدارة الأمريكية في البداية العملية بمحاربة الديكتاتورية وحماية مواطنيها من مخدّر "فينتانيل"، متهِمةً الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو بالمسؤولية المباشرة عن تهريبه. سحبت وزارة العدل الأمريكية ذلك الاتهام لاحقاً، فيما لم يُخفِ الرئيس الأمريكي مراراً في تصريحاته أن النفط الفنزويلي دافعٌ جوهريٌ لرغبة بلاده في إدارة فنزويلا. ولم تكن تصريحات ترامب تجاه نيجيريا الغنية نفطياً بمعزلٍ عن هذا السياق، ولكن تحت ستارٍ مختلف. فعشيّة نشر رسالته، أعادت إدارة ترامب إدراج نيجيريا على قائمة الدول المثيرة للقلق في ملف الحرية الدينية، بعد رفعها من القائمة نفسها في عهد الرئيس السابق جو بايدن. وسبق لترامب أن أدرج نيجيريا على تلك القائمة خلال ولايته الأولى مستنداً إلى قانون الحريات الدينية الدولية الصادر سنة 1998. إعادة نيجيريا للقائمة بدت كأنها تمهيدٌ لنبرةٍ أكثر حدّةً، تتجاوز الإدانة وتقترب من التلويح بالقوة.

تهديد ترامب بالتدخل العسكري في نيجيريا لم يكن ردّ فعلٍ على واقعةٍ بعينها، بل مواصلةً لخطابٍ ممتدٍ منذ عقودٍ، يجنح فيه الحزب الجمهوري لمَوضَعة الدين في قلب السياسة الخارجية الأمريكية. عاد ترامب إلى مقعد الرئاسة على جسر الدفاع عن المسيحية البيضاء في بلدٍ معقدٍ دينياً، يتصاعد فيه الخطاب اليميني. وفي تصريحاته تجاه نيجيريا، يستند الرئيس الأمريكي وإدارته إلى رواياتٍ غير دقيقةٍ عن إبادةٍ جماعيةٍ تستهدف المسيحيين حصراً، لتبرير ما يمارسه من ضغوطٍ وينذر به من تهديداتٍ ضد الحكومة النيجيرية.

من خلال خطابه المستند إلى الدفاع عن المسيحيين في نيجيريا، يغازل ترامب قاعدته اليمينية في الداخل لترسيخ ولائها، وينسج لنفسه غطاءً للتدخل في منطقةٍ استراتيجيةٍ غنيةٍ بالنفط. ما يفعله ترامب ليس جديداً، بل استدعاءً لأسلوبٍ ظلّ حاضراً في علاقة الغرب بنيجيريا عقوداً، ألا وهو استخدام الدين لتبرير النفوذ، وتبرير التدخل السياسي بحماية الأقليات.


حينما تستخدم الولايات المتحدة شعار حماية المسيحية للتدخل في نيجيريا أو الضغط عليها، فإنها تستند إلى تراثٍ طويلٍ من استخدام الدين سياسياً للتمهيد لاحتلال دولٍ أو التدخُّل فيها، لاسيما في إفريقيا. إذ اضطلعت البعثات التبشيرية في التمهيد للغزو أو التدخل وترسيخه.  

بدأ النشاط التبشيري في نيجيريا في القرنين الخامس عشر والسادس عشر. وإن لم تنجح الحملات الأولى في جذب المجتمعات المحلية لقبول المسيحية ولا في تحقيق أهدافها التنموية المعلَنة. وذلك وفقاً لدراسة "يوروبيان آند أميريكان كريسشن ميشنز آند نايجيرياز ديفِلوبمنت [. . .]" (البعثات المسيحية الأوروبية والأمريكية وتنمية نيجيريا) للباحثَيْن بينجامين ديارا وجورج نتشي المنشورة سنة 2013. لكن الحملات عادت بعد غيابٍ زاد على قرنين ونصف القرن. وكانت البعثة البريطانية التي وصلت نيجيريا سنة 1842 أول بعثةٍ تبشيريةٍ ناجحةٍ في تحقيق أهدافها. وفي الحقبة الممتدة بين 1842 و1900، استقبلت نيجيريا خمس جمعياتٍ تبشيريةٍ رئيسةٍ، وضعت بها بريطانيا والولايات المتحدة أقدامهما على التراب النيجيري. وهي جمعية التبشير الكنسي التابعة لكنيسة إنجلترا، والإرسالية الميثودية الويلزية والكنيسة المشيخية الأسكتلندية المتحدة واتفاقية المعمدانيين الجنوبيين من الولايات المتحدة والجمعية الكاثوليكية الفرنسية للبعثات الإفريقية. 

تحسست تلك البعثات الخطى قبل وصول الاحتلال البريطاني إلى نيجيريا سنة 1900. وخلال حقبة الاحتلال التي امتدت ستّين عاماً وانتهت في 1960، ظلّ المبشرون يعملون بحرّيةٍ وينفذون مشروعاتهم التنموية ذات البعد التبشيري بين المجتمعات المحلية باستقلالٍ نسبيٍ عن الإدارة الاستعمارية حينئذ. وأسهمت بعثاتهم في بناء مدارس ومستوصفاتٍ وترجمة النصوص المسيحية للّغات المحلية في نيجيريا. ما خلق أطراً تعليميةً وثقافيةً جديدةً وأنتج نخبةً مسيحيةً نيجيريةً ارتبطت بالمؤسسات التبشيرية الغربية.

مع رحيل الاستعمار البريطاني عن نيجيريا في أكتوبر 1960، انتقل مركز التأثير إلى الولايات المتحدة. شهدت سبعينيات القرن العشرين تحولاً جذرياً، إذ بدأ التيار الإنجيلي المحافظ في الولايات المتحدة بتوسيع دوره لخدمة أهداف السياسة الخارجية، مسيّساً العمل الإنساني، كما ترصد لورين توريك المتخصصة في تاريخ الدبلوماسية في كتابها "تو برينغ ذا غاد نيوز تو أول نيشنز" (التبشير بكلمة الرب للأمم جميعاً) الصادر سنة 2020 حيث تبحث في تاريخ استخدام التبشير في السياسة الخارجية الأمريكية. 

في كتابه "فريينغ غادز تشيلدرين" (تحرير أبناء الرب) الصادر سنة 2004، يرصد آلين دي هيرتزك تطور فاعلية الضغوط التي تمارسها الحكومة الأمريكية على دولٍ أخرى لضمان حماية الحريات والأقليات الدينية، ويبين كيف أصبحت منظماتٌ دوليةٌ أخرى غير حكوميةٍ تتدخل للضغط على تلك الدول لاحترام حقوق الأقليات الدينية. وفي نظر هيرتزك فإن تقرير الحريات الدينية الذي تصدره الخارجية الامريكية سنوياً منذ سنة 1999، أي السنة التالية مباشرةً لبدء سريان قانون حماية الحريات الدينية في الخارج، هو أداةٌ دبلوماسيةٌ فعالةٌ في ترسانة الأسلحة الدبلوماسية المتوفرة عند الإدارات الأمريكية. 

يبين هيرتزك الدور الذي أدّته المنظمات الإنجليكانية (التبشيرية) الأمريكية في تأطير الصراع الذي شهدته السودان قبل انقسامها صراعاً ضد المسيحية، متجاهلةً العوامل العرقية والاقتصادية السياسية الكامنة وراء صراع نظام الرئيس السابق عمر البشير مع عرقيات جنوب السودان. وبالنظر للخطاب الأمريكي الرسمي تجاه نيجيريا، الظاهر في تقارير الحرية الدينية السنوية كما في تصريحات مسؤولي إدارة ترامب، يمكننا أن نلحظ كيف تسير الإدارة الأمريكية الحالية على النهج نفسه. 

أنشأ قانون الحرية الدينية الدولية آلياتٍ رسميةً منها منصب السفير المتجول، وهو شخصٌ يرشحه الرئيس الأمريكي بموافقة مجلس الشيوخ للتحدث بِاسم الولايات المتحدة في القضايا المتعلقة بالحرية الدينية في منطقةٍ جغرافيةٍ ما. كذلك مكّن القانون الحكومةَ من تصنيف الدول المخالفة بلداناً "مقلِقةً استثنائياً". وهو تصنيفٌ تمنحه وزارة الخارجية الأمريكية للدول التي تنخرط في أو تتسامح مع انتهاكاتٍ "مستمرة وممنهجة" لحرية الأديان. ويمنح القانون الخارجيةَ الأمريكيةَ حقّ التقييد أو الوقف للمساعدات المقدمة للدولة التي يلحق بها هذا التصنيف.

أسّست هذه الآليات إطاراً جاهزاً للتوظيف السياسي، وهو ما تسعى إدارة ترامب وأنصارها من تيار "ماغا" (لنجعل أمريكا عظيمةً مجدداً) لاستغلاله، ولدمج توظيف الدين مع تحقيق مصالحها والاقتصادية والسياسية في نيجيريا.


تهديد ترامب بغزو نيجيريا بسبب مزاعم قتل المسيحيين يعيد إنتاج أساليب استعماريةٍ قديمة. إذ بدأ تسييس الدين لخدمة المصالح السياسية والاقتصادية منهجياً في إفريقيا في القرن التاسع عشر، حين وظفت القوى الاستعمارية الأوروبية الخطابَ المسيحيَّ لتبرير التوسع في القارة الثرية بالموارد الطبيعية بالتبشير وحماية الإيمان، بما أسهم في تمدد سلطتها في القارة وإعادة تشكيل البنى الاجتماعية والثقافية بما يخدم منظومة السيطرة. ومع تراجع الإمبراطوريات الأوروبية بعد الحرب العالمية الثانية، لم يتلاشَ هذا المنطق. بل انتقل إلى القوى الغربية، وفي مقدمتها الولايات المتحدة، التي أعادت توظيف الخطاب الديني في سياقات الصراع والحرب.

يقدّم ترامب هذا الخطاب اليوم في غلافٍ دينيٍ وسياسيٍ أكثر حدّة. داخلياً، لإرضاء قاعدته اليمينية المحافظة، خاصةً التيارات الإنجيلية المرتبطة بحركة "ماغا"، التي تتجاوب مع تلك الروايات. وخارجياً، لأهدافٍ تتعلق بالنفط إذ إن نيجيريا أكبر منتجٍ له في إفريقيا. وبحثاً عن نفوذٍ يضمن للولايات المتحدة حضوراً سياسياً وأمنياً مؤثراً في غرب إفريقيا الغني بالمعادن النفيسة والنفط. 

داخلياً، يسعى ترامب لحشد الدعم ضمن قاعدته الانتخابية التي تضم ناخبين محافظين ومسيحيين إنجيليين يهتمون بمسائل الاضطهاد المسيحي العالمي. يتماشى مع هذا الخطاب إعلانُه أن ثمّة تهديداً وجودياً للمسيحية في نيجيريا، مما يعزّز ولاء هذه القاعدة القوية. ويتقاطع خطاب ترامب مع بعض المشرّعين المتشددين مثل السيناتور الجمهوري عن ولاية تكساس تيد كروز، الموالي لترامب وقاعدته الانتخابية من القساوسة الإنجيليين. استعرض كروز مزاعم القتل الجماعي في نيجيريا، وحشد الإنجيليين لحثّ الكونغرس على تصنيفها دولةً منتهِكةً الحريةَ الدينيةَ، في خطوةٍ وصفها بأنها حاسمةٌ في محاسبة المسؤولين النيجيريين وتغيير سلوكهم.

ولم يأتِ هذا الخطاب من فراغٍ، إذ ارتبط بلحظةٍ سياسيةٍ أعادت دفعه إلى الواجهة. تصريحات ترامب ضد نيجيريا جاءت في نوفمبر 2025 عقب مقتل الناشط الأمريكي المحافظ تشارلي كيرك، الذي روّج  لادعاءات  حول إبادة المسيحيين في نيجيريا. وذكر موقع الجزيرة  نقلاً عن "تايمز" البريطانية أن كيرك استند إلى "أرقام مثيرة للجدل" تتحدث عن مقتل 125 ألف مسيحيٍّ وتدمير 19 ألف كنيسةٍ في خمسة عشر عاماً. وحسب تقرير التايمز، جاءت تصريحات ترامب متماشيةً مع تصريحاتٍ معلنةٍ من شخصياتٍ دينيةٍ نافذةٍ في محيطه، مثل القسيسة بولا وايت التي أسماها ترامب مستشارةً روحيةً للبيت الأبيض، والقسّ فرانكلين غراهام أحد أعمدة تيار "ماغا" الدينية. وكلاهما يدعي أن نيجيريا تشهد إبادةً بحق المسيحيين. غير أن الصحيفة أشارت إلى أن بياناتٍ أمريكيةً مستقلةً تُظهر أن العنف في نيجيريا معقدٌ ومتعدد الدوافع، وأن ضحاياه ينتمون إلى دياناتٍ مختلفة. إذ قُتل أكثر من عشرين ألف شخصٍ منذ سنة 2020، بينهم مسلمون ومسيحيون. الأكاديمية أولاجوموكي أوياندِلي من مركز الشؤون العالمية بجامعة نيويورك حذّرت من أن التركيز على هوية الضحايا الدينية أو العرقية قد يزيد الأزمة تعقيداً. مؤكدةً أن ما يجري عمليات قتلٍ جماعيٍّ لا تستهدف جماعةً بعينها.

ذكر موقع "أُول سايدز"، المتخصص في رصد التحيز الإعلامي، نقلاً عن موقع "سترَيت آرو نيوز"، أن تغطية العنف في نيجيريا تكشف عن انقساماتٍ حزبيةٍ حادةٍ في مصادر المعلومات وتأطيرها. واستشهدت وسائل إعلامٍ، وصفها التقرير بأنها ذات ميولٍ يساريةٍ، مثل "سي إن إن" و"أسوشيتد برس" و"واشنطن بوست" ببيانات مشروع مواقع وأحداث الصراعات المسلحة "أكليد" ومقرّه الولايات المتحدة، الذي أفاد بمقتل بضع مئاتٍ فقط من المسيحيين بسبب عقيدتهم منذ سنة 2020، وأن معظم أعمال العنف عشوائية. 

على الجانب النيجيري، وإضافةً للتصريحات الرسمية من رئيس البلاد بولا تينوبو التي يرفض فيها تصريحات دونالد ترامب ومزاعمه، نشر المستشار الحكومي النيجيري ننامدي أوباسي مقالاً على موقع "كرايسيس غروب" (مجموعة الأزمات) في نوفمبر 2025 نفى فيه أن يكون المسيحيون في خطرٍ استثنائيٍّ أو أن يكون القتل على الهوية الدينية من أسباب معدلات الجريمة المرتفعة في نيجيريا. وفنّد أوباسي في مقاله مزاعم عدم اهتمام الحكومة النيجيرية بالتصدي للعنف الموجّه للمسيحيين، وقال إن هذا الزعم "يسيء تفسير تعقيد العنف والعلاقات بين الأديان في بلاده". 

وتوضح تحليلات أوباسي أن التهديدات الأمنية النيجيرية متداخلةٌ ومتعددة الأوجه إذ تنبع من جملة عوامل تشمل التطرف الديني والتنافس على الموارد والنزاعات على الأراضي. وأضاف بأن هذا التعقيد يعني أن حوادث العنف التي راح ضحيتها مسيحيون لا يمكن ردّها جميعها إلى العنف الديني، بل تحركها عوامل متداخلة. وتأكيداً لهذا التحيز الإعلامي، نفت وكالة "أسوشيتد برس" الأمريكية ادعاءات تيد كروز، عضو مجلس الشيوخ الأمريكي، ومسؤولي إدارة ترامب بشأن وجود "إبادة جماعية" للمسيحيين في نيجيريا. وأكدت الوكالة أن البيانات تخالف ذلك، مشيرةً إلى أن غالبية ضحايا الجماعات المسلحة هم المسلمون في شمال نيجيريا ذي الأغلبية المسلمة حيث تحدث معظم الهجمات.

على المستوى الخارجي، يبرز النفط عاملاً محركاً للتدخل بحجة الصراع الطائفي. فنيجيريا أكبر منتجٍ للنفط في إفريقيا، بمتوسط إنتاجٍ يبلغ نحو 1.55 مليون برميل يومياً، وفق مؤشرات 2025. كانت الولايات المتحدة تستورد ما يقرب من 9 بالمئة من احتياجاتها النفطية من غرب إفريقيا قبل سنة 2015. لكنها اتجهت لتنويع مصادر الطاقة، مع تراجع الإنتاج الأمريكي من الصخر الزيتي (النفطي) في 2025 وتوقعات استمرار التراجع أيضاً في 2026. ووفقاً لتقرير "كريسشيانِتي فور أويل" (المسيحية من أجل النفط) المنشور في صحيفة الاستقلال التركية في نوفمبر 2025، فإن مسؤولين في وزارة الطاقة الأمريكية قالوا إن إدارة ترامب تدرس زيادة واردات النفط من نيجيريا ضمن خطة تنويع الطاقة، وهو ما يؤكد فتح واشنطن قنواتٍ لاستيراد الخام النيجيري، تحسباً لأيّ اضطرابٍ في الإمدادات من الشرق الأوسط.

بدأ اهتمام دونالد ترامب بإفريقيا ومواردها الطبيعية في ولايته الأولى إذ كشفت إدارته في ديسمبر 2018 عن الاستراتيجية الإفريقية الجديدة التي ارتكزت على ثلاثة محاور هي الازدهار  والاستقرار والأمن عبر مواجهة الإرهاب الإسلامي المتطرف والنزاعات العنيفة. هذا الإطار شهد تحولاً مع بداية ولايته الثانية، لينتقل لجدولٍ زمنيٍ يركز على المصالح، وفي مقدمتها تأمين المعادن الحيوية. ظهر هذا التحول في الاجتماع المصغر الذي عقده ترامب مع رؤساء الغابون وغينيا بيساو وليبيريا وموريتانيا والسنغال ما بين 9 و11 يوليو 2025. إذ أشاد ترامب في الاجتماع بالمعادن الموجودة في إفريقيا، وقال صراحةً إن وصول الولايات المتحدة لتلك الموارد أولويةٌ مركزية. 

جاءت تصريحات وزير الطاقة الأمريكي كريس رايت خلال قمة تمكين إفريقيا بالطاقة، التي عقدت في واشنطن في مارس 2025، تأكيداً مباشراً على رؤية ترامب في نيجيريا دولةً نفطيةً محورية. قال رايت خلال القمة إن الإدارة الأمريكية لن تحدد للدول الإفريقية كيفية استغلال مواردها الطبيعية. وتابَع: "هدفنا واضح، إفريقيا تحتاج إلى قدرٍ هائلٍ من الطاقة. والأفارقة سيحددون ذلك، وهم من سينفذونه. والولايات المتحدة سعيدةٌ بالشراكة معكم في هذا المسعى. هذه الحكومة على الأقل لا ترغب في أن تأتي لتقول لكم ما هو الجيد وما هو السيّئ في أنظمة الطاقة لديكم. هذا أمرٌ غير منطقيٍ البتّة".

تتجاوز دوافع الإدارة الأمريكية الحالية قضايا الحرية الدينية. ترى واشنطن في نيجيريا نقطة ارتكازٍ ضروريةً لمواجهة توسع النفوذ الصيني والروسي المتسارع في القارة. في المقابل تأتي المساعي الأمريكية لضمان وصول شركاتها إلى احتياطيات الطاقة والموارد المعدنية الحيوية في البلاد، والتي تعدها أولويةً قصوى.


لا يمكن فهم خطاب اضطهاد المسيحيين بمعزلٍ عن عقيدةٍ سياسيةٍ دينيةٍ راسخةٍ داخل التيار الجمهوري المحافظ وامتداداتها في حركة "ماغا". ظهرت هذه العقيدة في خطابات رؤساء أمريكيين مثل رونالد ريغان وجورج بوش الابن عبر توظيف نبوءاتٍ مسيحيةٍ ومفردات "الحرب الصليبية" لتبرير الحروب والتدخلات، في امتدادٍ مباشرٍ للمنطق الاستعماري الذي استخدم الدين غطاءً للسيطرة والتوسع.

شهد عهد الرئيس رونالد ريغان من 1981 حتى 1989 صعوداً لجماعات ضغط اليمين المسيحي الإنجيلي الذي يؤمن بنبوءات نهاية الزمان. لم يكن هذا التداخل بين الدين والسياسة وليد رئاسة ريغان، بل سبق وصولَه إلى البيت الأبيض بأعوامٍ، حين عبّر صراحةً عن قناعاته اللاهوتية المرتبطة بنبوءات نهاية الزمان. قال ريغان في لقاءٍ مع إحدى القنوات المحلية بكاليفورنيا حين كان حاكماً للولاية سنة 1971: "حين أقرأ في سفر الرؤيا أن جيوش العالم ستتجمع في الشرق الأوسط لهرمجدون، لا أستطيع تجاهل أنه قد يحدث في زماننا". 

ومعركة هرمجدون نبوءةٌ مذكورةٌ في سفر الرؤيا تتنبأ بصراعٍ عسكريٍ يجمع جيوش العالم ويؤدي إلى هزيمة قوى الشر في نهاية العالم. في كتاب"غاد آند رونالد ريغان: آ سبيرِتشوَل لايف" (الله ورونالد ريغان: حياة روحانية) للكاتب بول كينغور الصادر سنة 2004، وُثِّقَت قناعات ريغان الدينية، وتبيّن أنها كانت راسخةً قبل تولّيه رئاسة الولايات المتحدة الأمريكية، وأنها شكّلت الأساس العقائدي لسياسته الخارجية فيما بعد، وتجلّى هذا في علاقته بالاتحاد السوفييتي. 

في مارس سنة 1983، وصف ريغان الاتحادَ السوفييتي بإمبراطورية الشر. وأعلن عن مبادرة الدفاع الاستراتيجي المعروفة بِاسم "حرب النجوم"، وهي خطةٌ لتطوير درعٍ صاروخيٍ في الفضاء لحماية أمريكا، وكان الهدف منها دفع الاتحاد المتعثر اقتصادياً وقتئذٍ لسباق تسلحٍ يستنزفه. في المقابل أعلن ريغان عن دعم مناهضي الشيوعية عالمياً ضمن ما أطلق عليه "عقيدة ريغان". وأجبر الضغط الماليُّ الزعيمَ السوفييتيَّ آنذاك ميخائيل غورباتشوف على التفاوض والإصلاح. حتى انهار الاتحاد السوفييتي في 1991، بعد عامين من مغادرة ريغان منصبَه رئيساً للولايات المتحدة.

عاد هذا المنطق مجدداً مع إدارة جورج بوش الابن. استخدم بوش في عهد رئاسته ما بين 2001 و2009 مصطلح "حملة صليبية" بعد هجمات الحادي عشر من سبتمبر ليبرر عدوانه على أفغانستان والعراق. وبعد هجمات الحادي عشر من سبتمبر 2001، اتهم بوش العراقَ بالسعي لامتلاك أسلحة دمارٍ شامل. وخلال سنة 2002 وبداية 2003، أكدت تقارير الوكالة الدولية للطاقة الذرية عدم العثور على دلائل حاسمةٍ على وجود برامج نشطةٍ في العراق لأسلحة دمارٍ شامل. ومع ذلك، شنّت الولايات المتحدة وبريطانيا هجوماً عسكرياً على العراق في مارس 2003، وسقط نظام الرئيس العراقي صدام حسين بعد أسابيع قليلةٍ من بدء العمليات العسكرية. ولم يعد سراً خافياً داخل الولايات المتحدة نفسها أن النفط كان دافعاً رئيساً لاستغلال هجمات الحادي عشر من سبتمبر رافعةً لشنّ الحرب على العراق واحتلاله. 

السفير البريطاني في واشنطن كريستوفر ماير قال في وثائق حكوميةٍ بريطانيةٍ نشرتها صحيفة الشرق الأوسط في يوليو 2025 إن بوش كان يرى نفسه قائداً لشعب الله المختار في حملةٍ ضدّ قوى الشر. فكان مدفوعاً بقناعاتٍ دينيةٍ راسخةٍ كونَه مسيحياً "وُلد من جديد" (تيار كنسي إنجيلي). رأى بوش الابن أنه في مهمةٍ مقدسةٍ لتطهير العالم من الأشرار، معتبراً القيم الأمريكية نموذجاً عالمياً يجب أن يحتذى.

في هذا السياق، لا يبدو خطاب دونالد ترامب قطيعةً مع الماضي بقدر ما هو امتدادٌ مباشرٌ له. الأفكار التي شكّلت الخلفية العقائدية لسياسات ريغان وبوش، وإنْ لم تُطرح آنذاك سياساتٍ رسميةً، لكنها أسهمت في إضفاء بعدٍ دينيٍ على التدخلات الأمريكية بالخارج لدى قاعدة الحزب الجمهوري. ومع عودة ترامب إلى الحكم، تحول هذا الإرث إلى ممارسةٍ أكثر وضوحاً، مع تصاعد نفوذ التيار الإنجيلي المحافظ وانخراطه المباشر في ملفات السياسة الخارجية. 

ينقل موقع الجزيرة عن موقع "أفريكا ريبورت" في نوفمبر 2025 أن ترامب اعتمد على هذه الشبكات خلال حملته الانتخابية لرئاسته الأولى سنة 2016، وتمكن بها من الحصول على ما يقرب من 80 في المئة من أصوات الإنجيليين. ووفقاً للتقرير فإن باولا وايت التي تترأس "مكتب الإيمان" بالبيت الأبيض تجسّد هذا الصعود، إذ تربطها صلاتٌ وثيقةٌ بقادةٍ إنجيليين أفارقةٍ يمتدّ نفوذهم لدوائر سياسيةٍ في واشنطن. وهو ما يكشف عن ملامح "دبلوماسية دينية جديدة" يتقاطع فيها النفوذ الإنجيلي مع مصالح واشنطن الاستراتيجية في القارة الإفريقية.

يتعارض توظيف الدين في السياسة الخارجية مع الدستور الأمريكي الذي يقوم عملياً على الفصل بين الدين والدولة. إذ ينص الدستور على حظر إقامة دينٍ وطنيٍّ، وهو ما جرى تفسيره تاريخياً فصلاً إلزامياً بين الدين والدولة. في المقابل وقّع ترامب في أبريل 2025 أمراً تنفيذياً بإنشاء لجنةٍ رئاسيةٍ للحرية الدينية، في خطوةٍ تساءل بها صراحةً عن مبدأ الفصل بين الكنيسة والدولة. وقال ترامب، وفقاً لتقريرٍ نشره موقع "بوليتيكو" في مايو 2025: "قالوا إن هناك بالفعل فصلاً بين الكنيسة والدولة. لا أعلم، هل هذا أمرٌ جيدٌ أم سيّئ؟ لست متأكداً. لكن سواءً كان هناك فصلٌ أم لا، أنتم هنا في البيت الأبيض حيث يجب أن تكونوا. وأنتم تمثلون بلادنا. ونحن نعيد الدين إلى بلادنا، وهذا أمرٌ كبير". وصف التقرير اللجنةَ بأنها تضم شخصياتٍ متشددةً، وتجمع خليطاً من المؤثرين المحافظين والناشطين وقادةٍ دينيين من اليمين المتطرف. على عكس تأكيد البيت الأبيض أن عضوية اللجنة مخصصةٌ لقادةٍ علمانيين ودينيين وخبراء قانونيين، فإن تشكيلها يعكس مسعىً واضحاً لتقويض الفصل الدستوري بين الكنيسة والدولة.

هذا التوتر بين الإطار الدستوري والممارسة السياسية تناولته دراساتٌ أكاديميةٌ تحولاً بنيوياً في صنع القرار الأمريكي. في بحثٍ نشره موقع "سيمانتِك سكولار" سنة 2021 بعنوان "فيث أبرود: [. . .]" (الدين خارج الحدود: كيف يشكل الدين السياسة الخارجية لإدارة ترامب)، كتب مراد أولغول أستاذ العلاقات الدولية بجامعة غازي التركية محللاً السمات الدينية للرئيس الأمريكي وأعضاء فريق سياسته الخارجية. وتوصّل الكاتب إلى أن عهد رئاسته الأول شهد اتخاذ قراراتٍ داخليةٍ وخارجيةٍ مهمةٍ يمكن ربطها بدوافع دينية.


لا يمكن فهم اهتمام إدارة دونالد ترامب بنيجيريا بمعزلٍ عن هذا التاريخ الطويل من تسييس الدين في السياسة الأمريكية. العامل الديني، الذي يقدَّم اليوم دافعاً أخلاقياً وإنسانياً، لا يختلف في جوهره عن الخطابات التي صاحبت التوسع الاستعماري، والتي صاحبت أيضاً خطابات الرؤساء الأمريكيين عقب ذلك. 

تكشف حالة نيجيريا أن المحرك الأساس لهذا التصعيد يظل مزيجاً من المصالح الاقتصادية والسياسية وفي مقدمتها النفط. بينما يُستخدَم الخطاب الديني أداةً لتعبئة القواعد الانتخابية الداخلية وتوفير غطاءٍ سياسيٍ لتحركاتٍ خارجيةٍ أكثر صلابة. غير أن هذا التوظيف ينطوي على مخاطر حقيقيةٍ، إذ يختزل صراعاً معقداً في سرديةٍ دينيةٍ غير حقيقيةٍ، ويمكنه أن يقود إلى سياساتٍ خاطئةٍ أو تصعيدٍ غير محسوب.

اشترك في نشرتنا البريدية