الحصانُ الأسود.. هكذا تمثّلت التجربة السجنية في كتابات الأدباء الليبيين

تأخرت تجربة أدب السجون الليبية حتى سقوط نظام القذافي، وعلى براح الحرية التي ولدت فيه جاءت مختلفة عن مثيلاتها العربية.

Share
الحصانُ الأسود.. هكذا تمثّلت التجربة السجنية في كتابات الأدباء الليبيين
أدب السجون الليبي عبر ثلاثة مسالك | تصميم خاص بالفراتس

صدرت أولى روايات الكاتب والمسرحي الليبي منصور بوشناف بعنوان "سراب الليل" عن دار ليبيا للنشر في القاهرة سنة 2008. تتضح دلالة هذه المعلومة إذا علمنا أن مشروع بوشناف الأدبي بدأ في مطلع السبعينيات. اعتُقل بوشناف سنة 1976، ولذا ابتعد عن الكتابة عقداً كاملاً. وعندما أصدر روايته أخيراً في القاهرة، مُنعت فور صدورها من التداول داخل ليبيا بلا بيانٍ رسميٍ يوضح أسباب المنع.

في السنة نفسها، أصدر القاصّ جمعة بوكليب كتابه الأول "حكايات من البر الإنكليزي"، وجمع فيه قصصاً سبق له نشرها أسبوعياً في صحيفة القدس العربي منذ أواخر 2006 وحتى 2008. غير أن القصة الافتتاحية "العدّ التنازلي من واحد إلى عشرة" التي لم يسبق له نشرها، جاءت نصاً مختلفاً في بنيته ووظيفته، إذ تكونت من عشر فقراتٍ تستعيد كلّ واحدةٍ منها عاماً من أعوام السجن التي قضاها بوكليب مع كتَّابٍ آخرين. كأن الكاتب أراد بها إعادة ترتيب زمنه الخاص قبل الانتقال إلى حكايات المنفى، متخذاً من السجن عتبةً لا يمكن تجاوزها دون الاعتراف بها.

وفي سنة 2008 أيضاً، رفضت رقابة المطبوعات صدور كتاب "سجنيات" للكاتب عمر أبو القاسم الككلي. يحتوي الكتاب على ثمانيةٍ وأربعين نصاً قصصياً كتبهم الككلي بين سنتي 2001 و2008، كثف فيها تجربة سجنه التي امتدت قرابة عقدٍ كاملٍ منذ سنة 1978 صحبة بوكليب. جاء قرار المنع امتداداً لسياسةٍ صامتةٍ أحاطت بكتب السجن تحديداً.

هكذا اجتمعت في عامٍ واحدٍ ثلاثة كتبٍ سرديةٍ تتصل بالسجن من زوايا مختلفة. وقد بدا لافتاً في تجربتَي منصور بوشناف وجمعة بوكليب أن جيلاً من الكتّاب الذين بدأوا مسيرتهم الأدبية في النصف الأول من السبعينيات، لم ينشروا باكورة أعمالهم إلا في 2008. جاء هذا التأخر نتيجة مسارٍ تاريخيٍ عطّل أصواتهم وأجّل حضورهم العلني. وهو ما اتضح لاحقاً مع سقوط نظام العقيد معمر القذافي في 2011. إذ ظهرت منذئذٍ كتبٌ عديدةٌ تستعيد تجربة الاعتقال السياسي، معظمها كُتب سيرٍ ومذكرات.

راوحت الإصدارات الأدبية التي كان السجن جزءاً من تجربة مؤلفيها بين حضور السجن مباشرةً كما في "سجنيات" الككلي، والإيحاء به كما في "سراب الليل" التي اشتهرت أيضاً بِاسم "العلكة". وضع تلك النصوص كتّابٌ كانوا محبوسين في معتقل "الحصان الأسود" في مدينة طرابلس، وهم جيلٌ بدأ خطواته الأولى في درب الأدب مطلع السبعينيات قبل أن يتحول المعتقل إلى مدرسته القاسية التي صبغت كتابتهم بسماتٍ أسلوبيةٍ وجماليةٍ مشتركةٍ، أبرزها التكثيف والجمل القصيرة. هناك في العزلة والانتظار نضجت مواهبهم وتشكّلت لغتهم قبل أن تعود إلى العلن بعد أعوامٍ طويلةٍ حاملةً أثر التجربة في بنيتها وأسلوبها ورؤاها. 


ومن عجب التصاريف أن اجتمع هذا الجيل في السجن ثم الكتابة تأثراً به. ولجلاء ذلك لا بدّ من العودة إلى المناخ الأدبي والسياسي الذي تشكّل فيه الجيل مطلع السبعينيات. فقد كان المشهد الأدبي حينئذٍ متدفقاً بفضل كتّاب جيل الستينيات الذين حملوا نزعة تمرّدٍ على المجتمع وأعرافه، يتقدمهم الصادق النيهوم وخليفة الفاخري وأحمد إبراهيم الفقيه، وهم من شكّلت كتابتهم في الصُحف والكتب مرجعاً فكرياً وأسلوبياً للأصوات الشابة التي جاءت بعدهم.

ظهر جيلٌ جديدٌ من الكُتّاب في ظل هذا التأثير، وُلد معظم أفراده في النصف الأول من خمسينيات القرن العشرين، أي في السنوات الأولى التي أعقبت استقلال البلاد سنة 1951. انبثقت كتابات هذا الجيل بداية السبعينيات بطاقةٍ مختلفةٍ أكثر اندفاعاً نحو التجديد، وأكثر حساسيةً تجاه الأسئلة السياسية والاجتماعية التي فرضها الواقع المُتحوّل في البلاد. وانعكس حضورهم في كثافة المواد المنشورة في الصحافة الثقافية والفكرية آنذاك، لاسيما في صحيفتي "الحقيقة" و"الأسبوع الثقافي" اللتين كانتا في ذروة عطائهما قبل إغلاقهما بقليل.

ولأنه أول جيل يتكوّن وعيه بالكامل في ظل الدولة الوطنية بعد الاستقلال، لا غرو أن يظهر تأثيره داخل الجامعات الليبية، خاصةً بتزامنه مع تحولاتٍ إقليميةٍ فاصلةٍ في أعقاب هزيمة العرب سنة 1967 أمام إسرائيل هزيمةً زعزعت يقينيات جيلٍ كاملٍ في المنطقة، وتحولاتٍ داخليةٍ على رأسها انقلاب القذافي على النظام الملكي سنة 1969.

قوبل انقلاب القذافي في بدايته بترحيبٍ واسعٍ، قبل أن تتضح سياساته التضييقية مع دعوات بعض المثقفين إلى عودة العسكريين إلى ثكناتهم. في هذا المناخ، كانت الجامعات أكثر من مؤسساتٍ تعليميةٍ، إذ صارت فضاءات سجالٍ تتشكل فيها ملامح جيلٍ مشغولٍ بالاشتباك مع الواقع والسعي إلى تغييره سياسياً واجتماعياً. كان التمرد على القوالب السائدة فكرياً ولغوياً جزءاً من هذا الحراك.

في كتابه "في السجن والغُربة" الصادر سنة 2011 بعد سقوط النظام، يستذكر المحامي والشاعر جمعة عتيقة صورة الجامعات الليبية قبيل سنة 1973 وحيويتها الطلابية. مستعيداً مشاهد لقاعاتٍ مكتظةٍ بمحاضراتٍ منتظمةٍ، وندواتٍ يديرها الطلبة وأمسيات شعرٍ مدرجةٍ في البرنامج الدراسي، ونشراتٍ طلابيةٍ تتداول نقاشاتٍ في الدين والمادية والقومية والهوية، وحتى المجتمع والسلطة. ويورد في فصوله الأولى مناظرةً بعنوان "شبابنا بين الفكر الديني والمادي"، واصفاً انقسام الحضور بين تصفيقٍ واعتراض. وفي كلّياتٍ أخرى طُرحت محاضراتٌ عن "الشخصية الليبية"، وهو عنوانٌ فتح سجالاً في الخصوصية المحلية في زمنٍ هيمن فيه خطاب الوحدة العربية على الخطاب الرسمي.

كان ذلك كلّه في أوائل سنة 1973، إذ لم يكن الطلبة يدركون أن الحراك الذي يملأ القاعات والندوات كان يَمضي إلى نهايةٍ محسومة. فبحسب شهادة جمعة عتيقة، اتضحت الصورة لاحقاً في 15 أبريل 1973 مع خطاب معمر القذافي الذي سُمّي "خطاب زوارة التاريخي"، والذي أعلن فيه ما سمّاه النقاط الخمس، وهي إلغاء القوانين المعمول بها كافةً وإعلان "الثورة الإدارية والثورة الثقافية والثورة الشعبية"، و"تطهير البلاد من المرضى والمنحرفين". 

هذا الخطاب كان نقطة انطلاقٍ لمرحلةٍ أعادت تعريف المجال العام بالكامل. مرحلة أُلغيت فيها كل القوانين القائمة وبدأت حملات "التطهير"، واتّسع تدخّل الأجهزة في الجامعات والمؤسسات الثقافية، وتحوّل النشاط الطلابي إلى ملفٍ أمني. 

من بين الأصوات الشعرية التي التقطت توتر تلك اللحظة مبكراً محمد الشلطامي، أحد أبرز شعراء تلك المرحلة. فقصائده الأولى جاءت بمثابة تسجيلٍ شعريٍ لقلق جيلٍ كاملٍ يعيش تحولات مطلع السبعينيات. تداخلت تجربة الشلطامي الشعرية مع التجربة السياسية بعد انخراطه في نشاطاتٍ سياسيةٍ مرتبطةٍ بحركة القوميين العرب، واعتُقل سنة 1967 وحُكم عليه بالسجن، قبل أن يخرج في العام التالي ويعود إلى التدريس مدةً قصيرة. لم يكن الاعتقال منفصلاً عن أثر شعره، فقد أصبحت أبياتٌ من قصائده شعاراتٍ في مظاهرات الطلبة، مما جعل السلطات تعدّ شعره خطاباً سياسياً مباشراً. ومنذئذٍ أخذت تجربة الشلطامي تتقاطع مع مسار القمع السياسي في البلاد. فاعتُقل مرةً أخرى بعد إعلان القذافي عن الثورة الثقافية سنة 1973. ثم اعتُقل بعد الانتفاضة الطلابية في جامعتي بنغازي وطرابلس احتجاجاً على سيطرة اللجان الثورية على الاتحادات الطلابية سنة 1976.

في دراستها "الاغتراب في شعر محمد الشلطامي" المنشورة سنة 2015، ترى فاطمة الطيب قزيمة الباحثة في جامعة الزاوية، أن إحساس الاغتراب يمثل محوراً مركزياً في تجربة الشلطامي الشعرية، إذ يتجلى في إحساس الشاعر بتباعد المسافة بينه وبين المجتمع والعالم المحيط به. وتلاحظ فاطمة أن هذا الاغتراب يتخذ صوراً حسيةً كثيفةً مرتبطةً بالمدينة والليل والصمت والسجن، إذ تتحول اللغة الشعرية إلى فضاءٍ يعكس إحساساً بالاختناق وفقدان الانتماء.

تكتسب هذه الملاحظة النقدية معناها أيضاً إذا وُضعت في سياق اللحظة التاريخية التي كتب فيها الشلطامي قصائده الأولى في مطلع السبعينيات. ففي ديوانه "تذاكر الجحيم" الصادر سنة 1972، وبالتحديد في القصيدة التي أُخذ منها عنوان الديوان وكُتبت مطلع سنة 1970، تبدو المدينة فضاءً معتماً تتكثف فيه صور القهر والعزلة، وتلتقط التحول المتشكل في المجال العام قبل اتّضاح معالمه السياسية مع إعلان الثورة الثقافية. ومنذئذٍ، وطوال السبعينيات والثمانينيات، صار شهر أبريل يحمل دلالةً خاصةً في الوعي الليبي، وموعداً سنوياً للإعدامات العلنية التي نُفذت في الساحات العامة وداخل الحرم الجامعي نفسه وصلت ذروتها أثناء انتفاضة الطُلّاب في السابع من أبريل سنة 1976 ضد سيطرة اللجان الثورية على الاتحادات الطلابية. واللجان الثورية حركةٌ أسّسها النظام لحماية "الثورة". تحوّلت انتفاضة الطلاب السلمية إلى مواجهاتٍ مفتوحةٍ انتهت بحملات اعتقالٍ وإعداماتٍ علنيةٍ بُثّت عبر التلفزيون الرسمي.

في هذا المناخ المتخبط برز اسم منصور بوشناف، شاباً في أواخر مراهقته اندفع إلى المسرح بطاقة جيلٍ جديدٍ في زمنٍ يتسارع فيه التحول. لفت بوشناف الأنظار مبكراً بمسرحيته "عندما تحكم الجرذان" التي عُرضت سنة 1975. غير أن عنوان المسرحية أثار الريبة فاعتُقل بسببها. وداخل سجن الكويفية في بنغازي خضع الكاتب للاستجواب عن مسرحيته الأولى، فيما كانت مسرحيته الثانية "تداخل الحكايات عند غياب الراوي" تُعرض أمامه على شاشة التلفزيون في غرفة التحقيق. أمضى بوشناف أربعة أعوامٍ في سجن الكويفية ببنغازي دون محاكمةٍ أو حكمٍ قضائيٍ، متنقلاً بين التحقيق والعزلة والمهاجع المشتركة، إلى أن صدر قرار نقله سنة 1980 إلى طرابلس، حيث أُودع سجن الحصان الأسود.


في حديثٍ أجراه "بودكاست الوسط" مع الكاتب أنيس فوزي في 25 يوليو 2025، استعاد بوشناف انطباعه الأول عن سجن الحصان الأسود، مشيراً إلى مفارقةٍ معماريةٍ لافتة. فالمبنى – كما يقول – شُيّد في الأصل على يد الإيطاليين ليكون سجناً ضمّ بين المودَعين فيه المجاهدين الليبيين، لكن تصميمه بدا مختلفاً عما قد يتوقعه المرء من عمارةٍ سجنيةٍ قاسية. فقد صُمّم وفق معايير معماريةٍ تترك قدراً من الاعتبار للعيش الإنساني داخل المكان، بنوافذ واسعةٍ تسمح بالتهوية وساحاتٍ مفتوحةٍ للفسحة، وفراغاتٍ معماريةٍ تمنح المساجين قدراً من الضوء والحركة.

صمّم سجنَ الحصان الأسود المعماري الإيطالي فلوريستانو دي فاوستو، أحد أبرز مهندسي المشروع العمراني الإيطالي في ليبيا خلال ثلاثينيات القرن الماضي. حمل السجن في عهد الحاكم إيتالو بالبو اسمَ "بورتا بينيتو" (أي باب بينيتو موسوليني) نسبةً إلى المنطقة الواقعة فيها جنوب طرابلس. وبعد الاستقلال تغيّر اسم المنطقة إلى باب بن غِشّير، وأصبح اسم السجنِ الرسمي "السجن المركزي"، بينما استقر في التداول الشعبي وقتئذٍ بِاسم "الحصان الأبيض" نسبةً إلى تمثال حصانٍ يقف على ثلاث قوائم وساقه الأمامية مرفوعةٌ، في إشارةٍ إلى شعار بوليس طرابلس الذي أسّسته الإدارة البريطانية عند احتلالها البلاد بعد خسارة إيطاليا في الحرب العالمية الثانية منذ 1943.

إحدى الروايات غير الموثّقة، لكنها تُتداول بكثرةٍ على صفحات مواقع التواصل الاجتماعي، تسرد قصةً عن التمثال تقول إن نحّاتاً يونانياً يُدعى كارميلو كان محبوساً هناك. عرض الفنان على إدارة السجن أن ينحت تمثال الحصان مقابل ورقةٍ بحسن سيرته وسلوكه يقدمها إلى المحكمة التماساً لإعفاءٍ جزئيٍ من مدّة محكوميته. 

في سنة 1973 أمر النظام العسكري الجديد بدهن الحصان وقاعدته الرخامية بالأسود، وصار السجن مخصصاً للسجناء العسكريين من أفراد الجيش الموالين الملكَ المخلوعَ إدريس السنوسي، والسياسيين معارضي النظام. ومنذئذٍ أطلق أهالي المسجونين عليه اسم "سجن الحصان الأسود"، إذ كانوا ينتظرون مواعيد الزيارة في الباحة الأمامية قبالة التمثال. صار السجن وتمثاله، طوال عقد السبعينيات والنصف الأول من الثمانينيات، باعثاً على الرعب في وجدان الليبيين الممسوسين بالخوف من كلّ ما هو أسود اللون.

أخبرني جمعة بوكليب في حديثٍ هاتفيٍ، أنه رأى الحصان الأبيض مطلع السبعينيات. كان سور السجن وبوابتُه نقطةَ لقاءٍ معروفةً في حيّ باب بن غِشّير. وكان يستطيع وهو واقفٌ أمام البوابة أن يلمح الباحة الأمامية حيث نافورةٌ واسعةٌ وخلفها التمثال المصنوع من المرمر على قاعدةٍ رخامية.

يستذكر جمعة أحاديث بعض السجناء المحكوم عليهم منذ عقودٍ عن رمزية الحصان الواقف على ثلاث قوائم وساقُه الأمامية مرفوعة. كان السجناء يرون الساق المرفوعة إشارةً إلى قانونٍ كان سارياً في عهد المملكة يعفي السجين من ربع مدّة محكوميته إذا التزم حُسنَ السيرة والسلوك داخل السجن. استوقفَتْني هذه المعلومة وأخبرتُه بأسطورة كارميلو وإعفائه الجزئي من مدّة محكوميته مقابل نحت التمثال. رجّح جمعة أن يكون الأمر وارداً، مع أنه لم يسمع بهذه القصة من قبل. 

كان تمثال الحصان الأسود جزءاً من المشهد الذي استقبل لاحقاً كثيرين من أبناء ذلك الجيل مع اتساع حملات الاعتقال في أواخر السبعينيات، إذ بدأ السجن يستقبل دفعاتٍ جديدةً من الطلبة والكُتّاب الذين خرجوا من قاعات الجامعات وصفحات الصحف الثقافية إلى الزنازين. 

يروي عمر الككلي في نصٍّ أعدّه خصيصاً لندوة "أدب السجن في ليبيا" التي عُقدت يومي 10 و11 أبريل 2014، أنه شارك أواخر سنة 1978 في أمسيةٍ مخصصةٍ للقصة بمسرح مدرسة شهداء يناير الثانوية في بنغازي، ضمن برامج أسبوعٍ ثقافيٍ لإحياء ذكرى الشاعر علي الرقيعي المتوفى سنة 1966. وكان عناصر من اللجان الثورية حاضرين منذ الأيام الأولى للأسبوع الثقافي.

شارك عناصر اللجان بمداخلاتٍ حادةٍ في بعض هذه الأمسيات وفي الندوات. غير أن حضورهم ازداد عدداً ونفوذاً ليلة الأمسية التي شارك فيها، عندما ارتقى المنصةَ عضوا اللجان الثورية أحمد إبراهيم القذافي ومصطفى الزائدي، وأعلنا عن إيقاف الفعالية لأن "قصة أخرى" يجب أن تروى. فتحولت الأمسية إلى منصة اتهامٍ وقاعة محاكمةٍ، قيل فيها إن الذين يديرون الأمسية شكّلوا تنظيماً ماركسياً سرّياً تمهيداً للانحراف بالثورة وسرقتها. لم يسمح عضوا اللجان الثورية للمتهمين بالردّ، ورُفِضَت أيّ محاولةٍ منهم للكلام. انتهت الأمسية بالقبض على الكُتّاب المشاركين وتسليمهم إلى مديرية أمن بنغازي لتبدأ مرحلة التحقيق ثم المحاكمة والحُكم بالسجن المؤبد.

حين وصلت سيارة الترحيلات إلى سجن الحصان الأسود في الأسبوع الأخير من 1978، نزل منها الكُتّاب واقتيدوا عبر سردابٍ دائريٍ يحيط بالنافورة والتمثال. بدا التمثال لجمعة – كما أخبرني – صغيراً وهو يقترب منه، غير أن حضوره ظلّ طاغياً. وباتجاهه نحو البوابة شعر أن مغزى التمثال الإشارة إلى أن الطريق إلى الحرية يقع في الاتجاه المعاكس لذلك الذي يُساقون إليه. كرّر جمعة هذه الجملة ثلاث مراتٍ في ختام المكالمة، وفي كلّ مرةٍ كان ينهيها بصمتٍ طويلٍ ومربك.

كانت هذه اللحظة بداية تجربةٍ أطول مما تخيّلوا. فداخل هذه الجدران القاسية نشأت حياةٌ فكريةٌ ببطءٍ استذكرها لاحقاً هؤلاء الكُتّاب في شهاداتهم وكتبهم.


في كتابه "الحياة الفكرية والثقافية في السجون الليبية 1970-2000" الصادر سنة 2024، يرسم الشاعر خالد درويش صورةً مغايرةً عن السجن باعتباره مختبراً أعيد فيه تشكيل التجربة الفكرية لجيلٍ كاملٍ من الكُتّاب والمثقفين. فقد تحوّلت العنابر في الحصان الأسود إلى فضاءٍ داخليٍ نابضٍ بالقراءة والنقاش والتأمل، نتيجة تجمّع أساتذة جامعاتٍ وكتّابٍ وشعراء حملوا معهم تراكمهم المعرفي، فصار هذا التراكم مورداً جماعياً أعاد ترتيب علاقة السُجناء بالمعرفة واللغة والذات. صار السجن مدرسةً لأن المدرسة نفسها أُودِعت السجن.

كان النهار يُقسَّم بين حلقات قراءةٍ، ومحاضراتٍ مرتجلةٍ في الفلسفة والفكر السياسي والتاريخ، ونقاشاتٍ تمتد حتى ساعات المساء. يقول درويش بأنّ الأنشطة تطورت داخل هذا المناخ إلى بنية تنظيمٍ واضحة. تُقرأ الكتب وتُلخّص، وتُكتب القصائد وتُناقش، وتُمرّر القصص بين الأيدي ثم تعود مثقلةً بالتعليقات. كلّ نصٍّ وقع في يد قارئٍ وناقدٍ، فتتشكّل ورشةٌ دائمةٌ لصقل اللغة والبناء والفكرة. 

ضيق الوسائل فرض اقتصاداً في العبارة، ومساحة الورق المحدودة دفعت إلى تكثيف الجملة، فصار التكثيف جزءاً من حساسية كُتّاب السجن الأسلوبية. وخلق الاحتكاك اليومي بتياراتٍ فكريةٍ متعددةٍ حواراً مفتوحاً تجاورت فيه الرؤى وتقاطعت، فتكوّن وعيٌ نقديٌّ حادٌّ ومتدرّب.

من هذا الحراك خرجت مجلاتٌ سجنيةٌ مثل "أبريل" و"المتراس"، حاول بها السجناء تنظيم هذا الفيض وتثبيته في هيئةٍ تحريرية. صارت المجلة منبراً مهماً يحتوي على افتتاحيةٍ وموادّ مختارةٍ ونصوصٍ شعريةٍ وقصصيةٍ وحتى قراءاتٍ نقدية. حملت عناوين المجلتين دلالاتٍ خاصة. فأبريل مثّلت الحركة الطُلاّبية التي بسببها سُجن معظم هؤلاء الكُتّاب. أمّا المتراس، فإنه يستدعي موقع الدفاع الذي تتحول به المجلة إلى خطّ تماسٍّ رمزيٍّ في مواجهة العزلة. عبر هاتين المجلتين أُعيد بناء مجالٍ عامٍّ مصغّرٍ داخل الجدران سمح بتداول الأفكار وتوثيقها ومنحها ما يشبه الانتظام والاستمرارية.

كانت المجلتان برئاسة تحرير وإعداد الكاتب والرسام والنحات عبد العزيز الغرابلي، والذي كان محرّكاً ثقافياً حقيقياً داخل السجن. كان الغرابلي ضليعاً في كتابة المقالة والتحليل السياسي، ومتقناً لفنون الخط والإخراج، ما أتاح له أن يمنح المجلتين شكلاً فنياً متكاملاً على شحّ الأدوات. تكوّنت نواة العمل سرّياً عبر شبكة ثقةٍ، إذ بُدئ بمفاتحة عددٍ محدودٍ من السجناء الموثوقين، ثم توسّعت الدائرة شيئاً فشيئاً حتى تألّفت مجموعةٌ صغيرةٌ تتولّى التحرير والنسخ والتوزيع. كانت الأوراق تُقتطع من أغلفة علب السجائر بعد نزع طبقة الألمنيوم، وتُنسخ الموادّ بخطّ اليد، ثم يُمرَّر العدد بين الزنزانات وفق نظامٍ صارمٍ، قبل أن يُعدم غالباً فور انتهاء القراءة تفادياً للعقوبات. ومع ذلك، استمرت تجربة "المتراس" أعواماً، وصدر منها تسعة عشر عدداً بين 1983 و1988.

يتضمن كتاب درويش كذلك شهادةً شفهيةً من الكاتب فتحي نصيب عن تجربة مجلته "نوافير" في السجن. يخبرنا نصيب أن الفكرة طرأت له فور تهريبه مذياعاً صغيراً وقدرته على الاستماع إلى الأخبار الثقافية والبرامج الأدبية في الإذاعات العربية. هنا خطرت له فكرة تدوين تلك الأخبار وتحويلها إلى مادةٍ ثقافيةٍ تُجمع في مجلةٍ أدبيةٍ داخل السجن. ومن ثمّ وُلدت مجلة نوافير، التي كانت تُدوَّن على ورق السجائر، وتُغلف باللدائن المأخوذة من علب الحليب، وتُخاط بخيوطٍ منتزعةٍ من البطانيات أو من أسلاك أكياس البصل التي تُسمى في ليبيا "ليفة".

بَوّبَ نصيب المجلة بطريقةٍ تحضر فيها الافتتاحية في الصفحة الأولى، تليها الأخبار الثقافية التي يلتقطها من المذياع، ثم نصوصٌ شعريةٌ وقصصيةٌ كتبها السجناء، تعقبها تعليقاتٌ وقراءاتٌ نقديةٌ متبادلةٌ بينهم. وهكذا كان الشقّ الثاني مختبراً نقدياً داخلياً يُنشّط المناخ الأدبي ويحرّك الساكن. أمّا اختيار الاسم فقد كان لأن في ساحة سجن الحصان الأسود نافورةً إيطاليةً جافةً بلا ماء. رأى نصيب ورفاقه أنفسهم مثل تلك النوافير، أي تدفقاً محتملاً وسط الخرسانة والجفاف والعزلة.

في افتتاحية العدد الأول أشار نصيب إلى أن التجربة بدأت بجهدٍ فرديٍ، لكن استمرارها مرهونٌ بتعاون الجميع كتابةً وإخراجاً ومساهمة. لقي العدد الأول استحساناً، ومع توالي الأعداد اتسع المشروع وتنوعت مواده، ثم أضيفت الرسوم واللوحات وكبر حجم الصفحات، وتجاوزت المجلة شكلها الدوري لتلد فكرة الكتاب الجماعي. 

صدر أول كتابٍ بعنوان "المعقول واللامعقول في الفكر العربي"، بمشاركة أكثر من خمسة عشر كاتباً من السُجناء. تلاه "جدل القيد والورد" حول الشعر. ثم كتابٌ ثالثٌ بعنوان "رغيف محمد خان وجاتوه القوى الميتة"، وهو قراءةٌ جماعيةٌ في فيلم "عودة مواطن" للمخرج المصري محمد خان الصادر سنة 1986، والذي يتناول قصة عاملٍ يعود إلى مصر بعد سنواتٍ من العمل في الخليج ليصطدم بتحولات المجتمع والأسرة في ظلّ مرحلة الانفتاح الاقتصادي. وجميع هذه الكتب أُعدّت وتُدُوِلَت داخل السجن ولم ترَ طريقها إلى النشر خارجه. 

تشير كل هذه الوقائع إلى أن السجن كان أشبه بجامعةٍ سرّيةٍ للحركة الثقافية الليبية في السبعينيات. داخل تلك الجدران تشكّلت شبكةٌ ثقافيةٌ خرج منها كتّابٌ حملوا أثر تلك السنوات في أساليبهم وموضوعاتهم وحساسيتهم تجاه الحرية والمعنى، وترك بصمته على ما كُتب بعد الخروج.


تبدّت صورة السجن جامعةً سرّيةً صاغت وعي جيلٍ كامل. وتبلور الأسلوب القائم على الاقتصاد والتكثيف والانضباط تحت ضغط الظروف والأدوات. يظهرُ ذلك في كتاب "سجنيّات" لعمر الككلي، الذي يجمع نصوصاً قصيرةً مشدودةً تؤدي معنىً كاملاً بعبارةٍ قليلة، تجعلنا أحياناً نحسّ أنها ما زالت تُراعي ورق السجائر الذي كتب عليه لتنتقل سرّاً بين الأيدي. صدر الكتاب عن دار الفرجاني سنة 2012 وضمّ ثمانيةً وأربعين نصاً قصصياً كُتبت بين 2001 و2008 تستعيد تجربةً امتدت قرابة عشر سنواتٍ بين الحصان الأسود وسجن بوسليم.

يمثل "سجنيات" المسلك الأول في الكتابة السردية حول تجربة السجن في ليبيا. إذ يقدّم فيها مادةً سرديةً تستعيد التجربة بأشيائها الصغيرة وأنظمتها اليومية وبمفارقاتها القاسية التي تعرّي بنية السلطة والجلاد والعجز والأمل. ويظهر السجن فيها عالماً مكتمل التفاصيل، وتحوّله الكتابة إلى بناءٍ سرديٍّ ينظم الذاكرة بدلاً من أن تظلّ تجربةً قاسيةً عصيّةً على السرد. التكثيف والاقتصاد هنا هو أثرٌ مباشرٌ لما تعلّمه السجين تحت ضغط المكان، وقد تحوّل بعد التحرر إلى أسلوب كتابة.

يقدّم النص الافتتاحي "اللحم والأسمنت" نموذجاً مكثفاً لهذه البلاغة الصارمة التي صقلها السجن. يبدأ النص برجلٍ يقف سنواتٍ معتمداً بمرفقه على إفريز نافذة زنزانةٍ، فينشأ على مرفقه نتوءٌ، وتتكوّن في الإسمنت حفرةٌ صغيرة. هذه الصورة الجسدية تتحول بفعل الكتابة إلى مجازٍ يصنع فيه احتكاك اللحم بالإسمنت أثراً متبادلاً. إذ يسجل الجسد مقاومته على الحجر، والحجر يقدّم اعترافه الضئيل في هيئة تجويف.

في دراسةٍ أُلحقت بكتاب سجنيات في طبعته الصادرة عن دار الفرجاني، يأتي الشاعر الليبي محمد الفقيه صالح، وهو أحد رفاق الككلي في سنوات السجن، ليصف هذا العمل بأنه "كتابة عن السجن بعد انقضاء محنته"، تؤدي فيه الذاكرة دوراً محورياً وكاشفاً عن طبيعة المنظور الذي يشتغل به الككلي، والمبنيّ على أخذ مسافةٍ من التجربة بحدّ ذاتها لكي يكون البناء السردي فيه أكثر صفاءً. إنها نقطة نظامٍ ضروريةٌ تمكّن الكاتب من التعامل مع نصوص تجربته بشيءٍ من الكوميديا السوداء. بإمكاننا قراءة هذا في قصة "انزياح الخشية" مثلاً، حين تتحول لحظة النطق بالحكم المؤبد من مشهدٍ قاتمٍ تتسارع فيه دقّات القلب، إلى مشهدٍ كوميديٍ ما إن يرد الاسم ضمن المحكوم عليهم بالمؤبد. خرجت اللحظة من إطارها القضائي إلى مجالٍ آخر يخصّ الإنسان وهو يتعلّم ترويض الفاجعة.

تتكرر في النصوص مفارقاتٌ تكشف عن تعقيد العلاقة بين السجين والسجّان. ففي قصة "التكنوقراطي" يظهر جلادٌ يشارك، حين توقّف التعذيب، في توزيع الطعام واقتياد المرضى إلى طبيب السجن، ويؤدي مهمته بعنايةٍ باردةٍ جعلت بعض ضحاياه يصفونه بأنه يمارس التعذيب بضمير "تكنوقراطي"، أي بضمير إداريٍّ ذي كفاءةٍ عالية. وفي قصة "موضوع النقاش" يقطع أحد الحراس نقاشاً بين السجناء ليسألهم عمّا يقولون، فيردّ عليه أحدهم بجملةٍ تهكّميةٍ وملغزةٍ عن "انبجاسات الهيمنة السديمية"، فيرتبك الحارس مكتفياً بإخفاء حيرته خلف نبرةٍ آمرةٍ مقتضبة: "باهي، غير تناقشوا بالشوية". 

تتكشف عبر هذه المشاهد الحياة الداخلية التي صنعتها القراءة والنقاش والكتابة. ففي ظل القيد والعزلة، كان الزمن يقاس بما أُنجز داخل السجن من حوارٍ ومعرفةٍ ومحاولاتٍ مستمرةٍ للحفاظ على تماسك الذات. هكذا تحوّلت المعرفة إلى أداةٍ عمليةٍ لعبور زمن السجن ومقاومة ثقله. غير أن هذه السنوات، بكلّ ما راكمته من خبراتٍ وصداقاتٍ وذاكرةٍ مشتركةٍ، انتهت فجأةً في لحظةٍ سياسيةٍ علنيةٍ ستُعرف لاحقاً في الذاكرة الليبية بِاسم "أصبح الصبح".

في 3 مارس 1988، صعد معمر القذافي إلى أحد أبراج أسوار سجن أبوسليم، وألقى خطاباً أعلن فيه عن الإفراج عن عددٍ من سجناء الرأي. جاء الخطاب مرتجلاً كعادة القذافي، متشظّياً في منطقه وبدأه بإلقاء قصيدة "أصبح الصبح فلا السجن ولا السجان باقٍ" للشاعر السوداني محمد الفيتوري. تارةً يتساءل كيف تقوم السجون في زمن الحرية وتارةً يؤنّب السجناء على "فعلتهم"، من دون أن يحدّد ما هي تلك الفعلة. ومع مرور الأعوام، تحوّل الثالث من مارس إلى طقسٍ تلفزيونيٍ سنويٍ تُعاد فيه لقطات "احتفالات أصبح الصبح"، ويُعاد إنتاج مشهد العفو كما لو أنها عيدٌ وطني. 

كنتُ في منتصف التسعينيات في المرحلة الابتدائية حين سمعتُ بالحدث أول مرة. حدّثتنا معلمة "المجتمع الجماهيري"، وهو منهجٌ عقائديٌ يعلّم أدبيات الجماهيرية وتاريخها، كيف استيقظ القذافي ذات صباحٍ فقرّر العفو عن العملاء والخونة ومنحهم فرصةً أخرى. كانت الحكاية أخلاقيةً ومدرسيةً بسيطةً، فلم تتطرق المعلمة إلى ما كان يحدث في حينها. فبينما كان المفرج عنهم يُنتقون، بدأت أجهزة الأمن ومنها ما عُرف بمكافحة الزندقة، تنفيذ حملات اعتقالٍ واسعةٍ في مدن الشرق الليبي. استهدفت هذه الحملات مشتبهين بالانتماء إلى جماعاتٍ إسلاميةٍ مسلحةٍ، في سياق المواجهات التي شهدتها ليبيا منذ أواخر الثمانينيات وتفاقمت في منتصف التسعينيات، لينتهي المطاف بكثيرٍ منهم في سجن بوسليم، كما يوضح السنوسي بسيكري، مدير المركز الليبي للدراسات ورسم السياسات، في مقالتِه "ليبيا: تحديات الحكومة في مواجهة الجماعات المتشددة"، المنشورة سنة 2012. هكذا بدا الإفراج في أحد وجوهه إخلاءَ مساحاتٍ للسجناء الجُدد من أعداء المرحلة، واستقطاب أصواتٍ يساريةٍ كانت عدوّة الماضي في مواجهة العائدين من أفغانستان بعد الحرب ضد الاتحاد السوفييتي.

كان جماعة الأدباء والمثقفين من بين المفرج عنهم. يكتب عمر الككلي في "سجنيات" عن صباح الخروج: "صباح يوم خروجنا [. . .] سُمح لنا بالذهاب خارج أسوار السجن [داخل أسوار المعسكر]. وكان قد سمح لذوي المساجين بالدخول. تعرفت إلى أخ رفيق مسجون معي. فور أن تعرف عليّ احتضنني مجهشاً بنوبة بكاءٍ اختضّ لها جسده وتعالت عبراته. خامرني شكٌّ طفيفٌ بأنه على علمٍ بأن حدثاً سيئاً قد وقع لأسرتي، لكنني لم أسأله".

يستعيد جمعة بوكليب في "العدّ التنازلي من واحد إلى عشرة" اليوم ذاته بنبرةٍ أكثر مرارة. إذ يكتب: "في اليوم الأول لخروجك تدخن السجائر دون توقفٍ، وتحتسي فناجين القهوة دون عددٍ، وتقضي كل الليل مفتوح العينين غير مصدقٍ، لكنك في اليوم التالي تضطر للتصديق حينما، وبدون موعدٍ، يدخل عليك فريق تصويرٍ بكاميراتٍ محمولةٍ، وآلات تسجيلٍ، وببساطةٍ غير عاديةٍ، وببراءةٍ أقرب إلى الوقاحة، يطلبون منك أن تقف أمام الكاميرا محاطاً بأفراد عائلتك لتقدم شكرك الجزيل إلى من سجنوك عشر سنواتٍ دون جريرةٍ، فماذا تفعل؟".


تناولت القصتان تلك اللحظة بأسلوبٍ مكثفٍ وقصيرٍ وعلى مضضٍ وبمباشرةٍ بدت فيها اللحظة كما لو أنها منامٌ وصدمة. بيد أن منصور بوشناف، وهو أيضاً أحد المُفرج عنهم في "أصبح الصبح"، وجد في المواربة السردية براحاً عبر بطل روايته "سراب الليل"، والتي صدرت لاحقاً في طبعة دار الفرجاني بعنوان "تشيوينغ غم" بالإنجليزية سنة 2014 ومن ثم "العلكة" بالعربية سنة 2021. 

في "العلكة" يظهر مسلكٌ ثانٍ في كتابة تجربة السجن، وهو مسلكٌ يلتف حول الواقعة ولا يذكرها مباشرةً، بل يكتب آثارها بتمويهٍ رمزيٍ يجعل القيد يتحول إلى زمنٍ معلّقٍ وانتظارٍ يلتهم العمر، بينما يتولى المجتمع ابتكار طقوسه الصغيرة لتغطية الفراغ. في هذا المستوى تتراجع الواقعة السجنية من كونها حدثاً محدداً لتصبح بنيةً وجوديةً تتسرب في الشخوص والإيقاع والمجاز، كاشفةً أن السجن لا يحتاج دائماً إلى جدران كي يشتغل، وأن الخارج قد يرث من الداخل بنيته العميقة.

تدور "العلكة" حول شخصيتَيْ مختار وفاطمة، اللذَين يلتقيان في حديقةٍ عامةٍ بطرابلس أواخر السبعينيات من القرن الماضي. تبدو قصة الشخصيتين قصة حبٍّ بسيطةً، لكنها تتشظّى سريعاً داخل فضاءٍ مثقلٍ بالتحولات الاجتماعية التي شهدتها البلاد. يرتبط مختار على نحوٍ ملتبسٍ بتمثالٍ عارٍ محفوظٍ في متحف السرايا الحمراء وسط طرابلس، نحته أسيرٌ إيطاليٌّ في القرن التاسع عشر، ويصيب كلّ من يحدّق فيه بحالةٍ من الشغف المشلول. بالتوازي، تجتاح المجتمع ظاهرة "اللوك" أو مضغ العلكة، والتي تتحول إلى شغلٍ شاغلٍ للناس وإلى استعارةٍ لحياةٍ تُستهلك في التكرار. وبين الحديقة والمتحف وبين التمثال والعلكة، تتفكك الحبكة ويصبح السرد ذاته موضوعاً للرواية، إذ يعجز الراوي عن تثبيت "قصة" مكتملةٍ، فيما ينتهي الأمر بمختار هائماً في مدينةٍ تواصل مضغ زمنها.

يتخذ السجن في "العلكة" هيئة الزمن المتعطّل. يتحرك مختار داخل الرواية كما لو أنه كتلةٌ زمنيةٌ متجمدة. جسده مسمّرٌ وصوته يتلعثم ورغبته معلّقةٌ أمام تمثالٍ يحتفظ بابتسامةٍ أبدية. يصف السرد هذه الحالة حين يجعل البطل يقف في الحديقة "متسمّراً تحت الشجرة لعشر سنوات طوال"، معلّقاً داخل اللحظة التي ابتعدت فيها حبيبته. هذا التسمّر استعارةٌ زمنيةٌ تقارب تجربة السجن. وسنوات الاعتقال هي الزمن المعلّق. زمنٌ لا يحدث فيه الكثير لبطل الرواية، وإنما مع مرور الوقت يتحول هذا الانتظار إلى حالةٍ وجودية. فمختار لا يقف في الحديقة بانتظار حدثٍ محدّدٍ بقدر ما يعيش داخل زمنٍ متوقفٍ، يحاول أن يجمّد لحظةً بعينها ويمنعها من الانزلاق إلى الماضي. 

يبقى مختار حبيس الجغرافيا ولكن يتغيّر موقعه داخل سردية العالم من حوله. وبهذه الصورة يصبح التسمّر تمثيلاً مكثفاً لزمن الاعتقال، ويحضر الجسد ثابتاً يقابله زمنٌ يتدفق في الخارج بلا أثرٍ حقيقي. فالسجين يعرف أن الزمن يمضي في الخارج. تمرّ عليه السنوات ولكن تظل تجربته معلقةً بين لحظة الدخول، أو لحظة الفقد، وبين بدايةٍ لا تأتي. وهكذا يصبحُ البطل صورةً لجيلٍ خرج من الزنزانة ليجد نفسه داخل زمنٍ يدور ببطءٍ حول ذاته، واللحظة السياسية معلّقة. الحركة موجودةٌ، لكنها لا تنقل أحداً إلى موقعٍ آخر. ويتكرر هذا الفعل الحركي بلا أن يراكم أثراً. يعيش مختار الحاضر ويستقر دوماً في منطقة بين الرغبة والإنجاز.

تنشأ هنا بنيةٌ وجوديةٌ تقوم على التعليق، لتتشكل حالةٌ تشبه الوقوف عند بوابة السجن لحظة الدخول أو لحظة الإفراج أو كليهما. ويتشكل زمنٌ دائريٌ يضاعف الإحباط بدل أن يبدده. تأتي الثمانينيات لتكثف هذا الإيقاع بسبب الأزمة الاقتصادية التي رافقت تراجع أسعار النفط العالمية، وتعثُّر التجربة الاشتراكية التي فرضها النظام بعد إلغاء القطاع الخاص واحتكار الدولة النشاط الاقتصادي. وفي الخلفية تنشغل البلاد بظاهرة العلكة التي تحولت تدريجياً إلى طقسٍ اجتماعيٍ، حتى إن الناس بدؤوا "يستخرجون جوازات السفر ويشترون الدولار من السوق السوداء ويتزاحمون أمام مكاتب الخطوط الجوية للسفر من أجل العلكة".

يأخذنا النص إلى مستوىً ساخرٍ من التأويل الفكري حول العلكة. إذ إنها تتحول إلى موضوعٍ نظريٍ حين يعود أستاذ فلسفةٍ من فرنسا ليعلن لتلاميذه أن المضغ أزليٌّ ولا نهاية له، ويتخذ المضغ استعارةً زمنيةً صريحة. وبهذا المنظور أيضاً ينقسم النقاش الفلسفي داخل الرواية إلى تفسيرين متقابلين هما: "اليسار يرى أن الجنس البشري هو الأسنان والعلكة هي الزمن، واليمين يرى أن الوجود الإنساني هو العلكة والأبدية هي الأسنان والمضغ أزليٌّ ولا نهاية له". 

يضع النصّ صورتين متجاورتين للزمن. الأولى مختار وهو متسمّر في الحديقة، ثابتاً في مكانه يراقب لحظة ابتعاد فاطمة كأن الزمن توقف عندها. الثانية مجتمعٌ مشغولٌ بحركة مضغ العلكة التي لا تقل تكراراً. في الحالتين هناك حركةٌ، لكنها لا تقود لشيء. فالتسمّر يوقف الزمن عند لحظةٍ واحدةٍ، بينما المضغ يستهلكه في حركةٍ تتكرّر بلا نهاية. زمنٌ فرديٌّ متوقفٌ عند لحظة الفقد، وزمنٌ اجتماعيٌّ يتحرك باستمرارٍ لكنه لا يتقدم فعلاً. إنه ايقاعٌ قريبٌ من الزمن الذي اختبره السجين في سنوات الاعتقال.

داخل السجن كان بوشناف يتعلم الصبر والاقتصاد في الحركة وضبط الذات، وخارج السجن كانت العلكة تتحول إلى علامةٍ زمنيةٍ، وصارت لازمةً يومية. ففي مجتمعٍ تقلّصت فيه المبادرة السياسية وضُبط إيقاعه العامّ بدقةٍ أمنيةٍ، أخذ المضغ موقع الفعل ليغطي الفراغ السياسي الذي حدث. وتحولت من ثمّ إلى قلب الإيحاء السردي في الرواية، أي التمويه القائم على استبدال السجن من تجربةٍ تُروى مباشرةً، إلى مادةٍ تُستنزف ببطء.

يقول منصور بوشناف في حوارٍ على بودكاست "دا ميري" سنة 2023، إن أكثر ما كان يخشاه وهو يتهيأ للخروج من السجن، أن يكون المجتمع قد سبقه اثني عشر عاماً وأن يجد نفسه متأخراً عن زمنٍ مضى من دونه. غير أن الصدمة جاءت معاكسةً تماماً. لم يشعر بوشناف بأنه هو المتأخر، بل بأن الخارج هو الذي تراجع مئة عامٍ إلى الوراء. كان يتوقع أن يخرج ليجد حركةً فكريةً ونقاشاتٍ جديدةً، فإذا به يواجه فراغاً أشدّ قسوةً من الجدران التي تركها خلفه. وهذا من باب المفارقة المرّة، فالمكان الذي أُريد له أن يكون أداة تعطيلٍ، تحوّل إلى مدرسةٍ قاسيةٍ للقراءة والوعي، بينما بدا الخارج بكل صخبه وشعاراته أقلّ حيويةً مما كان يتخيّل.


يضعنا ختام "العلكة" أمام سجنٍ تمدّد خارج الجدران وصار إيقاعاً عاماً. في الخاتمة مجتمعٌ يمضغ أيامه، ومدينةٌ تدور حول رموزها، ورغبةٌ تتآكل في تكرارها. إنه تمويهٌ سرديٌ يلتف حول تجربة السجن وعيشه والخروج منه. بعد هذا التمويه الزمنيّ، تأتي رواية "نهارات لندنية" لجمعة بوكليب، الصادرة سنة 2021، لتسلك طريقاً مختلفاً. فبدلاً من حديقةٍ يتصلّب فيها الجسد، كما في العلكة، تمتلئ الرواية بالحركة الكثيفة والانتقالات اليومية وحضور القطارات والمحطات عبر مدينةٍ لا تتوقف. غير أن الحركة هنا تتحول إلى ما يشبه تقنية نجاةٍ وشكلاً من أشكال الهروب الذاتي. 

هنا يظهر مسلكٌ ثالثٌ في كتابة السجن الليبية، وهو مسلكٌ يمرّ عبر الابتعاد عنه في الجغرافيا والسرد معاً. يتحرك الراوي داخل لندن، مستعيناً بانتظامها وسككها الحديدية وتفاصيلها التي تمنح الذهن مادةً جاهزةً للانشغال، فيما تظلّ التجربة الأشدّ قسوةً حاضرةً في الظل، وتُدار من بعيد. تظهر التجربة السجنية في شذراتٍ متناثرةٍ، وفي الخوف من كلمة "سجن" نفسها كما يرد في إحدى رسائل الراوي إلى صديقه، وفي ميل النص إلى التقطيع وتقديم الحياة بجرعاتٍ صغيرة. هكذا لا يكون الهروب صمتاً، بل اختياراً للكلام الممكن. إذ يفضّل الراوي الحديث عن تفاصيل حياته اليومية في لندن، فيما تظهر تجربة السجن على هيئة إشاراتٍ متقطّعةٍ لا تروى كاملة. كأنه يتقدّم في الجغرافيا ليحافظ على مسافةٍ من لحظة الاعتراف.

تدور أحداث "نهارات لندنية" في العاصمة البريطانية لندن، حيث يقيم بوكليب منذ خروجه من السجن. تنقسم الرواية إلى أربعة عشر فصلاً تتابع تفاصيل حياة راويها اليومية بين العمل ولقاء الأصدقاء والتنقل في محطات المدينة ومحاولات رؤية أبنائه بعد انفصاله عن زوجته. تتخلل السرد حواراتٌ مع شخصياتٍ مهاجرةٍ حول مواضيع شتّى بين الغربة ومعنى الوطن والخوف من المستقبل. وتظهر فيها إشاراتٌ عابرةٌ إلى تجربة السجن وأحداثٍ سياسيةٍ من الذاكرة الليبية بلا أن تشكل محور الرواية.

وكما بُنيت فصول الرواية على إيقاع أربعة عشر نهاراً، تتكثف خواتيمها في السطر الأخير من كل فصلٍ بعباراتٍ مثل "حان موعد قلقي" و"بكى قلبي" و"تكلّم صمتي". يُفتح النهار على مشهدٍ أو لقاءٍ أو حديثٍ منفردٍ، وحين يُغلق تبقى فجوةٌ صغيرةٌ في نهاية كلّ فصلٍ تُلمّح إلى ما يضغط تحت السطح. وعبر هذا الشكل تتجسد مفارقة الهروب الدائم. 

يقدّم راوي بوكليب يومياته كمن يمشي باستمرارٍ ليظل بعيداً عن نقطةٍ واحدةٍ في داخله وهي تجربة السجن نفسها التي تبقى عصيةً على الكتابة المباشرة. ولندن في هذا السياق تمنح الراوي ذريعةً مقنعةً وفضاءً مريحاً للتمويه، فهي مدينةٌ "تفتقدها ولا تفتقدنا، ونحبها ولا تحب غير نفسها". هذا الشرط القاسي يتحول إلى جدارٍ واقٍ، فحين يتعب الإنسان من تبرير ألمه، تكفيه المدينة سبباً. فالغربة تشرح مزاجه والوحدة تشرح انكساره والنظام السريع يشرح ارتباكه. تبدو لندن قناعاً ناجحاً يُغطي سؤالاً أقدم من المنفى، وتقدّم سرديةً جاهزةً عن المغترب، بينما تتحرك التجربة السجنية في الخلفية كنبضٍ خفيّ.

حتى أسباب الألم التي يضعها الراوي في الواجهة كالطلاق، ورؤية الأبناء مرّةً في الأسبوع وفي العادة لا يراهم، والتناوب بين الفرح والمرارة، تُكتب بلغة تدريبٍ على الاحتمال وليس بلغة شكوى عابرة. يكتب جمعة مثلاً: "لم يكن أمامي من حلٍّ سوى تعلم امتصاص غضبي، على جرعاتٍ متفاوتة الحجم، وتعلّم العيش مع ما يمور في قلبي من مراراتٍ، وإحباطاتٍ، وأحزان". تكشف هذه العبارة عن حكمةٍ قاسيةٍ صقلتها تجربة السجن، ترتكز على ضبط النفس وتقنين الانفعال وتدبير الألم حتى لا ينفجر دفعةً واحدة. هكذا تُحيلنا هذه العبارة إلى حياة ما بعد الزنزانة أكثر مما تُحيل إلى طلاقٍ باردٍ في مدينةٍ باردة.

في الرواية يظهر كذلك صوت حسيبة، صديقة الراوي الجزائرية، والذي يمثّل حضورها اختباراً لفكرة الهروب. تضع حسيبة للمنفى تعريفاً قاسياً وتطالب الراوي بأن يدوس على قلبه ويواصل السير، وتطلق عبارتها الحاسمة أن "لا حنين إلا إلى المستقبل". وفي مقابل هذه الصلابة يعود الراوي مراراً إلى أسئلته عن الوطن والأهل والطفولة. وهنا يتشكل المشهد الحقيقي للهروب الذي مفاده أن القلب يلتفت إلى الوراء، والعقل يتظاهر بالمضيّ إلى الأمام. يترك هذا الحوار جرحاً مفتوحاً في وجدان الراوي، إذ يحوّل الحنين إلى معركةٍ داخليةٍ تتجدد مع كلّ لقاء. 

ومن هذا التوتر ينبثق حضور السجن حضوراً غير مباشرٍ، فالسجن يعلّم المرء سُبل النجاة كما يعلّمه كيف يخسر شيئاً من حريته الداخلية لمواصلة السير. ففي فصلٍ يستعيد فيه الراوي يوماً مؤلماً في عيادة سجن الحصان الأسود، يمدّد جسده على الكرسي الطبي الضخم في العيادة الكئيبة التي يديرها طبيبٌ باكستانيٌ خائفٌ، يقف إلى جواره رئيس عرفاء في الشرطة العسكرية أطلق عليه السجناء اسم "جون وين" بسبب وقفته الغريبة الشبيهة بوقفة رعاة البقر. يشكو الراوي ألماً شديداً في ضرسه، فيفحصه الطبيب ويهمس بضرورة خلعه سريعاً، لكن الضابط يرفض الأمر بحدّةٍ ويأمر بإعطائه مسكّناتٍ فقط. يتراجع الطبيب بخطواتٍ منكسرةٍ نحو الطاولة، يفرغ بعض الأقراص من زجاجةٍ بيضاء صغيرةٍ ويسلّمها للسجين. يضعها الراوي في جيبه ويغادر العيادة بصمتٍ، فيما يتبعه الحارس كظل.

ثم تأتي الحكاية التي تكشف عن بنية الهروب بدقةٍ أكبر. فالراوي يريد كتابة روايةٍ عن زوجةٍ تقتل زوجها، فيسأل الآخرين عن إمكانية إنجاز عمله الروائي الأول، ثم يتراجع إلى اليوميات والصداقات والقطارات. هنا تصبح نهارات لندنية روايةً عن العجز عن كتابة الرواية، وتأجيل الكتابة الكبيرة عبر كتابةٍ أصغر وأكثر أماناً وأقلّ مواجهة. الهروب لا يعني الصمت بالتأكيد، لكنه قد يعني اختيار مادةٍ يمكن البوح بها بدلاً من المادة التي تجرح المتكلم.

من داخل هذا الاقتصاد السردي تظهر شذراتٌ من تاريخ الراوي ومن تاريخ ليبيا أيضاً. فيتحدث الراوي عن رجال الأمن ونواة اللجان الثورية الأولى عندما اقتحموا الجامعات في السابع من أبريل سنة 1976، ويحكي أيضاً أثر العنف السياسي الذي يطارد بعض الشخصيات حتى خارج البلاد، وحكاية المرأة الليبية التي تهرب بأبنائها وتواجه محاولات إعادتها بمنطقٍ عمليٍّ قاطع. تمنح هذه الشذرات الهروب معنىً مزدوجاً، ليكون هروباً من بلدٍ ينهك أهله، ومن تجربةٍ شخصيةٍ تهشّم صاحبها. 

عند هذا التقاطع تحديداً يثبت السجن حضوره دون مشاهد مباشرة. لهذا تصل خاتمة الرواية إلى عبارتها المكثفة "تكلّم صمتي". العبارة لا تعلن اعترافاً كاملاً، ولا تفتح أرشيف التجربة على مصراعيه، لكنها تمنح القارئ مفتاح النص. فإذا جعل بوشناف في "العلكة" من السجن زمناً عاماً يمضغه الجميع، فقد حوّله بوكليب في نهارات لندنية ظلاً شخصياً يحرّك الراوي من الداخل. فهو يمشي ويحاور ويتساءل كثيراً، ويغرق دوماً في أحزانه ويأتلف في الوقت نفسه مع وحدته، بينما يترك التجربة القاسية في مركزٍ غامضٍ يفرض حضوره عبر الحزن وعبر مشروع روايةٍ يؤجَّل.


تبدو التجربة الأدبية الليبية مع السجن وكأنها تتبلور عبر ثلاثة مسالك، تتفاوت في درجة المواجهة، لكنّها تتقاطع في إعادة تعريف معنى الكتابة بعد الخروج، ومعنى الكتابة في أعقاب الصدمة. لا تمثل هذه المسالك تصنيفاتٍ نقديةً جامدةً بقدر ما تمثل طرق نجاة. إذ يعثر كل كاتبٍ على زاويته كي يمرّ من التجربة إلى اللغة دون أن يتحطم، أو كي يترك أثر التحطم داخل شكل الكتابة.

ما يجمع هذه المسالك الثلاثة حقيقة أن السجن تحول إلى أثرٍ في الحساسية اللغوية، وفي علاقة الكاتب بالحكاية التي يرويها. وربما لهذا ظهرت الكتابة عن السجن في ليبيا متأخرةً ومكثّفةً في الوقت نفسه، نتيجة تاريخٍ طويلٍ عطّل الأصوات وأجّل نشرها، ثم سمح لها لاحقاً أن تظهر دفعةً واحدةً، حاملةً اختلافاتها بقدر ما تحمل جذرها المشترك.

اشترك في نشرتنا البريدية