خارج القاعة، يقف محامون يتبادلون الحديث. بعضهم يشرح لموكليه، وآخرون يكتفون بهزّ رؤوسهم في إشارةٍ مفهومةٍ، مفادها الإضراب مستمرّ. فقد دخلَت جمعية هيئات المحامين — إطارٌ مهنيٌّ وطنيٌّ يضمّ مختلف هيئات المحامين في المغرب — في إضرابٍ عن العمل منذ بداية 2026، بعدما أعلنت وزارة العدل عن مشروع قانونٍ لإعادة تنظيم مهنة المحاماة في ديسمبر 2025، ورفضته هذه الهيئات. فدخلت العلاقة بين وزارة العدل وهيئات المحامين منذ تلك اللحظة مرحلةً دقيقةً، انتقلت فيها النقاشات من الحوار المؤسساتيّ في ماهية القانون إلى احتجاجاتٍ في ردهات المحاكم ثم الشارع العام. بدأ الأمر نقاشاً تقنياً عن مشروع القانون، لكنه سرعان ما اتخذ أبعاداً أعمق حين شعر المحامون بأن ما يُطرح ليس لإصلاح المهنة، بل لإعادة تشكيل توازنات العدالة بسنّ قوانين جديدة.
تتعدد النقاط التي أثارت الجدل في مشروع قانون وزارة العدل، أبرزها إعادة تنظيم مسار الولوج إلى المهنة، لاسيما أقصى سنٍّ للترشح ورفع مستوى الشهادة المطلوبة من الإجازة إلى الماجستير. يتضمن المشروع أيضاً مساراً جديداً للتكوين (التدريب) والتأديب، ويفتح المجال أمام المحامين الأجانب لمزاولة المهنة داخل المغرب. كذلك، فهو يُجبر المحامين على تقديم جميع البيانات عن مستحقاتهم المالية ومواردها.
تؤكد وزارة العدل في موقعها الخاص أن مشروع القانون يندرج ضمن رؤيةٍ شاملةٍ لتحديث منظومة العدالة، وأنه يهدف إلى تنظيم الممارسة المهنية والرفع من جودة الخدمات القانونية. وترى الوزارة أن تطبيق المعايير الجديدة للتكوين ومزاولة المهنة وتوحيد التمثيل المهني خطواتٌ ضروريةٌ لمواكبة التحوّلات التي يعرفها المجال القانونيّ وطنياً ودولياً.
لم تكن هذه التبريرات كافية لاحتواء الغضب المهنيّ، وذلك لفجوة الثقة بين الطرفَين التي أحدثها تغيير صياغة مشروع القانون. فالمحامون يرون أن مشروع القانون الذي أعدّته الوزارة يهدد أُسس "دولة الحق والقانون". وفي ندوةٍ صحفيةٍ عُقدت على وقع الاحتجاجات في فبراير 2026، عدّ رئيس جمعية هيئات المحامين الحسين الزياني مشروع القانون "مسّاً خطيراً بالمقوّمات الأساسية لرسالة الدفاع، ويتعارض كلياً مع عددٍ من المواثيق الدولية والمرجعيات الأساسية ومع المبادئ الكبرى ودستور المملكة".
هذه الأزمة ليست الأولى بين المحامين ووزارة العدل في المغرب. فقد سبقتها أزماتٌ وصراعاتٌ منذ الثمانينيات، بسبب طبيعة العمل الحقوقيّ والقضايا السياسية التي ارتبطَ بها المحامون في سنوات "الجمر والرصاص"، وهي الفترة التاريخية التي شهدت أزماتٍ سياسيةً في المغرب منذ الستينيات. وحتى وقتٍ قريبٍ، كانت هناك محاولاتٌ من وزارة العدل لإعادة توجيه المهنة، لكنها كانت دائماً تبوء بالفشل. تختلف الأزمة الحالية عما سبق بأنها أزمةٌ شاملةٌ تضرب في ثلاثة اتجاهاتٍ متقاطعة: الاتجاه التنظيمي والإجرائي والضريبي. ويمكن القول إن المغرب يعيش حالياً لحظةَ إعادةِ صياغةِ العقد القضائيّ. فبعد أن كان التوازن يقوم على مبدأ الدولة تنظّم والقضاء يحكم والمحاماة تدافع بحرية، قد يختلّ هذا التوازن إذا مرّت القوانين الإجرائية بصيغتها الحالية. وهذا ما قد يؤدي إلى تحوّل المحاماة من شريكةٍ في صنع العدالة إلى مقدِّمةِ خدماتٍ قانونيةٍ تحت هيمنةٍ إداريةٍ وقضائيةٍ كاملة.
بدأ التوتر بين الدولة والمحامين في ستينيات القرن العشرين، بالتزامن مع بداية سنوات الجمر والرصاص، أثناء حكم الملك الحسن الثاني. اتسمت هذه المرحلة بالقمع السياسي والتضييق على المعارضين، والاعتقالات التعسفية والاختفاء القسري، والتعذيب داخل مراكز الاعتقال السرية، بالإضافة إلى المحاكمات السياسية وفرض رقابةٍ على الحريات العامة.
لم يكن المحامي وقتها يكتفي بالدفاع داخل قاعات المحاكم، خاصةً في المحاكمات السياسية التي استهدفت معارضين يساريين ونقابيين وطلبة. إذ برزت هيئات دفاعٍ ضمّت محامين ساهموا بمواقف حقوقيةٍ وسياسيةٍ إلى جانب أدوارهم المهنية التقليدية. وهو ما أرّخه عبدالرحمن اليوسفي، المحامي ورئيس الوزراء الأسبق، في كتابه "أحاديث في ما جرى" المنشور سنة 2018. فقد وُجِّهَت اتهاماتٌ متكررةٌ للسلطة بانتزاع الاعترافات تحت الإكراه وتقييد ولوج الحقوقيين والمحامين إلى المعتقلين، برفضها مطالباتهم بمعاينة آثار التعذيب وتضييقها على المرافعة، ما دفع "المحامين في العديد من المحاكمات إلى الانسحاب من المحاكمة". وهذا ما وصفته هيئة الإنصاف والمصالحة — وهي لجنةٌ أحدثها الملك محمد السادس سنة 2004 للتحقيق في انتهاكات سنوات الجمر والرصاص — بمعايير المحاكمة غير العادلة، في تقريرها الختاميّ في نوفمبر 2005.
برز في تلك المرحلة محامون ارتبطت أسماؤهم بالدفاع عن المعتقلين السياسيين وحقوق الإنسان، من بينهم عبد الرحيم الجامعي وعبدالرحمن اليوسفي. يقول الجامعي، في لقاءٍ سنة 2024 مع برنامج "ضفاف الفنجان" على قناة صوت المغرب، إن جيله من المحامين وجدوا أنفسهم يرافعون في قضايا سياسية أكثر من كونها جنائية. ويشير إلى أنهم واجهوا صعوباتٍ مرتبطةً بالولوج إلى المعتقلين، والطعن في محاضر الضابطة القضائية، وإثارة مزاعم التعذيب. ظهر هذا الدور جلياً في محاكمات مناضلي "إلى الأمام" و"23 مارس"، وهما تنظيمَان سياسيَّان سريَّان من اليسار الماركسي اللينيني برزا في سبعينيات القرن العشرين. في شهادةٍ تحت عنوان "المحاماة: حضور وذاكرة"، نُشِرت سنة 2020، يقول نقيب المحامين إبراهيم صادوق إنّ هذه المحاكمات شكّلت لحظةً فارقة. فدور المرافعات فيها لم يقتصر على مناقشة التهم، بل امتدّ إلى الطعن في ظروف الاعتقال وإثارة خروقات المسطرة الجنائية، بما جعل قاعة المحكمة تتحوّل أحياناً إلى فضاءٍ للترافع عن العدالة والحريات العامة. لكن كلّ ذلك بدأ بالتغيّر نحو الإصلاح منذ بداية التسعينيات.
دخل المغرب حينها مرحلةً جديدةً استجابةً لضغوطاتٍ داخليةٍ وخارجيةٍ متزايدة من أجل الإصلاح السياسيّ وحقوق الإنسان. كان من معالم هذه المرحلة بروز الكتلة الديمقراطية سنة 1992، وهي تحالفٌ ضمّ أحزاب المعارضة الرئيسة. فضم التحالفُ حزب الاستقلال والاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية وحزب التقدم والاشتراكية ومنظمة العمل الديمقراطي الشعبي. رفعت هذه الكتلة مذكراتٍ إلى الملك الحسن الثاني طالبت فيها بإصلاحاتٍ دستوريةٍ ومؤسساتية. وفي مقال "الإصلاحات الدستورية والسياسية في مغرب التسعينات"، المنشور سنة 2004، يشير الصحفي محمد زين الدين إلى أن الإصلاحات شملت تعزيز استقلال القضاء وتوسيع صلاحيات البرلمان وتوفير ضماناتٍ أكبر للحريات العامة وحقوق الإنسان. وقد حاولت هذه الكتلة الانتقال من منطق الصدام السياسي إلى التفاوض على قواعد جديدةٍ للحياة السياسية.
تُوِّجتْ هذه التحرّكات بمراجعتَين دستوريتَين – أولاهما سنة 1992 والثانية سنة 1996 – عززتا دور المؤسسة التشريعية. كذلك، أَقرّ دستور 1996 نظام غرفتَي البرلمان بإنشاء مجلسي النواب والمستشارين. إلا أن هذا الانفراج السياسيّ النسبيّ لم يمنع بروز توتراتٍ جديدة. ففي خضم الحديث عن الإصلاح، صدر قانون تنظيمي بتاريخ 10 سبتمبر 1993 لتنظيم مهنة المحاماة.
فتح القانون التنظيمي المُسمّى "الظهير الشريف" (نسبةً إلى توقيع الملك عليه) نقاشاً مهنياً عن حدود تدخل الدولة في تنظيم مهنة المحاماة. فقد أَقرّ للمرة الأولى مبدأ تنافي المهنة مع جميع الوظائف المأجورة، وهو التوجّه الذي استمر لاحقاً في قانون 2008 المنظّم للمهنة. إلا أن هذا الاختيار لم يمرّ بلا نقاشٍ داخل الحقل الحقوقي نفسه. فقد انتبه عددٌ من المحامين إلى أن منع الجمع بين المحاماة والتدريس الجامعي لا يخدم بالضرورة مصلحة المهنة. وهو ما عبّر عنه زكرياء العماري، أستاذ باحث بجامعة الحسن الثاني بالدار البيضاء، في مقاله "التدريس الجامعي والمحاماة" المنشور في 14 مايو 2026. كتب العماري أن التنظيم التاريخي لمهنة المحاماة بالمغرب قام على تصوّرٍ قوامه التكامل بين الجامعة والمحاماة، "باعتبارهما فضاءَين متداخلَين في خدمة العدالة وبناء الفكر القانوني".
لم يلبث أن واجه المغرب تحولاتٍ جديدةً مع اندلاع ثورات الربيع العربي سنة 2011، وخروج شباب مغاربة في احتجاجاتٍ عُرِفت بعدها بحركة 20 فبراير. ولتفادي ما حدث في دولٍ أخرى، اعتمدت الدولة المغربية دستوراً جديداً. وبدا أن صفحةً جديدةً قد فُتِحت. فالنص الدستوري تحدث عن استقلال القضاء والحق في المحاكمة العادلة، كما جاء في الفصل 120، وهو ما يجعل دور الدفاع جزءاً من ضمانةٍ دستورية. وأكد الدستور في فصله 107 على استقلال السلطة القضائية عن السلطتين التشريعية والتنفيذية، وشدد في الفصل 109 على منع أيّ تدخلٍ أو ضغطٍ على القاضي أثناء نظر القضايا، بما يعزز ضمانات المحاكمة العادلة. في حديثه مع الفراتس، يقول محمد الحبيب بن الشيخ، رئيس الجمعية الوطنية للمحامين: "كُرِّسَ مبدأ المحاكمة العادلة، وعُزِزَ استقلال السلطة القضائية ورُسِّخَ دور الدفاع جزءاً من العدالة".
سنة 2013، ظهر توترٌ بشأن تمثيل المحامين داخل الميثاق الوطني حول إصلاح العدالة. والميثاق برنامجٌ استراتيجيٌّ شاملٌ أطلقه العاهل المغربي محمد السادس تكريساً لاستقلال القضاء وتحديث الإدارة القضائية، وتولت الهيئة العليا للحوار الوطني صياغته. اعترضت جمعية هيئات المحامين على عددٍ من مضامين ميثاق إصلاح منظومة العدالة، معتبرةً أنها لا تُظهر مكانة الدفاع داخل المنظومة القضائية ولا تستجيب لمطلب استقلال المهنة، خاصةً مرسوم المساعدة القضائية ونظام تعويض المحامين. واحتجاجاً على الميثاق، نظّم المحامون وقفةً احتجاجيةً في الأول من أكتوبر 2013 أمام مقرّ وزارة العدل والحريات. دفع ذلك الوزارةَ في اليوم نفسه إلى إصدار توضيحاتٍ رسميةٍ تؤكد أن المحامين شاركوا في مختلف مراحل الحوار الوطني، وأن رئيس الجمعية كان عضواً في الهيئة العليا للحوار. واعتبرت الوزارة أن رفض الجمعية للميثاق لم يكن مصحوباً بمقترحاتٍ بديلةٍ، أو ملاحظاتٍ تفصيليةٍ عن مضامينه.
لكن جوهر الخلاف لم يختفِ، بل بقي كامناً في من يحدد مستقبل المهنة. هل الدولة لأنها صاحبة الاختصاص التشريعيّ، أم الهيئات المهنية لأنها ممثلةٌ لاستقلال المحاماة. فقد أثارت المادة 8 مكرر من مشروع قانون المالية لسنة 2017، التي صادق عليها مجلس النواب، جدلاً واسعاً لاسيما في صفوف المحامين والحقوقيين. تتناول المادة موضوع تنفيذ الأحكام القضائية الصادرة ضدّ الدولة والجماعات الترابية، وهي وحداتٌ إداريةٌ غير مركزيةٍ لها الشخصية الاعتبارية والاستقلال الإداريّ والماليّ.
نصّت المادة على أنه عندما يصدر حكمٌ نهائيٌّ يُلزِم الدولة أو الجماعات الترابية بأداء مبلغٍ ماليٍّ، فإن التنفيذ يكون عبر الآمر بالصرف وفي حدود الاعتمادات المالية المتاحة، مع منع الحجز على أموال الدولة والجماعات الترابية وممتلكاتهم. رأى المحامون، وعلى رأسهم رئيس مرصد العدالة عبد الرحمن بنعمرو، أن قيمة الحكم القضائيّ تكمن في إمكانية تنفيذه. واعتبر بنعمرو، في ندوةٍ نظّمتها جمعية هيئات المحامين في 26 مايو 2017، أن المادة "تحمل أضراراً لعدة فئاتٍ على رأسها الناس المستضعفون والمقاولون الذين قدموا بمقتضى صفقات، خدمات وتوريدات لحساب الدولة والجماعات الترابية".
استمرّ هذا التوتر بين هيئات المحامين والحكومة حتى في السنوات اللاحقة. في أواخر 2019 احتجّ رؤساء نقابات المحامين – عددها سبع عشرة نقابة في المغرب – أمام البرلمان ضدّ المادة 9 من مشروع قانون المالية لسنة 2020. تنصّ المادة على أنّ الدائنين، الحاملين سنداتٍ أو أحكاماً قضائيةً تنفيذيةً نهائيةً ضدّ الدولة، يتعيّن عليهم "ألا يطالبوا بالأداء إلا أمام مصالح الآمر بالصرف للإدارة العمومية. في حال صدور قرارٍ قضائيٍّ نهائيٍّ اكتسب قوة الشيء المقضي به، يدين الدولة بأداء مبلغٍ معيّن [. . .]". واعتبرت هيئات المحامين أن المادة تمسّ حجية الأحكام القضائية بتقييد تنفيذ الأحكام الصادرة ضد الدولة. وأوضح الحسين الزياني، رئيس جمعية هيئات المحامين، في وقفةٍ احتجاجيةٍ نظّمتها الهيئة بقصر العدالة بوجدة يوم 27 نوفمبر 2019، أن ما أقدمت عليه الحكومة هو "مساس بهيبة القضاء، وبأحكامه وبمصالح المواطنين". وأكد الزياني أن المادة "تضع حاجزاً أمام الشركات والمستثمرين من أجل الحصول على تعويضاتهم المستحقة من أموال الدولة".
استمرّ الحال بين الحكومات المتوالية والمحامين بين الشدّ والجذب، إلى أن شهدت نهاية سنة 2022 واحدةً من أبرز المحطات الاحتجاجية في تاريخ المحاماة المغربية المعاصر. كان ذلك على خلفية المقتضيات الضريبية الواردة في مشروع قانون المالية العامة لسنة 2023. فقد نصّ مشروع القانون على تأسيس نظامٍ جديدٍ لاستخلاص الضرائب من المحامين والشركات المدنية المهنية للمحامين. يفرض النظام أداء مبلغٍ ماليٍّ مُسبق عن الملفات التي يتولاها المحامي، دفعةً مقدّمةً على الحساب من الضريبة على الدخل، بدل أن يؤدي المحامي الضريبة بعد التصريح السنوي بدخله كما هو معمول به.
في اجتماعٍ لها يوم 27 أكتوبر 2022، أعلنت جمعية هيئات المحامين عن رفضها نظام استخلاص الضرائب لتعارضه "مع المبادئ المؤطرة لمهنة المحاماة والمقتضيات الدستورية". تُرجم هذا الرفض إلى إضراباتٍ وطنيةٍ متتاليةٍ ومقاطعةٍ للجلسات ووقفاتٍ احتجاجيةٍ أمام البرلمان، إضافةً إلى اعتصاماتٍ داخل بعض المحاكم. ووفق مشروع قانون الموازنة العامة لسنة 2023، فإن المحامي مُلزَمٌ بدفع ضريبةٍ لصندوق المحكمة قيمتها ثلاثمئة درهمٍ (ثلاثون دولاراً وقتها) في القضايا الابتدائية، وأربعمئة درهمٍ (أربعون دولاراً) في القضايا الاستئنافية، وخمسمئة درهمٍ (خمسون دولاراً) عن كلّ ملفٍ يصل مرحلة النقض.
استمرّت المعارك بين الحكومة والمحامين حتى 23 يوليو 2024، عندما صادقت لجنة العدل والتشريع وحقوق الإنسان بمجلس النواب بالأغلبية على مشروع قانون المسطرة المدنية. وقدّمت وزارة العدل المشروع في موقعها الإلكتروني وعدّته إصلاحاً يهدف إلى تسريع البتّ في القضايا وترشيد المساطر (أي إصلاح الإجراءات القانونية والإدارية) والحدّ من تراكم الملفات أمام المحاكم. وقد شكّلت مصادقة اللجنة نقطة تحوّلٍ في الأزمة، حين انتقل الخلاف من مرحلة إبداء الملاحظات والمقترحات إلى مرحلة الاحتجاجات المهنية والإضرابات الوطنية التي عرفتها مختلف محاكم المغرب أواخر سنة 2024.
من بين المقتضيات التي أثارت انتقاداتٍ واسعةً، مراحل التقاضي. إذ لا يمكن استئناف القضايا التي تقلّ قيمتها عن ثلاثين ألف درهم (ثلاثة آلاف دولار)، في حين تُمنع القضايا التي تقلّ عن ثمانين ألف درهم (ثمانية آلاف دولار) من الوصول إلى مرحلة الطعن بالنقض، كما نقلت منصة "أفريقيا برس" في تقريرها "اكتشف أسباب رفض المحامين لقانون المسطرة المدنية الجديد"، المنشور في 24 يوليو 2024. انتقد الحسين الزياني في تصريحٍ لقناة الشركة الوطنية للإذاعة والتلفزة الإخبارية (إس إن آر تي) بتاريخ 22 يوليو 2024، عدداً من مقتضيات مشروع قانون المسطرة المدنية. إذ رأى أنها تؤدي إلى تقليص فرص مراجعة الأحكام القضائية بالحدّ من إمكانيات الاستئناف والطعن بالنقض. ورأى أن هذه التعديلات لا تؤثر على مهنة المحاماة فحسب، بل تمتد آثارها إلى ضمانات المتقاضين وحقّهم في محاكمة عادلة. فهو تقليصٌ لحقّ التقاضي على أكثر من محكمةٍ لمراجعة الحكم.
وعلى حدّة التوتر التي وصلتها معارك المحامين السابقة، بين معارك حقوقية فترة الملك الحسن الثاني أو معارك تنظيمية داخل المهنة بعد ذلك، إلا أنّ معركة اليوم تبدو أعمق. فهي تعيد تغيير مفاهيم عدّة كان المحامون يرونها من المسلّمات.
في البدء كان المسار توافقياً بين وزارة العدل وجمعية هيئات المحامين. طرحت الوزارة أفكاراً لتطوير أساليب تكوين المحامين ومنها الخضوع لسنةٍ من التدريب النظريّ داخل المعهد الوطني للتكوين. ثم فترة تدريبٍ عمليٍّ تمتد إلى أربعةٍ وعشرين شهراً تحت إشراف هيئة المحامين، مع تخصيص أربعة أشهر للتدريب داخل إداراتٍ أو مؤسساتٍ عمومية متّصلة بالمجالَين القانوني والقضائي. رأت الوزارة أيضاً ضرورة تعزيز الحوكمة بتنظيم آليات التأديب والتسيير والعلاقة بين الهيئات المهنية والسلطة الحكومية المكلَّفة بالعدل، ومواكبة التحولات الرقمية. وهو ما استقبله المحامون بسعة صدرٍ بعد نقاشٍ مستفيضٍ استحضر مسار التفاوض الذي انطلق بين الجمعية ووزارة العدل، وأفضى إلى تفاهمات تهمّ مختلف مقتضيات النص. اختل هذا التوازن تدريجياً بعد سنة 2021، مع إعادة وزارة العدل صياغة المشروع بقيادة عبد اللطيف وهبي، وزير العدل المعيَّن حديثاً.
مرّت إعادة صياغة المشروع بمراحل عدّة، من بينها إعداد مسودة أولى سنة 2022 أثارت خلافاً على منهجية إعدادها. إذ خرج المحامون للاحتجاج أمام وزارة العدل في 21 أكتوبر من السنة نفسها، ثم نظموا حواراً مع ممثلي هيئات المحامين مطلع سنة 2023، قبل أن تُحال المسودة إلى الأمانة العامة للحكومة. تلا ذلك جولات حوارٍ منذ سنة 2024 تجسّدت في اجتماعاتٍ بمقرّ مجلس النواب نتج عنها تشكيل لجانٍ خُصّصت لتدارس مضامين المشروع الذي حمل الرقم 66.23، وقد وُثقت أشغال هذه اللجان بمحاضر يرجع إليها عند الاقتضاء. لكن بعد ذلك، استفردت وزارة العدل بإعداد مسودةٍ ثانيةٍ اعتُمدت أرضيةً للمشروع وصادق عليها المجلس الحكومي في ديسمبر 2025. خلق هذا انطباعاً داخل الأوساط المهنية بأن المشروع خرج من منطق التشاور إلى منطق المبادرة الحكومية. يقول محمد الحبيب بن الشيخ، في حديثه مع الفراتس، إن المشروع الذي قدّمته الوزارة "لا يرقى إلى مكانة المحاماة كما هو متعارف عليها وطنياً ودولياً، ولا يعترف بالمحامي سلطةً وشريكاً أساسياً في تحقيق العدالة".
استمر الجدل فيه حتى بلغ التوتر ذروته في يناير 2026. إذ أعلنت الهيئات المهنية عن إضرابٍ وطنيٍّ شامل بدايةً من 8 يناير. وأكدت — في بلاغٍ لها يوم 6 يناير — أن الصيغة المقدَّمة "غير توافقية لمشروع قانون تنظيم المهنة"، وأن هذه الخطوة تأتي في إطار "التصدّي لسياسة الأمر الواقع التي تنتهجها الحكومة".
هذا التزامن بين الإضراب والمصادقة أعطى للأزمة طابعاً تصادمياً، صعّد معه المحامون وتيرة غضبهم رافضين مشروع القانون برمّته. وفي ندوةٍ صحفيةٍ أُقيمت بالرباط يوم 3 فبراير 2026، قال الحسين الزياني: "لا يمكننا أن نشتغل في ظلّ مقتضيات هذا المشروع، ونعلن أننا لا نتحمّل مسؤولية هذا القانون في الحال وفي المستقبل ولا يمكننا أن نتفاعل معه، وهذا المشروع لا يعنينا". وأضاف أنّ المشروع يشكّل "مسّاً خطيراً بالمقومات الأساسية لرسالة الدفاع، ويتعارض كلياً مع عددٍ من المواثيق الدولية ومع المرجعيات الأساسية ومع المبادئ الكبرى ودستور المملكة، ويهدد أسس دولة الحق والقانون''.
تعود أسباب هذا الغضب إلى ما جاء به مشروع قانون 66.23. ففي مادته الخامسة، يقترح الانتقال من نظام الامتحان إلى نظام المباراة لولوج المهنة. في النظام السابق، كان الامتحان وسيلةً للتحقق من توفّر الحدّ الأدنى من الكفاءة العلمية والقانونية لدى المترشح، فينجح كلّ من يحصل على المعدّل المطلوب. أما نظام المباراة، فيقوم على التنافس المحدود بحسب عدد المناصب أو المقاعد المحدَّدة مسبقاً. ما يعني أن النجاح قد لا يكون بالكفاءة وحدها، وإنما أيضاً بعدد المقاعد المتاحة. وهذا من شأنه أن يقلِّص عدد الملتحقين بالمهنة، ويغلق المهنة تدريجياً أمام عددٍ أكبر من خرّيجي الحقوق. وزيادةً على ذلك، حُدِّدَ السنّ الأقصى للترشح في أربعين عاماً بدل خمسةٍ وأربعين، ورفع شرط الشهادة إلى ماجستير في الحقوق بعدما كانت تقتصر على الإجازة. وبعدما كان لهيئات المحامين دورٌ كبيرٌ في تنظيم الولوج والتكوين، بتسجيلها الطالب داخل الهيئة وتمرينه قبل منحه شرعية المزاولة، جاء المشروع الجديد بمقاربةٍ مركزية. فهو يعزز دور الدولة في تحديد مباراة الولوج وتنظيمها، وإرساء نموذج مؤسسي بمراكز تكوين تابعة لوزارة العدل.
تزداد الصورة تعقيداً مع المادة 35 من مشروع القانون، التي تخوّل وزارة العدل الترخيص لمحامين أو مكاتب أجنبية بالعمل داخل المغرب حتى في غياب اتفاقياتٍ ثنائيةٍ، بشرط التسجيل في الهيئات والحصول على إذن الوزارة بدعوى مواكبة الاستثمارات. هذه النقطة أثارت مخاوف من فتح السوق الوطنية أمام فاعلين دوليين بقرارٍ إداريٍّ، ما قد يخلق منافسةً غير متكافئةٍ مع المحامي المغربي داخل بلده. في مقالٍ بعنوان "دواعي رفض المحامين لمشروع قانون المهنة 66.23"، المنشور في 2 فبراير 2026، تقول المحامية لينة الوكيلي لدى محكمة الاستئناف بأغادير إن المشروع يعطي "امتيازاً لمكاتب المحاماة الأجنبية في الممارسة داخل التراب الوطني المغربي بشروطٍ جدّ ميسرة". وتضيف أن المشروع "يطعن في نفسه". فإذا كانت الوزارة تسعى إلى تكوين المحامي داخل مكاتبها، فعلى الأقلّ يجب أن "تثق في هذا المحامي الذي سيتمّ الإشراف على تكوينه، لا الحدّ من مجال اشتغاله والتضييق عليه".
يمتد الأمر أيضاً إلى باب العقوبات الذي يطرح فيه مشروع القانون رقم 66.23 مفارقةً لافتة. ففي الوقت الذي يشدد فيه على بعض القيود، خفّف من عقوبات أعمالٍ مثل "السمسرة"، أي جلب الزبائن بطرقٍ غير قانونية. وقد اعتبر عزيز رويبح، نقيب هيئة المحامين بالرباط، أن مشروع القانون "يتضمّن تشجيعاً على الفساد في القطاع، لاسيما من خلال تخفيضه عقوبات السمسرة". وفي ندوةٍ نظّمها قطاع المحاماة بحزب التقدم والاشتراكية يوم 16 يناير 2026، قال النقيب إنها "ممارسات تشوّش على المهنة وأسرة العدالة بأكملها".
حدد مشروع القانون مدة ردّ الاعتبار التأديبي. ففي النظام السابق، كانت مدة رد الاعتبار تختلف بحسب خطورة العقوبة، وقد تصل في بعض الحالات إلى عشر سنوات. أما المشروع الجديد، فقد وحّد هذه المدة في خمس سنواتٍ فقط، مهما كان نوع العقوبة التأديبية. هذا التوجّه قرأه المحامون إشارةً مقلقةً قد تؤدي إلى التساهل مع ممارساتٍ تمسّ أخلاقيات المهنة وتشجّع على انتشارها.
ومن بين المقتضيات التي جاء بها مشروع القانون الجديد، اشتراط توفّر المحامي على تكليفٍ مكتوب من الموكّل، وأن يكون اللقاء بينهما داخل مكتب المحاماة. ووضَعَ قواعد جديدةً لتدبير أتعاب الموكلين ومبالغهم عبر حسابات ودائع تديرها الهيئات بغرض الشفافية، وهو الأمر الذي واجه اعتراضاً. يقول عضو مجلس هيئة المحامين بالدار البيضاء يوسف الزرقاوي، في حوارٍ له مع برنامج "بوليميك" في فبراير 2026، إن مثل هذه الشكليات لا تمسّ المحامي فقط بل المواطن أيضاً لأن هذا الشرط يفرض على الموكل تأمين حسابٍ بنكيٍّ ووسائل أداءٍ إلكترونيةٍ حتى يتمكن من أداء أتعاب دفاعه، مع "أن القانون أصلاً يُلزم المحامي بتسليم وصلٍ عن أيّ مبلغٍ يتسلّمه من موكله". وبالتالي، فإن فرض الأداء البنكيّ لا يضيف ضمانةً جديدةً — حسب رأي الزرقاوي — بقدر ما يخلق تعقيداتٍ إضافيةً للمواطنين والمهنيين معاً.
أكدت وزارة العدل في موقعها الرسميّ أن هذه الإجراءات تندرج ضمن إطار تأهيل المهنة وتعزيز دورها داخل المنظومة القضائية. في المقابل، عبّرت هيئات المحامين عن رفضها الكامل لصيغة مشروع القانون والمساس الخطير الذي اعتراه بخصوص المبادئ الكبرى لمهنة المحاماة وعلى رأسها الاستقلالية، كما ينقل الصحفي يوسف شلابي في تقريره "هيئات المحامين تطالب بسحب مشروع تنظيم المهنة وترفض صيغته الحالية"، المنشور في موقع "لو سيت إنفو" في ديسمبر 2025. وهكذا، انتهى الأمر بتدخّل رأس الحكومة.
عُيّنت اللجنة للإشراف على هذه المشاورات بعد أنّ كلفّها الأمناء العامين للأحزاب السياسية الثلاثة، المشكِّلة للأغلبية الحكومية، وهم: حزب التجمع الوطني للأحرار، وحزب الأصالة والمعاصرة، وحزب الاستقلال (لذا سُمّيت باللجنة الثلاثية). وهو ما يوحي أن الأمناء العامين لأحزاب الأغلبية الحكومية هم من قادوا هذه المشاورات، بأعضاء اللجنة المنتدَبين من كلّ حزبٍ للاشتغال على كل ما هو تقنيّ في هذا الملف. ويُعرض القرار النهائي فيما ستصل إليه دراسة اللجنة التقنية بخصوص مشروع القانون على أخنوش ووهبي، مالكَي سلطةَ القرار.
نبّهت رئاسة الحكومة مكونات الأغلبية الحكومية إلى ضرورة الاشتغال الجدّي لإيجاد مخرجٍ للأزمة. وحذّرت في الوقت نفسه من الاستجابة لجميع المقترحات المطروحة، فقط بدافع تهدئة الاحتقان أو تحقيق مكاسب انتخابية. فقد اتجه قادة أحزاب الأغلبية الحكومية إلى إبعاد وهبي عن المشاركة المباشرة في اللجنة الثلاثية المكلَّفة تدبير الحوار مع المحامين، بعد أن بلغت علاقته مع هيئات المحامين درجةً عاليةً من التوتر، كما ينقل الصحفي محمد شلاي في مقاله "كواليس حل أزمة مشروع قانون المحاماة" المنشور يوم 17 فبراير 2026، في جريدة الصباح.
في خضم هذا الجدل، صرّح عبد اللطيف وهبي — كما أوردت يومية الصباح في عددها يوم 18 فبراير 2026 — أنّه مستعد لتلقّي تعديلات جمعية هيئات المحامين عبر مسطرة رؤساء فرق الأغلبية والمعارضة داخل البرلمان. وفضّل الوزير عدم العودة إلى مرحلة التفاوض الحكومي المباشر، بل دعا إلى مناقشة التعديلات داخل المؤسسة التشريعية عبر الفِرَق البرلمانية التي تتولى تقديم التعديلات على مشاريع القوانين أثناء مناقشتها.
ويبدو أنّ وهبي قد تحسس من تدخل رئيس الحكومة من أجل تدبير ملفٍ هو المعنيّ به. فقد فُهم هذا التحرّك السياسي مؤشراً على إعادة ترتيب موازين تدبير الملف، من أجل إنهاء أزمة الإضراب المفتوح. وفي اجتماعٍ للمكتب السياسي لحزب الأصالة والمعاصرة الذي ينتمي له وهبي في 17 فبراير 2026، اعتبر قادة الحزب أن تصرّف أخنوش في هذه القضية مدان أخلاقياً، ولو كان ذلك مندرجاً ضمن صلاحياته القانونية. لاسيما أن رئيس الحكومة انتظر سفر وهبي إلى مصر في مهمة، فاجتمع مع ممثلين عن المحامين في 11 فبراير 2026. وفي تقريرٍ عنوانه "قيادي في 'البام' [حزب الأصالة والمعاصرة]: تدخل أخنوش في قانون المحاماة مدان 'أخلاقياً" [. . .]"، المنشور في 18 فبراير، ينقل موقع تليكويل أنّ حزب الأصالة والمعاصرة ادعى أنّ الخلافات بين المحامين على التوقف عن العمل تظهر للعلن بحدة. وبالتالي، "ظهرت إمكانيات لتليين موقف المحامين"، خاصةً بعد استمرار الإضراب وما نتج عنه من ضغطٍ على مختلف الأطراف. وبهذا، رأى الحزب أن خطوة أخنوش جاءت لتفتح باباً واسعاً أمامهم موافقاً على المطالب المطروحة عامة، وعلى رأسها تجميد إحالة مشروع قانون المهنة إلى البرلمان.
ظهرت أولى ثمار هذا التدخل في قرار تجميد إحالة المشروع إلى البرلمان في 13 فبراير 2026. ففُتح الباب مجدداً أمام إعادة الحوار، تلاها تقديم رئيس الحكومة تعديلات على مشروع قانون 66.23. التعديلات التي قدّمها أخنوش، حسب تقرير الموقع الإخباري "هسبريس" في 7 فبراير، هي الملاحظات التي أثيرت أثناء مناقشة مشروع القانون قبل المصادقة عليه يوم 8 يناير 2026.
استمرت محاولات التهدئة. فاجتمع أخنوش بوزير العدل يوم 13 مارس، في لقاءٍ مطوّلٍ خُصِّص لمناقشة النقاط الخلافية الأخرى التي فجّرت الاحتجاجات في صفوف المحامين. ثم استقبل رئيس الحكومة وفداً من المحامين في 9 أبريل، وأُعلِن عن إحالة مشروع القانون المعدَّل إلى البرلمان بعد إدخال تعديلاتٍ جوهريةٍ استجابت لجزءٍ كبيرٍ من مطالب الهيئات المهنية. وهكذا، تراجعت وزارة العدل عن مقتضياتٍ اعتُبرت وصايةً إدارية. فأُعيدت صلاحية تحديد واجب الانخراط (أي رسوم التسجيل في هيئات المحامين) إلى مجالس الهيئات بدل وزارة العدل. وخُفّضت مدة الخبرة المطلوبة للترافع أمام محكمة النقض من 15 إلى 12 سنة. وقد تخلّت الوزارة عن مشروع إحداث مجلسٍ لهيئات المحامين (إطار وطنيّ جامع) والإبقاء على جمعية هيئات المحامين إطاراً يمثل المهنة.
ومن أهمّ ما طالب به المحامون، إعادة النظر في مواد أنشطة المحامي المالية وحصانته القانونية. فعُدّلت المادة 74 من مشروع القانون باستبدال مصطلح "المراقبة بالتفتيش"، التي تتحدث عن زيارة النقيب مكتب المحامي للتفتيش والتدقيق في حساباته، و"مدى احترامه للنصوص التشريعية والتنظيمية المنظمة للمهنة". في حين شمل تعديل المادة 77 تدقيق مفهوم "الإخلال" بسير الجلسة والمرتبط بحصانة الدفاع، بحصره في أفعال السبّ أو القذف أو الإهانة أو تعطيل سير الجلسة. وتنصّ المادة 77 على أن يسلك المحامي الطريقة التي يراها ناجعةً للدفاع عن موكّله في احترامٍ للنصوص القانونية المعمول بها ولقواعد المهنة وأخلاقياتها. وتحرر المحكمة محضراً مستقلاً بما قد يحدث من سبٍّ أو قذفٍ أو إهانةٍ أو إخلالٍ بالسير العادي للجلسة، وتحيله إلى النقيب والوكيل العام للملك، رئيس النيابة العامة، لاتخاذ الإجراءات القانونية.
نصّت التعديلات على إضافة فقرةٍ جديدةٍ إلى المادة 78 تؤكد أنه لا يمكن للأبحاث القضائية، في جميع الأحوال، المساس بسريّة الاتصالات والمحادثات والمراسلات بين المحامي وموكّله. تُكرّس هذه الإضافة في المادة 78 مبدأ السرّ المهني بين المحامي وموكّله، أحد أهم ضمانات حق الدفاع. فالمقصود بها أن السلطات القضائية أو الأمنية، حتى أثناء إجراء الأبحاث أو التحقيقات، لا يحق لها الاطلاع على الاتصالات أو المحادثات أو المراسلات المتبادلة بين المحامي وموكّله لأنها تُعدّ محمية قانونياً بالسرية المهنية. وكانت الفقرة ذاتها في مشروع القانون 66.23 تعطي الحق للنيابة العامة، أو قاضي التحقيق أو قاضٍ آخر ينتدبه، بتفتيش مكتب المحامي للتحقيق في جناية أو جنحة لها صلة بالمهنة وارتُكبت أثناء عمله.
على ذلك، أعلنت فرق المعارضة بمجلس النواب عن استمرار تحفظاتها على بعض المقتضيات، معتبرةً أن الصيغة الحالية لا تزال تَطرح إشكالاتٍ عن استقلالية الدفاع. ففي اجتماعٍ للجنة العدل والتشريع بالغرفة البرلمانية الأولى يوم 22 أبريل 2026، خُصِّص لمناقشة مشروع القانون ذاته، شَدّدت فرق المعارضة على ضرورة مراجعة المقتضيات التي تكرّس التمييز في شروط ولوج المهنة. وطالبت أيضاً بتحويل المشروع من تسويةٍ ظرفيةٍ ناتجةٍ عن الاحتقان إلى ميثاقٍ تشريعيٍّ توافقيٍّ يقوّي حصانة المحامي ويضمن تكافؤ الفرص، كما ينقل الصحفي علي بنهرار في تقريره بعنوان "فرق المعارضة: قانون المحاماة 'وصاية إدارية' تضرب استقلالية المهنة"، المنشور عبر منصة هسبريس في اليوم نفسه.
استمرّت الحكومة، وفي أكثر من مناسبة، بالتأكيد على انفتاح المسار التشريعي على التعديلات ومواصلة التفاعل مع ملاحظات المهنيين إلى حين استكمال المصادقة النهائية على المشروع. وأشارت إلى ضرورة طيّ ورقة الأزمة، التي انطلقت من الأبواب الموصدة إلى ردهات المحاكم متسببةً في تعطيل آلاف القضايا.
لكن المحاكم لم تغلِق أبوابها رسمياً، فقد استمرت الجلسات شكلياً. بقيت القاعات مفتوحةً، بينما توقفت المرافعات. في حديثه للفراتس، لم ينكر محمد الحبيب بن الشيخ التأثير السلبي للإضراب على المتقاضين، لكنه أصرّ على وجوب "التمييز بين أثرٍ مؤقتٍ ناتجٍ عن احتجاج وأثرٍ دائمٍ ناتجٍ عن قانونٍ غير متوازن". فالظلم الحقيقي على المواطن هو "أن يمثُلَ أمام قضاءٍ دون دفاعٍ قويٍّ ومستقلٍّ، وأن تُضعف ضمانات المحاكمة العادلة". ويشير بن الشيخ في ذلك إلى المواثيق الدولية، خاصةً العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية الذي اعتمدته الجمعية العامة للأمم المتحدة سنة 1966، الذي يعدّ أحد أهم الصكوك الدولية الملزِمة في مجال حقوق الإنسان. فهو يكرّس، في مادته الرابعة عشر، الحق في محاكمة عادلة وحق الدفاع وقرينة البراءة والبت داخل أجلٍ معقول. ويؤكد بن الشيخ على "أن الدفاع عن استقلال المحاماة هو في جوهره دفاع عن المواطن".
يظهر هذا مثلاً في ملفات الأسرة. فالأمر فيها لا يتعلق بإجراءاتٍ قانونيةٍ فقط، بل ببنيةٍ اجتماعيةٍ كاملة. النفقة والطلاق والحضانة قضايا تمرّ عبر المحامي. وقد تأجلت تلك القضايا في فترة الإضراب في مختلف المحاكم، فتراكمت ملفاتٌ مرتبطة بالمعيش اليومي للأسر. في حديثه للفراتس، يقول إدريس السدراوي، رئيس الرابطة المغربية للمواطنة وحقوق الإنسان: "خلال الإضراب، يتحول الزمن القضائي إلى عنصرٍ حسّاس. كلّ تأجيلٍ يعني تمديداً ضمنياً للاعتقال في بعض الحالات، مما يضع المواطن في إكراه سالب للحرية. وكل غياب للدفاع يعيد ترتيب الأولويات داخل الجلسات، وبالتالي ضياع حقوق العديد من المواطنين".
في المحكمة الابتدائية في مدينة أصيلة، أقصى شمال المغرب، التقت الفراتس المواطن عبدالأحد العمارتي في صباحٍ كان يُفترض أن يكون حاسماً في مسار قضيته. كان عبدالأحد مثقلاً بملفٍ يحمل في طيّاته قضيةَ نصبِ مقاولٍ لتعاونيةٍ ينتمي إليها. تحوّل الملف مع الإضرابات إلى مصدر قلقٍ يوميٍّ، لاسيما أنه مضطر — مع كلّ رحلة إلى المحكمة — لقطع مسافةٍ طويلةٍ من ضواحي الحسيمة في شمال المغرب إلى أصيلة (نحو 328 كيلومتراً) وفي ظروفٍ صعبة. يقول للفراتس إنه يضطر إلى تبديل وسائل النقل في رحلةٍ تستغرق ما يفوق الخمس ساعات، على أمل أن تُحسم الجلسة ويضع حدّاً لمشكلته. ويضيف: "هذه المرة الثالثة التي آتي فيها إلى المحكمة. وفي كلّ مرة، الجواب نفسه: لا جلسات بسبب إضراب المحامين".
وقف الرجل للحظاتٍ يحاول استيعاب الوضع، بين إرهاق الطريق وخيبة التأجيل، قبل أن يدرك أن رحلته ذهبت سدى. حاول طَرق أبوابٍ أخرى قبل أن يقتنع بأنّ ليس هناك حلّ لقضيته بين غياب المحامي واستمرار الإضراب.
يرى السدراوي أن "الإضراب، وإن بدا إجحافاً في حق المواطن، لا يمكن فصله عن السياق المهني والهدف منه حماية استقلالية المهنة وضمان شروط الدفاع العادل". وبالتالي، فإن الإضراب "وإن كان تعطيلاً مؤقتاً للعدالة، هو محاولة لمنع تعطيلٍ أعمق لها مستقبلاً".
ما يقوله السدراوي هو أحد أهم مخاوف المحامين. يرى فصيلٌ كبيرٌ منهم أنّ خطورة مشروع القانون الجديد تتعدى الاختلاف في مسائل تقنية إلى مسائل أعمق منها توازن مثّلث العدالة الذي يتكوّن من هيئات الدفاع والقضاء والنيابة العامة. فالمشروع، في رأيهم، يعيد تعريف مهنة المحاماة.
وبحسب تصريح بن الشيخ للفراتس، فمشروع القانون الجديد "يقزّم دور المحامي ويخلّ بتوازنات العدالة" لأنه يتعامل مع المحامي وكأنه "مجرد مساعدٍ تقنيٍّ داخل المحكمة، وليس شريكاً أساسياً في تحقيق العدالة". والعدالة الحديثة تقوم على توازنٍ ثلاثيّ بين سلطة الحكم (القضاء) وسلطة الاتهام (النيابة العامة) وسلطة الدفاع (المحاماة). وأيُّ مساسٍ باستقلال أحد هذه الأركان يؤدي إلى اختلال التوازن العام للعدالة، كما يرى بن الشيخ.
تتجّلى هذه المخاوف في محاولة مشروع القانون الجديد إقصاء هيئات المحامين في تكوين الطلبة. فبعدما كان التكوين بتأطيرٍ من هيئات المحامين، نصّ مشروع القانون المقدَّم على إحداث معهدٍ وطنيٍّ لتكوين المهن القانونية يعمل على تكوين كل المهن التابعة للسطلة القضائية والتنفيذية، وليس المحاماة فقط، ويخضع لإشراف الدولة. وهو الأمر الذي رفضته هيئة المحامين التي كانت تسهر على تمرين طالب المحاماة منذ البداية إلى التخرّج. وبحسب المحامي في هيئة الرباط عمر غفران، في حديثه مع الفراتس، فإن ذلك يمسّ باستقلالية المحاماة بالتحكّم في الطالب منذ مرحلة التكوين وجعله تابعاً، كباقي المهن القانونية الأخرى لوزارة العدل، وبالتالي "إخضاع المهنة لجهاتٍ سياسيةٍ وإداريةٍ حكومية".
هذه التعديلات، التي تراها الوزارة في موقعها الإلكتروني "خطوة نوعية نحو تأهيل المهنة وتعزيز دورها داخل المنظومة القضائية"، لا تُظهرُ في نظر عددٍ من المهنيين إصلاحاً تقنياً. وفق المحامي في هيئة الرباط عمر بنجلون، في حديثه ضمن برنامج بوليميك في فبراير 2026، تعيد هذه التعديلات رسم توازنات السلطة داخل حقل العدالة "بخلق أجيالٍ من المحامين تطبّع مع كونها أقلّ شأناً من القضاء الواقف والقضاء الجالس، وأنها مجرد خدمة تابعة". ولعلّ خير مثالٍ على ذلك التغيير في قسم سلطة الدفاع بإضافة تقديم الولاء للسلطة القضائية، الأمر الذي وصفه بنجلون بالردّة الدستورية. وهو ما يطرح سؤالاً عن حدود تدخل الدولة في تنظيم مهنةٍ يفترض أن تكون مستقلّة، مقابل متطلبات التأطير والتحديث. يقول بن الشيخ للفراتس: "نحن مع تحديث المهنة، لكننا نرفض أن يتحول الإصلاح مدخلاً للمساس باستقلال الدفاع، ونرفض تقزيم الدور التاريخي والحقوقي للمحامي فاعلاً أساسيّاً في تحقيق العدالة".
أثار مشروع القانون الجديد انتقاداتٍ واسعةً بسبب تقييده أشكال الاحتجاج المهني. ففي المادة 50، ينصّ المشروع على منع "تنظيم الوقفات الاحتجاجية ورفع الشعارات داخل فضاءات المحاكم وقت انعقاد الجلسات". يرى المحامون أن هذا المنع يمسّ حقّهم في التعبير والاحتجاج، ويضعهم في وضعيةٍ أقرب إلى موظفين عموميين في قطاعاتٍ حيوية. وفي هذا الصدد، انتقد عزيز رويبح في الندوة سابقة الذكر التي نظّمها قطاع المحاماة بحزب التقدم والاشتراكية يوم 16 يناير 2026، "تحويل دور النقيب إلى وظيفةٍ إداريةٍ محضة عبر إثقاله بآجال ضيقة للبتّ في الشكايات".
وفي عمق الاعتراضات، برزت المادة 80 نقطةً مفصليةً فجّرت مخاوف داخل المهنة. فحين ينصّ مشروع القانون على إمكانية تطبيق مقتضياتٍ من القانون الجنائي على المحامي بسبب أقواله أو كتاباته أثناء مزاولة الدفاع، وخاصةً الفصلَين 263 و267 المتعلّقَين بإهانة القضاء، فإن الأمر لا يُقرأ نصاً عادياً بل تحولاً خطيراً في ميزان الحماية. المحامون يرون أن هذه المقتضيات تضع سيف المتابعة فوق رؤوسهم كلما قرروا انتقاد إجراءٍ مشكوكٍ فيه أو تجاوزٍ محتملٍ من الشرطة القضائية أو النيابة العامة، داخل جلسةٍ يُفترض أنها فضاءٌ لحرية الكلمة القانونية لا مجال فيها للرقابة الجنائية المباشرة. وفي حديثه مع الفراتس، يرى عمر غفران أن "أهم التوجسات ترتبط بمثل هذه المقتضيات [التأديبية والتنظيمية] المقترحة في القانون الجديد. فالمحامون متخوّفون من نقل أو توسيع سلطة التأديب أو الرقابة خارج الإطار المهنيّ، ما يمكن تفسيره أنه مساسٌ باستقلال مهنة المحاماة".
في تصريحه لصحيفة "صوت المغرب" يوم 10 أبريل 2026، يؤكد المحامي بهيئة الدار البيضاء محمد النويني، بشأن الصيغة الجديدة للأجل الممنوح للنقيب للنظرِ في مخالفات المحامين التي تمتدّ خمسة عشر يوماً، أنّ قصر مدّتها "يطرح إشكالاً حقيقياً" على مستوى تدبير المسطرة التأديبية. إذ أصبح النقيب مُلزماً بالبت في أجل خمسة عشر يوماً، وإلا انتقلت المتابعة تلقائياً إلى الوكيل العام. وهو ما اعتبره النويني، "سطواً غير مباشر على اختصاص التأديب الموكول للنقيب".
في حديثه مع الفراتس، يرى الباحث في القانون بجامعة الحسن الأول في سطات ياسين كحلي أن رفض جزءٍ مهمٍّ من الجسم المهنيّ لمشروع القانون رقم 66.23 ينطلق من "طبيعة الجهة التي ستملك سلطة التأثير في مفاصل المهنة مستقبلاً". فالمحاماة، بحكم موقعها داخل منظومة العدالة، تضطلع بوظيفة "رقابية غير مباشرة على ممارسة السلطة وعلى سلامة الإجراءات القضائية". لذلك، فإن تقليص استقلال مؤسساتها المهنية لا يُنظر إليه مسألةً تنظيميةً داخليةً، بل "تعديل يمسّ توازن العدالة برمته"، كما يرى كحلي. ووفق هذا التصوّر، فإن الجهة التي قد تكون "طرفاً في النزاع أو ممثلة للمصلحة العامة تصبح في الوقت نفسه حاضرةً في تدبير جزءٍ من الشؤون المهنية للمحامي". وهو ما يثير تساؤلاتٍ عن مدى المحافظة على المسافة الضرورية بين سلطة الدولة ومن يتولى الدفاع في مواجهة قراراتها وإجراءاتها، كما يقول كحلي.
يعتبر كحلي أن الخطر لا يكمن في بعض المقتضيات المعزولة، بل في الأثر التراكمي لهذه المقتضيات. فوفقاً له، قد يؤدي هذا إلى إعادة رسم العلاقة بين الدولة والمحاماة على نحوٍ يمنح السلطة التنفيذية حضوراً أكبر داخل المجال المهني، وهو ما قد يؤثر مستقبلاً على التوازن المفترض بين القضاء والدفاع داخل منظومة العدالة.
وفي بلاغٍ صدر يوم 21 مايو 2026، رأت جمعية هيئات المحامين في المغرب أن الصيغة التي صادق عليها مجلس النواب من مشروع قانون تنظيم مهنة المحاماة تتضمن تراجعاتٍ تمسّ استقلالية المهنة وحصانتها وآليات التنظيم الذاتي للهيئات المهنية. وفي بلاغٍ صدر عقب اجتماعٍ مفتوحٍ لمكتب الجمعية في الرباط، أكدت أنه على النتائج التي أفرزها مسار الحوار مع الحكومة في مراحل سابقة، فإن التعديلات التي ظهرت أثناء مناقشة المشروع داخل لجنة العدل والتشريع أعادت التوتر إلى الواجهة وجعلت الملف يأخذ طابعاً "وجودياً" للمهنة.
وفي هذا السياق، قررت الجمعية إعادة الملف إلى نقطة الصفر. فقد أعدّت تقريراً تفصيلياً يوثق مختلف مراحل الحوار والتعديلات التي عرفها المشروع، ونظمت ندوةً للنقباء في هيئة الرباط، وأعلنت الجمعية عن توقف شامل إنذاري عن تقديم الخدمات المهنية لمدة أسبوع من 15 إلى 21 يونيو 2026، قبل أن تعود وتمدّد الإضراب إلى أجلٍ غير مسمّى عقب اجتماعٍ مفتوحٍ لمكتبها خُصّص لتقييم مستجدات المسار التشريعي لمشروع قانون مهنة المحاماة. وفي 23 يونيو، نقلت صحيفة "صوت المغرب" أنّ الجمعية أعلنت أنّ أعضاءها سيرابطون في مقرّها إلى "حين العدول عن كافة المقتضيات الخطيرة الماسة برسالة المحاماة في مشروع القانون"، مما دفعَ عبد اللطيف وهبي إلى مهاجمة الجمعية في جلسة المصادقة على القانون في اليوم نفسه، معبّراً عن رفضه اتهامات المحامين رئيسَ الحكومة بتراجعه عن التزاماته لهم.
ويكشف التطبيق العمليّ للمقتضيات الجديدة ما إذا كانت ستُسهم في تعزيز الثقة بين مختلف مكوّنات منظومة العدالة، أم أنها ستفتح فصلاً جديداً من الجدل على موقع المحاماة وحدود أدوارها داخل الدولة القانونية.

